تقديم:

تتعرض المقالات التي ترسل إلى الصحف لعملية تحرير، وهذه الطريقة متبعة في الصحف العربية والغربية على حد سواء، وتدخل في عملية التحرير عوامل كثيرة أبرزها (في الصحف الغربية) مرور النص على مختصين، واختيار وقت النشر ومراجعة لغته وحذف الأفكار البعيدة عن الموضوع الرئيسي وتقدير قيمته الفكرية أو الثقافية. وفي (الصحف العربية) تنحصر هموم التحرير في حجم النص وتشذيب الإشارات التي يعتبرها المحرر مسيئة إلى جهة ما قد تكون لها سلطة منع الجريدة من دخول بلد ما، والتصرف بالعنوان بحيث يتعرض إلى تغيير كبير ينجح أحياناً في تلخيص فكرة الموضوع وقد لا ينجح في أحيان أخرى، ونتيجة ضغط المكان أيضاً يلجأ المحرر العربي إلى حذف المصادر التي ينظر إليها المحرر الغربي بحرص كبير لتأكيد أمانة الكاتب وعدم سطوه على أفكار وجهود آخرين.

لهذه الأسباب يشعر عدد كبير من الكتّاب أن الحيـز الذي يقدم لموضوعه لا يتناسب مع أهميته بقدر ما يلبي حاجة الصفحة إلى حشر المزيد من المواد فيها، وقد يكون الكاتب على حق، وربما لا يكون كذلك، إلاّ أن الانترنت قدم فرصة ممتازة للكتّأب لنشر نصوصهم الكاملة لكي يطلع القارئ على جميع الإفكار الواردة فيها ثم يترك له وللمختصين الحكم على أهميتها، ولهذا السبب، أعني الإختلاف في طريقة التحرير بين الغربيين والمحررين العرب، ووجود فرصة تقنية لإعادة نشر النص كاملاً، أدخلت الكثير من نصوصي النقدية أو الأدبية بمضمونها الكامل.

 

السيرة الذاتية للنفط العربي

العرب ظلموه، والدول المصدرة تتعرض لحرب أعصاب

يومية لتحفيض أسعاره، والمواطن مضلّل بشأنه

مهما قيل، وسيقال عن البترول العربي، فإن هذا المصدرالثمين للطاقة ساعد العرب على تجنب حالة يمكن أن تكون بائسة من التخلف الإقتصادي والسياسي والإجتماعي.

ومهما كانت الثروة، عندما تهبط فجأة على البشر، تفسد الضعيف منهم وتعزز شخصية القوى، وهذا ينطبق على الحكومات أيضاً، إلاّ أن النفط بشكل عام ظل أحد أهم أسباب قوة العرب في العصر الحالي.

ومهما تشكى شخص ما أنه حُرم من أموال النفط التي تمتع بها غيره، فإن خيرات النفط قد إنعكست، بهذا الشكل أو ذاك، على الكثير من مظاهر حياته وحياة أبنائه من دون أن ينتبه إلى ذلك.

وعمّا اشيع من أفكار خرافية عن أموال البترول العربي الطائلة، ففي عام (2000) بلغت قيمة مبيعات المملكة العربية السعودية من البترول، وهي أكبر الدول العربية المصدرة، حوالي  (58.560 مليار دولار أمريكي – قبل حسم تكاليف الإستخراج والشحن) بينما تقدر أرباح شركة بريتش بيتروليوم (BP) التي تبيع النفط للمستهلكين في إنكلترا  بـ 1.3 مليون باوند استرليني في الساعة الواحدة (حوالي 16.474مليار دولار في السنة)! وهي واحدة من ثلاث شركات (Esso Shell BP ).

