المسرح في المنطقة العربية:  مرحلة من التخبط والفوضى

 

     عصا بريخت الغليظة

 

 

فوقنا تعلو نجوم الموت  

بينما تلوّت روسيا ألماً   

تحت العقُب الحديدية الدامية   

وتحت قضبان الزمهرير الأسود   

                 *آنا آخماتوفا   

 

  تسود علاقة المثقف العربي باللغة حالة طريفة من التغريب، تؤدي، بسبب عدم وجود هدف فني مُضمَر، إلى الفوضى في المعاني وفي الأحاسيس، فهو يردّد في كتاباته مفردات قد تتطلب تجربة حياة بأكملها، أو يُركِّب جملاً تكمن وراء بنيتها خبرة عميقة في جانب ما من التجربة الإنسانية، أو يلجأ إلى دلالات لا تمتُّ لحياته ولا لمواقفه بصلة حسية أو معرفية، لذلك غالباً ما نعثر، ونحن نقرأ نصاً لبعض الكتّاب، على كلمات تتصادم مع بعضها، أو ينقض وجودها السياق الذي وردت فيه.

  هذه الفوضى تربك القارئ، إذ يقف حيال مفردات تصوغ معانٍ مفخَّمة حول موضوع بسيط، أو تناشد في صراخ رأياً عاماً حول إحساس شخصي بحت، أو تدقّ طبول النفير ردّاً على رأي مخالف لا يتعدى تأثيره مساحة الصفحة المكتوبة فيه.

  طبعاً هذا لا يعني إن المثقفين العرب سيئون، إلاّ إن مشكلتهم تكمن في الانفعال السريع، أو التطيّر، الذي يجعلهم، في بحثهم الملتاع عن دور تنويري أو ريادي في المجتمع، ينخدعون في سرعة بالأفكار الكبيرة، مع جهلهم (في البداية على الأقل) بحقيقة التجارب التي صاحبتها، ثم الاستسلام لها وكأنها قدر، واجبهم الدفاع أو تهوين الأخطاء الملازمة لها، مما يضعهم في موقف متعنت قائم على المغالطة، ولأن مبدأ المغالطة يجعل اللغة ضد ذاتها (كأداة للتوضيح) تصبح المفردات والمعاني العامة متنافرة، مثل مجموعة حيوانات شرسة وُضِعت في قفص ضيق.

  كما لا يعني أيضاً إن الساحة الأدبية تخلو من اللصوص والدجالين، فالأدب والكتابة مثل أية ساحة أخرى ينشط فيها البشر، تجمع النزيه والخبيث، ويظل التفريق بينهما سهلاً على الدوام، وينبغي الإشارة إلى إن المنطقة العربية قدمت خلال النصف الأخير من هذا القرن كتّاباً وأدباء يفخر المرء بالتوازن القائم بين أفكارهم وسلوكهم، كما يفخر بمستوى إبداعهم، رغم أنها أنبتت أيضاً، خاصة في الفترة الأخيرة، أسماءً ظنت أن القذف وسلاطة الموقف يعبّران عن شخصية قوية، ويعوضان بالتالي عن الإبداع ذاته، ثم ما أن واجهتها قوة أخلاقية أو قانونية، طالت القلاع الآمنة التي كانت ترمي منها الأحجار على الناس، حتى أصبح همها الأول توسّل الحصول على فرصة للتراجع وتقديم الاعتذار، بمعنى: إن الكتابة عملية مفتوحة للجميع، ولكن الذين يضربون الأرض بقدمهم ويصرخون: "مـع ذلك فأنها تدور" هم أصحاب الأفكار الحقيقية، النابعة عن تجربة ذاتية عميقة، حرة، وهؤلاء دائماً قِلةٌ في كل مرحلة، وهم وحدهم يمثلون عصرهم.

  يقول جاري، مازحاً، حين أصادفه أحياناً في الشارع: لقد أنجزت للتوّ عملاً رياضياً باهراً، فأردُّ عليه ضاحكاً: إذن يمكنك أن تفخر بنفسك.

  ولأن جاري في الخمسين، ويظهر شئ من الذبول على وجهه، يبدو كلامه غير منطقي لشخص ثالث يصادف مرورُه في تلك اللحظة، لأن عملاً رياضياً باهراً لا يقوم به إلاّ شخص مثل سعيد عويطة ينهي الـ  1500 متر في أقل من دقيقة ونصف الدقيقة، أو مايك تايسون الذي عُرف بسرعته في طرح خصومه من ملاكمي الوزن الثقيل على الأرض بين الجولتين الأولى والثالثة، غير أني، مع عدد من سكان الشارع، لا نرى خللاً في كلام الرجل، كوننا نعلم بتعرضه لأزمة قلبية، فرضت عليه رياضة المشي ساعة في كل نهار يؤديها من دون رغبة كبيرة. ولكننا حين نقرأ عبارة مثل "لصالح خير الإنسانية..." أو " من أجل الديمقراطية وحرية الشعوب..." أو  "حزن القلب الذي يغلف أيامي... كٍذا" في نص، سياسي أو أدبي، لكاتب نعلم تماماً أنه يوالي ويناصر فكرة تخدم في النهاية الاستبداد وتبرره، أو مثقف يكتب ضمن مؤسسة تسعى للعودة إلى السلطة بعد تجربة فاشلة، أو شاعر يبحث عن وظيفة رابعة، نُصاب بالحيرة ، السبب إننا لا نعرف إن كان هذا الكاتب يلجأ إلى "التغريب" للتعبير عن حالته الشخصية، أم أنه يسرق ضمير وقلم جان جاك روسو ليخدعنا؟ .

  يمكن القول ، في بساطة، إن هذا النمط من الكتابة هو تقليد للصراخ السياسي، وهذا أيضا صحيح، ولكنه لن يختصر الموضوع الذي نحن بصدده، لأن الخلط الذي يسود لغة الكتابة الآن، خلَّفَ في نفس القارئ نوعاً من عدم الثقة، نفوراً مصحوباً باليأس، يقابله غزارة في النتاج الأدبي والنقدي، ولن يفيد في شئ، فيما يتعلق بالغزارة، وضع اللوم على الصحف والمجلات التي تنشر كل ما يردها لتملأ الصفحات والملاحق، لأن محرّرو الثقافة سيختارون المستوى الجيد من المواد لصفحاتهم، ويبعدون الركيك، لو كانت الغزارة ترجِّح كفة الجيد، وهكذا يبدو لي إن المشكلة تكمن في لغة الكتابة.

  الآن لنأخذ شريحة واحدة من أساليب التعبير الأدبي والخوض في أمرها، وهي لغة الكتابة للمسرح وعنه، وقد اخترتُ المسرح، أولاً: لقربي ــ البعيد منه، ثانياً: لأن صنعته مزدوجة، أي يعتمد الأدب والفن، وسوف أعود، إذا اقتضت الحاجة، إلى جاري المريض لاختبار بعض الحالات من خلاله.

