عنصرية جذابة

(مونولوج من فصل واحد)

 

 

الشخصيات:

روتشن (مواطن نرويجي)

خليط من المواطنين السويديين والنرويجيين والأتراك والعرب في مقهى.

 

 

في مقهى:

        عدد من الأوربيين والأجانب، أتراك وعرب وآسيويين، يتوزعون على الطاولات، تُسمع موسيقى كلاسيكية خفيفة.

 

[يدخل رُوتشن، في الخامسة والأربعين. ينظر إلى الموجودين باستنكار واستعلاء. يتشمم رائحة تركي ويظهر اشمئزازه منه، ثم يقف بالقرب من أجنبي آخر ويقوم بنفس الحركة، يمرّ أمام فتاة أوربية تجلس لوحدها فيظهر لها الاحترام، بعد ذلك يتشمم قرب أجنبي آخر ويبدي استياءه منه بطريقة استفزازية. أخيراً يختار مكاناً في الوسط ويجلس].

 

رُوتشن: أشعر بالضيق. أينما تذهب لا تجد مكاناً تتنفس فيه براحة. (ينادي على صاحب المقهى الموجود في الداخل) فريدريك! افتح بعض النوافذ الخلفية حتى يتجدد الهواء من فضلك!.

ما الفائدة!، حتى لو تفتح نوافذ البيت، أو نوافذ مقهاك المفضلة، تتسلل الرائحة الغريبة، لأن الشوارع والمدن أصبحت مكتظة بالأغراب. يجب على الدولة أن تفتح النوافذ على الحدود ليدخل الهواء النقي إلى البلد (مستدركاً وبخيبة) لا، في هذه الحالة ستدخل حشود جديدة من الأجانب.[ينهض ويستأذن التركي لكن بلهجة ساخرة] هل يمكن إبعاد طاولتك قليلاً، لأنني لا أستطيع التحرك براحة في مكاني!

[التركي ينقل طاولته ومقعده بعيداً، حينها يعود روتشن إلى مكانه]

من كان يصدق أن تفقد الحياة جديتها، صرامتها وقوة اندفاعها... من أجل شيء سخيف يسمونه الإنسانية! [ينهض من جديد ويخاطب الأجانب بتهكم] الإنسانية، أعمال الخير، حبّ البشر! هل تشعر بالبرد يا عزيزي؟ بطانية أخرى لتستمتع بنوم دافئ في الصباح! بالتأكيد. وجبة غذاء إضافية لزيادة طبقات الشحم على جسمك يا حبيبي! لم لا، يجب أن يتساوى الجميع هنا، بما فيهم أنت يا صديقي، والقطط والأرانب أيضاً يحق لهم المساواة، لم لا! اللعنة [يجلس].

إنسانية!.. الجميع أصبحوا مشغولين بالإنسانية، سخف [يتفّ بغضب على الأرض إلى يمينه، فيسحب أحد الأجانب مقعده بعيداً]. في الماضي كان المواطن يمشي مثل اللهب، لم أشهد الماضي لكنهم يقولون إن المواطن كان يمشي مثل اللهب المشتعل، يحمل علبة الغداء ويتوجه إلى المصانع، إلى الورشات الصغيرة والمعامل الكبيرة، يسير مثل الريح لينتج ويصنع ويبني في الليل والنهار، وعندما يصاب بخدش صغير، رضّ بسيط، تستقبله الممرضات والأطباء من المدخل ليهتموا به. [يضخّم صوته وينشد]:

 أنظر إلى الأمام أيها المواطن العزيز

 واعمل في الليل وفي النهار،

 لكي يرتقي بلدك ويبلغ مراتب السمو والعظمة،

 العظمة... العظمة.

 أنظر إلى الأمام،

 وإذا أصبت بمكروه نداوي جروحك،

 أو تحظى بميتة عظيمة،

 عظيمة.. عظيمة. [ثم ينطفئ فجأةً]

الآن، تنتظر في طابور طويل لمدة أسبوعين، ثم يمسحون بواسيرك باليود، ويقولون لك تعال بعد ستة أشهر نقطع جزءاً منها، لأنهم منشغلون في إخراج الرصاص من أجساد الأجانب، وترقيع وجوههم المحروقة بغاز الخردل! وعندما تصرخ وماذا عن بواسيري؟ يردّون عليك بصوت رقيق، إنساني: ألا ترى كيف يتعذب هؤلاء المساكين من جروحهم! [ يتفّ بنفس الطريقة السابقة، فينقل أحد مواطنيه مقعده بعيداً]

الرقة! اللعنة على الرقة والشفقة، لأنهما يحولان المجتمعات العظيمة إلى كتل من فئران عاطفية، ويتساوى الجميع في كل شيء.

