ماذا تريد سوريا من العراق، ماذا تريد من لبنان، وماذا تريد إيران منهما؟

كتبت هذه المقالة لتُنشر على الإنترنت (24 يناير 2005)

لا يمكن لأحد لوم سوريا إذا شعرت بالقلق من وجود قوات أمريكية على حدودها مع العراق، لأن دمشق واحدة من بقايا مراكز المجابهة الساخنة التي حدثت بين الشرق والغرب أثناء الحرب الباردة.

ورغم أن تلك الحرب انتهت منذ خمسة عشر عاماً بانهيار الاتحاد السوفييتي، إلاّ أن النظام السوري لا يريد التخلّي عن دوره القديم ذاك لأسباب عديدة، أبرزها أن تركيبته، المؤسسة على حكم الحزب الواحد، لا تصلح لغير هذا.

وفي الوقت الراهن توجد بضع دول، أشبه بالجزر المعزولة، كوبا، كوريا الشمالية، وسوريا، وإلى فترة قريبة العراق، ظلت تبارز الأشباح للتمسّك بدورها القديم الذي منحها يوماً ما قيمة دبلوماسية على الضفة الشرقية من المواجهة، وتشترك الأنظمة المذكورة، مع عشرات الأنظمة المماثلة التي انهارت بانهيار دعامتها الكبرى، في كونها أنظمة مخابرات بالدرجة الأولى، وبقيت دبلوماسيتها تقوم على هذا العنصر، ويمكن اعتبار النظام السوري أبرع من لعب هذه الديبلوماسية وحقق بها المكاسب، لكن على الصعيد العربي وحده، وهي مكاسب صغيرة، تقابلها خسائر كبيرة!

وتقوم دبلوماسية المخابرات على إيواء أكبر عدد من الجماعات المعارضة للدول الأخرى وتدريبها وتسليحها ثم تخزينها، للتلويح بنشاطها عندما تقتضي الحاجة، وعلى ضوء هذه الحقيقة اعتبرت أمريكا والغرب سوريا واحدة من دولة الإرهاب، مما يضاعف قلق دمشق من الوجود الأمريكي على حدودها.

وأخطر ما في دبلوماسية المخابرات أنها تقوم على المغامرة، حيث تعتمد الدولة تقديرات جهاز المخابرات لتحديد مواقفها ثم التحرّك سياسياً باتجاهها.

فعندما يقول الدبلوماسي، أو السياسي السوري إننا نعمل في لبنان ضمن ثوابت مشتركة، فهو لا يعني على الإطلاق وجود شريك لبناني يقرر ما يخصّ شؤون بلده. ويمكن الإصغاء إلى التوتر والبلبلة السائدين في لبنان حالياً نتيجة التدخل السوري، الذي يرسم خطوطه وأبعاده جهاز المخابرات السوري وحده.

وما يُقال عن سوريا حول دبلوماسية المخابرات، ينطبق على إيران أيضاً. لذلك أبدت الحكومتان فيهما اهتماماً كبيراً، ومتوتراً، فيما يجري داخل العراق إثر دخول القوات الأمريكية، وجرى تبادل سريع للزيارات بين رئيسي الدولتين (أكتوبر ويوليو الماضيين) أما زيارات المسؤولين الأقل مستوىً، فلم تهدأ لساعة واحدة منذ ذلك الحين.

وفي زيارة أكتوبر، أكد الأسد وخاتمي من طهران على: "أن الجانبين يتشاوران وينسّقان بشكل دائم في كل قضايا العلاقات الثنائية وقضايا المنطقة عموماً" وهذه إشارة إلى أمريكا، مفادها أن أوراق اللعب لدى البلدين سوف تخلط بملعقة واحدة منذ الآن! وتعرف واشنطن أن الوجبة المشار إليها تشمل حزب الله، حماس، المنظمات الفلسطينية المقيمة في سوريا ولبنان، والفارين من أعضاء حزب البعث العراقي بالأموال التي نقلها صدام حسين إلى دمشق قبل وبعد الحرب الأخيرة.

لذلك، عندما يقول مسؤول سوري أمام الصحفيين إن دمشق تعمل ما تستطيع لإعادة الأمن والاستقرار في العراق، يسيطر الأرق على ليل أياد علاوي، لأنه يعلم أن توابل الطبخة ستكون ذاتها: الخطف، الاغتيال، السيارات المفخّخة، كما عرفها لبنان طوال الحرب الأهلية، وإلى الأسابيع القليلة الماضية، حين جرؤ عدد من السياسيين اللبنانيين على معارضة رغبة دمشق في تمديد ولاية الرئيس لحود.