·<u>  المسرح ومحنته</u>

  عندما اختارت اليونسكو الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس، لكتابة رسالة يوم المسرح العالمي لهذه السنة، شعرت بالفرح إن كتّاب المنطقة العربية بدأوا يحتلّون الأماكن التي يستحقونها في المنظمات والمؤسسات العالمية، وكان المفروض أن أكتب كلمة قصيرة تعبيراً عن هذا الموقف، ولكنني تراجعت في وقت لاحق، فعندما قرأت الرسالة شعرت بمحنة الكاتب ونوس الشخصية، ومثابرته الرائعة على دوره المسرحي، المحمل بآمال كبيرة وأحاسيس صادقة، ثم أطلعت على الحوار الذي أجراه معه الشاعر نوري الجراح  (الحياة 25/3/96) فتجسدت أمامي أكثر روح المثابرة لدى ونوس، التي بدت جريحة، وأحسستُ أن أجمل ما يقوم به المرء هو الوقوف إلى جانب آمال مؤلف "حفلة سمر في حزيران" ما وسعته الحيلة إلى ذلك، إلاّ أن السؤال الذي برز على الفور هو: كيف يمكن الوقوف إلى جانب هذه الآمال، وقد رُبطت سلفاً، بشروطٍ صارمة؟ .

  يدعو ونوس، في الرسالة، إلى:

  "حوار متعدد، مركّب، وشامل، حوار بين الأفراد، حوار بين الجماعات، ومن البديهي إن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية".

  ويقول، على نفس الصفحة:

  "بالنسبة إلى أنانية المثقف، أنا معك، في الشروط الراهنة لا نستطيع أن نأمل كثيراً من مثقفين فرديين وأنانيين لا طاقة لهم على "احتمال فكرة الحوار". وحاولت في إجابة على سؤال سابق أن أجد لهم عذراً، وحاولت أن أعلل الأسباب التي أدت بهم إلى مثل هذا المصير. لكن هذا لا يمنع أننا غدونا في قاع هو من العمق والانحطاط بحيث يفرض علينا أن نغالب ونتغلب على عيوبنا الذاتية، وأن نحاول، ولو في البداية، أن نوجد ما يشبه الكومونات الثقافية، كومونات تتألف بمبادرات حرة ومستقلة من كل نظام أو منظمة، وتشرع في التدرب على قيم التكافل والتعاون والتحاور وقبول الاختلاف" .

  أولاً، لماذا يدعو الكاتب ونوس الأفراد في الرسالة إلى الحوار، ويحرِّمه عليهم، إن كانوا مثقفين؟ (الدعوة والتحريم على صفحة واحدة). وما هو المقصود بالمثقف الفردي، ولماذا "لا يحتمل..." هذا المثقف فكرة الحوار؟ ومادام الكاتب ونوس قد عذر وعلّل الأسباب التي أدت بـ "المثقف الفردي إلى هذا المصير..." كما في وسط الصفحة، لماذا عاد وسحب عنه الأعذار والتعليل في آخرها؟

  ثـم، من هو المثقف الفردي؟ أهو الكاتب الذي لم ينخرط في حزب شيوعي أو بعثي أو قومي في كل حياته؟ وهل كان هذا الكاتب هو المسؤول عن أزمة المسرح والثقافة؟ وإذا كان ونوس يدعو إلى محاربة النظام التوليتاري الذي لا توجد فيه "فسحة للفرد ولا للشعوب..." في العمود الثاني، لماذا يحرم على هذا الفرد فسحة الثقافة في العمود الرابع، وأخيراً، هل يوجد فعلاً في المنطقة العربية مثقف فردي؟

  لقد كنتُ واحداً ممن تنحو جانباً عن السيل العكر الذي اجتاح المنطقة العربية منذ 1954 حتى الآن، وقفتُ أراقب في مرارة هذا الطوفان الذي خلّفَ وراءه، بعد أربعة عقود، الآلام والخسائر ودمار البلدان، مكتفياً بالتعبير عن أفكاري ومشاعري في القصة والمسرحية، التي دائماً أجد صعوبة في العثور على دار تنشرها، وللأسف الشديد، أن الذين وقفوا مثلي، أو وقفتُ مثلهم، كانوا قلة، لأن قوة الإرهاب الأيديولوجي ـ السياسي، كانت أقوى من حقِّ الفرد في التعبير، وأقوى من حقِّ الجماعة التي تختلف في الرأي مع من يحتكرون، ويمسكون الحكم بأنيابهم، ولو كان الأمر مختلفا، لما عانت الثقافة والمسرح هذه الأزمة التي أشار إليها الكاتب ونوس صادقاً. 

  إن صفة "مثقف فردي..." تعبير غير صحيح، وهو واحد من التعبيرات السياسية، عمّمته الأحزاب على الكتّاب والمثقفين الذين رفضوا التعاون مع مؤسساتها الثقافية، وسبب هذا الرفض وعي خاص جعل هؤلاء الكتّاب والمثقفين، وهم أفراد فعلاً، يشكِّكون بنوايا الأحزاب، ويحذرون من أهدافها الغامضة، لذلك فإن التعبير الصحيح هو "وعي فردي". وقد أثبتت التجربة، كذلك كلام ونوس عن.. "إفلاس الأحزاب السياسية التقليدية مع إفلاس العمل السياسي بأشكاله المعهودة..كذا" صحة حدسهم، حدس الوعي الفردي، وترتيبا على ذلك يصبح تعبير "هذا المصير..." الذي ورد ضمن الفقرة السابقة، يليق بالمثقف الحزبي وليس المثقف الفردي، لأن الإفلاسات التي وقعت هي إفلاسات الأحزاب، وإفلاسات العمل السياسي السابق، وإفلاسات "توليتاريات بلا قيم ولا مستقبل" كان المثقفون الحزبيون يعملون ضمن مؤسساتها، ويبررون وجودها، ويتحدثون عن مستقبل مشرق، على بعد خطوتين منا، تعمل هذه الأحزاب على توطيده...كذا، ويحق لنا أن نضيف هنا "الوعي الفردي" لدى السياسي المستقل أيضاً، فهو يستحق كل تقدير، لأنه لم يلّوث يديه لا بمكاسب المؤسسات الحزبية، ولا بدمائها.

  أما إذا كان المقصود بـ "المثقف الفردي، الحداثي والأناني..." الكاتب الذي يلجأ إلى التأمل الذاتي، ويعِّبر عن مشاعره الخاصة، فإن عدداً كبيراً من هؤلاء الكتّاب خاضوا ، أيضاً، تجربة ما يسمى بـ "النضال..." ثم خرجوا ممرورين من التجربة، وكان شرفهم أنهم اكتشفوا الخداع قبل غيرهم، لذلك فإن دمغهم بالأنانية مسألة مرفوضة من كل الأوجه، خاصة وإن بينم كتّاباً امتازوا بلغة نثرية جميلة، ومتابعة أدبية مهمة، وبعضهم واصل الإنتاج حتى الآن، ولا تقل تجاربهم في الكتابة أهمية عن تجارب الحزبيين، التي ظلّتْ تدور داخل محارة ذهبية واحدة، هي " الواقعية الاشتراكية"!

