المسرحية التي تنبأت منذ ربع قـرن بما يحدث للعراق الآن

 

هذه المسرحية، رفضت دور النشر في بيروت (التقدمية بشكل خاص) نشرها في بداية السبعينات، وحين تولت (مطبعة الخليل) طبعها عام 1975، باعت أكثر من ألفين نسخة خلال سنة، لكنها لم تقدم على المسرح إلاّ مرتين: الأولى من قبل "المسرح العمالي" في مدينة حلب، وفـي المـرة الثانية أخرجتها احدى طالبات الجامعة الأمريكية في بيروت لمشروع التخرج، ثم لم يرد ذكر "هلاك بابل" منذ تلك الفترة، على حد علمي. لذلك، فإن تقديمها علـى الانترنت الآن يعبّـر عـن رغبتي الشخصية في إعادة نشرها بين من أسميتهم  ( قـرّاء الليل )، لإسـترجاع صــورة الماضـي، الكاذب في كل ما طرحه من أفكار، والحاضر الذي لم يتعلم شيئاً ذا قيمة من ذلك الخداع الذي تسبب في الهلاك
وإذ ستقوم دار نون الاماراتية بنشر المسرحية في نسخة ورقية وأخرى اليكترونية فقد تعيّن رفعها من هذا الموقع وابقاء الصفحات الأولى فقط منها، التزاما منّا بحقوق النشر
  .

 

 

 

هلاك بابل

(مسرحية في ثلاثة فصول)

 

 

 

الفصل الأول

 

المشهد الأول:

(ليل، ساحة عامة ذات مدرجات، الى الخلف تنتصب خمس مقاصل تظهر كظل "سلويت" في آخر المسرح. حارس يخطو برتابة أسفل المدرج منكمشاً من البرد ومن بعيد يُسمع عواء كلب).

         [بعد قليل تسمع حركة خارج المسرح، الحارس ينتبه]

الحارس: من هناك؟

         (صوت ينشد من خارج المسرح)

         ها ان الشتاء يقبل بسرعة

         والبرد يدب الى الفراش

         غداً أقتني قطة

         إذ ليس من حل آخر

         لمن هم في مثل وحدتي

الحارس: الحاوي! لقد عرفتك.

          (يدخل الحاوي يعلق كيساً في كتفه وبين يديه يحمل كومة من الخشب)

الحاوي: أسعدتَ مساءً

الحارس: سكران؟

الحاوي: ليس تماماً.

الحارس: أصبحت تكثر من الشراب.

الحاوي: لا عليك (يخرج قنينة من عبّه) هنا قنينة من أجود أنواع الخمور، وهنا نصف كيلو من اللحم المشوي، سوف نكمل السهرة معاً، لماذا ترتجف؟ آه ... (يرمي الحطب على الأرض) أنت تواجه البرد بطريقة مخجلة.

الحارس: ماذا تفعل؟

الحاوي: نشعل النار.

الحارس: هنا؟

الحاوي: هنا.

الحارس: لا، لا، القانون يمنع اشعال النار قرب المقاصل، أنت تعرف هذا جيداً.

الحاوي: ولكن الذين وضعوا هذا القانون كانوا في بيوتهم.

الحارس: القانون هو القانون.

الحاوي: (يستمر في ترتيب الحطب دون أن يهتم لمعارضة الحارس) سيكون البرد الليلة أقوى من القانون.

الحارس: أتعتقد ذلك؟

الحاوي: بالتأكيد.

الحارس: ولكن القانون ...

الحاوي: (يشعل النار) دع العالم يتمتع بالدفء ما دامت القوانين منهمكة في النوم. أنا شخصياً لا أجد أي رغبة للموت من أجل قانون. (يجلس قرب النار ويضع القنينة والأكل أمامه ثم يشير الى الحارس كي يجلس).

الحارس: (يجلس بعد تردد) هذه المخالفة ستضعني في مأزق.

الحاوي: المأزق الحقيقي أن لا نكون واضحين فيما يتعلق برغباتنا، انني أسمي حاجتنا الى الدفء رغبة، المعدة وحدها تحتاج، أما الباقي ... فرغبات لا أكثر، التجار وحدهم يفهمون طبيعة الانسان. انهم يصنعون لك سريراً من الخشب ويقولون لك انه مريح، دافيء، عصري، لكي يجبروك على الرغبة فيه لا ليذكروك بحاجتك اليه. وهم حتى لا يذكرون انه للنوم.

           (يقدم القنينة للحارس، الحارس يجرع منها ثم يعيدها) لنكن صريحين، ماذا يحتاج الانسان ليقضي حياة معقولة؟ مجموعة متطلبات بسيطة، مع ذلك لا يحصل عليها الاّ بصعوبة، لماذا توضع الصعوبات بوجه الانسان؟ لو تبعنا هذا السؤال الى نهايته لوصلنا الى حقائق تافهة (يقدم قطعة لحم الى الحارس فيأخذها).

الحارس: ولكن ... إياك أن تسمي هذا نوعاً من الرشوة.

الحاوي: رشوة؟ لم أسمع بهذه الكلمة من قبل. لا شك انها تسللت الى الامبراطورية من الخارج.

الحارس: (يلتهم قطعة اللحم ويجرع فوقها من القنينة ثم يغمغم) ...

الحاوي: حين يكون الجميع في أسرّتهم ينعمون بالنوم والدفء، على البقية ممن يهيمون في الليل والبرد أن يكونوا طيبين مع بعضهم. من حيث المبدأ أنت توافقني على هذا؟ هه؟

الحارس: (يوافق برأسه) ...

الحاوي: عال. ان هذا النوع من التفاهم الذي يحدث بسرعة بين اثنين من البشر لهو أمر نادر في يومنا هذا (يلتفت الى المقاصل) كم أعمارهم؟

الحارس: من؟

الحاوي: الذين سينفّذ بهم الحكم.

الحارس: بين العشرين والثلاثين.

