مقالب الوضوح

 

  بعض المدن تشبه فِطْر الماء الذي يقتات من التربة، لكنه لا ينفع للأكل، وحين يذوي يتعفَّن ويُفسِد التربة من حوله. فطر الماء خلايا مرصوصة إلى بعضها في كتلة هشة، واهية، بلا ثقل، أشبه بالخُثارة، إذا وضعت إصبعك عليها، لا تقابلك صلابة من أي نوع.

   هذه الصورة تشكّلت في  رأس صبري، حين وضع عائلته الصغيرة في القطار ليعود إلى العاصمة، بعد الحادث البسيط الذي انقلب إلى مأساة.

    عندما أخبره سعود البقال أنه صرخ، أنه قال أخيراً لمعلّم الابتدائية، أنه قالها له وجهاً لوجه: "أنت منافق، كذاب كبير، وحياتك مليئة بالسفالات"، دُهش صبري لهذه الثورة العارمة، ثم سأل صاحبه لماذا حدث الأمر بهذه الصورة، وليس بشكل آخر؟.

   في تلك اللحظة لم يهتم البقال بالسؤال، كانت البهجة تسيطر على مشاعره، وتظهر عليه الانفعالات الجميلة دون غيرها، لكن السماء انغلقت بعد أيام قليلة، لتتولى الكارثة مهمتها ببطء، وعلى وجه محكم، فسيطر على صبري شعور معذّب بأنه كان السبب فيما حدث.

   مثل كل الموظفين الصغار، نُقل صبري إلى مدينة (الناحية) للخدمة بضع سنوات قبل رفع درجته. هناك تعرّف على البقال، بدأ شراء حاجات البيت منه، ثم توطدت العلاقة بينهما.

   (الناحية) مدينة أنشأها الأتراك في جنوب العراق قبل رحيلهم، وقد حصل كل شيء كما  تظهر الأفكار الملفقة، تستدعيها الحاجة الطارئة، إلاّ أنها سرعان ما تكبر وتتضخم، لتغدو حقيقة يصعب زحزحتها من الخيال، ومن الواقع.

   الأتراك انشأوا موقعاً صغيراً لتجميع محصول المزارع المجاورة من الأرز، قبل شحنه في السفن إلى العاصمة، بيد أن الأتراك رحلوا وبقي الموقع من بعدهم، هاجرت إليه مجاميع من البشر، مختلفة اللغات والأصول والعبادات، جاءت تبحث عن الرزق، أو المغامرة والكسب السريع، أو المكان، تلك المجاميع التي تفرزها المدن القديمة، يضيق كل منهما بالآخر، فيحمل البشر متاعهم وأسرارهم ويرحلون، بحثاً عن مكان يبدأون فيه حياةً جديدة.

   ـ "قلت له أيضاً، اخرج من دكاني، لا أريد أن تعود هنا مرة أخرى". أضاف البقال، مأخوذاً بنشوة مسكّرة، ملتذّاً بالشعور المريح الذي يبعثه العمل الشجاع الذي قام به، ليؤكد أمام صبري، وقبل هذا أمام نفسه، أنه ليس بالشخص الضعيف.

   كل يوم يقضي صبري ساعة أو نصف الساعة في دكان سعود. يدعوه للجلوس، يدفع نحوه مقعداً خفيفاً مصنوعاً من جَرِيد النخيل وأوراق السَّعف، يضعه في باب الدكان، أو في الداخل، فيتسلّيان بالحديث عما تنقله الصحف والإذاعات من أخبار عن العاصمة والعالم.

   الرتابة والفراغ هما السيل اليومي الذي يجري في عروق مدينة (الناحية)، ومن هذا المصل تقتات كل عادات وأحاسيس وعلاقات سكانها، الذين لا يربطهم شيء في الماضي، ويتبادلون الآن نوعاً صاخباً من المحبّة، تحرّكها وتغذيها مشاعر الخوف والكراهية والشكّ تجاه بعضهم البعض.

   ليس صبري وحده من يقضي جزءاً من وقته على مقعد الجَريد، بل الكثيرون من سكان الحيّ الذين يعرفهم البقال، من بينهم معلّم ابتدائية، يتوقف ليشترك في الحديث الدائر، ثم يحتل المقعد ما إن ينهض الشخص السابق، ويقضي بقية النار في باب الدكان.

