(بمناسبة رحيل الشاعر بلند الحيدري)

الموت الأول لشاعر الذات الحزينة

 

فــي الليل إذ تدفن الموتى

                   لياليها

وتتكي الأنفس التعبى على أبد

لم يدرِ إن يدي

حاكت مآسـيها

من كل ما فيها

 وإنني في سكون الليل

أسـيان

(مقطع من قصيدة للشاعر بلند الحيدري عنوانها "في الليل" والمقاطع التالية مأخوذة من قصائد ودواوين مختلفة)

 

 

ما الذي يجعل الجزء الثاني من ليل الشاعر، المليء بالصخب والأنوار، حزيناً ومؤسياً؟. إنه الخوف من الفناء. فما أن يذهب الجمهور، وتخفت الضجة، حتى يبقى الشاعر وحيداً، وتضيق الزاوية من حولة، عندئذٍ يبدأ الأسى، تبعثه إحتدامات الداخل، والجدل المستمر مع الموت.

إن هذا النوع من الأحتدام هو نصيب المرهفين من الشعراء، المانحين أنفسهم الحيز والصدق الضرورين للتعبير عن هواجس الذات، وغالباً عِبر جسور أخرى، مغبشة، المرأة، الوطن، العدالة، أو بلا جسور على الأطلاق، وكان بلند الحيدري واحداً من الشعراء العرب المرهفي الحسّ، المبحرين في ليل الذات، وهو دائماً في أفضل حال عندما يطرق سبيله نحو أعماقها بعيداً عن الجسور، وعندما لا يتكيء إلاّ على أغوار ذاته، حتى ليكاد المرء يشعر إن هذا الرجل عندما يتحدث عن الأمور خارج نفسه، كأنه يجاري فحسب، ويقحم دوره الوطني، الذي ما تخلف عنه يوماً، على حسّه الشعري.

يعتبر  بلند واحداً من رواد الحداثة في الشعر العراقي، برز من خلال إهتمامه، إضافة الى الشكل الجديد، بالموضوع الحديث، وعلى الخصوص أزمة الأنسان ضمن وعيه الجديد بالعالم، وعلاقته بالآخر، وقد منحه ميله الى الفن التشكيلي (كان ناقداً ومتابعاً للحركة التشكيلية الحديثة في العراق) براعة متميزة في تظليل القصيدة برنين الحروف المشدّدة ودوي الصوتية منها، ولجأ الى القطع وملأ الفراغ بالصمت، فإختط شكلاً تعبيرياً خاصاً، مكملاً لمواضيعه الذاتية التي تتطلب الصراع الداخلي والتساؤلات، وكان لقصائده إيقاع ينخفض ويعلو ضمن تفعيلات كل مقطع، وإعتمد اللغة المركّزة، المشذبة، وإستعمل الصوت الآخر، والحوار فأضفى جواً درامياً على ثيماته.

كان بلند غواصاً بارعاً في كهوف النفس، إلاّ إن أحداً لم يكترث لأهمية هذا الغوص، ولا لأهمية طغيان الشعور الخاص في قصائده على الشعور العام، الذي مثّل، بالنسبة لأوربا الحديثة، النقلة الأولى في فكرها المعاصر، حين وُضع الفرد، كقيمة إنسانية، في المرتبة الأولى، السبب إن المجتمع في العراق ظل يفرز، والى وقت قريب، كتّاباً وشعراءً يهابون المشاعر الفردية وخصوصيات الأنسان، ويوجهون أحاسيسهم وكتاباتهم بإتجاه العواطف العامة، التي لا يستطيع المرء أن يمسك منها شيئاً محدداً، ولا عميقاً، وهذا الفرز نتيجة مباشرة لهيمنة السياسة على الثقافة وعلى الحياة العامة.

وفي شعر بلند كثيراً ما تتردد كلمة الحزن، أو دلالاته، ولم يأتِ هذا عفواً، إنما هي إشارات تنبعث من فيض داخلي حزين، يدلل على ذلك سلوك شخصي مجبول على الرقة، والوداعة، والتسامح وكرم النفس، لأن الطبع الصلف قد يغترف من القاموس أكثر مفردات الوجدان شاعرية، بيد إن السلوك اليومي يفضحه، لذلك فإن روح بلند الذي يغلفه الولع بالحياة، بالسهر، بالحظور الدائم في النشاطات الثقافية والأجتماعية، يكتنفه حزن بعيد الغور.