الحاوي: رائع ... السن المرغوبة. العيون في هذا العمر تكون في ذروة بريقها.

الحارس: كيف؟

الحاوي: لا عليك ... هموم المهنة.

الحارس: (يجرع من القنينة ثم يتطلع فيها) يبدو انها لم تكن معبأة تماماً في الأساس.

الحاوي: لا تهتم، توجد واحدة أخرى (يخرج قنينة ثانية) خذ.

الحارس: (بعد أن يأخذها) هذا كثير ... (يقولها بحياء).

الحاوي: احتفظ بها. المهم اننا تفاهمنا بسرعة مدهشة على الكثير من المسائل، (يناول الحارس قطعة اخرى من اللحم) انهما ضروريان لمقاومة البرد، اللحم والخمر.

الحارس: لا أدري، ولكنهما ممتعان.

الحاوي: (يلتفت الى المقاصل) ألا تعتقد انها فكرة حضارية؟

الحارس: ماذا؟

الحاوي: المقاصل. وأكثر فاعلية من الحبل المعقود. ترى من اخترعها؟

الحارس: استوردها الامبراطور خصيصاٍ من الافرنج حين زار بلادهم.

الحاوي: انه يتمتع بذوق رفيع.

الحارس: أذهلته السرعة التي تمتاز بها. لذلك أوصى بصنع عدد منها وحمله معه لدى عودته.

الحاوي: ولكن الأخيرة من الشمال علقت قبل يومين.

الحارس: لأنهم في الفترة الأخيرة أصبحوا يهملون دهانها بسبب ضيق الوقت.

الحاوي: هذا غير عادل.

الحارس: ماذا؟

الحاوي: عدم رعايتها. لا أظن الامبراطور سيحتمل فكرة عطل احداها (فترة) تمعن فيها، ماذا تشبه؟

الحارس: (يلتفت نحو المقاصل دون رغبة) لا أدري. هل تراها تشبه شيئاً ما؟

الحاوي: انها تشبه إلهاً يتثاءب.

الحارس: (يتمعن في المقاصل) حقاً؟ لم يسبق أن شاهدتُ إلهاً يتثاءب.

الحاوي: ولا أنا، ولكن هذه المقاصل توحي بذلك. ويبدو أن الامبراطور اختارها بهذا الشكل للتقرب من الآلهة. ذلك بسبب تدينه (يضحك) ياله من توازن عظيم ... ان أركان الامبراطورية وفخامتها يقومان على الدين والمقاصل.

الحارس: (يتجشأ)كيف؟

الحاوي: لا عليك. انني أعرفه.

الحارس: من؟

الحاوي: الامبراطور.

الحارس: (ينظر الى الحاوي باستهجان ثم ينفجر بالضحك) ها ها ها!

الحاوي: (يشاركه الضحك ثم يحدق في الظلام من جهة اليمين) أحدهم مقبل نحونا.

الحارس: هل أنت متأكد؟

الحاوي: عيني لا تخطيء ما يتعلق بها.

           (يدخل الجلاد من اليمين ويسير في أعلى المدرج في مؤخرة المسرح لا يُشاهد غير ظله. يتجه مباشرة الى المقاصل. الحارس يخفي القنينة في جيبه وينهض، في وقفته ترنح خفيف)

الحاوي: ما الذي جاء به مبكراً؟

الحارس: سأذهب لأرى.

           (يعود عواء الكلب من جديد. الحارس يصعد المدرج ويذهب ناحية الجلاد، يتحدثان دون أن نسمعهما. الحاوي يراقب من مكانه. بعد فترة يعود الحارس هابطاً المدرج على مهل)

الحارس: لديه بعض الأشغال الخاصة عليه انجازها في الصباح، لذا جاء مبكراً لانهاء العمل. عليّ أن اخطر السجّان.

           (يخرج الحارس. الحاوي لوحده في مقدمة المسرح. الجلاد يعمل في المؤخرة)

الحاوي: (يتطلّع جهة اليمين) أي لهب مخيف يرتفع من طرف المدينة، ثالث حريق أشهده الليلة.

           (يبدأ ضوء الحريق ينعكس بالتدريج على مقدمة المسرح والمدرج ويزداد عواء الكلب)

الحاوي: (يوجّه حديثه بصوت عالٍ الى الجلاد) أيها الأخ، هل كان حريقاً في الناحية التي قدمتَ منها؟

           (الجلاد لا يجيب. يدخل الحارس)

الحارس: من كان يصرخ؟

الحاوي: كنت أسأل الكناري عن مصدر النيران.

الحارس: الكناري؟ لماذا تطلق عليه هذا الأسم؟

الحاوي: لأنه لا يتكلم على الأطلاق. راقبه كيف يعمل بنشاط فائق. انها المهنة الوحيدة التي لا تتطلب الكلام، ولكن ... لو أتيح له يوماً أن يتكلم!! فأي تغريد فاجع سيسمع العالم؟ (فترة) انظر اليها، ماذا تشبه الآن؟

الحارس: من تقصد؟

الحاوي: المقاصل.

الحارس: المقاصل! ألم ننته منها. قلتَ إنها تشبه إلهاً يتثاءب.

الحاوي: أما الآن فانها تشبه إلهاً يفكر في فطوره.

الحارس: انني لا أرى شيئاً على الأطلاق.

الحاوي: هذه الآلات تتقن عملها بشكل جيد. انها الحضارة. أن تقتل أكبر عدد بأقصر وقت. كانت مشكلة السابقين، آشور ناصربال، نيرون، هولاكو، هنري الثامن. ان عدد قتلاهم القليل تطلّب منهم الكثير من الوقت وكان هذا يسبب لهم الانزعاج. أما الآن فقد اختلف الأمر. إذ لم يعد قتل الآلاف يتطلب سوى وقتاً قصيراً للغاية. مع ذلك فانهم ما زالوا يتذمرون. ان الحضارة لم تنضج بعد كما يرغب خيال القادة. انهم يسبقون الحضارة مئات السنين في مطاليـبهم.