 [يخاطب أحد مواطنيه الذي يلتفت لكنه لا يردّ عليه] أنت أيها السيد، هل تذهب إلى الكنيسة؟ لا تذهب! تذهب! تقصد لا! على كل حال نظراتك تقول إنك لا تذهب، هذا يعجبني فيكَ، أنت مواطن حقيقي يفهم مستواه، ويقدر قيمة وضعه داخل المجتمع.

الغوغاء من المواطنين وحدهم يعطون كل هذه الأهمية للدين، لأن الدين يساوي بين الجميع، لهذا السبب ولا سببَ آخر غيره. داخل الكنيسة يشعر أي شخص أنه متساوٍ مع الآخرين. أنا ضد هذا، زوجتي معه، لذلك انفصلتْ عني، بالنسبة للأولاد، الأول يؤيدها، الثاني معي، قلتُ لها اذهبي ومع السلامة، الوطن قبل كل شيء، هذا مبدأي في الحياة.

[يتذكر بحزن] لكن ابني هنري، هنري الجميل الأشقر، تركني وسافر إلى أمريكا، ولا يتذكرني حتى ببوست كارت تافه. تركني منذ زمان، بعد أن أنضجته وعلّمته نشيد أيها المواطن السعيد، ذهب وتركني وحدي.

 [ينادي على صاحب المقهى]

فريدريك! أليس لديك شيء آخر غير هذه الموسيقى التي تبعث على النعاس؟ ضع موسيقى فيها حياة، فيها نداءات قوية إلى الروح.

[تصمت الموسيقى ويدخل النادل وهو من الأجانب. يقف فوق رأس روتشن ليسجل طلبه، فيشير له روتشن بيده أن يعود من حيث أتى وينادي على فريدريك]

فريدريك! أريد قهوة من فضلك، قوية ومركّزة، اعملها أنت بنفسك رجاءً، بيدك البيضاء، ولا تسمح له أكثر من أن يحملها لي.

[النادل يهزّ كتفيه ويخرج]

هذا هو العمل الوحيد الذي يناسبهم. [فترة] مسكين فريدريك، يعتقد أن هؤلاء الناس يفهمون أسلوب الخدمة فيشغّلهم في المقهى. إنهم عاجزون، تفكيرهم بطئ لأن حجم الدماغ في رؤوسهم بحجم دماغ الدجاجة. [يخرج مبسماً مصنوعاً على طريقة المنظار القديم ويروح يهيئ سيجارة ليدخن، أثناء ذلك يدخل شاب صيني تستقبله الفتاة الأوربية بمرح ويجلسان قريبين، فينظر إليها روتشن بخيبة].

واقعة في الحب، سخيفة. هي أيضاً دماغها بحجم دماغ الدجاجة، وإلاّ كيف نفسر اهتمامها بهذا الآسيوي! [يشعل الولاعة وينظر إلى لهبها ويتخيّل الماضي] مثل اللهب المشتعل! هذه صورة الإنسان التي تعجبني، لهب في الشوارع والمدن، في المصانع والمزارع.

لكن، انظر إلى هذه الفتاة، إنها تكاد تموت من النعاس لحديث هذا الدماغ الصغير. اللعنة!

[يشعل السيجارة ويدخن فيبدأ بالسعال]

أكره الدخان لأنه يسبب لي السعال، وفي الليل يزيد حدّة الربو، لكنه أسلوب ممتاز لطرد الذباب من حولي.