ورِقة بلند منعكسة بوضوح على لغته الشعرية وطريقته الحزينة في التعبير، حتى وهو يستعمل أشدّ المفردات سخطاً. يا أرض الملح/ يا حباً كالجرح/ هلْ لي.. أن أسأل ليلك أن يستر عاري/ هل لي أن أغسل في الظلمة أوزاري. ولأنه ظل يقيس حجم الكوارث والأحباطات الخارجية بمدى إنعكاسها على ذاته، فقد تخلص، الى حد كبير، من الشعارات الفخمة والعبارت التي غزت لغة عدد كبير من الشعراء في الخمسينات والستينات مثل: الجماجم/ الحبال/ الدم/ الجماهير/ الأعدام..إلخ

لم تكن "الأنا" لدى بلند الحيدري مرضية، ولا تدميرية إزاء الآخر، ولم تكن تعويضية، ذلك إنها أولاً، داخل شعره: تمثل العنصر الأول للرومانسية (الشاعر في قلب الصورة) التي إلتزم بها في كل مراحل تطوره، وهذه الرومانسية تناسب تماماً طبيعته الرقيقة، ثانياً: كان بلند يمدّ يداً مشجعة، ومساندة، الى المثقفين الآخرين من أي مكان ثقافي يشغله أو يسمح له بذلك، ثالثاً: كان إنساناً موهوباً بحق، ولم يكن بحاجة الى "أنا" متغطرسة، نفّاجة، يعوض بها عن قدرات إبداعية معدومة. وبإختصار، إن المضمار الثقافي العراقي مزدحم بنفوس بلغمية الخيال، لا يجرؤ أحد على وضع بلند الحيدري بينها.

لكن، إذا كانت نظرتي الى حزنه دقيقة، إذن، من أين جاء إهتمام بلند بالجانب الأستقراطي من العلاقات الأجتماعية، والولع بالنشاطات الأجتماعية والثقافية، التي بُدأ بالأشارة إليهما بعد رحيله؟.

ينتمي بلند الى عائلة متنفذة إجتماعياً وسياسياً، برجوازية وعلى قدر من الغنى، ومع بداياته الشعرية الأولى تمرد الشاعر على عائلته ونمط حياتها، بدأت روحه الشابة تنفر من تقاليد بيئته، ونظرتها السطحية الى الأنسان وإهتمامها بمظاهر الوجاهة، كان وفياً للوعي الأنساني الحديث الذي حملته الثقافة الأوربية الى المنطقة العربية، وعكسته المجلات المصرية واللبنانية على يد كتّاب عرب مهمين، فتنقل لفترة بين فنادق رخيصة، وإختلط بعدد من المثقفين الشبان، جمعتهم الشجاعة والحماسة للتحرر من التقاليد السائدة، والأنصراف الى الكتابة من خلال نظرة جديدة الى العالم، إلاّ إن عائلته ضاقت بسلوكه، ولم تهدأ محاولاتها للإمساك بقياده، وجرّه من جديد الى سلطان قوانينها، رغم إنها تركته لفترة طويلة يمرح على هواه، في حياة البطالة والتشرد والحاجة.

عندما تعرفت على بلند عام 1971 في بيروت، وكان قد تزوج، وغدا عَمر (إبنه) في السابعة عشرة أو في الثامنة عشرة، لمست لديه حنيناً كبيراً الى تلك الفترة، فقد ظل يتذكر ويتحدث عن رفقته لجواد سليم وحسين مردان، وآخرين تمثل طريقة حياتهم التي عاشوها في تلك الفترة نموذجاً مثيراً للتمرد والأستهانة بالأعراف القديمة التي ظلت العوائل العريقة تتمسك بها، ورحنا نمضي الجزء الأول من النهارات مع  بعض الأصدقاء، نتنقّل بسيارته (الكرزلر) على مقاهي السان جورج، أو نقصد الأكلات والسندويتشات اللبنانية ذات الصيت الشعبي في ساحة البرج، ونعود لنقضي أوقاتاً طويلة على كورنيش البحر، فكنت أشعر سعادة بلند بهذا التسكع، المفتوح، والمليء بالأحاديث والمزاح والأنطلاق على السجية، رغم الفارق في السن، وكنت دائماً أقول إن في داخل بلند الحيدري طفلاً لا يكبر أبداً، ولكنه طفل غير مشاغب. وبمرور الأيام تأكد لي إنه كان يسترجع بهذه اللقاءات، ويود لو يسترجع الى الأبد، أوقاتاً قديمة ظلت تأسره، لأنها تفيء على نقطة حزينة في قلبه، سحابه من الغم، رهيف، لم تبددها الشهرة ولا الأستقرار العائلي ولا حياة السهر واللقاءات الأجتماعية التي ينقلب إليها في المساء، بل يبدو إن صخب وأضواء تلك الحياة تزيد خلوته حزناً في آخر الليل.

 سأجيء إليك كآخر ليلك

 مثقل ببشائر صبح

 بالبُرء المتململ خلف الجرح

 سأجيء إليك كآخر ليل

 ليلي... لا آخر له

 مقطوع في الغربة من يعشق ظله.

كان بلند قد تشبّع وعياً بأزمة الأنسان الحقيقية، أعني الموت، نهاية كل النهايات، وكان حسّه المرهف يتآمر عليه، إذ يزيد من حدّة تفكيره في المسائل المقلقة.