           (يخرج الحارس من اليسار. من المؤخرة يدخل خمسة محكومين يقودهم حارسان لا نرى سوى ظلهم. الجلاد واقف عند أول مقصلة. يثبتون رؤوس المحكومين الى المقاصل ثم ينسحب الحارسان. عواء الكلب يزداد حدّة ويتحول الى ما يشبه الأنين. الجلاد يتقدم من المقصلة ويسحب الخيط فيهوي السكين ثم يسمع صوت الرأس يسقط في السلّة دون أن نراه. نفس الحركة مع المقصلة الثانية والثالثة والرابعة. وفي الخامسة يسمع نفس الصوت ولكن الرأس يسقط خارج السلّة ويتدحرج على المدرج ثم يستقر في مقدمة المسرح)

الحاوي: (ينادي الجلاد بصوت عال مشيراً الى الرأس) لقد أفلت من السلة ... الرأس أفلت من السلة. (الجلاد يخرج دون أن يلتفت له. يقف لحظة قرب الرأس ثم يحمله بين يديه) يا إلهي ... لقد قفز من السلة ... لا زال محتفظاً بحرارته ... أي عناد!

           (يرتقي المدرج ويعيد الرأس الى السلة ثم يذهب ناحية المقصلة الأولى، يقعي قربها وينهمك في العمل. بعد فترة يندفع الامبراطور الى المسرح يتبعه مرافقوه وهم ثلاثة ضباط مدججون بالأسلحة. يتوزعون على المدرج)

الامبراطور: (يصرخ) أوقف التنفيذ.

الحاوي: (يصيح من مكانه) ماذا؟

الامبراطور:قلت لك أوقف التنفيذ.

الحاوي: (دون أن يتحرك من مكانه) انتهى كل شيء فلم هذا الصراخ؟

الامبراطور: ما الذي انتهى؟

الحاوي: قبل لحظات حزّت كل الرقاب وانتهى الأمر.

الامبراطور:اللعنة عليك (يذرع المكان بخطوات غاضبة).

الحاوي: المفروض أن تبكّر في المجيء اذا كنت تريد توديع أحدهم.

الامبراطور:(بحنق) أيها الغبي!

الحاوي: لا تكتئب يا صديقي، الجميع ينتهي مرورهم في هذه الدنيا بشكل أو بآخر. في المقصلة أو في الفراش. هوّن عليك.

           (الضابط الأول والثاني يرتقيان المدرج ويتجهان نحو الحاوي ثم يعودان به شبه محمول من أكتافه)

الحاوي: (من أعلى المدرج بعد أن ينتبه للضباط) آه .. اذن فهي مسألة رسمية كما يبدو. التباس في الأسماء، أم خطأ في قرار الحكم؟

الامبراطور: أيها الأحمق، كان يجب أن تنتظر الفجر لتنفيذ الحكم.

الحاوي: عفواً ! لستُ أنا الجلاد.

الامبراطور:(بغضب) أين الجلاد؟

الحاوي: ذهب لتوّه. أنهى مهمته مبكراً لينصرف الى بعض الشؤون العائلية.

الامبراطور:(فترة. ثم ينتبه الى الحاوي) وماذا تفعل هنا؟

الحاوي: (يشير برأسه الى الضابطين) لا أستطيع الكلام. انني أختنق (الضابطان ينزلانه أسفل المدرج ويرميانه على الأرض. ينتبه الى الامبراطور) أوووه ...

الامبراطور:ماذا كنت تفعل هناك؟ من أنت؟

الحاوي: (ينهض ببطء) متفرج.

الامبراطور:متفرج؟!

الحاوي: أتعتقد انه من الانصاف أن تجري هذه الكرنفالات دون متفرجين؟

الامبراطور:(يسحب سيفه ويضعه على رقبة الحاوي) انني لا أمزح معك. من أنت؟

الحاوي: حاوي.

الامبراطور:حاوي؟ ... وهاتان اليدان ملطختان بالدم! ماذا كنت تفعل؟

الحاوي: أجمع العيون.

الامبراطور:أية عيون؟

الحاوي: عيون المعدومين. سيفك يضايق رقبتي. هلا أبعدته ما دمنا لا نمزح.

الامبراطور:(يرخي سيفه ثم يبعده) هل تمارس السحر؟

الحاوي: لست ممن يؤمنون بالخزعبلات.

الامبراطور:اذن ماذا تفعل بالعيون؟

الحاوي: أبيعها على الأجانب فهم يقبلون على شرائها بحماس.

الامبراطور:ولم الأجانب؟

الحاوي: لأنهم يدفعون أسعاراً مغرية. اضافة الى أن الناس هنا لا يفكرون في اصلاح عيونهم ما دامت رقابهم معرّضة للقطع بين لحظة وأخرى.

                (الضابط الأول يهجم على الحاوي ويهمّ بضربه. الامبراطور يمنعه بحركة من يده)

الامبراطور:دعه يتكلم. أنا أحتاج جرأة كهذه.

الضابط الأول: انه مخمور.

الامبراطور:لا بأس (الى الحاوي) أنت ترى حالة الناس بهذا السوء؟

الحاوي: لم أتحدث عن السوء. كنت أبحث في شؤون المهنة.

الامبراطور:كنت تشكو بصورة بارعة. لم انتابك الخوف؟ أتنكر انها سيئة؟

الحاوي: اذا كانت هذه رغبة جلالتك، فلا داع للانكار.

الامبراطور:عرفتني؟!

الحاوي: أبسط دواعي الوطنية أن يعرف المرء امبراطوره. ولكن، لم هذا الكدر المخيّم على وجه جلالتك؟ أيكون بسبب هؤلاء؟! (مشيراً الى المعدومين)

الامبراطور:(يهزّ رأسه بالإيجاب) ...

الحاوي: (باستغراب) من أجل خمس رقاب؟ (يضحك) يا للغرابة!