[A.A1] [ينفخ الدخان على وجه الصيني عن يساره، فيسحب هذا الطاولة ويبتعد هو وصديقته، يمدّ المبسم فيزيد من طوله حتى يصبح بطول متر ونصف المتر، ثم يدخن ويدفع جمرة السيجارة قريباً من رأس الصيني، فيبعد الصيني وصديقته طاولتهما مرة أخرى. يوجه رأس السيجارة إلى التركي فينتقل هذا من مكانه، يمدّ رأس السيجارة من أجنبي آخر ويجبره على الابتعاد. تتسع دائرة الفراغ من حول روتشن، يلتفت إلى الخلف ويغرز نار السيجارة في أوراق نبتة في قاعدة النافذة]

[A.A2] لا أحب هذه الأشياء، ولا أفهم لماذا يضيّع المرء أمواله ووقته من أجلها!. سخف. بعض الناس اكتسبوا عادات غريبة، مضرّة، السبب أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بوقتهم، مثل هؤلاء الذين يدافعون عن الأشجار والأنهار [يفكر] مجانين، بعد أن اخترعوا فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان، أخذهم الهوس بعيداً فراحوا يدافعون عن حقوق الكاليبتوس والبلوط، يدافعون عن الأشجار، يالها من مهزلة. [يخاطب أحد الأجانب بسخرية] أيها السيد، هل أنت ممن يدافعون عن الأشجار؟ وأنت أيها السيد المواطن، هل انخرطت في جيش الدفاع عن البلوط؟.

يالها من نكته يقدمها لنا العصر الحالي! لكن من يصنع الأوطان العظيمة إذا أصبحت الجيوش تدافع عن العشب والسرخس؟ يا للكارثة!

[يدخل النادل ويضع القهوة على الطاولة، روتشن يرفع يد النادل بطرف المبسم ويتفحصها، ثم يتركها، فيخرج النادل]

فريدريك يا عزيزي، من الأفضل أن يرتدي عمالك القفازات البيضاء، إذا أردت المحافظة على وجاهة مقهاك، واحترام تقاليد آبائك!

[يفكر] إذا لم ندافع عن تقاليدنا وعاداتنا العريقة، فأن هؤلاء الأغراب سيقضون علينا في غضون أيام معدودة. طبعاً، هذه هي الخطة من وراء مجيئهم هنا، ليست الأسلحة الجرثومية، ولا القمع، ولا الحروب والمجاعات التي تحدث في بلدانهم، إنها خطة مرتبة [ينهض ويتحرك في دائرة الفراغ من حوله ويفكر] خطة شيطانية جاءت بهم إلى هذه الأرض، يغزوننا من دون جيوش، هذه خطتهم، يفرضون عاداتهم وتقاليدهم علينا، لنصبح مثلهم فننتهي كشعب أبيض عظيم.

[يحتدّ ويتكلم بصوت غاضب] إنها مؤامرة خبيثة، إنه غزو خطير، أيها المواطنون انتبهوا إلى ما يجري لنا. إنني أحذركم من هذا الخداع الذي يسمونه الإنسانية، إن الأجانب هم الذين ابتكروا فكرة الإنسانية ليتسللوا إلى بلدنا. إن الدفاع عن البلوط والشمندر كله هُراء، الغرض منه القضاء علينا، على حضارتنا، تهديم حدودنا، احتلال مقاهينا.

فريدريك، أنت تساهم في تدمير بلدك من دون أن تدري يا فريدريك، أنت تهمل التقاليد وتحوّل مقهاك إلى وكر للمؤامرة.

ما شأننا نحن والمجاعات والحروب التي تحدث لهم، ما دخلنا بالغازات التي يرميها حكامهم عليهم وعلى أطفالهم! فريديك، إن وجودنا مهدد بالفناء في هذه اللحظة أو اللحظة القادمة، ألا تسمعني؟

[لا يعرف ماذا يفعل فيغني بنفس الطريقة السابقة]:

أنظر إلى الأمام أيها المواطن العزيز واعمل في الليل وفي النهار، لكي يرتقي بلدك ويبلغ مراتب السمو والعظمة، العظمة، العظمة. أنظر إلى الأمام... أنظر...[ تنتابه نوبة سعال فيعود إلى مقعده].

[تدخل سيدة تقود كلباً صغيراً، تبحث بأنظارها عن شيء الموجودين]

انظر إلى هذه التقليعة الأخرى، لا يكتفون بالانشغال مع النباتات والأشجار، فيربّون الكلاب أيضاً!.

