جناز ميتافيزيقي رخيم عن الكون

نقد لآخر قصائد اكتافيو باث.. "استجابة ومصالحة"

 

     لا أميل كثيراً إلى قراءة الشعر، غير أن الأناشيد المثّـقلة بالإيحاءات والأفكار تجذبني إليها بقوة. وحين انتهيت من قراءة آخر قصائد اكتافيو باث "استجابة ومصالحة"، عادت صور القصيدة وتضميناتها إلى تفكيري في الجزء الثاني من النهار، ثم في اليوم التالي. إنها صورة عميقة عن دراما الوعي الإنساني في هذا العصر..

     أول شعور انتابني هو أن باث في قصيدته هذه يقفز من المعري إلى بودلير، لينطلق ،مروراً بالشاعر ريلكه، إلى المستقبل عَبر جناز ميتافيزيقي رخيم عن الكون وعلاقة الإنسان بالوجود.

     كل من الثلاثة السابقين شيعوا الوجود الإنساني من خلال رثاء للذات، حزين وصاخب، اكتافيو باث يقدم رثائه بعذوبة ساحرة، متفهمة، قريبة من الرضا، قائمة بكل كثافتها التصويرية على بعد استشرافي مهم.

     الإيحاءات التي نعثر عليها مبعثرة ومشتتة هنا وهناك في الشعر الحديث، نجدها في قصيدة "استجابة ومصالحة" مركّزة، وذات هدف كبير.

     لقد صارع الشاعر نفسه (هكذا تخيّلتُ الأمر) في الفترة الأخيرة من حياته، بعد أن انصرف إلى التأمل والتفكير حين أقعده المرض، ليلحق بالعصر وإنجازاته السريعة ثم يسبقه بخطوات كبيرة، بتقديم لوحة - نموذج لتوجه الكاتب وتفكيره في العقود االآتية.

     في السنة الماضية تابعت في دهشـة، المرضى الأوربيين الميئوس من علاجهم أو إيقاف آلامهم، وهم يدافعون بهدوء، ونظرات واثقة، عن حقهم في إنهاء حياتهم بحقنة الموت، التي يحرّمها الدين والدولة، فكنت أتساءل: "كيف يمكن الكتابة عن هذه القناعة الجديدة، التي تمثّل تحوّلاً في تعامل الإنسان الأوربي مع فكرة الوجود والموت؟ سواء كان الأمر يتعلق بابتعاد هؤلاء الناس عن الدين، أو بحالة اليأس التي تسيطر عليهم في لحظة معين من التعاسة؟

     أعتقد، حتى لو لم يكن الأمر كما أتصور، أن قصيدة "استجابة ومصالحة" سبقت كل تفكير في هذا المجال.لقد كتب اكتافيو باث قصيدته الأخيرة قبل ثلاث سنوات، ولم أطّلع على آراء النقاد الذين كتبوا عنها، كما ذكر المترجم في المقدمة، لكنني قررت أن أختلي إلى نفسي، لأقرأ هذا العمل كما يحلو لي.

     يلجأ اكتافيو باث في مستهل القصيدة إلى السرد الروائي، أو القول السردي، مستعملاً أهم أدوات الشعر الملحمي، أعني ضمير الغائب:

     اواه..! أما من مجيب؟

     تدفقت كلماته سهاماً نارية

     ثم يغلق، ليوضح أننا بصدد حكاية الإنسان وعلاقته بالوجود: "حفرت كالصخر منذ القدم، وتحوّلت الآن، إلى ضباب.." يعني أسئلة الإنسان الحائرة.

     في أواخر حياته، تابع اكتافيو باث أهم الغزوات الفضائية التي قامت بها مختبرات (أنسا) إلى الكواكب البعيدة، ثم الاستنتاجات الأولية التي توصل إليها العلماء عن عمر الكون، التي قد تجعلها الضجة الاعلامية بالنسبة لروح مرهفة على وشك الرحيل، أقرب إلى الحقائق السعيدة بما تكشفه من أسرار عن تاريخ وتركيب العالم الصغير الذي يعيش فيه الإنسان (الأرض) وبعض ألغاز الكون الهائل من حوله.  وقبل ذلك استسلمت الجينات لمباضع الأطباء إلى الآلية، كاشفة عن قوانين عملها التي ظلّت عصية على الفهم، فأنتجت مختبرات اسكتلندا أول كائن حي عن طريق زراعة العناصر الوراثية بدل الإخصاب الطبيعي، وهي النعجة (دولي).

      إذن، الكتابة، والشعر على وجه الخصوص، سيواجهان مأزقاً في القريب العاجل، إذا لم يتخلصا من فصاحتهما القديمة، ويغيرا استعاراتهما ومواضيعهما، وإلاّ سيبدو انتماؤهما إلى العصر شاذاً وغريباً!

