لماذا يهتزّ (الوجدان العربي) بعد كل حادث غريب أو عنيف، ثم يخمد؟

كلما سادت المنطقة العربية فترة من الهدوء تسمح بإلتقاط الأنفاس والتفكير بوضوح، أرعدت السماء، فجأةً، فوق الرؤوس، ومزق الأجواء حدث ما، دائماً يأتي غريباً وذا طابع عنيف، ينجح في قلب المعادلات وتدمير المساعي المتجهة بخطوات متأنية نحو أهدافها، وينجح، قبل كل شيء، في أعادة الفوضى السياسية إلى المنطقة بعد أن يهزّ (الوجدان العربي) من جديد، كما لو أن قوة كونية غامضة لا تريد للمجتمعات العربية أن تجد لحظة من الصفاء في تاريخها الحديث!

ليس من الإنصاف القول إن المنطقة العربية وحدها من يعاني المشاكل، إقتصادية كانت أو سياسية، وحتى قومية، لأن حوالي 35 بالمائة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تواجه مشاكل داخلية أو حدودية، بعضها مستعصٍ على الحلّ وغالباً ينفجر على شكل حروب أو إضطرابات خطيرة، لكن لماذا يهتزّ الوجدان العربي إثر كل حادث غير متوقع؟ وهل هو فعلاً يتعرض للإهتزاز كلما انفجرت الأحداث بشكل مباغت؟

إذا أخذنا المفهوم البسيط للوجدان كـ: "عاطفة خاصة" وليس كـ: "قوى باطنة للنفس" كما يفسره (المنجد) فإن الوجدان العربي، ونتيجة تعبئة ثقافية ونفسية خاطئة، أصبح عنصراً هشاً في التركيبة العامة للإنسان العربي. فهو (الوجدان العربي) سريع الفوران، يميل إلى الإرتباك في اللحظات الحرجة، ويصاب بالتشوّش بعد إنتهائها، لذلك تريحه التفسيرات العامة فيستسلم لها، ويقبل ما تردده الجموع إلى أن يمّحي فيها كرأي ومشاعر، وفي النهاية يجد نفسه جزءاً من هياج عام لا يرى فائدة في معارضته، أو التفكير بعيداً عنه. وقد نجحت التعبئة الحزبية طوال العقود الأربعة الماضية في تشكيل هذا الوجدان المضطرب، ثم توظيفه في خدمة شعاراتها وسياساتها، وجميعها سياسات إنقلابية صريحة، يدعمها فكر تسلطي وقح في إدعائه عدم مجاراة الآخر له في التمييز بين الخطأ والصواب.

هناك ظاهرتان تمثلان ما يشبه القاعدة في منهج التفكير لدى الأحزاب العربية الحالية، الظاهرة الأولى: إنها تعمل على ضوء برامج سياسية تعود في جوهرها وشعاراتها إلى فترة الإستقلال، رغم أن جميع الدول العربية حصلت على إستقلالها بعد 196000. السبب إن شعارات تلك الفترة (وهي في الواقع شعار واحد تصبّ فيه كل الأفكار والتفسيرات) تخدم نزعتها الإنقلابية لكن غير الإتلافية.

الظاهرة الثانية: إن هذه الأحزاب تستعلي على الدور المهني والإجتماعي الذي تقوم به الاحزاب عادةً في البلدان الاخرى المستقلة، أي الدفاع عن المصالح المهنية والمعيشية للفرد وتحسين أوضاعه الصحية، فهي تربط تحقيق هذا بإستيلائها على السلطة وليس قبل ذلك، علماً بأنها موجودة وتعمل في ظل قوانين برلمانية.

لن نتوقف طويلاً أمام الوعود والشعارات المؤجلة دائماً باسم شعار واحد كبير، لأن قفص الأحزاب العربية ملئ بالجرذان السمينة، التي تحولت منذ اليوم الأول لإستيلائها على السلطة إلى أنظمة دكتاتورية، لا تسمح للمرء أن يتنفس بحرية، خوفاً من أن تحمل أنفاسه بعض الشكوى، أو التذكير بالوعود القديمة! لكننا سنلقي نظرة على التشويه الذي خلّفه العمل الحزبي العربي على وجدان الناس.