 وأخيراً، إذا قال أعداء العرب، أو أشد الحريصين على قضاياهم القومية والمصيرية والنهضوية كلاماً عن النفط، فلا تصدقه بسرعة، لأن ما يرد من كلام عن النفط يشبه أسلوب الأنابيب التي تنقل هذه المادة، جزء قليل منها مكشوف للعيان، والجزء الأكبر مدفون تحت الأرض ومياه المحيطات. وقد عرفتُ أشخاصاً كتبوا بغضب يقطع الفؤاد عن ضياع ثروات النفط في أمور لا تخدم مشاكل العرب الملحة، ثم هدأت ثائرتهم ما إن استسلموا وظائف متميزة في مؤسسات إعلامية عربية، أغلبها خليجي المنشأ، تبتلع في إنفاقها السنوي آلاف الأطنان من البترول الخام، وهؤلاء وصفوا مرحلة العرب النفطية بـ (الزمن الردئ) لكنهم لم يسمحوا لأحد من بعد باستخدام هذه العبارة في المؤسسات التي ثبتوا مراكزهم فيها! وجميع الذين ذرفت مقالاتهم الدموع على مصائب العرب وقضاياهم الكبرى، لم يتبرعوا طوال حياتهم بنصف راتب شهري لتلك المصائب والقضايا!

المعروف أن أول شحنة من النفط العربي خرجت إلى العالم كانت من العراق سنة 1934، وبعد خمسة أعوام بدأ ميناء راس تنوير في المملكة العربية السعودية يصدر النفط إلى العالم، ثم تبعت السعودية دول الخليج الواحدة بعد الأخرى. ويمثل النفط العربي 77 % من احتياط العالم. ومن الغرائب التي رافقت اكتشافه وتصديره، إن باربيكيان (متجنس بريطاني من أصل أرمني) هو الذي توسط بين الحكومة العراقية وشركة البترول البريطانية على إبرام اتفاقية استخراج وتصدير النفط العراقي، وتلقى مقابل جهوده (المشكورة) نسبة 5 % من كمية الصادرات، وقد أطلق عليه العراقيون لقب (مستر خمسة بالمائة). وحتى عام 1958 أصبح من أكبر أثرياء العالم، بينما تولى الألمان عمليات التنقيب عن النفط في الصحراء السعودية، إلاّ أن إنفعالات هتلر القومية التي حملته على إنتهاج سياسة عدوانية لإقامة إمبراطورية جرمانية في أوربا، جعلت السعودية، وبلفتة غريبة، تبحث بين الشركات الإنكليزية ثم الأمريكية عمن يتولى عمليات التنقيب وإستخراج وتصدير نفطها إلى العالم، فتجنبت المصير الذي إنتهى إليه الرايخ الثالث وحلفاؤه والبلدان التي اعتبرها هتلر حيوية لمشروعه الإنتحاري. وفي عام 1933 تأسست الشركة العربية الأمريكية للنفط (ارامكو) التي تحولت في 1988 إلى شركة وطنية سعودية (ارامكو السعودية).

سمح اكتشاف البترول للدول العربية بتخصيص ودائع مصرفية كبيرة لبرامج التطوير في مجالات التنمية الصناعية والاقتصادية والتعليم وتحسين الخدمات في المدن، وخصصت الدول النفطية الغنية مساعدات مالية للعرب الذين لا يملكون مصادر طبيعية، تتيح لهم تطوير جوانب مهمة من أوضاعهم، واعتمدت حروب العرب مع اسرائيل على الدعم المالي والسياسي الذي قدمته دول البترول، ونالت المغامرات العسكرية التي قام بها بعض الحكام العرب نصيبها من هذا الدعم أيضاً، ويعتمد عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية على مساعدات الدول النفطية لمواصلة نشاطها مثل الجامعة العربية واليونسكو والاونسكو، ويذكر الدكتور جميل طاهر ممثل منظمة الدول العربية للبترول (اوابك) أن الدول العربية قدمت منذ 1975 حتى الآن قروضاً بلغت 18 مليار دولار للمشروعات البترولية التي تقوم بها الشركة العربية للإستثمارات البترولية (أبيكوب). وتتزود الدول العربية التي لا تملك النفط بكميات الوقود التي تحتاجها من الدول النفطية بأسعار رخيصة، قد لا تُسدد على الاطلاق. ولا يكاد يمر اجتماع قمة للرؤوساء العرب من دون تقديم مشاريع تنموية ونضالية على الدول النفطية، يحظى عدد كبير منها بالموافقة، سراً أو علناً.

