الرصاصة

 

كانت الجولة اليوم مريحة بالنسبة للمُرافق، متاعبها قليلة، والطرق التي سلكوها دون وعورة تذكَر، ويكاد المرشد الاجتماعي أن يبلغ نهاية حديثه، من دون التطرق إلى حكاية الرصاصة، إلاّ أنه في اللحظة الأخيرة قوض كل آمال المرافق، وبدلاً من إزجاء كلمات الشكر المعتادة التي يختتم بها اللقاءات، غيّر نبرة صوته ليقول عبارة أو عبارتين جديدة، ثم شمَّر طرف قميصه عن كتفه، وطلب من الجمهور مشاهدة أثر الرصاصة الغائرة.

 في المساء انضموا إلى مائدة عامرة أقيمت احتفاءً بهم، واقتصرت على أعيان البلدة وذوي الشأن، وكان المرشد يتبادل الحديث مع رئيس البلدية، وهو رجل ودود تطرف عيناه على الدوام، حين قال المرشد، وقد غمرته السعادة لحفاوة الموجودين وتلطفهم: "إن كل خدش صغير في جسم الإنسان، يُعبّد في الحياة طريقاً كبيراً للوفاء والتضحية" ثم أزاح قميصه ليُظهر كتفه وجانباً من قفاه، ويشير إلى مكان الرصاصة المزروعة بين ألياف جسده، فأبدى الحاضرون تفهمهم وتقديرهم، إذ اعتبروا هذه الكلمة القصيرة، المدعمة بالبرهان، بمثابة تكريم خصّ به أعيان البلدة.

 غير أن المرافق لاحظ عيني رئيس البلدية، الودودتين، وقد كفتا عن الإطراف، حين أضاءت أمامها الكتف البشرية المُعرّاة.

 في البداية لم يهتدِ إلى السبب، ثم تذكّر أن المرشد أظهر كتفه اليسرى لجمهور البلدة حين أشار إلى مكان الرصاصة، وهو الآن يقدم لأنظار رئيس البلدية، وضيوفه، الكتف الثانية.

 لم تكن تعنيه كثيراً الطريقة التي يؤدي بها المرشد واجباته، لأن وظيفته تدرّ عليه راتباً جيداً، وهي وظيفة تمنحها الدولة للأشخاص الذين قدموا خدمات جليلة للبلد، أو هم في طريقهم إلى تقديمها، وتتلّخص مهمته في مرافقة المرشد الاجتماعي في جولاته، وإعداد ما يلزمه من احتياجات، وهي في الحقيقة في غاية البساطة، مثل تذكيره بموعد الاستيقاظ في الصباح، أو ترتيب الأوراق التي يدوّن عليها أفكاره، لذلك، لم تكن تَهمّه عثرات المرشد الصغيرة، حتى موضوع الرصاصة الغائرة لم يعد يزعجه كثيراً.

 قبل أسبوع قال أمام سكان قرية صغيرة: "إن واجبنا، إذا لم يُقرن باجتياز الشدائد وتحمل الخطوب، سهُلَ هدمُه، وقَلّتْ جدواه"، ثم أزاح القميص عن خاصرته ليتأكد الحشد أن أفعال هذا الرجل أعمق أثراً من كلامه. وفي قرية أخرى، امتدّت يده، منذ يومين فقط، إلى أسفل بنطلونه، ليكشف عن مفصل ساقه، فهل من العقل التحرّج، خاطب المرافق نفسه، أو الانفعال بهذه المسألة، ما دام المرشد هو الذي يقف أمام الناس، ويتكلم إليهم؟.

 كانت الظروف، بدورها، تعمل لصالح هذا المنطق، فمنذ فترة تشكّى صاحب الجريدة من نقصان مادة الزنك، معتذراً، في لطف كبير، عن قلة ظهور صور المرشد. قال وهو يكاد يتلاشى خجلاً: "هذا هو واقع الحال" وكانت هذه الحال مناسبة تماماً لعملهم، لأن مواقع الرصاصة، التي تتغير باستمرار على بدن المرشد، ظلّتْ غير معروفة لسكان المدن والقرى التي يزورونها، ولم يكن المرشد يحدّد في كلامه، التي تثابر الجريدة على نشره، أسماء الأماكن التي انغرزت فيها، إذ كان يكتفي بتعرية الجزء المصاب من جسده، ثم يلزم الصمت، ليترك للحقيقة، وحدها، أن تغرز أثرها في العيون المستطلعة.