      في القرن الثالث قبل الميلاد، كان أبطال هوميروس واسخيلوس الملحميون يهزون قبضاتهم بوجه الأقدار الغامضة، يتحايلون عليها ليفلتوا من مكائدها وقراراتها الشريرة، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر استعان الشاعر بالغيبوبة، ثم تماهى مع الضياع، وأخيراً لجأ إلى التمرد، ليدحر عبث الوجود، أو يزحه قليلاً عن طريقه. الآن إذا أوجدنا شخصية تجادل القدر، بلسانها أو بقبضتها، فأن  هذا يندرج ضمن الأدب الساخر، وإذا وضعنا ما يقابل روكنتال (أشهر أبطال العبث الذي ابتدعها سارتر) في عمل روائي، أو شعري، في الجزء الأخير من القرن العشرين، لن تكون أزمته أكثر من حالة كآبة (….) يمكن معالجتها بالأقراص من خلال أية عيادة طبية وفي غضون اسبوعين، فتتجرد، بالتالي، شخصيته من أية أبعاد أدبية أو انسانية عميقة!

      إذن الأوربيون إزاء كشوفات وتغييرا تعطل، إذا لم نقل تسخر من الأهداف القديمة للكتابة، وبالأحرى رسالتها:

      الإنسان والمجرّة

      يعودان إلى صمتهما،

      فهل هذا ما يهم؟

      أجل..

      ومع ذلك فأنه لا يهم أبداً:

      لأننا نعرف أن الصمت موسيقى

      وأننا وتر في هذا الوئام

      لماذا انهى اكتافيو باث قصيدته بالوئام، هل اختار مفهوماً جديداً للحياة يتوافق مع علاقة البشر بالطبيعة، على ضوء المعرفة الحديثة التي توالت على الإنسان في سرعة فائقة طوال النصف الثاني من هذا القرن؟

      تتضمن القصيدة، وهي محكمة البناء، أو على غرار ما يسميه ادغار آلان بو فلسفة بناء المقاطع الصغيرة التي تسمح لنا بأن نحتفظ، إلى نهاية القصيدة، بانطباع واضح عن بدايتها، تتضمن سرداً مشحوناً بالصور الرمزية عن تاريخ الإنسان وعلاقته الحسّية والروحية بالوجود، وهي علاقة عابرة، سريعة، تمحي هي وأسئلتها مخلفة الضباب، الذي هو أكثر بقاءً من كل النيران التي تشتعل تنطفئ في دورات زمنية لا نهاية لها، غير أن الضباب، السديم الذي وجد ويبقى، هو أيضاً مبعث الوجود حسب العلم الحديث، كذلك حسب تفسير الأديان للخلق الذي سبق العلم، وسأبقى في تأويلاتي مقتصراً على الغرب، الذي أصبح فيه الناس، في الفترة الأخيرة، يربطون بين ذهابهم إلى الكنيسة بنزهة نهاية الاسبوع في الحديقة، والذي يقدم فيه الدين لرعاياه تنازلات مستمرة، حتى غدا الإله يسعى إلى رضا الشخص وليس العكس!

      والرثم العام للقصيدة رثم مسالم، ليس مقاتلاً ولا متمرداً، لمنه غير مذعن، وهذا مهم بالنسبة للمصالحة. فالحياة، لا وجود لها كمفهوم يقبل الثبات، وهي توجد فقط من خلال أحاسيسنا وتفكيرنا، إلى أن تنقضي هذه الأحاسيس فتفنى الحياة كلياً من الوجود (بالنسبة للفرد) نجد ما يقابلها هذا في الفكر الصوفي، الشرقي والغربي.

      تصغي الحياة، لصوتها، في داخلنا،

      وتدرك كنهها، عبرنا،

      وعندما نرسمها، نغدو مرآتها.

                   * * *

      إنها حادث عارض، يفكر..

      كائن من الانعكاسات،

      نبتدعه بتفكيرنا،

      ليتطوح من ثم، في مهاوي الخيال.

</I></font>

      والحياة: "هي الآخر، لها ألق جسد، ومع ذلك فلا جسد واحداً لها، وهي لا تتحرك إلى الأمام، ولا تثبت، أبداً، لأنها ولدت لكي تموت، لأنها ولدت في الموت ذاته".

      فكرة عدم الثبات (الصيرورة المستمرة) والولادة من الموت، ومن أجله، استحوذت على الفكر الغربي منذ أوائل القرن التاسع عشر، وقادت إلى التشاؤم، ومنه خرجت مدارس العبث والعدم والتمرد واليأس في الكتابة، وامتد تأثيرها إلى الشخص العادي في المجتمع الأوربي، وكان شوبنهور، أبرز فلاسفة التشاؤم، قد عرض فلسفته عن الصيرورة في أواسط القرن الماضي، مؤكداً، ببراهين تعتمد المنطق بالدرجة الأولى، أن قانون الوجود ينهض على مبدأ واحد، هو الصيرورة المستمرة للمادة، هذا القانون يجعلها في حالة تطور دائب، أبدي، مما حكم على الإنسان بالزوال، شأنه شأن أية خلية أخرى، تولد وتتطور وتضعف وتموت عند درجة معينة لا تتعداها، إلاّ أنها تصل إلى مرحلة معينة، إلى نقطة مختلفة لبداية جديدة، هذا الاختلاف الذي يشكل أساس قانون التحوّل لدى داروين، لا يحسّ به إلاّ الزمن، الزمن الكوني، المخيف، الذي يقاس بمليارات السنين.

<small>

 * ترجم القصيدة نوبل عبد الأحد، ونشرتها "الشرق الأوسط" يوم الأحد 8/6/1998.