ومن خارج المنطقة العربية يتلقى عدد من الدول الفقيرة قروضاً ميسّرة لمساعدتها في مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من (صندوق الاوبك للتنمية الدولية، تأسس 1976). وفي الحوادث المأساوية كثيراً ما يلجأ الضحايا إلى نفس الدول لتضميد جراحهم والعودة إلى حياتهم العادية من جديد.

مع ذلك، لا يمكن استبعاد وجود التقصير والأخطاء في هذا المجال أو ذاك من قبل الدول العربية الغنية، ولا إنكار تبديد كميات من الأموال على مشاريع إنتهت بالفشل، وكلاهما، التقصير والفشل، وراءهما ثلاثة أسباب.

الأول: إن المجتمعات العربية ذاتها ما زالت تعاني من التخلف، وتنقصها المهارة الفنية التي يتطلب نضجها وإنتشارها بين الأفراد وقتاً وإستقراراً طويلين.

الثاني: الخلافات التي تعصف موسمياً بالعلاقات بين العرب.

الثالث: ليس كل العرب، أفراداً وحكومات، في مستوى واحد من الوعي الراكز لطبيعة المشاكل وأسلوب معالجتها، ولا هم جميعاً بنفس المستوى من الاخلاص ونكران الذات عندما تتطلب القضايا الكبرى التعاون وتوحيد الصف. وفي هذا المجال اشتهر من بين العرب مسؤولون غرقوا في الأخطاء، وغرق من حولهم بالكوارث والبؤس، من غير أن يبتعد وعيهم وأنظارهم عن موقع المسؤولية الذي وصلوا إليه عن حق أو عن باطل.

الآن، وقد عرفنا، ولو جزئياً، ماذا يريد العرب من نفطهم، لنبحث عما وراء الشكاوى البريطانية والأمريكية عن الخوف من ارتفاع أسعار النفط! فالدولتان مصدرتان للنفط أيضاً، إلاّ أنهما تتبعان سياسة تقضي بشراء النفط وتخزينه في مستودعات استراتيجية، ثم بيعه على المستهلكين في الداخل بأسعار غالية، لضخ الأموال في ميزانيتيهما التي تصل آلاف المليارات من الدولارات!

تتكون منظمة (اوبك) التي تتخذ من فيينا مقراً لها من أحد عشر عضواً، اندونيسيا وإيران وفنـزويلا وبقية الأعضاء من العرب. وكانت (اوبك) قد تشكلت عام 1960 بمبادرة من دولة الكويت، بهدف كسر تحكم الشركات في أسعار النفط، وتنسيق السياسات النفطية للدول الأعضاء لضمان استقرار الأسعار في الأسواق العالمية، ويمثل استقرار الأسعار مطلباً حيوياً للزبائن الذين يشترون النفط، وأغلبهم دول صناعية كبيرة تخشى، أو تدعي أنها تخشى، أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى بطء النمو الاقتصادي العالمي.

وتبدو أسعار البترول لغير المختصين بأموره أشبه بقرود (الجابون) في سومطرة، تتقافز بسرعة 45 ميلاً في الساعة بين الأغصان العليا للأشجار، بينما عيناها شاخصتان دائماً إلى الأعلى، خوفاً من نسور (الكوماكا) التي تلتذ بلحمها أيما إلتذاذ.

على سبيل المثال، بعد 11 سبتمبر، ارتفعت أسعار البترول فجأة خلال الأيام التي أعقبت حادث نيويورك، لكنها عادت لتنخفض بعد تراجع الطلب العالمي نتيجة توقف حركة الطيران التجارية في أمريكا وأوربا، وقيام روسيا بزيادة سريعة في إنتاجها.

في 24 سبتمبر إنخفضت الأسعار فجأة إلى أدنى مستوياتها، فبلغ سعر البرميل الخام 3.47 دولار من خارج (اوبك) وظلت (اوبك) تصارع للحفاظ على سعر 15 دولاراً للبرميل.