  وإذا تناولنا، على صعيد أوسع، الكتابات الذاتية وأخذنا نتاج لوتريامون، وهو أشدُّ الكتّاب ذاتية في تأمله الإستبطاني، وأضيفُ أكثرهم مرضاً، لوجدنا أنها تعبّر عن عددٍ كبير من الناس ممن يعانون عذابات كابوسية، وعدد هؤلاء، في أي بلد عربي الآن، هو أكبر من عدد أعضاء أي حزب يساري أو يميني وفي ذروة هيمنته على الشارع، فلماذا نُسقط عن هؤلاء المُعَذَّبين حق الحوار؟

  إن الذين يخطئون لا يملكون الحقائق، وليس بمقدورهم تقديمها، إذا أردنا الوصول، حقاً، إلى القيم التي يدعو إليها، مخلصاً، الكاتب ونوس، وأنا لا أقول (مخلصاً) للتخفيف من وطأة كلامي، ولكنني أشعر من خلال حديثه في جريدة الحياة، وقد سمعت الكثير عن طبيعته الدمثة، المُحبَّة، إن آماله نفسها، التي هي إلى حدٍ ما آمالنا، كانت ضحية ذلك الخداع الذي ساد المنطقة لأربعة عقود، لذلك سوف أتابع أفكاره عن الأزمة وأساليب حلّها من وجهة نظر أخرى، فما دام هذا الكاتب المثابر قد دعى إلى الحوار، فعليه ألا يحدد له شروطاً، ولا يجعله مقتصراً أو متوارثاً من قبل فئة دون غيرها، وإذا كنا نتحدث عن إصلاح الواقع "الخَرِب..." يتعين قبل كل شئ التخلص من أساليب وأدوات الماضي، التي كانت السبب الأول والأخير في هذا الخراب! أما الذين أنعشتهم كلمات سعد الله ونوس، فهم يريدون إستغلال محنته الصحية ليحملوا، من جديد، نفس العصي (الوطنية ـ التقدمية) القديمة، التي تعودوا رفعها من قبل بوجه الفرد والجماعات التي لا تريد التسليم بأيديولوجيتهم، ولا أعتقد إن الساحة الثقافية، المأزومة، وعلى ضوء الإفلاسات ونتائجها المدمِّرة، تحتمل وهماً خرافياً كهذا، يفوق في قوته الفكاهية هجمة فولستاف وكتيبته العسكرية المهلّهَلة، التي ابتدعتها عبقرية شكسبير، لذلك آمل أن يكون ونوس منتبهاً، لأن الذين عبروا في الماضي فوق عذابات الأفراد والشعوب، ليبشروا بالأفكار التي تبرر الاستبداد باسم هدف وهمي، لن يترددوا لحظة واحدة في العبور من فوق عذاب سعد الله ونوس، إذا لاح لهم أي أمل بسيط، عن إمكانية استرداد منابر التبشير والخداع التي احتكروها في السابق.

 

<u>  "تقدمية"  تراثيـة </u>

  يوجد عاملان، ظهرا في المنطقة العربية في القسم الثاني من هذا القرن، وحالا دون تطور الكثير  من مظاهر الحياة الثقافية والسياسية فيها بشكل طبيعي، هما:

  1ـ الأيديولوجية

  2ـ التراث

  والتراث، كونه عنصراً موجوداً في الأساس ضمن مكونات المنطقة الثقافية، تحوّل إلى أداة سياسية، كرد فعل على ما خلفه الزخم الأيديولوجي من إحباطات، ولأنه موجود وفي متناول الجميع فقد استغلته الأيديولوجية نفسها لخدمة أهدافها السياسية في مرحلة ما، ثم اعتبرته أداة تخلف، عندما أصبح بيد فئاتٍ أخرى، فتنصلت عنه.

  الذي أعنيه بالأيديولوجيه السياسية، الفكر السياسي الخارجي، الذي أستغل المشاكل الاقتصادية والقومية ليمدّ تأثيره ثم نفوذه العيني إلى مناطق العالم، من دون اكتراث حقيقي  بتلك المشاكل.  الأيديولوجية الخارجية تسلّلت إلى المنطقة العربية مع بروز الصراع الحديث بين الشرق والغرب على مناطق النفوذ في العالم، والجذور الأولى للصراع تمتدُّ إلى بدايات هذا القرن، حين أصبح ضعف وتفكّك الإمبراطورية العثمانية لا رجعة عنهما، ثم بعد أن زعزع التمرد الشعبي في روسيا نظام القيصر الاستبدادي، وإنتهاء الأمور بهيمنة الحزب الشيوعي على السلطة. وهجمت الأيديولوجية هجمتها الكبيرة، وبمفهوما الحزبي الشمولي، إثرَ تسلّل الفكر الشيوعي المضاد إلى المنطقة، بعد أن كانت مفتوحة للفكر الغربي وحده، وبعد نشوب الحرب الباردة بين الشرق والغرب، إثر حملة ونستون تشرشل على ستالين، عندما حوّل الأخير التحالف مع دول أوربا الشرقية، التي حرّرها الجيش الأحمر من الأحتلال النازي، إلى نوع صارخ من الهيمنة، وفرض عليها نمط الحكم القائم في موسكو، أي دكتاتورية الحزب الواحد. قبل ذلك كان ستالين قد نثر بذوره الصغيرة في البلدان العربية، فجاء إيناعها مناسباً لهذا النوع من الصراع، الذي وضع له الخصمان، ضمنياً، شروطاً خاصة قوامها "لا تقترب من مناطق نفوذي المتفق عليها في مالطا، لن أقترب من مناطق نفوذك" وعلى ضوء شروط كهذه، لم يعد أمام الخصمين سوى اللجوء إلى الدعاية، فكانت الدعاية السلاح المتفق عليه* .

  وبسبب إمكانيات القوتين المادية وخبرتهما، تراكمت لدى أجهزة الطرفين طاقات كبيرة على التضلّيل والخداع، سُلطت على شعوب ما زالت متخلفة (آنذاك) وفقيرة، فأدارت رؤوسها بالأوهام، وإستغل الطرفان الأقليات، المضطهدة في أغلب العهود، فأصبحت التكتلات والأحزاب تتكاثر مثل نبات الفطر، وإذ بدأ الصراع دعائيا، هادئا، في القسم الأول من القرن، أصبح حزبياً، معربداً، في القسم الثاني. مثلاً، لأن عنصر الاختلاف بين القوتين كان حول الديكتاتورية والديمقراطية، ركّزت دعاية كل منهما على إبراز أهمية النظام الذي تدافع عنه، فحين أنشأت دول الاستعمار الغربي مؤسسات دستورية وبرلمانية شكلية في المنطقة، وأدخلت نظام الانتخابات الحرة للتمثيل النيابي الذي لم تكن تعرفة بلدان الشرق الأوسط من قبل، حاربت الأحزاب الشيوعية العربية هذه المؤسسات في دعايتها، ودمرتها بعنف (العراق مثالاً) مؤكدةً إن دكتاتورية الحزب الواحد، والزعامة الواحدة (النمط السوفييتي) هي الصيغة الوحيدة المناسبة للدفاع عن مصالح العمال وترسيخ ديمقراطية الشعوب وحريتها..كذا، ولأن الصراع الدعائي بين القوتين نهضَ على أسس لا أخلاقية، فقد استباح كل الأساليب والأدوات وشمل كل المرافق، وأهم هذه المرافق، وأكثرها إلحاحاً، هي المرافق الثقافية، لأن الثقافة تضطّلع بتركيب الوعي لدى المواطنين، وبالتالي فإن صياغة وتوحيد هذا الرأي يكفل السيطرة التامة للحزب.