أكره هذه الحيوانات القذرة، أكره شعرها ووبرها لأنهما يهيّجان الربو في صدري [يعطس بقوة ويوجه عطاسه نحو الكلب فيجفل الحيوان ويهرب منه] إذا لم يتخلّص البلد من هذه الحيوانات، إذا لم يقتلها بالمبيدات... لن نعيش في أمان على الإطلاق [يعطس مرة أخرى، فيهرب الكلب إلى جهة أخرى]

[إلى السيدة ولكن بتهكم] أنتِ تملكين كلباً جميلاً يا سيدتي، إنه مدهش حقاً، من النوع الأوراسي الأصيل كما أعتقد [السيدة ترتاح لكلامه] يبدو أنكِ دفعت مبلغاً كبيراً من أجل الحصول عليه. هل حصل على الجنسية الوطنية أيضاً؟ شيء رائع، حقاً جميل، لا شكّ أنك تطعمينه بوظة الفواكه...وتخصمين المبلغ من فاتورة الضريبة! [تخرج السيدة منزعجة].

أكره هذا النوع من المواطنين. يبالغون بالتفكير في رغباتهم وسعاداتهم الخاصة، من غير أن يمنحوا الوطن دقيقة واحدة من التفكير. من كان يصدّق في الماضي، أن تمشي سيدة محترمة في الشارع وهي تقود كلباً بحجم الجرذ!.

يقولون الوحدة تدفعهم إلى معاشرة الحيوانات، هُراء، يمكنها التطّوع في أي عمل اجتماعي، وسيأتيها النعاس منذ الساعة السابعة مساءاً. النفسانيون يبتكرون هذه الأمور ليصبح الشعب مهزوزاً من الداخل، عاجزاً عن التفكير في قضاياه الجوهرية.

أنا أيضاً أعيش وحدي منذ عشر سنوات، في شقة من ثمانية غرف كبيرة، مع ذلك لم أشعر يوماً بالحاجة إلى كلب يجلس أمامي مبحلقاً، لا يفعل شيئاً سوى تلويث سجادتي باللعاب. هراء، الليل وجد ليفكر المرء بالأمور المهمة، هذا ما أفعله في العادة، وعندما أتعب من التفكير أفتح الورق وألعب السوتير مع نفسي.

[تتغير لهجته الواثقة] باستثناء بعض الليالي التي أشعر فيها بالخوف من نوبات الربو المفاجئة، من التهيّجات الرئوية التي تحدث من دون سابق انذار. [ثم بحزن] ما أخطر الربو عندما يشتدّ عليك في الليل، ولا يوجد من يضع البخّاخ في فمك بينما تتشنج يداك وتعجز عن الحركة، تشهق وتشهق ولا تدخل نسمة واحدة من الهواء، وينتفض البدن إلاّ أنك لا تحسّ بشيء، لا ترى ولا تحسّ بشيء باستثناء ذراع الموت تلتفّ حول رقبتك لتعصرها، تعصر وتعصر وأصابعك تتشبث بها، تتصارع معها وتريد فكّها إلاّ أنها تظل مطبقة على حنجرتك مثل طوق من الفولاذ.

[فترة وتدخل فتاة فليبينية وتنضم إلى طاولة الأوربيين]

انظر، انظر إلى ما يحدث! هذا جنون، مجتمعنا فقد صوابه وانتهى الأمر. من يصدق ما يجري لهذا البلد وشعبه!

[ينهض ويتحرك بين الجالسين وهو يخاطب فريدريك الذي ما زال يعمل في الداخل]

فريدريك، هل تريد الحقيقة، إن ما يحدث ليس له علاقة بالذوق أو الحبّ، أو ما يسمونه صداقة البشر، لا، الأمر ليس كما نتصور ونعتقد يا فريدريك، المسألة، كما أرى، أن نوعاً من الفيروس الخبيث تغلغل إلى دماء شعبنا، وسوف يلوّث، صدقني يا فريدريك، سوف يلوّث أصلنا الأبيض العريق، هذه هي الكارثة. تأريخنا وتقاليدنا وأصالتنا سوف تجرفها الريح، سوف تبعثرها وتنشرها في أنحاء الأرض. لا شكّ أنك تفهم الآن سبب كرهي للبلدان الغريبة، والقارات البعيدة، إنها تجلب لنا الأوبئة، تشوّه سلالاتنا القادمة.