وفي 4 نوفمبر بعد الإنفجار الإنتحاري في القدس، عادت أسعار النفط العربي وحده إلى الهبوط عن المستوى المعتاد، لأن المستهلكين حولوا بعض عقودهم نحو شركات من مناطق أخرى، خوفاً من عدم ضمان وصول البترول العربي إلى الخزانات الاستراتيجية، في حال إنجرار الدول المصدرة للنفط في الصراع العربي – الاسرائيلي.

لكن النقطة الأشد إرباكاً في موضوع النفط العربي، إن الطائرات الأمريكية والإنكليزية عندما بدأت قصف معسكرات طالبان في أفغانستان، طالب المسؤولون في الدولتين منظمة (اوبك) والأعضاء العرب بشكل خاص، برفع إنتاجها من البترول لتنخفض الأسعار إلى أدنى حد ممكن ليواصل النمو الأقتصادي العالمي وتيرته!

لا شك أن وراء هذه الألعاب حسابات مالية دقيقة، وتعهدات قانونية وأخلاقية بين باعة النفط وزبائنهم. وفي حالة الطاقة، كلما إزدادت قوة الزبون الصناعية والشرائية، إزدادت حقوقه على البائع. إذا أضفنا إلى هذا العوامل الأمنية التي تضمن للبائع استمرار منشآته البترولية في العمل ومن ثَم تدفق نفطه، إتضحت أمامنا الصورة الكاملة لحرب الأعصاب اليومية التي تخوضها الدول الأعضاء في (اوبك) للدفاع عن نصيبها العادل من الأرباح عن ثروتها الطبيعية. وجميع هذه الـدول متورطة في مشاريع تنمية كبيرة ما زالت بحاجة إلى الدعم الحكومي، عدا إلتزاماتها القومية والدولية التي ذكرنا جزءاً منها. وبما أن (اوبك) تضم إلى جانب الدول العربية دولاً أخرى قريبة وبعيدة عن المنطقة، كبيرة في وزنها السياسي أو النفطي، وحتى العسكري، يصبح أي إتهام للحكومات العربية النفطية، كلها أو بعضها، بخضوعها لسياسات أمريكا والغرب ساذجاً، وسمجاً، إذا حق لي الوصف الدقيق!

ولنعد الآن إلى ما وراء قلق أمريكا وإنكلترا من خطر إرتفاع الأسعار على النمو الاقتصادي العالمي. فواشنطن تريد من زيادة كميات النفط في الأسواق العالمية تخزين كميات كبيرة منه باسعار منخفضة، ثم محلياً باسعار مرتفعة نسبياً، لتسديد نفقات الحرب على الارهاب في افغانستان. أما إنكلترا، فقد سارعت حكومة العمال قبل غيرها للإشتراك في هذه الحرب بعدد محدود من الطيران والقوات البرية، بهدف استغلال حرب أمريكا على الارهاب لضخ بلايين الدولارات في خزانتها. ولا أستبعد أن السعودية حين رفضت استقبال السيد توني بلير في المرة الأولى، وعلى أي مستوى رسمي، أرادت إفهام رئيس حكومة العمال أن السعوديون يفهمون ما وراء حماسه، الذي فاق حماس الرئيس الامريكي عشرة أضعاف، للرد على الارهاب بعمل عسكري! لذلك ستكون الزيارة مضيعة لوقت الجانبين!

والحكومة السعودية، ومثلها المصرية والأردنية والجزائرية، تعرف أن الأراضي البريطانية، وبشكل خاص في عهد حكومة العمال الحالية، تأوي أكبر عدد من الأصوليين العرب المتهمين بنشاطات إرهابية بينها القتل الجماعي والتفجيرات وتنظيم جماعات إنتحارية، رفضت لندن تسليمهم إلى الدول التي مارسوا فيها الارهاب على الرغم من ملاحقة هذا الطلب منذ أكثر من عشر سنوات. وهي بدلاً عن ذلك تخصص لهم رواتب ورعاية صحية وتزودهم بوثائق سفر بريطانية، وظلوا منذ دخولهم إنكلترا إلى هذا اليوم يمارسون نشاطاً سياسياً علنياً بغطاء ديني. وحسب ما ذكرته محطات التلفزيون الأمريكية والإنكليزية فإن جميع الذين نفذوا أو ساهموا في تفجير بنايتي التجارة في نيويورك أقاموا، أو مروا لعدة مرات بلندن ومدن بريطانية أخرى.