الامبراطور:أين الغرابة؟

الحاوي: أن يتكدر الامبراطور لاعدام خمسة أنفار من العامة.

الامبراطور:أردت أن يكون الاعفاء عنهم بداية لصفحة جديدة في تاريخ الامبراطورية (فترة) اللعين أفسد كل شيء.

الحاوي: من؟

الامبراطور:الجلاد.

الحاوي: الجلاد؟ (يضحك عالياً) سوف يفسد كل هواء الأرض ويتفسخ الليل قبل أن يفسد جلاد مشاريع الامبراطور.

الضابط الثاني: أبعدو هذا السكير عن جلالة الامبراطور.

الامبراطور:(يصيح فيه) لا ... (ثم بهدوء) دعوه يتكلم، لم يسبق لبابل أن دفعت أمامي بهذه الفصاحة في الكلام. أيها الحاوي، في هذه البلاد لن يكون جلاد بعد اليوم.

الحاوي: بسبب خطأ بسيط لم يقصده المسكين؟ وهذه المقاصل ؟ من يتولى أمرها؟

الامبراطور:تُحرق مع شروق الشمس.

الحاوي: لا شك انك تمزح (ثم يغرق في الضحك) لأول مرة أتلقى نكتة امبراطورية (جادّاً) أهي هدنة مؤقتة؟ أم .. (يفكر) آه ... لقد خمنّت. إذن فهي الحرب؟ التعبئة. تجنيد الشعب لاسترجاع ممتلكات الامبراطورية. انني أحيي فيك هذه الروح القومية الجديدة. ولكن ... لعشر سنوات وأنت تخوض حرباً موفقة ضد شعبك، فلماذا تشغل نفسك في حرب خاسرة مع دولة أخرى؟

الامبراطور:ليست الحرب هي السبب.

الحاوي: (متراجعاً) ماذا اذن؟

الامبراطور:العدل ...

الحاوي: العدل؟ هل قلت... العدل؟ (ينسحب ويجلس على المدرج) ان حال الدنيا يستعصي على الفهم. ما شأنك أنت والعدل؟

الامبراطور:قررت أن أكون عادلاً.

الحاوي: (يقفز من مكانه) متى اتخذت هذا القرار؟

الامبراطور:الليلة.

           (فترة)

الحاوي: هكذا اذن؟ أتريد أن تدشن العدل (فترة) ولكن هذا سيكلّف الكثير.

الامبراطور:هل العدل يكلّف كثيراً؟

الحاوي: ذلك يتوقف على من يتولاه.

الامبراطور:كيف؟

الحاوي: ليست مهمتي عرقلة التاريخ. الانسان كتب على نفسه أن يشهد أبشع المجازر قبل أن يصل الى العدل الحقيقي (فترة) ما الذي جعلك تفكر في العدل يا جلالة الامبراطور؟

الامبراطور:مللت الظلم.

الحاوي: سبب معقول. ولكنه غير كاف لينقلب انسان على نفسه.

الامبراطور:(بحزم) لقد قررت .. ويجب أن يتم العدل. (يتجه نحو اليمين ليخرج. يتبعه ضباطه).

الحاوي: انك تحاول أن تعزو لنفسك أكبر المهام .. بل أخطرها. (الامبراطور يتصلّب في مكانه) اذا كنت تنوي التكفير فابحث عن طريقة أخرى.

الامبراطور:(يعود حيث يقف الحاوي) ليس التكفير ما يشغلني.

الحاوي: ماذا اذن؟

الامبراطور:العدل ... العدل بذاته.

الحاوي: (يهمس قرب اذن الامبراطور) لا تغّش مع نفسك، انه الماضي، هه؟

الامبراطور:الماضي لا يخيفني.

الحاوي: والظلم؟ والدمار السابق؟

الامبراطور:كل ذلك سيكون ثمناً للعدالة القادمة.

الحاوي: والعدالة القادمة التي تنويها ... ستكون ثمناً لأي شيء؟ (الامبراطور لا يجيب) سوف تحتاج مئات الحرائق لتتلمس طريقك الجديد. فاذا كنت تبحث عن الخلود من خلال الفضيلة فلا تكلّف نفسك هذا العناء.

الامبراطور:       (يتضايق فجأة) أتعرف أين يكمن عيبك؟ (يقبض بشدّة على فك الحاوي) في الجانب السليط من كلامك (يدفعه بعيداً. يفكر للحظة وهو يتفحص الحاوي) أنت تماحك بطريقة ذكية، هل عملت وزيراً من قبل؟

الحاوي: هذه الوظيفة في بلدنا تحتاج الى القرابة أوالوساطة وليس الذكاء، أنت تعرف هذا.

الامبراطور:(تخطر له فكرة) حسناً، لنتفق.

الحاوي: على ماذا نتفق؟

الامبراطور:أعطيك أرفع المناصب في القصر لتساعدني في مهمتي.

الحاوي: أسخى عرض ألقاه في حياتي (بحزم) كلا ..انني لا أميل لهذه الألعاب.

الامبراطور:(ودوداً بعض الشيء) لماذا تعارض العدل؟

الحاوي: الأغبياء وحدهم يثقون بعدالة ظالم. سيدي الامبراطور ... انك تحاول فوق طاقتك.

الامبراطور:أيها الصعلوك أنت تدافع عن سبب رزقك، لن تبقى مقاصل بعد اليوم (الى الآخرين) أضرموا النار في المقاصل، وضعوا هذا المأفون في السجن.

           (يدخل بعض الحراس يقتادون الحاوي وآخرون يصعدون لاحراق المقاصل).

الحاوي: (يضحك عالياً) لقد بدأ العدل بضحية.

           (تُسمع جلبة خارج المسرح. يدخل حراس جدد)

حارس: (ينحني) سيدي ... الامبراطورة.

