رحلة كئيبة إلى أمستردام

ما الذي يجمع بين المدن أو يفرّق بينها؟

قديماً، سلاسة، أو وعورة الطرق المؤدية إليها. الآن صورتها من الجو، شكلها وعلاقتها بالأرض المقيمة عليها.

فروما، بيوت وقباب مبعثرة على خمسة تلال، تلتئم حول أعمدة وهياكل مجدها العظيم الغابر.

وفينيسيا (البندقية) مثل سفينة مزمعة، لكن متردّدة عن الإبحار. ولندن، رقعة مسطحة، كلما أشرفتَ على ضواحيها وجدتَ نفسك في الوسط منها.

أثينا، خرائب حديثة بلا معالم، يطلّ عليها بانثيون هائل يسخر من ضآلتها، وهونغ كونغ تنبثق بناياتها الشوكية فجأة من الضباب، أما أمستردام، فهي أشبه بجرف ترابي مزركش بقنوات فضية مضيئة، تبدأ من البحر وتمتد إلى أعماق هولندا.

لكن امستردام ينتابها الخوف هذه الأيام، تدير وجهاً قلقاً إلى سواحل القطب المتجمّدة، وتحكّم عقلها فيما يجب فعله!

يعتقد الهولنديون أنهم صنعوا معجزتهم حين شقّوا آلاف الترع والقنوات والأنهر، لتمتصّ أمواج بحر الشمال التي تلطم الشاطئ بارتفاع ثلاثين قدماً عندما تشتدّ الرياح. في الماضي كانت تجرف وتدمر السواحل الترابية والصخرية، تجعل العيش مستحيلاً، الآن طُوعتْ الأمواج بتسريب المياه الهائجة عبر قنوات تمتد حتى آخر الأراضي المنخفضة، فتبدد الخوف القديم، بيدَ أن خوفاً جديداً يضرب بأمواجه الغريبة خواطر الهولنديين، ويجعل طعم رغيفهم ممزوجاً بالمرارة.

إنهم المهاجرون!

مطار أمستردام، الذي يصدّر يومياً إلى العالم مليار زهرة، ليلك ونرجس وتوليب، استقبل في العشرين سنة الأخيرة، بناء على طلب هيئة الغوث الدولية، آلاف المهاجرين، الهاربين من الظلم أو من الجوع، أسكنوا في العاصمة وفي المدن الأخرى، تلذّذوا بطعم الرغيف الهولندي، المغذي، ووجدوا الأمان الذي حرموا منه في بلدانهم.

نفس المطار، يستقبل أيضاً مئات الكتّاب والرسامين والموسيقيين والمسرحيين والسينمائيين والمفكرين والعلماء، لأن أمستردام واحدة من عواصم أوربا الثقافية منذ مئات السنين، لا يهدأ النشاط الإبداعي فيها، مهرجانات، حفلات موسيقى، معارض رسم، ندوات فكرية وعلمية، أصبح للعرب نصيب جيد فيها.

قد لا نعرف الكثير، نحن العرب، عن الأسماء اللامعة في الإبداع الهولندي، إلاّ أن (فنسنت فان كوخ) يشرق، وبقوة، في وعي كل كاتب وفنان عربي. هذا الرسام العبقري، الذي حرّك الحياة في الغيوم والخشب، يمثل أجمل ما في تراكماتنا الثقافية. في السنوات الخمس الماضية بدأ الصوت العربي يشقّ طريقه إلى صالات وأروقة الثقافة الهولندية. عدد من الشعراء نالوا جوائز تقديرية، أو نقدية، ومؤلفون تلقّوا الدعوات، آخرون حصلوا على دعم للتفرّغ، وبعض المجموعات من المقيمين أنشأت دوراً للنشر، وإلى البرلمان ارتقى عدد من المسلمين.

إلى جانب الكنائس الكاثوليكية المعروفة بزخارفها الجميلة وجدارياتها القيّمة، والكنائس البروتستانتية التي فرض عليها مذهبها التجرّد، ومعابد اليهود المبطنة بالخشب الممتصّ للنواح، أقام العرب جوامع خاصة بهم، ترمز إلى روحانية الإسلام، وإلى تسامحه الديني، الذي لم نجد منه شيئا، ولم نعثر له على أثر في ضمائر الأصوليين!

ونحن نقطع شوارع أمستردام، استغربت زوجتي عدم وجود أسيجة على حوافي القنوات. كيف يسير الناس، والأطفال بشكل خاص، في هذه الشوارع دون أن يسقطوا في المياه؟ كانت تتساءل. شوارع العاصمة تتخللها 165 قناة، تقطعها 1200 قنطرة وجسر، يدخلها ستة ملايين سائح كل عام، وليل أمستردام أجمل من نهارها، لانعكاس الأضواء على مياه القنوات المحاطة بالأشجار، وهي، الشوارع، ضيقة كانت أم واسعة، تنفذ بكَ إلى مكان آخر، ساحة أو شارع جديد، عكس البندقية، التي تنتهي دروبها الضيقة ببيتكَ، ليس أبعد!

بعض الذين سمّنهم الرغيف الهولندي، كانوا أول من سقط في مياه القنوات!

قبل ثمانية أيام من توجهنا إلى أمستردام، طعن مغربي أصولي المخرج السينمائي (ثيو فان كوخ) بالسكين، ثم أجهز عليه برصاص مسدسه.

كانت سفرتنا منذ بدايتها إلى نهايتها مكلّلة بمشاعر الخجل، لأن مقتلة أمستردام جاءت بمثابة انتقاد لفيلم أخرجه السينمائي، صوّر فيه حالات الظلم التي تتعرض له بعض الزوجات في المجتمعات الإسلامية. كان تصرّف الشاب المغربي نقداً لرأي لم يعجبه، لكنه على الطريقة الأصولية في النقاش، وليس (ثيو) أول ضحاياه، إذ شهدت المنطقة العربية الكثير منه!

بعد ذلك المجد القصير، الآن باتت الثقافة العربية تلقى عيناً حمراء، متشكّكة، من لدن الهولنديين، والنشاطات القادمة للعرب ستأتي محاطة بالقلق، عارية من الثقة بنوايا الشعراء والكتّاب والفنانين، لأن الأصوليين بدأوا من نفس الطريق، في هولندا، وفي بقية العالم: جوامعَ ومدارسَ دينية تمارس ثقافتها بين أبنائها المهاجرين، ثم يفلتُ، أو يتخرّج منها نُقاد مولعون باستعمال السكاكين والمسدسات! يقول انطوان سانت اكزوبري ما معناه: عندما يشاركني غريب وجبة على طاولة صغيرة، تكون الإنسانية ثالثتنا على الغداء.

إذن، كيف تأتى لسموم الحقد التي تبثها بعض الصحف والفضائيات العربية، أن تكون ألذّ طعماً من لقمة الخبز الساخن في الفم؟

العديد من الصحافيين والكتّاب والمؤسسات الثقافية الهولندية ناقشوا (ثيو) عن موقفه المعارض للتعدد الثقافي الذي تتبناه أوروبا إزاء المهاجرين. لكن الأصوليين وحدهم يسمحون لمن يعجز عن النقاش باللجوء إلى السكين!

بن لادن، ابن الظواهري، أو ابن أيٍ كان، افتتحوا مركزاً عربياً للرقابة على الرأي في قلب أمستردام، بعد لندن وباريس وبرلين، فأين تولي الثقافة العربية وجهها بعد الآن؟

(الشرق الأوسط) 22 نوفمبر 2004