وقبل شهر بدأ وزير الداخلية البريطاني السيد (بلانكت) الحديث عن قوانين مشددة ضد الإرهاب، تعتقد كل الصحف أنها تستهدف الإيرلنديين بالدرجة الأولى، لأن لندن، منذ 11 سبتمبر الماضي،لم تعتقل أو تستجوب اصولياً واحداً في إنكلترا، إلا بعد تلقي طلب رسمي من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، إذ يبدو أن حكومة العمال ظلت حريصة على سلامة خرافها!

وقد أطلقت الصحف الفرنسية، وهي تتابع بدهشة سفرات رئيس الحكومة البريطانية الكثيرة لجمع الحلفاء ضد الإرهاب، التي جعلت الأوربيين الآخرين يبدون غير مكترثين بأحزان أمريكا، أطلقت على بريطانيا اسم (بريتانستان) لمعرفة الفرنسييين أن لندن المدينة الأولى، بعد برلين، في عدد الإرهابيين الأصوليين المقيمين فيها! وتخشى جميع الصحف والسياسيين الإنكليز أن قانون التشدد مع الإرهاب الذي سعى وزير الداخلية السيد بلانكت إلى تمريره في البرلمان، يستهدف الإيرلنديين وليس الأصوليين!

ولكي لا يبقى كلامنا عن جشع الخزانة البريطانية في دائرة الظنون، نورد الحقائق التالية، إعتماداً على المصادر الإنكليزية:

كلما تحدثت محطات التفزيون في إنكلترا عن الضرائب، تعيد لقطة فيدو طريفة، يظهر فيها رئيس الحكومة السيد بلير وهو يرد على استجوابات النواب عن تصاعد الضرائب التي أنهكت المواطن البريطاني بالقول: "كلما دخل المال إلى الخزانة يريدون أن يخرج منها!".

تصدر المملكة البريطانية المتحدة 3 % من إنتاج النفط العالمي. غير أنها تشتري كميات ضخمة من السوق العالمية بسعر 17 بنس للتر الواحد، تبيع الديزل منه على المستهلك المحلي بعد الضريبة وتكاليف التصفية والنقل بـ 50 بنساً، والسوبر بـ 84 بنساً للتر الواحد (أعلى الأسعار في كل أوربا بإستثناء النرويج) بحيث دخل ميزانيتها من ضرائب البترول عام 2000 ما يعـادل 39 مليار جنيه استرليني (57.4 مليار دولار). أي ما يساوي مبيعات المملكة السعودية لنفس الفترة!

على ضوء هذه الأرقام، هل كان هدف الحكومة البريطانية من إنخراطها مع أمريكا في حرب طالبان القضاء على الإرهاب بالدرجة الأولى!

تعتمد قوة الجنيه الاسترليني، الذي يتعذب المواطنون البريطانيون من أسباب قوته، على الضرائب المحلية والإستثمارات المالية الأجنبية، بعد أن هربت مصانع السيارات الإنكليزية واليابانية ومصانع أخرى للالكترونيات إلى دول أوربا الأخرى بسبب إنخفاظ المبيعات نتيجة إرتفاع سعر الجنيه. وتسعى حكومة العمال إلى فرض زعامتها على الإتحاد الأوربي واليورو برفع أدائها المالي إلى مستوى أداء أعضاء الإتحاد مجتمعين، فيدفع المواطنون في انكلترا ثمناً فادحاً لهذه السياسة القائمة على الشغب أكثر من قيامها على معطيات الواقع.

      من ذلك: تمثل الخدمات الصحية والمواصلات وصيانة الطرق والتعليم ومشاريع السكن أردأ المستويات في أوربا، وتكتب الصحف الإنكليزية يومياً عن تدهور الخدمات، والمصاعب المعيشية، والأمراض المعدية التي تصيب المواشي وتنتقل إلى البشر!