   لذلك، مرّت الثقافة العربية بمرحلتين:

   مرحلة ظهر فيها الفكر التنويري، الذي يدعو إلى النهضة بالاستفادة من الحضارة الغربية، وهو فكر ليبرالي يعتمد الجدل ويقبل التعدد والاختلاف، ومرحلة ساد فيها الفكر "التقدمي" وهو فكر يعتمد مبادئ قطعية، ويقصر الجدل على جنسه فقط، ويرفض الفكر المختلف ويبيده كلما وجد الفرصة موآتية، حتى لو كان هذا الفكر من داخله.

  وتبعاً لذلك، أفرزت المرحلتان نوعين من الأحزاب: الأولى ديمقراطية ليبرالية، وبعضها وطني مستقل، وفي المرحلة الثانية سادت الأحزاب الشمولية، التي تبرر الاستبداد ولا تجد غضاضة فيه، وقد عمّمت الانقلابات العسكرية، وحكوماتها الانتقالية التي لا تتزحزح عن السلطة مهما ارتكبت من أخطاء، النموذج الثاني من الأحزاب، لأنه ينسجم تماماً مع فكرتها عن الحكم، ولأنها وجدت في موسكو صديقاً قلبياً حميماً لها.

  هذه الجملة السياسية الطويلة ضرورية، لا لكي نتعرف على معدن السيوف التي كان  "الوطنيون ــ التقدميون" يستلونها في وجه كل فكرة تخالف رأيهم، وإنما لنعرف الجهات الحقيقية التي كانت تبسط تأثيرها على المسرح والثقافة في الفترة السابقة.

  من الطريف إن ذريعة "مصلحة البروليتاريا ودكتاتوريتها" التي فرض ستالين استبداده على شعوب أوربا الشرقية بإسمها، حطمها في النهاية عامل تحميّل مغمور قضى حياته على أرصفة الشحن في ميناء غداسنك ببولندا (ليش فاونسا)، وإن إرهاب وسيطرة الحزب الواحد في الجمهوريات السوفييتية باسم نفس الذريعة، قوضها في نهاية الأمر عمال المناجم الروس حين خرجوا مطالبين بتحسين وضعهم الأقتصادي المزري الذي لا يناسب جهودهم، وشاهد العالم، على شاشات التلفزيون، وجوههم المسحوقة بالقهر وغبار الفحم، وهذا يؤكد حقيقة الخداع الذي كان اليسار العربي، والغريب إنه ما يزال، يطبّل له قرابة خمسين سنة، عن دكتاتورية البروليتاريا وجنتها الموعودة في المعسكر الاشتراكي.

 <u> بريخت وعصاه</u>

   بما إن المسرح، في رأي البعض، هو أقوى أداة للتعبير، بسبب تأثيره المباشر على أحاسيس الجمهور، ركّزت عليه جميع الأحزاب الشمولية والأنظمة الفردية والعسكرية، وحرمته الحرية التي يمكن أن ينمو في ظلِّها، لينضج بشكل طبيعي وغير مفتعل، وقد أراد كل حزب، وكل مؤسسة حاكمة، تجنيد المسرح لخدمة وجهة نظره الدعائية، فوُضِعت على عاتقة مهمة سياسية إنقلابية (الحياة 25/3 أيضاً) لا طاقة له بها، ومنعته، قسراً، من حرية الكشف والتجريب، وهذه الحرية أساسية في عملية تطور المسرح، ثم أرادت بالحُقن النظرية، والمفردات الرنانة (مثل تلك التي يستعملها جاري المريض في الحديث عن رياضة المشي) أرادت تحميله مسؤوليات سياسية مباشرة، والانسلاخ به عن محيطه العالمي الذي بقي ملازماً له، من أجل إسباغ "العربية" عليه، ولم يكن لا المسرح ولا العربية بحاجة إلى هذا الإسباغ المتعجل، ولكن الحرب الدعائية كانت تحتاج، والأحزاب الشمولية ظلت دائما جائعة إلى السيطرة على كل أداة من أدوات التعبير.

  لم تكن الأحزاب العقائدية تلك تريد أدباً، هذا ليس همَّها المُقلق، كانت تريد دعاية، دعاية سياسية فجة، إذا لم تكن تدافع وتبرر الاستبداد الحزبي، فعلى الأقل تبعد عنه الانتباه، فلقد أضحت مصلحة "الجماهير" أكبر من أي اعتبار آخر.

  يقول فؤاد اسحق الخوري:

  " الأحزاب العقائدية السائدة في المنطقة العربية كحزب البعث أو الحزب القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي، أو الأحزاب الأخرى التي انبثقت عن الحركة الناصرية، هذه الأحزاب جميعها هي أقرب إلى إرساليات تبشيرية منها إلى أحزاب عامة تتبنى منابر الدفاع عن مصالح القطاع الذي تمثله من الشعب. فحزب البعث مثلاً، جاء أكثر مؤيديه من الشباب المثقّف من الطلاب والأساتذة، والحزب الشيوعي أيضاً ينهَلُ من نفس المصدر، ورغم إدعائه بأنه حزب البروليتاريا، فإن جميع قياداته والمسؤولين فيه، وحتى أعضائه الأقل مستوى، هم طبقة من خريجي الجامعات والموظفين والتجار الصغار والمثقفين، ولا تجد في صفوفه إلاّ عدد قليل للغاية من خارج هذه الطبقة المحصورة في مستوى معيّن من الحياة ومستوى معيّن من التعليم. أما الرجل العادي الذي يهتم بكسب لقمة العيش، ويبحث عن حزب سياسي يمثل مصالحه ومطالبه اليومية، فكان يعتبر هذه الأحزاب العقائدية كتجمعات ونوادٍ رومانطيقية تحلم بإنجاز الصعب والمستحيل ـ العسكر والحكم في البلدان العربية، دار الساقي "

  ويمكن الحديث أكثر عن هذه النوادي. مع ذلك، ففي الستينات والسبعينات كان الخداع والأوهام في ذروة تجليهما، وكانت صفة مثقف "تقدمي" مقترنة بالنهج الذي تتبعه تلك الأحزاب في تعاملها مع الحقائق، فإذا أردت أن تكون مثقفاً تقدميا، مثلاً، و "تقدمياً" حقيقيا، يتعين عليك القول:

  يا آنا آخماتوفا، يلعن أبوكِ، لأن هذا الشعر الجيد الذي تكتبينه، بصورِه البليغة، يلحق الأذى الفادح بالقيادة المظفرة في موسكو، التي ترعى وتسهر على مصالح البروليتاريا، وتعمل من أجل مستقبل البشرية البروليتارية في كل العالم.