أنت لا تصدقني يا فريدريك! لا أستغرب هذا، لأنك منذ شغلت الأجانب في مقهاك تغيّرت طريقتك في التفكير، نعم، منذ بدأت تختلط بهم قبل أن تأخذ عينة من دمهم إلى المختبر، لتعرف كيف وممّ تتركب دمائهم الأجنبية، وهل كرياتهم البيضاء حقاً بيضاء، أم أنها صفراء مثل بشرتهم؟.

إنني آسف لك يا فريدريك على الخطأ الذي ارتكبته، أنت يا من تحمل الجينات الأوربية الأصيلة، وآسف أيضاً لحالتنا كلها، لأنني لا أرى إلاّ الظلام ينتظر مستقبلنا، ظلام سوف يشمل حياتنا وتأريخنا ونفوسنا، [يفزع من أفكاره الأخيرة] يا للكارثة، أي مصير ينتظرنا إذا حصلت الأمور كما أقول؟.

[يجلس ويفكر. يتخيّل نفسه وسط غابة في إحدى جزر الفليبين، خائف ومحاصر بالأشجار لا يعرف أي اتجاه يسلك ليخرج بأمان]

     آه يا الهي، أية غابة مخيفة هذه!، أية أشجار ضخمة، وأغصان متشابكة!. كيف نسيت الطريق الذي جئتُ منه؟.

 [يحاول أن يتذكر] من هذا الاتجاه!، لا يوجد منفذ هنا. هذا الاتجاه! لا، هذا اتجاه مخيف، ومظلم. من هناك، نعم هذا هو الطريق [يسمع زئير أسد فيتراجع] يا إلهي، كيف دخلت في هذا المكان؟

[يسمع طبول ومزامير وموسيقى وأصوات ناس قادمين فيزداد خوفه]

السكان الأصليون! يجب أن أهرب قبل وصولهم، وإلاّ قضوا عليّ. هؤلاء السكان الوحشيون سوف يأكلونني كما يأكلون خنزيراً طري اللحم. الغابة أفضل [يحاول الخروج فيسمع صوت حيوان غريب يجعله يتراجع مرة أخرى].

[يدخل عدد من سكان الجزيرة وهم يحتفلون بإحدى مناسباتهم الاجتماعية، يغنون ويرقصون ويحملون سلال الفواكه. روتشن يفزع ثم يهدأ حين يلاحظ انشغالهم الكلي في أفراحهم]

ألا يخبرني أحدكم عن الطريق إلى الخارج؟. سوف أمنح أياً منكم مبلغاً جزيلاً، إذا قادني خارج هذه الغابة اللعينة. [لا يهتم أحد لأسئلته وطلباته] بإمكان أحدكم التخلي عن هذه الألعاب السخيفة، ويدلني على الطريق مقابل كمية من النقود [يريهم نقوداً].

هؤلاء الناس يقضون وقتهم في التفاهات ، ويضيعون مبلغاً من المال مقابل خدمة بسيطة! [فتاة تقدم له سلة الفواكه] لا أفكر في هذه الأشياء التافهة، أريد شخصاً يريني الاتجاه الصحيح للخروج من هذه الأدغال اللعينة!. ألا تفهمين كلامي؟. شيء عجيب، كيف يعيش هؤلاء الناس إذا كانوا لا يفهمون لغتي؟

[يقدمون له كرسياً من الأغصان ويجلسونه عليه ويواصلون احتفالهم]

هراء، وتضييع للوقت. هذه شعوب لا تصلح لأي عمل. انظر إلى أنوفهم! إنها قصيرة ما زالت في طور النشوء. يحتاجون نصف مليون سنة حتى تصبح انوفهم مثل انوفنا، ومليون سنة حتى يفهموا طلبي البسيط، ومليوني سنة أخرى حتى يتمكنوا من إقامة مقهى صغير مثل مقهى فريدريك.

مع ذلك يجب الانتظار حتى ينتهوا من شعوذاتهم، ثم أتبعهم إلى الخارج، عدا هذا لا توجد طريقة أخرى للخلاص من ورطتي الحالية. [فترة، ثم يغني نشيده المحبب]

أنظر إلى الأمام أيها المواطن السعيد واعمل في الليل وفي النهار، لكي يرتقي بلدك ويبلغ مراتب السمو والعظمة، العظمة، العظمة. أنظر إلى الأمام... وإذا أصبت بمكروه نداوي جروحك، أو تحظى بميتة عظيمة، عظيمة، عظيمة.