وتقول نشرة (سي سيرج/ بيزنس/فيول/بيتروبرايسيورب)* التي استقينا منها المعلومات السابقة: "من بين الـ 39 مليار التي دخلت الخزانة البريطانية عام 2000 لم يذهب إلى الخدمات غير 6 مليار فقط". ويتسائل السياسيون والناس بمرارة، أين ذهب المبلغ الباقي؟ لكنهم لا يحصلون من رئيس الحكومة (البشوش) غير رده المستغرب ذاته: "كلما دخل مبلغ إلى الخزانة، يريدون أن يخرج منها!".

ويتنبأ الكاتب الصحفي المعروف اليكساندر جانسلر في ملحق الغارديان الأسبوعي (ويك اند) للمملكة المتحدة بالإنضمام إلى صفوف الدول النامية خلال بضعة عقود، إذا استمر تدهور الخدمات بهذه المعدلات.

في بداية العام الحالي، ضاق المزارعون الإنكليز ذرعاً بتلاعب حكومتهم بأسعار النفط، حين ارتفعت الأسعار 7% عندما انخفضت أسعار (اوبك) 2%، فتركوا مزارعهم، التي لم يعد إنتاجها يغطي تكاليف الوقود الذي يشغل آلاتهم الزراعية وينقل إنتاج مواشيهم، وحاصروا، بدعم من سائقي الشاحنات المتضررين هم أيضاً، محطات تصفية النفط وتوزيعه من أقصى الشمال إلى الجنوب، ومنعوا خروجه إلى الأسواق، فعزا المسؤولون الإنكليز سبب ارتفاع أسعار الوقود في المملكة إلى ارتفاع أسعار بترول (اوبك). وبإستثناء تصريح قصير للأمين العام لـ (اوبك) السيد رودريغيز، فشل الإعلاميون العرب في الرد على هذا الإدعاء. بينما أورد الصحفيون والإذاعيون الإنكليز الحقائق والأرقام لتفنيد إدعاءات الحكومة المضلّل، إنطلاقاً من مبدأ أخلاقي بسيط في العمل الإعلامي مفاده: "إذا لم تقل الحقيقة اليوم، لن يصدقك أحد فيما ستقوله غداً"

هذا المبدأ، يُذبح كل يوم في الإعلام العربي، بكتابات نصفها تعميم، والنصف الثاني شعر!

الآن، إذ تهيئ (اوبك) أرقامها واقتراحاتها لإجتماعها المقرر في منتصف ديسمبر، تواجه الدول الأعضاء فيها مأزقاً كبيراً يتمثل في مطالبتها بالحفاظ على استقرار الأسعار، وفي ذات الوقت خفض الإنتاج من أجل استمرار النمو الاقتصادي العالمي، وهذا يؤدي إلى خسائر طائلة في أرباحها، قد تعرض اقتصادها ومشاريعها التنموية للإنهيار! ويأتي الخطر الذي يهدد أسعار (اوبك) من الدول التي تزيد مستويات إنتاجها لأسباب اقتصادية، وأحياناً سياسية ذات طابع مؤقت، مثل روسيا.

وبهذا المعنى، يقول السيد عبد الله العطية وزير النفط القطري عن الضغوط التي تتعرض لها (اوبك): "إذا انفرطت اوبك ستهبط الأسعار إلى خمسة دولارات للبرميل".

ويمكن تخيّل الكارثة التي ستلحق بثروة العرب النفطية، وهي متواضعة قياساً إلى ثروات الآخرين. لكن العرب، الذين تغذي الأحزاب والكتّاب عواطفهم بمفاهيم مغلوطة، وفي أغلب الأحيان مقلوبة، سيجدون حينئذ الراحة النفسية في البكاء على أطلال جديدة، تضاف وقتذاك إلى أطلالهم الكثيرة، التي تعفيهم من التفكير بمنطق سليم في العواصف التي تمر فوق رؤوسهم!

_____________________

* المصادر  المعتمدة:

-          Related articles and links from http://www.google.com

-          http://www.BBC.com

-          http://www.search.com (business/fuel and petrol princes Europe)

-          http://www.EIA.com   (Opec Fact Sheet) & (Official Energy Statistics from U.S Government)