 لذلك، ظلّ مكان المأثرة مجهولاً، بيدَ أن شهرتها طبّقت الآفاق، وقصّتها احتلتْ زاوية مهمة في كل رأس. كان الأهالي يتوافدون بالآلاف لمشاهدة الرصاصة، لم يعودوا يستمعون أو يهتمون بما يقوله المرشد، كانوا فقط ينتظرون اللحظة التي يمدّ فيها يده إلى أطراف ثيابه.

 وهكذا ساد الوئام رحلاتهم، المشرف يقوم بعمله على خير وجه، والمرافق يؤدي واجبه كاملاً، حتى الإحساس الذي كان يراوده في البداية، من أن الأمور ستغدو أكثر قبولاً من دون حكاية الرصاصة، أبعده الآن عن ذهنه، إذ أن "لكل شخص أساليبه في العمل"، قال المرافق في دخيلته. "ولن يعكّر موضوع جانبي حياتي" أضاف في اطمئنان.

 في دار الضيافة أسرّ المرشد لمرافقه، بعد أن تمنى الجميع لهما ليلة سعيدة وانصرفوا في هدوء، أنه أراد الإشارة إلى عنقه في حفل العشاء، ولكن يده، لا يعرف لماذا، ذهبت إلى كتفه اليمنى، لتسحب عنها القميص، وبدا في ذلك الليل مهموماً، ومغلوباً على أمره، وهو يكشف خطأه أمام المرافق.

 بعد يومين نالَ منهما، ، وهم يسلكون طريقاً طويلاً يتجه إلى بلدة على الحدود.

 كان المرافق يغالب النعاس كي لا يسقط رأسه على كتف المرشد، بينما السائق وسيارته يجاهدان، كل بطحيره الخاص، لارتقاء مرتفع ضيّق الشق، عندما قال المرشد، الذي حسبه المرافق مأخوذاً في غفوة عميقة:

 ــ لم أعد أعرف موقع الرصاصة، هل تصدق؟ ضيعتُ مكانها، وهذا هو السبب الحقيقي وراء تخبّط يدي، وهي تتلمّس طَيّات ثيابي.

 لم يجد المرافق ما يردّ به على هذا الاعتراف، واكتفى المرشد بصمت مرافقه وارتاح إليه.

  تذكّر، أنه لاحظ ارتباك المرشد وهو يتكلم، البارحة، إلى جمع من مزارعي القطن، غير أنه عزا ذلك إلى تهيب النفس، حين تواجه الناس وتكشف أمامهم الحقائق.

 تخيّلَ المرشد، عندما يبلغ لحظة الحقيقة، تضطرب نفسه وتضعف وترتبك رجولته، فينسى، أو يضيّع الجزء الذي يريد الإشارة إليه، فتذهب يده، شططاً، إلى أي مكان من جسمه وترفع عنه الثياب.

 فكّر، أن لكل شخص عيّبه، ضعفه، وهذا ليس إثماً، فداخَلَه إحساس بالشفقة على سيده، واعتزَّ أنه اصطفاه وحده، ليكشف له قلقه، ومتاعبه.

 كان واجبه أن يلتزم بدقة، وفي كل لحظة، قواعد وظيفته، أمّا أخطاء المرشد فلن تؤثر، بأي حال، على وضعه ومستقبله، إلاّ أن هذه القواعد، ذاتها، بدأت تزعجه في الأيام التالية، فقد قال المرشد يوماً، وهما عائدان من لقاء حاشد مع صانعي السلال:

 ــ إن ما أخبرتك به من أنني ضيّعت الرصاصة في جسدي، لم يكن كل الحقيقة، لأن الرصاصة تستقر، وهذه هي الحقيقة، على طرف إليتي، هنا، وضرب بكفه على مؤخرته. فهل تريد أن أُظهر للناس عورة حقيقية من بدني؟

 كان مبعث ضيقه، هذه المرّة، الإحساس بأن المرشد يريد له، أو هكذا بدا، أن يكون جزءاً من جمهوره، وما كان هذا، في أي يوم من الأيام، ضمن واجبه.