الامبراطور:الامبراطورة؟ (متبرماً) ماذا تفعل جلالتها في هذا الليل؟

           (تدخل الامبراطورة يتبعها بعض الحراس)

الامبراطورة: (التي سمعت كلامه) عندما تجد المرأة فراش زوجها خالياً فمن حقها أن تسأل عن السبب، حتى لو كانت زوجة امبراطور. ماذا يجري هنا؟

الامبراطور:اننا نقوم ببعض الأعمال الصغيرة.

الامبراطورة: في هذا الوقت المتأخر؟

الامبراطور:هوني عليك.

الامبراطورة: لقد واجهتُ ساعات عصيبة بسبب تغيبك عن القصر دون أن تترك خبراً عن مكانك، والآن تتضايق اذ أسألك.

الامبراطور:       لم أقصد الهزء بحقوقك الزوجية، ولكنك تتبعيني في أماكن لا تليق بامبراطورة. ثم لماذا تجرّين وراءك نصف جيش بابل؟

الامبراطورة: كنت أبحث عنك.

الامبراطور:       انني بحماية أشجع ضباطي. لا لزوم لاستنفار الامبراطورية كلما تغيبت ساعتين عن القصر.

الامبراطورة: سيدي!

الامبراطور:  ماذا؟

الامبراطورة: لا داعي لسخريتك. اننا في وضع يدعونا للتفكير بأسوأ الاحتمالات عند تغيبك عن القصر. القلق الذي عانيته بسبب تغيبك المفاجيء هو الذي دفعني للسؤال، وليست الرغبة في محاسبتك.

الامبراطور:  حسناً. كنتُ أهيم في شوارع بابل.

الامبراطورة: تهيم في الشوارع؟ ليلة كاملة؟

الامبراطور:  (يهدأ) كنتُ أفكر. الليل والمشي يلهمان الانسان.

الامبراطورة: (غير مصدقة) ولا شيء آخر؟ الامبراطور كان يسلّي ذهنه بالتفكير ويتجول في شوارع بابل المليئة بالحفر والأقذار واللصوص، بينما زوجته قضت ليلتها وحيدة ترتجف من الذعر.

الامبراطور: ليتوقف ذعرك عن الارتجاف. انني هنا.

الامبراطورة: أوووه. وهذه الضجة التي يسببها حراسك؟

الامبراطور: حرّاسي يعملون لإشعال النار في المقاصل.

الامبراطورة: لماذا؟

الامبراطور: سوف يرى الغد أموراً كثيرة وليس من الصواب أن نستغرب.

الامبراطورة: انني لا أفهم.

الامبراطور:       قررت أن أكون عادلاً (فترة صمت) أثناء تطوافي في الليل اتخذت هذا القرار، غداً سوف تشهد بابل حدثاً كبيراً.

الامبراطورة: انني عاجزة عن الفهم، كليّاً.

الامبراطور: كلكم لا تفهمون، مشردو بابل رفضوا أن يفهموا أيضاً.

الامبراطورة: انك تخترع لنفسك المحن.

الامبراطور:       (الى الحراس بصوت عال) صبّوا أكبر كمية من الزيت. لترتفع نيرانها حتى تراها أطراف بابل.

الامبراطورة: (مبلبلة) كنتَ حازماً ولم تكن ظالماً.

الامبراطور:       (يضحك ساخراً) ان تفسير زوجة الفلاح للظلم يختلف عن تفسير زوجة الامبراطور، وهذا طبيعي. اننا نلحق الذعر بأنفسنا لأسباب منطقية ولكنها لم تعد مجدية.

الامبراطورة: (مرتجفة) لا تتسرع.

الامبراطور: فكرت عميقاً، فرسوت على العدل.

الامبراطورة: وهل ستكون عادلاً مع أعدائك؟

الامبراطور:       (بعد لحظة صمت) هذا ما يجب عمله، لكي تصبح الأمور حقيقية ينبغي تغيير الوجه القاسي للحكم.

الامبراطورة: لم؟

الامبراطور: لأنني أريد ذلك.

         [فترة صمت]

الامبراطورة: لن أقف ضد ارادتك، ولكني أخشى أن يستغل خصومك هذه المناسبة ليشعلوا النيران من حولك.

الامبراطور: سوف أعطيهم الوقت ليثبتوا حسن نواياهم.

الامبراطورة: حسن نواياهم مع من؟ مع العدل أم معك أنت؟ إنهم اعداؤك. انهم يبحثون عن نقطة ضعف لينقضوا عليك، منذ توليك الحكم لم يكن لديهم سوى حلم واحد يعذب رؤوسهم .. هو الجلوس على العرش. فهل تعبت من الدفاع عنه؟

الامبراطور: لم أتعب.

الامبراطورة: اذن ...! لم هذه اللعبة الخطيرة التي تلعبها؟

الامبراطور: لقد أفسدنا الكثير من الأمور والآن علينا اصلاحها.

         [يدخل مدير القصر خلفه حرس كثير]

الامبراطور: ها هو مدير قصرنا يأتي بالبقية الباقية من الجيش.

مدير القصر: سيدي ...

الامبراطور:       (مقاطعاً) أعرف. كنتَ قلقاً عليّ. ولاحت لك أفكار عديدة، كلها سيئة، أليس كذلك؟ (مدير القصر يرتبك) حين يغيب امبراطور بابل نصف ساعة عن حصنه، فمعنى هذا انه قد أُطيح به، وأي تفسير آخر هو ضرب من الخيانة. ما هي الاجراءات التي عملتها بسبب غيابي؟

مدير القصر: (مضطرباً بعض الشيء) الاجراءات الاستثنائية المعتادة.

الامبراطور:       قل لي، ماذا فعلت؟

مدير القصر: داهمنا خمسة آلاف بيت يُشك في ولائها لجلالتك، واعتقلنا الفي شخص يُعتقد بأنهم يحملون مشاعر غير وديّة للسلطة، و ... ووضعنا الخصوم السياسيين تحت الحجز.