  أو : يا آنا آخماتوفا، ملعون اليوم الذي ولِدتِ فيه، لأن ما تكشفينه من أحزان عميقة، في صور شعرية متقنة الصنع، عن رياح الزمهرير الأسود، التي تلفح وجوه السجناء المقطورين نحو صحارى سيبيريا المتجمدة، ليست صحيحة، ولو كنتِ تتمتعين بالقليل من الحياء وتمتلكين وعيا تأريخياً عميقاً، مدعوماً ومعززاً بنظرية الواقعية الأشتراكية في الأدب، لكنتِ أشرتِ أيضا إلى حادث تعطل آلات التدفئة، الذي حدث في نفس اليوم الذي نقلوكِ فيه إلى السجن، وبهذا يتطهرأدبكِ من الرمزية المقيتة، التي تتعارض مع مصلحة البروليتاريا المجيدة.

  أكاد أتخيل المسرح في المنطقة العربية، شأن المواطنين والمثقفين، تجرّجِر به المؤسسات الحاكمة والأحزاب العقائدية وتسائله وتطلب منه أن يصفق ويغني ويثبت لها إرتياحه النفسي من كل ما تقوله وتقوم به، ثم عندما تفشل محاولاتها لتوظيف المسرح في خدمتها، تروح تصبّ جام غضبها على المسرح التجاري، ثم على الجمهورنفسه، وأخيراً على الفرد الأناني، والصوت الواحد، والمؤامرات الرجعية، وفي الواقع الفعلي إن المسرح، وفرص العمل فيه والتجريب والمديح والمناصب ودور النشر والصحف والمجلات كانت كلها بأيدي مثقفي هذه الأحزاب، ومُكرّسة لهم.

   فلم يحدث أن فكر واحداً منهم أن الخطأ يجوز أن يكمن فيه هو، أو في الأسلوب الذي يتبعه، ربما، ولِمَ لا، أو في الهدف "الكبير" الذي يعمل في خدمته. لم يخطر لهم أي شئ من هذا، والسبب: إن النظرية لا تخطئ، وهي عنيدة في إمتلاكها للحقائق المطلقة، وتظل لا تخطئ رغم الأنهيارات التي تحدث حولها، إنها إلهٌ جديد، كُليّ القداسة، وأكبر من مصير أي شعب، وأهم من عذاب أي فرد، وهل يحق لأي كان بالتحدث عن الشعوب، إذا لم يكن رأسه مُسلحاً بهذه النظرية؟... طبعاً لا.

  لنبحث الآن في كل هذا الخلط.

  تقول الناقدة خالدة سعيد: "لقد ولِد المسرح العربي (بشكله الحديث) من حقل الأفكار، وعِبر تلاحمها وأتصالها بالأدب، وهذا كله في إطار النهضة العربية وطروحاتها وتطلعاتها، في سياق حركة التحديث، ولهذا ولد من الحاجة إلى منبر وميدان لفاعلية المثقف، ومن الحاجة إلى موقع إيصال وإتصال ينقل الصوت الهامس المفرد إلى الحيز العام ـ جريدة العرب 13/1/1995" .

  في رايي، يمكن لهذا التفسير، بمعزل عما سبقه أو سيلحقه، أن يشكّل حقيقة أساسية بالنسبة لنشؤ المسرح في المنطقة العربية، وبالنسبة لبنيته في المستقبل المنظور، فالمسرح نصٌ بالدرجة الأولى، كتبه كاهن المعبد، ثم شعراء أثينا الكبار، بعدها تخصص له كتّاب النثر وبعض كتّاب الشعر، ولو أرادتْ الدكتورة خالدة سعيد، يوما، أن تضع كل المسرح على عاتق "الجماعة" لَمَسحتْ من الخارطة أعظم كتاب الدراما، منذ صموئيل بيكيت في العصر الحالي إلى شكسبير في القرن السادس عشر.

  لقد كانت بداية الرواد الأوائل متواضعة، ولكنها جداً مهمة، لأنهم نقلوا إلى المنطقة إسلوباً جديداً في التعبير لم يكن مألوفاً لدى السكان، إضافة إلى إن تقاليدهم الدينية ترفض مبدأ التمثيل الذي يعتمد عليه المسرح، مع ذلك إستطاعوا بمثابرة، وفي بطء، وملاينة، خلق البذرة الأولى لجمهور يُقبِل على المسرح، ثم ترسخت قاعدة هذا الجمهور وإتسعت في مصر ولبنان وسوريا، بعدهم ظهر رواد جدد بارعون في الأعداد ثم التأليف، وفي الأخراج والتمثيل، أنضجوا عملية المسرح، ومع بداية النصف الثاني من هذا القرن أصبح للمسرح في المنطقة العربية جمهور حقيقي، عريض، ومتحمس، يقصد دور العرض بشكل روتيني، وعندما جاء "التجريبيون" في الستينات بدأوا تجاربهم في صالات ودور عرض فخمة وعديدة، خلَّفها الرواد الذين سبقوهم، مع جمهور كبير يتمتع بذوق مسرحي جيد (حسب المقياس الصحيح للجمهور)، إلاّ إنهم نجحوا، في غضون عقدين فقط، بتجريبهم "الطليعي" عــــن "جماعية المسرح" في تشتيت 80 بالمئة من ذاك الجمهور وطرده  وإبعاده عن دور العرض.

  لنأخذ مصر مثالاً، لأن فيها أكبر وأقدم جمهور، وفيها تزدحم الصالات وتستمر العروض أشهراً بطولها، وهذا لا يحدث في الدول العربية الباقية، بإستثناء لبنان إلى حدٍ ما.

  لقد أفردت الدولة مسرحاً صغيراً وخصصته للأعمال التجريبية، وعندما حضرتُ في أوائل الثمانينات أحد العروض، كان عدد الجمهور في الأمسية الثانية لا يغطي ربع الصالة، وهي صغيرة في الأساس، بينما كانت دور العرض الأخرى تكتظ بالجمهور، وصالاتها كبيرة، وتعرض أعمالاً كوميدية، أو ما يسمونه "تجارية"، ووجود عشرين مشاهداً في صالة للتجريب  تعرض ثلاث أمسيات فقط، يقابله آلاف المشاهدين في أخرى تعرض الكوميديا "التجارية" لأربعة أشهر لا يمثلُ أزمة، ولكن الأزمة تتمثل، تلك الأمسية بالذات، في عدم وجود عرض ثالث بينهما، عرضاً يقدم مسرحية جادة، وهذه المسرحيات الجادة كانت مزدهرة أيضا في الخمسينات والستينات ولها مؤلفوها الراسخون (إدريس وعاشور والشرقاوي ورشدي وعبد الصبور.... وغيرهم).

