فوضى

 

   قالت:

   ـ "كيف يمكنك العيش وسط هذه الفوضى؟"، ثم غادرتْ، وبقيتُ مشغولاً في ترتيب قطع الأثاث وتغيير مواقعها.

   في الصباح التالي نهضتُ من النوم مبكراً. وقفتُ وسط الغرفة أعيد النظر في صورة الأشياء التي حرّكتُها حول نفسها، وحول بعضها، فوجدت أمامي الكثير من العمل قبل أن تستقر الحالة على الصورة المُرضية، وبدا أن سلسلة مضطربة من الأحلام، مشحونة بالكراسي والطاولات والموائد وقطع الملابس، أيقظتني ودفعتني دفعاً من الفراش إلى وسط الغرفة لمتابعة تنظيمها.

   ضع كومدينو صغيراً بين كنبتين، يعطيك نظاماً جميلاً، وطاولة أمام كرسي فتتخلّص من الاضطراب الذي يواجه طريقك إلى الباب، ولكنك ضمن جدوى هذا التنسيق تُحرم خزانة الكتب من موقع عادل يبرز خشبها المطعّم، ولا يبقى لجهاز التلفزيون إلاّ البقعة المواجهة للنافذة، حيث يتكلم المذيع إلى المارين في الشارع، معطياً ظهره إلى من في الغرفة، وتلك الملاحظات التي قدمتْها، وهي تهمّ بالخروج، مفيدة حقاً، وتشكّل، عبر صورة خاطفة، متخَيّلة، وضعاً منسقاً، حميمياً، لغرفة، لكن الصورة التي نرسمها للغرف في الخيال، سرعان ما تتهشم عندما نمسك كومة أثاث ونبدأ توزيعها في مساحة ضيّقة. لهذا، لم يعد أمامي إلاّ التخلي عن  تلك الملاحظات، بعد أن حاولتُ تنفيذها على مدى نصف نهار من دون طائل.

   يجب أن لا نتعثر بالأشياء التي حولنا، أو تتعثر بنا، تلك حكمة بليغة، عندما تُطلق من على عتبة الباب، لكن ما إن تخطو إلى الداخل، حتى تجد أمامك آلاف العقبات.

   المكتبات إحدى وسائلي في حلّ المشاكل، لذلك قصدتُ بناية البلدية، هناك انغمرتُ مع مجموعة كبيرة من مجلات الديكور، بعدها انتقلت إلى كتب العمارة، ثم وجدت نفسي في أعماق التأريخ، وأخيراً رحت أنبّش في الموسوعات.

   ينبغي التخلّص في سرعة من أمر تنظيم الغرفة، ذلكم هو جوهر الموضوع، ولأن موظف المكتبة عرف صولاتي على الكتب، ونظر بتفهم إلى طريقتي في القراءة، سأل، وهو يقف على مبعدة: "كيف حال العمل هذه الأيام؟"، قلت لم أعمل شيئاً، ثم أوضحت: "إنني منشغل منذ أسبوع في تنظيم أثاث الغرفة" وعرفت بعد مغادرته، أنه افتقد الفوضى التي تعودت نشرها على الطاولة، كلما جئت أبحث عن اسم قديم، أو تأريخ حادثة.

   فكّرتُ، لو كان الأمر يتعلق بالكتب، لأمكن تنظيمها في سهولة، لكن قطع الأثاث مسألة تختلف تماماً.

   خذ مثلاً هذا الكرسي، أينما وضعته عمل على إفساد القليل من النظام الذي حقّقته، بينما حاجة الصالون إليه قاتلة، من هنا تنبع الصعوبة، فالمبدأ أن يتوافق جمال التنسيق مع وظيفة الأشياء، وحين يقول موظف المكتبة إنه ترك مسألة التنظيم لخيال زوجته، فكأنما يقترح عليك حلاً أكثر تدميراً، وهي تساءلت: "كيف تفكر وتكتب وسط هذه الفوضى؟"، ثم رحلتْ، قبل أن يتاح لي الوقت للتوضيح أنها لم تكن تزعجني على الإطلاق، أعني كون وجه الطاولة يقابل ظهر الكنبة، والمسألة كما يبدو لي، الآن، تتعلّق بتحديد وجوه هذه القطع ورؤوسها وأكتافها، قبل التفكير في تنظيمها.

   في البداية تصورتُ الفوضى قائمة في الملابس والمجلات المرمية هنا وهناك، فجمعتها ضمن كومة عملاقة وتوجهت، معبأ الذراعين، إلى الخزانة، وهناك، حيث وجدت للطاولة المنخفضة المكان الذي يناسبها تماماً، أصبح فتح الدرفتين أشبه بالمستحيل، عند ذاك فهمت كلامها، وهي تخرج، عن معنى وجود الأشياء.