[السكان يتضاحكون بمرح من طريقة غنائه]

لا يفهمون هذه الأشياء الراقية، يحتاجون ثلاثة ملايين سنة ليفهموا، شيء طبيعي. مسكينة زوجتي، كانت تقول أنت تكره أي لون يختلف عن لونك لأنكَ متعصب، هه! تعالي هنا وانظري، تعالي راقبي بنفسك هل يختلف لوني عن لونهم من دون سبب؟ هه!. وهذه الأشجار اللعينة، تعالي انظري بعينيكِ أيضاً، هل لها أية فائدة غير سدّ الطريق بوجه المارة!.

حاولتُ إقناعها برأيي، إلاّ أنها تصرّ على أفكارها الساذجة عن الطبيعة والحيوانات والأنهار. ظلّت تجلب نبتات الزهور إلى البيت، وأنا أضع في تربتها الكحول الطبي في الليل، فتموت في الصباح التالي، وعندما اشترتْ حوضاً ملأتْه بالأسماك الصغيرة، وضعتُ كمية كبيرة من ملح الطعام، فوجدتْ أسماكها بعد يومين مقلوبة على قفاها.

أفكار ساذجة. لو اقتلعوا هذه الأشجار القبيحة من جذورها، لما ضلّ الناس طريقهم.

فريدريك أيضاً يهزأ من كلامي عندما أطلب أن يرتدي عماله القفازات، إنه ساذج، لا ينتبه إلى أهمية اقتراحي، ليأتِ هنا هو الآخر ويرى بعينيه كيف يعيش هؤلاء الناس...[يُصعق فجأة من فكرةٍ تخطر له] هؤلاء الناس أيضاً، عندما يجوعون، أو ترش الحكومة عليهم غازات الأعصاب سيتوجهون إلينا ويحتلون المستشفيات والمقاهي [يصرخ] هذا جنون، هذا أكثر مما يُحتمل، شيء لا يُطاق، يجب أن لا نسكت على هذا [يخرج بخّاخ الربو ويروح يرش عليهم فيهربون الواحد بعد الآخر] أنتَ، لن تصل الحدود، وأنتِ...ستبقين هنا، أنتِ أيضاً، وأنتَ..لن تجد طريقك إلى مقهى فريدريك، أنتِ أيضاً، جميعكم، جميعكم ستبقون هنا، أمواتاً.

لقد قمتُ بعمل مهم، الآن أصبحنا في أمان من الخطر، سيبقون هنا...في مكانهم الأصلي...هذا هو الحلّ المناسب، [يجلس على المقد مع شعور كبير بالارتياح، ثم يصرخ ويقفز فجأة إذ ينتبه إلى أمر جديد] كيف أخرج من الأدغال الآن؟ كيف أعرف الطريق؟ من ينقذني، من يساعدني على الخروج! [يحاول الخروج فيأتي صوت الحيوان الغريب ليمنعه، ينادي] فريدريك، فريدريك .......

(عودة إلى المشهد الأصلي، روتشن يخرج من خيالاته بالتدريج)

فريدريك، فريدريك.. [يدخل النادل مع دفتر الطلبات لكنه شبه عارٍ ويرتدي نفس ملابس سكان الغابة في المنظر السابق،  يفزع روتشن ويرتبك] ماذا تفعل هنا؟ أعني.. أنت خادم المقهى، أنا أعرفك، فلماذا ترتدي ملابس الغابات؟ أبعد عني، عدّ إلى المطبخ وقل لسيدك أن يعمل لي قهوة، مضاعفة التركيز، اذهب.

[النادل يهز كتفيه ويخرج].

كنتُ أعرف هذا، وحدي كنت أعرفه. كنت أصرخ وأقول كلهم جاءوا من الأدغال، تخفوا بملابسنا ودخلوا البلد، لكن لا أحد يسمع كلامي، وهؤلاء المواطنون تخلوا عن حسّهم الوطني السليم، ويختلطون بهم باسم الإنسانية التي ستقضي علينا في نهاية المطاف، سنتحوّل إلى عراة داخل مدننا الحديثة... يا للكارثة!