الامبراطور:       اذهب، أمامك ساعتين لاخلاء جميع المعتقلين والمحجوزين وتقديم اعتذار للبيوت التي داهمتموها (يهمّ مدير القصر بالخروج) هناك أمر آخر، وجه إشعاراً الى الوزراء لاجتماع طاريء في الصباح.

مدير القصر: أمرك سيدي (يخرج).

[        [الضابط وجميع الحراس يتراجعون الى الخلف. الامبراطور يجلس على المدرج ويعصر وجهه بكفيه]

الامبراطور: انظري من مكانك. هل بدأت طلائع الفجر في الافق؟

الامبراطورة: (تتطلع نحو الشرق) الخيوط الأولى.

الامبراطور:       لأول مرة أشعر بالارتباك أمام يوم جديد. لا أدري كيف يجب أن أستقبل هذا الصباح.

الامبراطورة: لقد عرفتُ ثبات خطواتك في أصباح سابقة.

الامبراطور:       الآن ستشهدين ارتباكي (يكشف وجهه) هل يمكن أن يكون العدل فوق طاقة الانسان حتى لو أراده؟

[        [الامبراطورة تنسحب خارجة تحمل على وجهها علامات عدم الرضى يتبعها حارسها. يبقى الامبراطور وحده مستغرقاً في التفكير]

الحارس: سيدي، المقاصل جاهزة.

 الامبراطور: أشعلوها ... بسرعة.

         [يخرج].

 

 

                                               *         *        *

 

المشهد الثاني:

         [في الصباح التالي، بدون ديكور، شجرة يابسة ينام تحتها شاب، هتافات تمّر بالمكان دون أن نشاهد مطلقيها]

        : يعيش العدل.

        : يعيش العدل.

        : يعيش الامبراطور العادل.

        : يعيش الامبراطور العادل.

         [تبتعد الهتافات ثم تختفي. يدخل النجار. الشاب يتحدث بهدوء وعلى منوال بطيء، أما النجار فانه منفعل في حديثه وتنتابه العصبية بين فترة وأخرى]

النجار:  (يوقض الشاب بقدمه) هيه، انهض.

الشاب:  ماذا؟

النجار:  أيها الخامل، كيف تستطيع النوم كل هذا الوقت؟

الشاب:  (دون أن يغير وضعه) ماذا تريد؟

النجار:  ألم تجد غير هذه الشجرة الميتة تستظل بها؟

الشاب:  دلني على شجرة نظِرة في بابل وأعطيك ذراعي مقابل ذلك.

النجار:  بالتأكيد. فحين تتخلص من ذراعك سيكون لديك عذر مشروع للعطالة (يرفسه) انهض واترك النوم يهجع قليلاً.

الشاب:  (بضيق غير واضح) ماذا تريد؟

النجار:  اسمع. ليلة أمس أحرق الامبراطور كل المقاصل.

الشاب:  (ببرود) حقاً!

النجار: صدقني.

الشاب:  وما شأني أنا؟

النجار:  ألا يسرّك هذا؟ لن تبقى مقاصل بعد الآن. ألا تفهم ما يعني احراق المقاصل؟

الشاب: يعني العودة الى المشانق.

النجار: انك تغط في النوم ولا تعرف ما يجري. لقد أعلن الامبراطور العدل.

الشاب: (يتململ قليلاً) ماذا؟

النجار: سوف يسود العدل كل الامبراطورية. ان بابل ترقص فرحاً منذ الصباح.

الشاب:  (يجلس متكئاً بظهره الى الشجرة) دعك من الرقص، فقد أصبحت بابل ترقص لجلاديها ومخلصيها بنفس الحماس، ولكن خبرني ما حكاية العدل هذه.

النجار: فجر هذا اليوم، أعلن الامبراطور ان العدل سيسود البلاد.

الشاب: لا شك ان أحدكما مجنون. أنت أو الامبراطور.

         [يعود لينام]

النجار: عدتَ الى النوم؟

الشاب:  (يجلس مرة أخرى) لم لا تتركني وشأني. المقاصل لا تهمني بحال.

النجار: والعدل؟

الشاب:  تلك مسألة بين الامبراطور والشعب.، ما شأني أنا؟

         [يعود لينام]

النجار:  أية مصيبة. ان رغبته في النوم أقوى من كل المفاجآت. اسمع انها مناسبة طيبة لنتحدث عن العمل.

الشاب:  مرة أخرى؟

النجار: أنت تقضي وقتك في النوم، هكذا دون فائدة، ان وضعك كشاب غير لائق على الاطلاق، غير لائق، هه؟

الشاب: (دون مبالاة) ربما.

النجار: ربما؟ ليس هناك ما يدعو للعناد. أنت تملك الشباب والذكاء وأنا أملك أخشاباً بكميات كبيرة. فاذا اتفقنا سوف نحصل على أرباح هائلة. عدتَ للنوم من جديد؟ (ينغزه) هة؟ هل ستقضي بقية عمرك بهذا الحال؟

الشاب: انه الحال الوحيد الذي يوافق ضميري.

النجار: العطالة توافق ضميرك؟ أنت أحمق اذا صدقتَ هذا الى النهاية. كل الناس يعملون ويكسبون عيشهم بشرف.

الشاب:  ليس من الشرف أن أعمل لكي أدفع الضرائب لخزانة الامبراطور.

النجار: اذن أنت ترفض العمل بسب خزانة الامبراطور؟ (ينفجر بالضحك) هكذا اذن؟ (ثم بجد وهو يرفعه من ياقته) خزانة الامبراطور ستجد من يملأها، سواء أنت أو غيرك، ولكنك وحدك الذي سوف تهلك دون أن تهّز مسماراً واحداً فيها.

الشاب: يا عزيزي، لقد اخترت الهلاك.

النجار: أنت أحمق.

الشاب: أنت تفهم في الأخشاب ولا شيء آخر.

النجار: جئتُ أعرض عليك عملاً.