   ولكن، كيف كنت أعيش في السابق مع هذه الأشياء؟ أعتقد  إنني لم أفكر بهذا من قبل، وها أنا أدفع ثمن ذلك الإهمال.

    الذي أرعبني، فجأة، إنني لم أكن وحدي من يملك ساقين في الغرفة، كل القطع، بلا استثناء، ماذا أقول يا إلهي، تقف على سيقان، وأصغر واحدة منها تملك أربعاً!

   اليوم كشفتُ لأحد الزملاء، في الهاتف، أنني لم أكتب سطراً واحداً منذ أسبوعين، وعليه أن يجد لي عذراً مقبولاً إذا ما انتبه صاحب المجلة التي أعمل فيها، وعندما أخبرته عن تنظيم الغرفة الذي حطم أعصابي، ضحك، ثم قدم بعض المقترحات حول الوضع الذي يناسب الكنبات داخل الغرف. "الكنبات ذات المساند الفخمة على وجه الخصوص"، أضاف.

   هاكم شخصاً آخر، يركَّب صوراً جميلة عبر الهاتف، عن غرف لم يرَها، وأثاث لا يعرف شكله!

   ضع الخزانة هنا، والكراسي هناك، ثم وزّعْ الموائد والطاولات بشكل جميل فتنتهي من الفوضى وترتاح!. لا، المشكلة ليست بهذه السهولة، خاصّة وأن هذه الغرفة لا يوجد فيها إلاّ نصف كنبة، وكرسيين، وطاولة واحدة، أنا نفسي لم أكن عددتها من قبل، إضافة إلى بعض القطع الهامشية التي لم أناقش فائدتها في أي يوم. طبعاً نسيت الخزانة، أقول، المشكلة أنك ما إن تبدأ التفكير في تنظيم غرفة، حتى تنبعث  قطع الأثاث من تحت الأرض، كل واحدة تصيح بك ها أنا هنا، أتريد أن تنساني!

   قبل كل شيء، حدِّدْ مكان القطعة التي تحتاجها قبل غيرها، ثم نظِّمْ بقية الأثاث انطلاقاً منها، قالت، وخرجت مرتاحة البال، من غير أن تفكر في الهموم التي تظهر بعد ذلك، فالحال أنك ما إن تقرر أهمية قطعة ما، حتى يقول لك أتفه كرسي، وأحقر منضدة، إن وجوده بالقرب من تلك القطعة، لا غنى عنه.

   مع هذا الخشب الجاف، المدوشم بالقماش، أو العاري، الواقف حولك، دائماً تجد نفسك على أفظع ما يكون من سوء التفاهم.

   أحد المعماريين البارزين العرب قال لي يوماً:

   ـ "اساساتنا تعتمد الفوضى، ومن غير ذلك سينهار الشكل المنظّم، الدقيق، الذي نقيمه فوقها"، وراح يراقب عينيّ، منتظراً أن تبرقا بالدهشة لهذا التوضيح. "نتركها، عامدين، في فوضى"، أضاف. "لأن نظاماً لن يقوم فوق نظامٍ، من غير أن ينهار أحدهما".

   إلاّ أن أحداً لم يكن عابَ على غرفتي فوضاها، قبل تعرّفي على المعماريين، لذلك لم أظهر اهتماماً، أو أطلب تفسيراً لمعنى كلامه. تركته يبحلق، مستغرباً، في وجهي كما أبحلقُ الآن، محتاراً، في أمر هذا الأثاث.

   حسناً،  ماذا وراء حكاية النظام هذه، التي انهالت على رأسي من دون سابق إنذار، جعلتني أقعد، منذ شهرين، داخل غرفة في غاية التنسيق، أفكر باحتراس في تثبيت موضع هذه القطعة، وعدم إقلاق مركز الأخرى، حريصاً إلاّ ترجّ ورقة مهملة، أو زر قميص مقطوع، النظام الذي أقمته!

   ينبغي الاعتراف، سواء عاودتْ الزيارة أو كفتْ عنها، أن المكان غدا جميلاً، مشبّعاً بالهدوء، ويبعث الإحساس بالراحة، الراحة التي تقدمها للنفس أجواء المعابد القديمة.

   المسألة الملحّة الآن، إقناع صاحب المجلة التي أعمل فيها، بأنني فقدت السرعة السابقة التي كنت أعثر فيها على المواضيع، وليس عدم الشعور بالمسؤولية، كما يقول، وراء عدم انتظامي في الكتابة.