   هذه المدينة لا تفعل شيئاً محدداً، إلاّ أن أي واحد من أبنائها، أو من سكان العاصمة، لا يسأل ماذا تفعل (الناحية)، لأنها كتجمع من البشر والبيوت والمقاهي والدكاكين، أصبحت أكبر من هذا السؤال، فتُركتْ لتعيش، وظلّت السفن، ثم الشاحنات الحديثة، تنقل الأرز، وتعتاش المدينة من عبور محاصيل الأراضي المجاورة، تنمو وتكبر من دون عائق.

   بدأ البقال يتضايق من جلسات المعلّم الطويلة، بعد فترة اعترف لصبري، ينعكس الانزعاج على وجهه بتعبير قوي، أن المعلّم ينقل إليه أخباراً سيئة عن الناس، وينتقد سلوكهم، وهو لا يحب هذا، ولا تعنيه شؤون الآخرين.

   لاحظ صبري الضيق الذي يلازم طبع البقال، خاصة في الساعة التي يتوقع فيها زيارة معلّم الابتدائية، ومع تزايد حيرة البقال وضيقه، ثابر معلّم الابتدائية على التردّد، غدت زيارته تغطي فترة بعد الظهر بكاملها.

   لا يمكن تصور البقال يجرح شعور إنسان، مهما كان ثقيلاً، فكّر صبري. أنه شخص رقيق، حسّاس، مهذب، إلاّ أن التحمّل الذي يبديه يصعب تفسيره.

    ـ هذه الأحاديث تعذبني، همس البقال يوماً. ماذا أفعل يا أستاذ صبري، إنه يدوس على أمعائي؟

   ـ اطلب منه أن لا يتحدث عن أخبار الناس!

   ـ ليست أخبار الناس، أجاب البقال منفعلاً. الآن أصبح يحدثني عن مشاكله الخاصة، وأنا أعرف أنه يجلب هذه المشاكل على نفسه نتيجة تصرفاته الرديئة، لكنني لا أحب أن أقول له هذا الكلام، ولا أحتمل سماع شكواه!

   بعد انتهاء الدروس، يتناول معلّم الابتدائية الغداء في بيته، يغفو ساعتين إلى أن ينكسر الظلّ على الأرض، فتلفظ الطرقات جزءاً من لهيبها الصيفي، يستيقظ وهو ينضح بالعرق، تفوح من بدنه المنهك روائح وجبة الغداء الدسمة، يرتدي ثياباً خفيفة ويتوجه إلى الدكان، يبدأ الحديث عن المدرسة، التلاميذ، سلوك أمهاتهم، مشاكل آبائهم، وهكذا، تطّرد الأحاديث والبقال يأكل نفسه من الداخل.

   اكتشف صبري أن البقال يزداد تشوّشاً، يتعذّب من زيارة يقبلها وجه سمح، وترفضها روح ساخطة. إن مشاعر سعود، فكّر صبري، تتحكم بها بواطن غامضة، شديدة العتمة، تنقلها إلى الخارج مرآة من حجر، لذلك اقترح عليه، بحماس أكبر، مصارحة الزائر، إبعاده بكلمات واضحة ولطيفة، لأن معلّم الابتدائية، وقد نبذه كل الناس، عثر في الدكان، وفي خجل صاحبه، على جنة لا تسأل عن الذنوب.

   ظلّ البقال على صمته، غشيّت عينيه حيرة قاسية، وأعلن أنه بدأ يضيق حتى بدكانه.

   ـ لا أدري لماذا لا يكون الناس واضحين في هذه المدينة؟ صادقين في مشاعرهم ونظرتهم إلى الآخر؟ قال صبري، ثم سأل بشيْ من التهكم، يمهّد لمشورة تنهي الأزمة التي بدت له مضحكة أكثر ممّا هي محيّرة. هل تخاف مصارحته؟.

   أخفض البقال بصره، اكتسحت وجهة صفرة غبراء، وانحبست الكلمات بين شفتيه.

   أخيراً لم يصدّق صبري، حين أخبره البقال أنه قرر أن يكون واضحاً معه، أنه قال لمعلّم الابتدائية، أنه صرخ بوجهه: "أنت سافل".