الشاب: إنني أرغب في النوم (يخلّص ياقته من يد النجار)

النجار: يا لبؤس بابل. ان أفضل الأفكار وأبرعها بحوزة ناس لا يجيدون سوى النوم (يعود ليرفعه من ياقته ثم يتركه يسقط. تنتابه العصبية ثم يهديء حاله بصعوبة) هذه آخر فرصة لك. لم آت لأناقشك في أمور الخزانة. أنت بحاجة الى ما يسّد رمقك. لن تجد عندي مجالاً للعمل في وقت آخر. انني أملك خمسة وعشرين نوعاً من الأخشاب الجيدة، سوف نجني أرباحاً سريعة. يجب أن تترك مسألة الخزينة هذه وتفكر في نفسك (فجأة بغضب) ثم ما دخلك أنت في الطريقة التي تنفق بها الضرائب؟ كل الناس يدفعون ولا يفكرون مثلك. تدفع أربعة دراهم في الاسبوع وتريد محاسبة الدولة أعمالها؟ أنت مجنون حقيقي. أربعة دراهم!! هه، انها لا تكفي أجرة شرطي ليوم واحد.

الشاب: ولماذا تريدني أن أدفع اجرة شرطي يركل الناس باسم القانون؟ لماذا؟

النجار: حسناً، لنترك موضوع الشرطة جانباً. انني أملك نوعين نادرينمن أخشاب الجوز. لدي طلبات عديدة عن خشب الجوز. يمكننا أن نتعاون. هناك أ‘مال كثيرة غيرها ... هل عدتَ الى النوم؟

[        [تُسمع هتافات من بعيد، النجار يصغي، الهتافات تقترب. جماهير يتقدمها شرطي. الشاب يلازم مكانه]

        : يعيش العدل.

        : يسقط الظلم.

        : يعيش الامبراطور.

أحدهم: يعيش الامبراطور العادل.

آخـر:  يعيش العدل الامبراطوري.

آخر:    (يشير نحو الشاب والنجار) هنا مواطنان يجب أن يلتحقا بالمسيرة.

آخر:    المساهمة واجب وطني.

آخر:    كل الشعب مطالب بالتعبير عن رأيه الحقيقي.

آخر:    العدل هو الحرية.

آخر:    العدل هدفنا.

آخر:    العدل أملنا.

آخر:    يعيش العدل.

الجميع:  يعيش العدل.

نفسه:    يسقط الظلم.

الجميع:  يسقط الظلم.

نفسه:    لا ظلم بعد اليوم.

الجميع:  لا ظلم بعد اليوم.

آخر:    (الى النجار) أيها المواطن الصالح، ما هي مهنتك؟

النجار: انني نجار، أملك 25 نوعاً من الأخشاب الجيدة ... هذا الـ ...

نفسه:    (مقاطعاً) أنت مدعو للنضمام الينا.

النجار: انني معكم. يعيش الامبراطور.

نفسه:    وأنت (الى الشاب) ما هي مهنتك؟

النجار: : انه يجيد كل المهن ولكنه لا يعمل.

نفسه:    من العار ان لا يعمل انسان في بابل بعد اليوم. أيها الأخ الشاب سوف تنظم الى المسيرة.

آخر:    يعيش العدل.

الجميع:  يعيش العدل.

نفسه :   يعيش الامبراطور.

الجميع: يعيش الامبراطور.

نفسه:    كل الشعب مع الامبراطور.

الجميع:  كل الشعب مع الامبراطور.

آخر:    (الى الشاب) لماذا لا تنهض؟ يجب أن تتحرك المسيرة بسرعة.

الشاب: سوف ألحق بكم بعد قليل.

نفسه:    يجب أن تشارك معنا أيها الشاب.

آخر :   فلنتركه في مكانه ونتابع المسيرة.

آخر:    كيف نتركه؟ يجب أن يشترك كل الشعب في المسيرة.

آخر:    لقد تحقق العدل. أمل بابل الكبير. يعيش أمل بابل الكبير.

الجميع:  يعيش أمل بابل الكبير.

آخر:    تأخرنا كثيراً أيها الأخوان.

آخر:    الوقت لا يسمح بالتأخير.

آخر:    أمل بابل يدعونا للاسراع.

آخر:    (يصرخ بوجه الشاب) أمل بابل يجب أن لا ينتظر.

الشاب:  من طلب منه أن ينتظر؟ قلت سوف الحق بكم بعد قليل.

آخر:    أيها الشاب، المسيرة بدأت ولا مجال نضيعه.

آخر:    أيها المواطنون، انني أعرف هذا الشاب. لا فائدة تُرجى منه، فلنتابع مسيرتنا.

         [يهمّ الجميع بالذهاب فيوقفه أحد المتظاهرين]

الشخص الذي أوقفهم: كيف؟ ان بابل تدعو الجميع. أيها الشاب، انفض عنك الكسل وشمّر عن ساعد الوطنية.

الشاب: لم هذا التعقيد أيها الأخوان. اتركوا لي فرصة لأهيء نفسي ثم أنضم اليكم.

أحدهم: ذريعة للتهرّب.

آخر:    لا نقبل في صفوفنا متهربين.

آخر:    انه متقاعس.

آخر:    سلبي، لا يتحلى بروح وطنية.

آخر:    لا يهمه أمر الشعب.

آخر:    هؤلاء هم سبب نكبات بابل.

آخر:    هل يحزنك أن يسود العدل؟

آخر:    يجب أن تشترك في هذه المسيرة التي تعبّر عن رأي الجماهير.

آخر:    انه لا يريد أن يعبّر عن رغبته.

آخر:    يجب أن يعبر عن رغبته.

آخر:    انه ضد آمال الشعب.

آخر:    ضد تطلعات الجماهير. هذا واضح.

آخر:    أيها الأخ الشرطي، اننا نحيل الأمر اليك. ما رأيك بهذه السلبية الخطيرة.

الشرطي: انني أترك الأمر للشعب.