بسبب طموحها الإنقلابي المباشر، لجأت الأحزاب العربية إلى التضليل في عملها الإعلامي التثقيفي، وبدل التحليل السياسي الذي يعتمد المقارنة، اعتمدت البلاغة اللغوية، لأن الأول (عقلي) يؤدي إلى مقتلها، بينما الثاني عاطفي يحقق الإثارة ويربي المشاعر على الهياج. وبالطبع لم تقتصر الأحزاب العربية في عملها التثقيفي على البيانات وحدها، إنما إمتد ليشمل صحف ومجلات خاصة بها، وتجمعات تتسلل إلى النشاطات الثقافية العامة، مسرح وفنون تشكيلية وندوات، إضافة إلى التغلغل في وسائل الإعلام المستقلة من خلال أفراد يتحدثون لغة الديمقراطية والعدالة ويدسون خفية أفكار الحزب أو دعاواه ونشاطاته التي تبدو بريئة في مظهرها، لكن هدفها الحقيقي تصيّد الأفراد وتحويلهم إلى مسوخ بشرية مستعدة للصراخ، أو الموت، حالما يطلب الحزب ذلك..

إن الإعتماد على قضايا كبيرة، يعني السماح للحزب الإنقلابي بالدوران حول طاحونة سريعة، تخلط المشاعر الفردية في مزيج عاطفي واحد، إنفعالي، بدون معالم، مأخوذ بفكرة واحدة، وطريق واحد لتحقيقها، هو الآخر بلا معالم واضحة، مع ذلك ينظر كل عنصر في هذا المزيج العاطفي بكراهية إلى كل محاولة لمناقشة واقعية ذلك الطريق، أو صدق القائلين به!

ولأن الإنفعال العام لا يخدم هدفاً مخططاً له، كونه يشتعل كرد فعل لحدث كبير ثم ينطفئ بعد مروره، إعتمدت الأحزاب العربية ثلاث قضايا ذات أثر نفسي كبير على المشاعر العامة للتسلل من خلالها إلى السلطة، هي: قضية الوحدة، قضية فلسطين، وقضية الإشتراكية. وقد برهنت الأيام والسنين الطويلة أن كل الأحزاب التي انهبت السلطة باسم واحدة من هذه القضايا، تنصلت عنها وإنشغلت بدلاً عن ذلك في إحكام سيطرتها على الحكم، مستهدفةً في نشاط يومي محموم أجمل ما حققه الإنسان في تاريخه الحديث، وهي الديمقراطية التي تضمن لللمواطق الحق في التفكير والتعبير عن رأيه من دون خوف ولا تهديد.

وإذا اعتبرنا، مجازاً، أن قيام دولة اسرائيل تمثل أبرز جرح في المشاعر العربية العامة، فإن القضية الفلسطينية ذاتها أصبحت أكبر مشجب يعلّق عليه الضباط بزاتهم العسكرية، والسياسيون الجدد عمائمهم الدينية للوصول إلى السلطة، مما يكشف خللاً جسيماً في الوجدان العربي، المشوش والمضطرِب، الذي أظهر عجزاً ملموساً عن التفكير بهدوء وعمق أثناء العواصف التي تنجح المرة تلو الأخرى في استغفاله.

وقد يتساءل البعض: لماذا يمثل قيام اسرائيل جرحاً (مجازياً) في الوجدان العربي؟

إنه في الحقيقة كذلك، إلى أن يمتلك الوجدان العربي القدرة على التمييز الصحيح بين ما يراد له، أو يراد منه، لأن جميع الفئات والأحزاب التي حققت هدفها المضمر في الوصول إلى السلطة تحت شعار تحرير فلسطين، لم تحرر اصبعاً واحداً من أرض فلسطين رغم مرور عشرات السنين على وجودها عملياً في السلطة، مع ذلك يتعرض الوجدان العربي للإهتزاز، وأحياناً إلى الإغماء، كلما رفع حزب جديد، أو شخص ما، شعار تحرير فلسطين، ولو بطريقة مقلوبة، أو وحشية، للعبور من خلاله إلى السلطة!