  وفي أوائل الخمسينات كان يوسف وهبي يقف، بصوته المسرحي المميّز، يؤدي الأدوار التراجيدية أمام جمهور غارق في الصمت، بينما تهزُّ ميمي شكيب وزكي خيري المقاعد بالجالسين عليها من الضحك بحواراتهما الفكاهية الشعبية في مسرح آخر، وتستمر العروض الواحد إلى جانب الآخر، ويبدل أغلب الجمهور الأماكن، بين التراجيديا والفكاهة. وفي أكبر عواصم أوربا، التي يستوحي "التجريبيون" العرب تجاربهم من كتّابها ومخرجيها، تعمل وتتعايش المسارح الكوميدية والتجارية والجادة جنباً إلى جنب، وغالبا تجد أبواب الصالات الفخمة في نفس الشارع، لا يبعد بين مداخلها سوى عشرين خطوة، بينما تُقدَم الأعمال التجريبية في صالات صغيرة، يقصدها جمهور قليل، أغلبه من المختصين، وتظل هذه الأعمال تنضج في بطء وتتطور، ويُكتب عن جوانب النجاح والفشل فيها، إلى أن ينتبه الجمهور ويستوعب قيمتها الفنية أو الفكرية.

  لكن الذي يحدث في المنطقة العربية منذ عشرين عاماً، إن "التجريبيين" العرب، وبسبب الدور السياسي الذي يلحّ عليهم أكثر من أي شئ آخر، تعاملوا مع مفهومي الجمهور والتجريب بشكل خاطئ، قسري، ومعكوس، فجمهور المسرح الحقيقي، في نظرهم، يجب أن يُفرز بشكل دقيق، ويُسيَّس قبل كل شئ، ولا يقصد عروضاً كوميدية، و "التجريب" هــو  "تفجير التجربة الفنية من مراحلها الأخيرة، عبر نصوص تنضح بالشعارات السياسية، جميع أبطالها مبشرون ورُسل "جماعيون" معذبون، أزمتهم الوحيدة مع موظفي السلطة القائمة، وتوقُّف عذابهم يعتمد على إزالة هذه السلطة لصالح سلطة أخرى معقودة عليها الآمال.

  والنتيجة: إن العمل المسرحي "التثويري والجاد.." كما يعتقده المسرحيون الحزبيون العرب يُعرض في أمسية واحدة (أطول عرض ثلاث أمسيات) يحضره مسؤول كبير من الدولة، يقدم في نهايتها جائزة تقديّرية للمؤلف، وأخرى للمخرج (هذا في المهرجانات خاصة) ويخرج الجمهور مرتاحاً لكل النتائج، ثم يتولى النقاد بقية المهمة، وتمتدُّ كتاباتهم على مدى خمسة أو عشرة أشهر، حيث الإطناب في المديح والتكرار والتقلّيد في التحلّيل، والضحك على ذقون الناس في الحديث عن تفجرات وثورات إخراجية ونصية، وإثراءات وإكتشافات وخصوصيات عربية.. كذا، وهؤلاء النقاد، البارعون في الكتابة عن بريخت وفايس وسترنبرج وتشيخوف ( وهم الكتّاب الذين أشبعهم النقاد الغربيون تحليلاً) ما إن تعطيهم نصاً لكاتب جديد لم تكتب عنه بعد الصحف والمجلات في الغرب، حتى يعجزوا عن مجرد قراءته قراءةً صحيحة، بينما تنحّـى النقاد الحاذقون جانباً، وأغلبهم أساتذة جامعات، بعدما ساد المسرح والثقافة التزمت العقائدي.

  ولو تفحصنا الجمهور الحالي، فهو الخلاصة الصغيرة المتبقية من ذلك الجمهور القديم، العريض والمختلف الآراء والتوجهات، القادم من كل الفئات، وهو الجمهور الحقيقي لكل مسرح، وفي كل عصر، أما تركيبة هذه الخلاصة الثوريةالجديدة المتبقية، فهي جمهور واحد، يتكرر في كل مناسبة، وتحثه على الحضور توجيهات حزبية وعلاقات فئوية، أو دعاية صحفية تخلق لديه فضول طارئ.

  أنا أفهم أن يهتم روجيه عساف بالتراث ويكرّس له جهده عسى أن يستخلص منه سمات لمسرح عربي في المسقبل، أو ان يقوم مخرج ثانٍ بالأنصراف إلى التجريب لأنه يسعى وراء فكرة فنية لم تتبلور بعد في تجربته، ولكن أن تأخذ هذه الأختصاصات طابع هجمات وإندفاعات مثل الأمواج الهائجة، لتغزو النشاط المسرحي بأجمعه، مرة باسم التراث ومرة باسم "التغريب" ومرة باسم التجريب، فهذا ما لا أستطيع فهمه!!

  لنبحث الآن في الأدوات (المعاول) التي إستعملها "العقائديون" للوصول بالمسرح إلى أزمته الراهنة، التي أشار إليها سعد الله ونوس، والتي كانت إلى ما بقل سنين قليلة "نجاحات عظيمة وتفجرات وإثراءات لمسرح عربي أصيل.." ؟

 <u>  هذه عصـا بريخت، فأين صاحبُها؟</u>

  يُعد بريخت واحداً من كتّاب الحوار الذكي، الماكر، والمحمل بالمعاني، وهو شاعر ومخرج  عظيم، إستنبط إسلوبه الأخراجي في "التغريب" من الشكلانيين الروس الذين نشطت حركتهم الأدبية قبل 1917 ثم طردتهم، أو هربوا من، السلطات الستالينية وهجمات جورج لوكاتش ، وفي عام 1940هاجر بريخت إلى أمريكا بعد مضايقات النازية له وتنقله في أوربا لفترة، ولولا محاكمته من قبل لجنة مكارثي سيئة الصيت، لواصل حياته وتجاربه فيها حتى وفاته، وتعتمد مسرحيات بريخت على مجموعة من النصوص، أشبه بسلسلة مناظر، تكتسب قيمة فنية كبيرة بعد أن يضفي عليها في الأخراج ومن خلال حركات الممثلين التعبيرية أغراضاً إنسانية عميقة  ، تتجاوز المفهوم "الموضوعي والتأريخي" الذي تصرُّ عليه "الواقعية الأشتراكية" التي أُعلنتْ بقرار حكومي صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1932 بمثابة نظرية رسمية لكل الشيوعيين في العالم، وكان لوكاتش قد هاجم إستعمال التقنيات الحداثوية للمونتاج والريبورتاج في أعمال بريخت عندما زار ألمانيا الشرقية ، وكانت سلطاتُها قد قبلت بريخت على مضض، لتستغلَ من ثمَ اسمه ومسرحه لصالح آيديولوجيتها، وأبقت قبضتها عليه طوال حياته فيها، وحظرت، أو طردت من مسرحه " برلينر إنسامبل" عدداً ممن عملوا معه  .