أحدهم: هذا هو العدل الحقيقي. الشعب هو الذي يقرر.

آخر:    ماذا نفعل له؟ لقد أعاق مسيرتنا ما فيه الكفاية.

آخر:    لقد تخلى عن وطنيته.

آخر:    انه يعاني من ضعف في الوطنية.

النجار:  لسنا بحاجة اليه، فلنتركه وشأنه.

آخر:    هؤلاء السلبيون هم سبب تعاستنا.

آخر:    لن نسمح لأحد باحباط عزيمتنا.

آخر:    (يكاد يبكي من الغضب) لماذا تقف في وجه سعادتنا؟

الشاب:  (ينهض ويبحث فيما حوله) أين هي سعادتكم لأقف بوجهها. اذهبوا واهتفوا للعدل. هل منعتكم من ذلك؟

آخر:    أيها الأخ الشرطي. بعض الاجراءات كفيلة باعادته الى الصواب.

الشرطي: انني أترك الأمر بين أيدي الشعب.

أحدهم: بين أيدي الشعب. هذا هو المفهوم الحقيقي للعدل.

آخر:    يعيش العدل.

الجميع:  يعيش الهدل:

نفسه:    تعيش الشرطة.

الجميع:  تعيش الشرطة.

أحدهم: (الى الشاب) لماذا ترفض المساهمة في المسيرة؟

الشاب:  (وقد ضجر مما حوله) انكم تبالغون كثيراً، فلستُ ضد شيء على الاطلاق.

أحدهم: انه يماطل، فلا فائدة تُرجى.

آخر:    لا يريد للعدل أن يسود.

آخر:    يجب أن نموت ليحيا العدل (يصرخ بوجه الشاب) هل سمعت؟

الشاب:  لا يمكن أن أموت ليحيا العدل قبل أن أتأكد من حقيقته. هل فهمت؟

         [الجميع يتطلعون بعضهم الى بعض غير مصدقين]

أحدهم: احذروا ... بدأ يشكّك.

آخر:    يستهين بالعدل.

آخر:    وبذلك يكون قد أهان الامبراطور العادل.

آخر:    ماذا؟

آخر:    وجّه اهانة للامبراطور.

الشرطي: (يتدخل) في هذه الحالة، الأمر يقع على عاتقي (يرفع الشاب من ياقته) لقد تجرأت وأهنت الامبراطور، هه؟

الشاب:  لم أذكر الامبراطور بسوء.

الشرطي: أيها المشاغب سوف تدفع ثمن جسارتك.

الشاب:  قلت لك لم أذكر اسم الامبراطور فكيف لحقته الاهانة مني؟

أحدهم: شككت في العدل.

آخر:    قال العدل خرده.

آخر:    كلا، لقد شتم السلطة.

آخر:    لم أسمعه يهاجم السلطة، انما تهجّم على جلالته.

الشرطي: (زاجراً) لست بحاجة الى شهادتكم. الأمر يخصني وحدي. (الى الشاب) حسناً أيها الشاب، فقد تجرأتَ وأهنت الامبراطور، ثم تهجمت عليه، وقلت ان العدل خرده.

أحدهم: يجب أن ينال عقابه.

آخر:    لننته من الأمر بسرعة.

آخر:    كان هذفه عرقلة المسيرة.

آخر:    عملية تخريب.

آخر:    طعن الشعب من الخلف.

آخر:    يعيش الامبراطور.

الجميع : يعيش الامبراطور.

نفسه:    تسقط مؤامرات أعداء الشعب.

الجميع:  تسقط مؤامرات أعداء الشعب.

نفسه:    يسقط المتصيدون في الماء العكر.

الجميع:  يسقط المتصيدون في الماء العكر.

الشاب:  (يتخلص من الشرطي) ماذا دهاكم؟ ان الحماس يفقدكم الصواب وحسن الطوية يا أهل بابل. لستُ عدوا لأحد ولا يعنيني الأمر بحال من الأحوال فاتركوني وشأني.

أحدهم: لقد سمعتم، قال لا يعنيه الأمر.

آخر:    لا يهمه مصير البلاد.

آخر:    لا تهمه سعادة الشعب.

آخر:    لا يعنيه مستقبل بابل، أين الروح الوطنية؟

آخر:    منتهى الأنانية.

الشاب:  (يصرخ) أي طاعون!! ألا توجد نهاية لهذا السخف؟

أحدهم: أصبح الأمر لا يطاق.

آخر:    يهين الأمة.

آخر:    يتطاول على المقدسات.

آخر:    (يسأل) هل يجدّف بالدين)

آخر:    لقد سمعته يكفر بالآلهة.

آخر:    ماذا؟

آخر:    كفر بالآلهة، وشتم الامبراطور وأهان الشعب، (يهجم عليه) أيها المتآمر.(يهجم عليه الآخرون وينهالون عليه بالضرب)

الشرطي: (يتنحى جانباً) الآن ... اترك الأمر للشعب.

         (ينفضون عن الشاب ويتابعون مسيرتهم)

هتافات: يعيش العدل.

         يسقط المتآمرون.

         يعيش الامبراطور العادل.

         (الشاب لوحده ممداً على الأرض. يدخل الحاوي)

الحاوي: يالخيبة بابل. لقد عجز رحمها عن انجاب حاكم عادل، وها هي أخيراً تستبشر بعدالة ظالم. (ينحني على الشاب) أيها الغبي، ماذا فعلت بنفسك (يضع رأس الشاب في حضنه ويتفحصه) كل هذا الركل والضرب دون نقطة دم واحدة. هذا الشاب يعاني من جوع مزمن (يضحك) عاطل وجائع وتستهويه مصارعة الخزائن الامبراطورية.

         (الشاب يحرك رأسه وهو يئن)

الحاوي: (ساخراً) ماذا؟ لا زلت حياً؟ يالك من قط عنيد، ضربوك ما يكفي لارهاق عشرة أرواح.