قبل بضع سنوات كتب قصة قصيرة، أشبه بالخواطر، عن أب يسمع صوت قائد الطائرة يعلن عن خلل أصاب أحد المحركات، فينتابه الفرح من دون كل الركاب، لأن موته سيحقق أهم أمنية لديه، وهي تقديم مبلغ كبير لأبنه (قيمة التأمين على الحياة) يبني بها حياةً سعيدة. تعكس هذه القصة التي نشرت في مجلة "المجلة"، أمنية حقيقية لدى بلند بمساعدة، لا يقدر عليها، لأبنه، وهذا يعني إن الأنجذاب الى الحياة الأرستقراطية لا يسنده أي ثراء، لأن بلند لم يستفد شيئاً من غنى عائلته في أواخر حياته، التي لم تستفد هي بدورها منه، بسبب موجات الخراب التي أصابت العراق منذ 1958 حتى هذه اللحظة.

إذن، ما الذي جرّ بلند الى العلاقات الأرستقراطية، وهي لا تسد له حاجة، ولا تملأ فراغاً في آخر ليله؟. هذا السؤال يحتاج الى شهادة من الأصدقاء الذين عايشوا التحولات التي طرأت على إهتماماته في الفترات الأولى من حياته. مع ذلك، إن لكل شخصية خصوصياتها، ينبغي النظر إليها باحترام ما دامت لا تؤذي أحداً، أما حضوره الدائم في النشاطات الثقافية والأجتماعية، فبلند إنسان خجول، وذو نوايا طيبة، ويمثل الجانب المهم من حظوره في هذه النشاطات تشجيعاً كريماً لها، وعملياً كان وجوده يضفي عليها حيوية وقيمة ثقافية، لم يكن يبخل به على أحد دون سواه.

عندما إلتقيت بلند في لندن عام 1991، بعد فراق طويل تخلله لقاء سريع في صقلية، وجدته قد أصدر آخر دواوينه (الى بيروت مع تحياتي) قبل سنتين، وآخر كتبه النقدية (مداخل الى الشعر العراقي الحديث) قبل الديوان بسنتين أيضاً، وكان حزنه، المخفي، يحتل مساحة كبيرة في عينيه، ومع قلة نتاجه الشعري، بدأ روح الشاعر فيه يتعذب، إذ أصبحت لغته تفتقد بريقها الأول، ذاك التناغم الحار بين المفردة والمعنى، الذي نضب لدى أغلب شعراء جيله الأحياء، وصرح بشكواه من الأرق.في تلك الفترة بدأ يقضم نفسه.

ورغم إن إسمه ظل يتردد في الكتابات النقدية، كواحد من رواد الشعر الحر، وحضوره دائم في المهرجانات الشعرية الكبيرة، إلاّ إنه، وفي غمرة إحساسه المُلح بالشيخوخة، كان يستعيد جانباً من تمرده القديم، وهذه المرة ليس ضد المجتمع وثيابه المزركشة، إنما ضد الوجود، وضد ساعة الحياة الدقاقة، فقد نهض الطفل الذي فيه، ساخراً ومشاغباً، معاكساً نصائح الأطباء الذي شخّصوا ضعف قلبه، بالأمعان في التدخين والسهر والسفر. كانت يد الطفل، وظلت الى النهاية، تسكب الدواء الذي يُقدم لها.

 في الفترة التالية كان روح الشاعر فيه هو الذي يقوده، فيتبعه صاغراً، كان يعرف إنه يجابه خصماً عنيداً، طالما أجهده التفكير فيه، ومن يقابل بلند الحيدري في تلك الأيام يعرف حقيقة قلبه، حزن شفاف، وفيض من الحب والود.

ظل بلند وفياً لجمهوره، وفياً لصداقاته، وهو رجل الصداقات الطويلة التي لا يعكرها غبار، وعندما توقف ذاك القلب الكبير في السادس من هذا الشهر، وقفت حزيناً مدهوشاً في المستشفى، أتساءل: كيف يموت الأطفال بسبب العمر؟.

أخيراً رحل الصديق العزيز بلند الحيدري، الروح المولع بالحياة، الحزين والقلق، ولكنه سيظل، كإنسان، ذكرى عاطرة في قلوب أصدقائه ومحبيه، وسيبقى عطاؤه، كشاعر، كبيراً وبعيد الأثر، كواحد ممن أسسوا للشعر الحديث في العراق، وأول من أسس للموضوع الذي يهيمن فيه الشعور الخاص بينهم، لأن الشاعر يموت مرتين، مرة عندما يكبو جسده، ومرة عندما يخفت صوته، وهذا يحدث بعد أزمان طويلة.

 فكوني إليّ

 فإني تعبت

وإني سقطت فلست لليل ولست لصبحِ

ومسّي جراحي علّ لنا

 لقاء هنا

يصير بنا... الموطنا

 فأدرك بعثي

 بموتي.