  مع ذلك، إستغل المسرح في المعسكر الأشتراكي "البريختية" وأخذ جانباً من "التغريب"، وهو الخاص باسلوب بريخت في تقطيع النص وتغيير الحوار أثناء العمل، والسبب إن "المسرح الأشتراكي" رغم النظريات والتوجيهات الآيدولوجية المحيطة به، لم ينتج كاتباً واحداً مهماً، معروفا على الصعيد العالمي (رغم الضجيج الدعائي الذي حظى به البعض منهم) فأعتمد المخرجون الشيوعيون أسلوب "التغريب" لينهَلوا من المسرح الغربي، والروسي القديم، أفضل النصوص ليقطِّعوها ويحوّروها ويلّوها حتى يقتربوا ، بما تبقى منها، من المذهب الواقعي الأشتراكي، ثم يوجهون معانيها لخدمة التوجهات السياسية التي يعملون ضمنها في كل فترة.

  بالأضافة إلى التغريب إستعملوا، ولنفس السبب، الـ "دراماتورك" الذي نشأ في ألمانيا ايضاً، ليبرر به المخرجون "الملتزمون" تناول أي نص، حتى لو كان يختلف في جوهره مع توجهاتهم الآيدولوجية، ثم تقطّيعه وإعادة كتابته وإقحام رسالة المخرج وعقيدته "البروليتارية الديمقراطية الأجتماعية" عليه، وتقديمه على المسرح.

  الواقعية الأشتراكية تطلب شخصيات بلا حياة داخلية تركّز عليها، شخصيات تنضوي في الجماعة وتذوب فيها، وقد إستغل المسرح اليساري هذه النظرة، التي تجوّف الأنسان، لتمرير شعاراته السياسية، لخلق الفرد المنخرط في الجماعة، الجماعة المسيّسة ضمن عقيدة واحدة، التي يسهل إدارتها وصياغة مشاعرها في وحدة كاملة،  فتصبح مطيعة، تقبل التوجيهات وتنفّذها لأنها تربت على إعتبار كل ما يقوله القائد هو لمصلحتها، وفي هذا يقول المفكر الفرنسي آلان تورين:

  "كل اللذين إعتقدوا إن الحرية تكمنُ في تماهي الفرد بشعب من الشعوب، أو بسلطةٍ من السلطات، أو بحاكم من الحكام، هم الذين شقّوا الطريق أمام الأنظمة الأستبدادية".

  لقد صبغت المسرح ومواضيعه في المنطقة العربية  خلال السبعينات ثيمة واحدة وشعار واحد، هو شعار المسرح في خدمة "ديقراطية الجماهير الأشتراكية والكشف عن المؤامرات الأمبريالية على المنطقة...". وكان السلاح: (التغريب ـ الدراماتورك ـ التراث) وعملت المؤسسات العقائدية، الحاكمة أو الحليفة، إضافة إلى حركة التحرر الوطني الفلسطيني، على دعم وتأجيج هذا الشعار والثيمة، حتى غدا المسرح في أواسط السبعينات على الخطوط الأولى في جبهة الحرب الباردة بين الشرق والغرب. ولعدم وجود نصوص تغطي كل جوانب هذا الغرض، أصبح المُخرج مؤلفاً، ومنظّراً، وكاتب بيانات سياسية، وسيد مطلق في التفسير، حتى بلغت الجرأة لدى أحد المخرجين الشبان إلى القول في عنوان كبير في إحدى الصحف: (لا يوجد نص، أنــا النص) وصرخ ثانٍ في عنوان آخر: (يئستُ من الجمهور العادي)! ثم قُدمت في الصالات قصائد شعرية نقية تحت إسم "عرض مسرحي" بإسم "النضال الأشتراكي الديمقراطي ضد الهجمة الأمبريالية..."،  فقط لأن تقديم أصحابها الشعراء يرضي منظمة التحرير الفلسطينية، أو رئيسها، وقد رأينا الرجل، أعني السيد ياسر عرفات، كيف إنصرف إلى إغلاق هذه الجريدة وفتح تلك، بعد اسبوع فقط من نقل مقره إلى غزة "المحررة..!".

  في عام 1976، عندما أنهى صدام حسين التحالف بينه وبين الحزب الشيوعي، وتقاطرَ الشيوعيون العراقيون على بيروت، عرضتْ اللجنة الثقافية للحزب عليّ فكرة تقديم "هلاك بابل"  على المسرح في بيروت، وكانت جميع دور النشر التقدمية قد رفضت نشرها، وتجاهلتها إثر صدورها جميع صحف اليسار، لأن وكالة نوفوستي في تلك الفترة كانت في غاية الأرتياح من "تقدمية...!" صدام. وبعد أن وافقتُ على الفكرة، والرمز المركزي فيها عن الطاغية الذي يدشن العدل، اقترحتُ بالمقابل فكرة تخصيص ريع العمل، ولو رمزياً، لأطفال إريتريا، الذين كانت طائرات منجستو هيلي مريام الروسية الصنع ـ الميغ ـ تلاحقهم في الجبال والكهوف التي فرّوا إليها، بعد أن دكّتْ القرى والمدن التي كانوا فيها، بَيدَ إن الشخصين الذين قابلاني، ثم الحزب كله، جحظت عيونهم من غرابة طلبي، ثم جاء الجواب أن هذا (شرط سياسي...!)، وعندما قلت: وماذا جئتم تفعلون في بيروت؟. كان ردهمُّ الثاني: لماذا أطفال إرتيريا بالذات؟ فأجبتُ: لأنني كتبت ودافعت عن أطفال فيتنام عندما كانت الطائرات الأمريكيه تحرقهم بالنابالم، والآن ليس أمامي إلاّ الدفاع عن هؤلاء الإطفال الذين يتعرضون للعذاب والموت بنفس السلاح، النابالم، فلماذا ترفضون؟ هل أنتم فعلاً مقتنعون أن أطفال فيتنام أبرياء لأن النابالم هناك من صنع أمريكي، وفي أرتريا هم خبثاء ويستحقون الموت لأن النابالم من صنع سوفييتي؟ قالوا يجب أن ندرس الأمر، ولكنهم ذهبوا ولم يعودوا مرة أخرى، ومن جانبي لم أغيّر رأيي حتى هذه اللحظة.

  هذا المثل البسيط، الذي ما زالت أطرافه الثانية على قيد الحياة، والذي أعتذرُ عن كونه مثالاً شخصياً، يؤكد ما إقتنعت به دائما، وإقتنع به الكثيرون غيري، وهو أن هذه الأحزاب والعاملين فيها لا يهمهم عذاب الأنسان، ولا أحزانه، ولا جوعه، بقدر ما يهمهم موقف موسكو من الشخص الذي يسبب تلك الأحزان. وهذا سبب تحذيري لسعد الله ونوس، من الذين لن يترددوا في العبور من فوق عذابه.

  ومن المخزي إن بعض الكتّاب "التقدميين..." الذين غلبهم الحماس للعقائدية، قد تنطّعوا كمحلّلين أفذاذ للتأريخ، وزكوا للبشرية والتقدم والديمقراطية حكاماً، أقل ما يمكن أن يقال فيهم إنهم مدراء سجون وقتلة، مما أثار أحقاداً مريرة، وعميقة، في نفوس فئات وشعوب، لم تجد حتى الآن أي تفسير معقول لمواقف أؤلئك الكتّاب العرب "التقدميون...!" من عذابها.والسبب أن "ضميرهم الأنساني" إعتمد في التحلّيل وحدة قياس ثابتة، وهي حجم صفقات الأسلحة بين البلد المعني وموسكو، بحيث قرأنا خلال عقد واحد من الزمن عن "تقدمية...!" محمد سياد بري المدهشة، ثم.."عمالته...!" للأمبريالية المفزعة!