   أنه قال له بشجاعة وثبات: "ربّما يكون بعض الأشخاص الذين تذكرهم سيئون، لكنك تفوقهم جميعاً".

   أنه صاح به وهو يرتعش من الغضب: "اخرج من دكاني".

   راح البقال يسرد الواقعة، ثم يعيد سردها ليضيف ما فاته ذكّره، ظلّ يحكي مثل طفل مشدوه بما اجترحه من عمل شجاع، وفي كل مرة يضحك في ثقة لذيذة، ليقدم تفاصيلَ أخرى.

   في اليوم التالي انقلبتْ كل مشاعر سكان (الناحية) ضدّ البقال، كما تنقلب الخفافيش في طيرانها السريع.

   أول من نقل أخبار حالة معلّم الابتدائية إلى الدكان جارة المعلم، التي غالباً ما تشكّت وبسّبستْ من تصرفاته. جاءت  تطلب كيس حمص وربع أوقية جبنه. قالت، وهي تتشمّم الجبن، إن المعلّم مرّ بأصعب الأيام في حياته. المسكين! رددّت عدة مرات، قبل أن تضيف أن عينه لم ترَ النوم منذ سمع الإهانة. ثم ظهر المعلّمون، جاءوا تباعاً من أجل سلعٍ تافهة، ليخبروا سعود أن عيون زميلهم ذرفت الدموع ممزوجة بالدم، نتيجة الكلام القاسي الذي وجّهه إليه، فبدأت الحيرة والقلق يتملّملان في قلب سعود البقال. ثم عزم أولياء التلاميذ على مقاطعة دكانه، وأسمعوه، قبل أن يتحوّلوا إلى دكان آخر، عتاباً مرّاً.

   بما أن مدينة (الناحية)، شأن كل المدن التي تقع جنوب بلدانها، تهتم كثيراً بالمصائب الشخصية، انتقل خبر الاعتداء الظالم إلى بقية الأحياء، ووجد معلّم الابتدائية المزيد من مشاعر العطف، من أناس أصبحوا يمرّون أمام الدكان، لإلقاء نظرة على صورة الشخص الذي حطّم قلب المعلّم.

   سخر صبري من الحمى التي أصابت المدينة. "لا تهتم"، قال ليطمئِن صاحبه ويشدّ من عزيمته. غير أن عقل الرجل بدأ يتقلقل في مكانه، أصبح يقضي الأيام حزيناً، منكمشاً في دكانه، وأصبحت أكثر النظرات تعذيباً، تلك التي يوجهها إليه، باستنكار مرير، أفراد كانوا أشد الناس كرهاً للمعلّم.

   في صباح رطب، كثيف الحرارة، تجمّع حشد كبير من أبناء الحيّ أمام الدكان، وقفوا يوشوشون ويتهامسون، أياديهم تشير إلى جسد البقال، يتدلى في سكون، مشنوطاً من الرقبة إلى حبل غليظ عُلّق بعارضة الباب. وضع سعود البقال الحبل في عنقه، ودفع كرسي الجَريد من تحت قدميه.

   لم يحتمل المزيد من النظرات، ربّما لم يجد التفسير المقنع،  قد يكون الخجل هو السبب، من يدري ماذا يفعل الضيق بالإنسان، مع ذلك صاح صبري:

   ـ "ما كان يجب أن يقدم على هذا".لطم صدره عندما سمع الخبر، ضرب جبهته بكفٍ قاسية:

   ـ "أنا المسؤول..." قال، بينما زوجته تصارع يديه من غير أن تفهم سبب عذابه:

   ـ "أنا الذي قتلته.." يصرخ، يرفع وجهه نحو السماء يستغيث بها، ثم يطرق، ليتمتم مع نفسه:

   ـ "كيف أعرف بواطن هؤلاء الناس من خلال وجوههم الباسمة، كيف أفهم حقيقة أفراحهم أو أحزانهم، أو غضبهم الذي يخرج على شكل نفثات من حقد يتوارثونه منذ آلاف السنين؟" يغرق في الصمت، ليعود إلى الصراخ من جديد:

   ـ "لا، أنا الذي قتلته...".