نحن نعلم أن اهتمام طهران بالشؤون العربية وراءه الرغبة في مدّ النفوذ الإيراني إلى المنطقة، مبررها في ذلك شعار تحرير المسجد الأقصى، الذي لا يمثل شيئاً كبيراً في وجدان الشيعية قياساً إلى ما تمثله مراقد الأئمة في النجف وكربلاء والكاظمية شمال بغداد. لكن ما نريد معرفته هو ماذا تريد سوريا من العراق؟ وهل ستحصل دبلوماسية المخابرات السورية، في ضوء تقديراتها الميدانية، على مكاسب مشابهة لتك التي حصلت عليها من لبنان، ومن دول الخليج التي ما زالت تقدم الدعم المالي لنظام دمشق باعتباره (جبهة المواجهة العربية الوحيدة بوجه الأطماع الإسرائيلية والأمريكية..الخ)؟

لا شكّ أن سوريا تكسب أيضاً بشعار (جبهة المواجهة) عواطف آلاف المراهقين والشبّان العرب، ممن لا يعون، لصغر سنّهم، الجانب الخرافي والإيهامي في هذا الشعار، وعجينة هؤلاء الشبّان طيّعة يمكن لأي مؤسسة حكومية ليّها كما تشاء لخدمة سياسة الدولة. وأن دول الخليج لا تقدم الدعم كونها ابتلعت الشعار على ما فيه من أشواك، فحكومات هذه الدول أيضاً لها مؤسسات وأجهزة مخابرات تعرف جيداً أن جبهة المواجهة مغطاة بالثلج منذ عام 74، وتعرف أن الثلج أصبح يتجمّد في خنادقها منذ انسحب الجيش السوري إلى ما وراء منطقة الاوزاعي جنوب بيروت، عندما حدّدت له إسرائيل مواقع وجوده قبل ساعات من دخول قواتها لاحتلال عاصمة لبنان(1982) وأن دول الخليج اعتادت تقديم الدعم المالي للدول العربية الأقل دخلاً والأكثر سكاناً، وليس لسبب آخر.

لقد تأكد بعد حرب 73 واتفاق السلام الذي عقدته القاهرة مع تل أبيب، أن الجيش المصري والدبلوماسية المصرية، مع تحفظاتنا على سياسة مصر الداخلية، وحدهما يستطيعان إقامة جبهة مواجهة عربية مع إسرائيل أو مع غيرها، ولمْ ولنْ تستطيع دولة عربية أخرى إقامة جبهة مشابهة إلاّ على صعيد الضجيج الإعلامي.

ومن المحزن القول إن دبلوماسية المخابرات التي تتبعها سوريا نجحت مع الضعيف (لبنان) وفشلت مع القوي (تركيا 2003) و(إسرائيل، دائماً) وهي الآن توجه نشاطها إلى العراق، كما بشّرت وتبشّر بها تصريحات ناعمة، وتنسيق متين مع طهران، التي تملك هي أيضاً أوراقاً مهمة للّعب في الوضع الداخلي للعراق.

إن الاحتلال، أو الفوضى، هما قدرُ كل البلدان التي تقع، لسوء حظها، في قبضة حزب شمولي، يفرض على المواطنين قوانينه القمعية وأيقونات العبادة الخاصة به، فتتحوّل الدولة ومؤسساتها على يده، بسبب استمراره الطويل في الحكم، إلى هيكل متماسك في مظهره، لكنه منخور بالفساد والكراهية والقسوة، يمكن لأية ريح مفاجئة أن تطيح به. وكان هذا قدر العراق، كما شهدناه، وقدر الكثير من الدول الأخرى المشابهة، التي أحتلّتْ أو عصفت الفوضى بكيانها المهزوز.

ولا أتوقع من دمشق أن تنظر بعين حكيمة إلى قدر العراق الحالي، أو إلى سكانه الممزقين بين الاحتلال وبين فوضى القتل والإرهاب المتسللين إليه من حدوده الشرقية والغربية، إلاّ أن سوريا ارتكبت خطأ كبيراً في لبنان عندما حوّلته، تحت شعار وحدة المصير، إلى ما يشبه مستعمرة على الطريقة البرتغالية القديمة، بدل أن تستغل وجودها فيه لتأسيس أول نموذج للوحدة بين مجتمعين عربيين، تقوم على إشاعة العدل، والديمقراطية، وتنسيق المصالح بينهما دون استئثار مصلحة الكبير على الصغير، وسترتكب خطأها الثاني إذا عملت على دفع العراق نحو المزيد من الفوضى وسفك الدماء، بدل مساعدة شعبه على لملمة جراحه وتوحيد صفوفه وانتخاب حكومة تفكر بهدوء في كيفية التعامل مع الوجود الأمريكي فيه.

إن تغذية الاضطراب بدعم النشاط الإرهابي الأصولي والطائفي لضرب القوي (أمريكا) بتدمير الضعيف (العراق) قد يؤدي إلى تقسيم العراق، الذي تقول التصريحات السورية الناعمة إنها ضدّه، وستكون إيران الرابح الأكبر بإقامة كيان شيعي في الجنوب، وأمريكا الرابح الثاني بترسيخ الاحتلال، فماذا تكسب سوريا من وراء هذا، حسب تقديرات جهاز مخابراتها؟