 ــ تخيّلْ الأثر السيئ في قلوب الناس، إذا ما كشفت أمامهم.. عريي!.

 أضاف المرشد، وهو ينظر باستهجان في عيني مرافقه.

 لم يكن أيٌ من هؤلاء الفلاحين، المساكين، ليجرؤ على التقرب من جسد المرشد، لتلمّس أثر الرصاصة بيده، "فما الذي يثير القلق في نفسه، لينغّص عملنا الذي بدأ على خير ما يرام؟" قال المرافق في دخيلته.

 كان المرافق في سريره، تتدافع على رأسه الأفكار، وتمنعه من الرقاد، بعد نهار صاخب أمضوه بين عمال السكك الحديدية، المنوط بهم صيانة وتزيّت القضبان لقطارات المسافات البعيدة، حين فُتح الباب ودخل المرشد، دار قليلاً في الغرفة ثم قعد على طرف السرير، ليقول:

 ــ افترضْ أنه لا توجد رصاصة، فماذا يتوجب أن أفعل؟ أترك عملي؟ أحطم آمال الناس؟.

 ذُهل المرافق تماماً لكلام المرشد وأسئلته، ناهيك عن دخوله المفاجئ، بعد منصف الليل بفترة طويلة.

 ــ سأقولها لك مرّة واحدة، وننتهي، إن جسمي لا يحمل أية رصاصة.

 أخفض المرشد نظره، وساد الغرفة صمت طويل، بدا أنه بلا نهاية، ولكنه عاد إلى الكلام.

 ــ قد تفكّر، أن العمل سيتقوض، يصبح بلا معنى، من دون أثر غائر نُظهره للواقفين، حسناً، ماذا أفعل؟ أقتل نفسي؟ هاك، قال وأخرج مسدساً كبيراً من جيبه، كان يحمله أحياناً في سفراتهم الليلية. خذْ هذا المسدس، وأطلقْ عليّ النار، لتزرع واحدة في جسدي، خذه.

 ارتعشت يدا المرافق، حتى قبل أن تلمسا الآلة الممدودة إليه، شعر أنه في مأزق، بل في لحظة شر حقيقية، فراح ينظر، غائم البصر، إلى دعوة الموت المريعة.

 مع بداية الشتاء، بدا للمرافق أن الهدوء عاد إلى نفس المرشد، وأدرك أن اقتراب الجولات من نهايتها، والتفكير في الإجازة، وكيفية قضائها، قد شغلت صاحبه عن الموضوع الذي أمرّه، وأقلق حياته، وأنه سوف ينسى كل شيء حين يصبح بين أولاده وزوجته، بعد أن يكون قد أنهى مهمته، التي تأكد للمرافق أنها شائكة، ومسؤوليتها جسيمة. إلاّ أن حساباته عصفت بها الريح، عندما أطلّ عليه المرشد، في الأيام التي سبقت الإجازة، يفيض بهجة وحيوية، ليقول إنه فعلاً قد عثر على رصاصة في جسده، كيف جاءت، ومتى؟ لا يعرف، ولكنه وجدها، رصاصة حقيقية، غائرة في بدنه.

 التغيّر الذي طرأ على حياة المرافق، بعد أن انتهاء العمل وذهاب كلٍ منهما في حال سبيله، أنه أصبح نهباً للأسئلة والظنون.

 "كيف يمكن للمرء أن يحمل، أو لا يحمل رصاصة في جسده من دون أن يعرف بذلك؟". كان يجادل نفسه، وقد تحوّلت كل أيامه إلى هُلاس وشرود ذهن. "هل يمكن لأطراف البشر، أو صدورهم وأكتافهم، أن تخفي رصاصة بين أليافها، من غير معرفة الإنسان؟"

 أصبح احتمال وجود رصاصة ما، في مكان ما من بدنه، هاجسه اليومي، ثم بدأ يحسّ بشيء صلب وثقيل، ينتقل من مكان إلى مكان في أحشائه، وغدا التفكير بأنها تحفر، أو تسبب خراجاً، في قلبه أو في أي عضو آخر، رعبه اليومي. وأخيراً سيطر عليه شعور قوي وثابت، أن الرصاصة قد زحفتْ ببطء مع الدم، واستقرت في دماغه.

*  *  *