 <u>   عصا بريخت وعمامة جُحا </u>

    لو نظرنا في دقة إلى مشكلة  الجانب الآخر من الأرهاب، الذي تعاني منه المنطقة الآن، المتمثل في الأصولية، فإن التيار الأصولي لهذه الفترة ظهر من قبعة اليسار واليمين القومي، وخرج إلى الشارع بنفس أسلحتهما وهي: الأرهاب السياسي، إنكار الآخر ومحقه، دور الكثير من الأيادي الأجنبية في تكوينه أو دعمه في البداية، وأخيراً الصراخ ووضع مشاكل المنطقة كلها على عاتق الحضارة الغربية .

   فالفشل الذي مُنيت به شعارات الأنظمة "التقدمية" في حل مشاكل الناس الأقتصادية والقومية والتمثيلية، يقابله تسلطُها القمعي وتشبثها بالحكم وحرمان الفئات الأخرى من أي نوع من المشاركة، عمّم مشاعر الأحباط لدى جيل كامل من الشُبان، جيلٌ جعلته البطالة وإستحواذ حكام وأفراد متغطرسون على الأمتيازات، ينساق في النهاية وراء الآمال الجديدة التي لوَّحت بها الأصولية في الخفاء، ثم ظهرت إلى العلن. وإذا كان اليسار في بداية ظهوره قد أنكر تراث المنطقة وسخر منه بتحليلاته العلمية، فإنه حاول تبنيه وبنفس التحليلات العلميه لتوظيفه لخدمة عقائديته ولسحب تأثيره من أيدي رجال الدين المسيّسين.

 يجمع المفكرون العرب، أو يكادون، على إن الماركسيين العرب حين ولّوا وجوههم نحو تراث المنطقة لتحلّيله على ضوء النظرية الماركسية، كانت تحليلاتهم تنصبّ، على تأكيد صحة النظرية وليس لتطبيقها على التراث. ولن يستدرجنا هذا الموضوع أكثر، ولكن إهتمام الثقافة اليسارية ودور النشر ووسائل الأعلام ببعث التراث ونشره خدم الأصولية ولم يدحرها، كما كانوا يأملون، وعزّز في نفوس أنصارها الثقة بقناعاتهم الجديدة، وكان المسرح، الذي تعاملوا معه كوسيلة من وسائل الأعلام (للتحريض) اُقحم وجُرَّ من تلابيبه إلى هذه المهمة الوعرة، فبدلاً من ظهور نص واحد ينظر إلى المشكلة بموضوعية وحياد لكي يكون تأثيره مهماً، أقيمت عشرات الندوات عن: "المسرح والتراث ـ عن تأصيل المسرح ليكون عربياً ـ عن رؤية مغايرة وتراث إقليمي ـ عن إستنباط الشخصية التراثية في الحاضر ..كذا" . في فترة ما أُصيب الجميع بهوس التراث.

  وعلى الرغم من أن المختصين بالتراث ممن جئ بهم إلى هذه الندوات، أشاروا إلى  (إن التراث الشعبي يجب ألاّ يسيطر على حياتنا المعاصرة ويتحكم بها، لأن حياتنا محاطة بكل ما هو حديث في التكتنولوجيا والأفكار والمخترعات)*  بَيّدَ أن "العقائدين" العرب أصروا على ان التراث (عاشوراء ـ القاص الشعبي ـ خيال الظل) ينطوي على عناصر وتجارب تكفي لخلق مسرح عربي وللتخلص من المسرح الغربي مرة واحدة والى الأبد.

  ولكن إذا درسنا هذه العناصر والتجارب، من دون تطيّر، ومن غير أغراض عقائدية مُلحّة تتحكم في خيالاتنا وإرادتنا، لوجدناها ضعيفة، ولا تقوم على أساس متين، ولا تمتّ إلى مفهوم الدراما إلاّ بصلة وهمية، ومفتعلة.

  فالنهاية الفاجعة للحسين وأبنائه ومناصريه، التي مضى عليها 1417 سنة، ظلّتْ محصورة ضمن شعائر دينية، طائفية، ساذجة، لجلد الذات والتخلص من شعور باطني بالأثم، ولم تذهب خطوة واحدة بإتجاه عمل تراجيدي، منذ بداياتها على عهد البويهيين في القرن الثاني حتى هذه اللحظة، بينما بقي (خيال الظل) محصوراً في صندوقه المعهود، ولم يثبت في مكان واحد، ومن يطّلع على الشعر المستعمل كعنصر أساسي فيه، وقد إطّلعتُ عليه كاملاً، يشعر بالقرف من حكايات اللواط والدعارة المسيطرة على مواضيعه، حيث تسود وتتكرر أسماء الأعضاء التناسلية وتفاصيل العمليات الجنسية آلآف المرات.

  إن الالتزام الحقيقي هو الذي يأتي من داخل النفس، ليس من خارجها، ومقولة "الحتميات السياسية والأجتماعية والتاريخية..." أو مقولة "الفرد المرتبط بالجماعة..." هي مقولات سياسية بالدرجة الأولى، إذا طُبقتْ على الإبداع خنقته ثم حطمته، وها هو المسرح في المنطقة العربية أمامكم، يعاني من أزمة كبيرة، أكثر من كل أساليب التعبير الأدبية والفنية الأخرى، والحلّ يكمن في إطلاق حرية المسرح، تحريره من العقائدية وتوجيهاتها الضيقة واللاإنسانية، عدم تحميله مهمات لم يكن في أي يوم من الأيام مسؤولاً عنها، فلم يسبق لأية مسرحية، أو أي نص، أي إخراج، في كل تأريخ المسرح، أن أخرج إلى الشارع جمهوراً فائر الدم، توجه من فوره إلى مركز السلطة القائمة، وأطاح بها، ونورا هيلمر، شخصية إبسن في (بيت الدمية) التي صَفَقتْ الباب وخرجت من البيت، أثارت إستهجان المجتمع الأوربي بأكمله عم 1879، ولكن هذا المجتمع ذاته، يتقبل الآن تمرد المرأة على إضطهاد زوجها أو أهلها، ويضع القوانين التي تحميها أيضاً إذا ما صفقت الباب. هذا هو الدور الحقيقي الذي يقوم به المسرح، تأثيره يعمل في بطء، وبعيداً عن الصراخ السياسي، ولكن ثماره مهمة، ودائماً إنسانية، وما أبسن في المسرح، إلاّ أكبر الفرديين على الأطلاق في تأريخ المسرح العالمي، فهل خلق المسرح الأشتراكي الواقعي الجماعي كاتباً بقامة أبسن، أو شخصية ثورية مثل نورا هيلمر، أو أثراً تقدمياً على وضع المرأة مثل (بيت الدمية)؟  ~