[يغني نشيده وهو يتحرك في دائرة الفراغ، ويدور معه الموجودون ويرافقون حركاته]

أنظر إلى الأمام أيها المواطن السعيد واعمل في الليل وفي النهار، لكي يرتقي بلدك ويبلغ مراتب السمو والعظمة، العظمة، العظمة. أنظر إلى الأمام... وإذا أصبت بمكروه نداوي جروحك، أو تحظى بميتة عظيمة، عظيمة، عظيمة[يحملونه ويعودون به إلى مقعده ليجلس فيه]

[يدخل النادل بملابسه العادية، يضع القهوة أمام روتشن ثم يخرج، فيظلّ روتشن ينظر  إليه غير مصدق]

لا يوجد حلّ، إننا نتحطم، نفقد عقولنا ونتخلى عن تفوقنا لهؤلاء الناس. لو كان الأمر بيدي لأمسكت أحد هؤلاء الأجانب وطحنت عظامه، ثم أطحن عظام كل الذين وضعوا قوانين الإنسانية أيضاً، وأرسلهم إلى الأدغال ليروا ما أراه وأعرفه.

كم أشتهي رؤية أجنبي تُطحن عظامه، أن أراه يتلقى الضربات الموجعة على أنفه،أن يُطرح أرضاً ويُرفس في معدته، وأعرف بالضبط مقدار الوجع الذي يناله، أعرف مقدار العذاب الذي يحسّه! [يفكر فيتذكر] آه...رودي!

[يخرج تلفونه النقال ويدير رقماً]

آلو.... رودي، لقد أهنتُ يا عزيزي رودي، تعرضتُ لإهانة كبيرة، وتعرض شرفي كمواطن للإذلال. نعم إذلال شنيع داخل بلدي، نعم يا رودي على يد أجنبي، نعم أهانني أمام الجميع، في مقهى فريدريك، إذن أنت قادم؟ بوركتَ يا رودي، الشخص الذي أهانني؟ سوف تعرفه حالما تدخل، سوف تميّزه من بين الآلاف.

[يعيد التلفون إلى جيبه، يخرج قناعاً لوجه أفريقي ويرتديه، يبدأ يتكلم ويصرخ فيجفل الآخرون من صرخاته المفاجئة، وهو نفسه يجفل مما يقول وينكمش للحظة ثم يعاود الكلام]

أنا من قلب أفريقيا السوداء، جئتُ أحمل لكم السحر الأسود والشعوذة وخفة العقل [يصرخ] واووو....

أقود ورائي مجموعة من الحيوانات المفترسة، جائعة وتشتهي اللحم الأبيض، واووو...

سوف أدمر حضارتكم، أفسد عنصركم النقي، أزرع السواد في قلوبكم، في عيونكم وفي قلوبكم، واووو....

آكلكم كلكم، أمضغ لحومكم المشحمة وعضامكم الرقيقة، وأصنع من أمعائكم أوتاراً لقوسي الحربي، واووو....

أعود بكم إلى حياة الأدغال، والتخلف، وأمراض السفلس، وأكل لحوم البشر واووو....

أضاجع نساءكم، وأغتصب بناتكم الصغيرات، وأمارس اللواط مع رجالكم، فتصبح أرواحكم سوداء مثل جلدي الذي بلون الليل واووو....

أنا ملك الأدغال وسيد الشر المطلق، سوف أخدّر حواسكم بالأعشاب، وأعمي أبصاركم بالمياه المسحورة، ثم أربطكم بالحبال وأقودكم إلى الجبال، لتلتقطوا البُنّ، وترعوا المواشي واووو.... واووو....

[بعود إلى مقعده، يجلس متصنعاً التحدي والصلافة والاستفزاز. يدخل المراهق رودي، يرتدي سترة من الجلد مرصعة بالنجوم، حالما يشاهد الأفريقي يهجم وينهال عليه بالضرب القاسي، روتشن يتلقى الضربات بنوع من الارتياح ويطلب المزيد رغم أنه يتأوه]

المزيد، المزيد، اضرب بقوة أكبر، اضرب... الآن يكفي [يرفع القناع عن وجهه فيصاب رودي بالخيبة مع حركة تعني: أنت مرة أخرى! ثم يخرج]

آسف يا رودي، اليوم أيضاً كنتُ بحاجة إلى قبضتك المتينة، فقط لكي أحسّ العذاب الذي ينال الأجنبي وهو يُعاقب، فألتذُّ بذلك أيّما إلتذاذ.

 

*  *  *


 [A.A1]

 [A.A2]