أفكـار حول موقع الكاتب

من قضايــا

الضمير

 

      في السابع من يناير الحالي، ومنذ الساعة الرابعة، بدأت الريح تزوبع في شوارع لندن، باردة، مصحوبة بنديف ثقيل يلذع الوجه ويتراكم فوق الأهداب. كنا نبحث، في قلب لندن المتجمد، عن قاعة للإحتفالات، يدشِّن فيها عدد صغير من الشعراء والكتّاب العرب أمسيتهم الأولى، ضمن مشروع ثقافي هدفه دعم المؤسسة الطبية البريطانية (Medical Foundation)، التي تعالج وترعى ضحايا التعذيب في سجون العالم. في تلك الأمسية هزتني العاطفة فحملتُ سلة صغيرة، طفت بها على جمهور مختلط ضاق به المكان، أسألهم التبرع، فتجلى الكرم العربي، ولأول مرة في المكان الصحيح، عن مبلغ ليس كبيراً، إلاّ أنه عظيم في قيمته الرمزية، بالنسبة لهذه المؤسسة الإنسانية، وللمحتفلين من الشعراء والفنيين والجمهور، الذي أرسل من لم يحظر منه رسائل اعتذار مع حصته من التبرع.

     عندما انتهت الأمسية وخرجنا عائدين إلى بيوتنا، شعرت كأن الريح التي لم يهدأ عويلها،  قد تشبّعت بالدفء. وفي الواقع انها لم تكن الريح، وإنما البرد ذاته قد تكسّر في الداخل.

     في اليوم التالي، عاد نفس السؤال القديم يزعج نهاري، وهو: لماذا لا يتدرّع الكاتب العربي بضمير محايد، ضمير إنساني بالدرجة الاولى، يسع العالم كله؟.

     لقد اعترف لي عدد من المشاركين في تلك الأمسية، ان نفس المشاعر راودتهم، أي تكسّر البرد، فلماذا لا يتأسس للكاتب العربي الحالي، وهو أكثر الناس ضجيجاً عن الإنسانية والعدل والديمقراطية، دور ضميري يشرف على الكون من الأعلى، ويراقب هذا العالم الصغير بحنان؟

     منذ طه حسين والعقاد وميخائيل نعيمة، أصبح أفق الكاتب العربي يزداد ضيقاً، وينكمش ضميره بإتجاه محوري، فهو حتى في محليّته منحاز إلى طرف ضد آخر، ولا يكاد قلبه يسع كامل البلد الذي يدّعي التفاني في سبيله، وغالباً ما تكشف الوطنية، أو القومية أو الدينية عن فئوية مقيتة، ضيّقة ومتلبّسة بالأحقاد تجاه الآخر.

     وإذا وضعنا الأديب والمفكّر والمثقف في سلة احدة، كون الثلاثة يمارسون الكتابة، رغم الشروط العديدة، لكن المنطقية، التي يضعها الكاتب أمين ألبرت الريحاني لمفهوم "مثقف"، يبدو الأديب أقل تعسّفاً في مواقفه، فقد شهدنا في هذه المرحلة مفكرون ملأوا آلاف الصفحات عن الديمقراطية، ثم اختاروا جلاداً ليضعوا على عاتقه مهمة تحقيق آمالهم "الفكرية"، ومثقفين يصرخون دفاعاً عن قضايا شعوبهم، وهم على صعيد الواقع مثل كلاب بافلوف، يسيل لعابهم كلمّا قرع أحد الحكام الطغاة صحونه، بينما كفّت دور النشر عن الإهتمام بكتب علي عبد الرازق، وصادق جلال العظم، وخلقت نمطاً جديداً من القرّاء المعنيين بالتراث والدين المسيَّسين، ثم راحت ترعى شراهتم إلى القراءة.

     الكاتب في تلك المرحلة كان ذات مكتفية بذاتها، تعرف قيمتها وتعرف دورها، فلا يحدث لمواقفها أي إلتباس كبير، وقد إختار ميخائيل نعيمة داراً بثلاث غرف، في ضيعة صغيرة، معلقة في احد سفوح جبل صنّين، بينما عاش الآخرون في دور أقلَ راحة، لأن شققهم الصغيرة كانت محاطة بضجيج العربات والأسواق، وعلى هذه الشاكلة قضى الكتّاب حياتهم في بقية البلدان العربية . فهل تحتاج ذات متعففة كهذه إلى مدّ يدها للآخر، من أجل مال أو من أجل مديح؟

     في الأمسية التي اختاروا لها عنوان "إسهروا معنا"، استجابت مجموعة صغيرة من الشعراء والجمهور والفنيّين إلى فكرة جديدة من نوعها، أساسها التحرّك بإتجاه عمل يتعلق بالضمير، من خلال دعم مؤسسة بريطانية مستقلة، تكفّلت بالدفاع عن ضحايا الضمير في الشرق الأوسط، ودول العالم الثالث، وفي بريطانيا نفسها، وضحايا الضمير هم أؤلئك الذين يوضعون في السجون ويعذبون  بسبب رأي يقولونه، وهم يُسَمّون (سجناء الضمير) فكانت "سهرة" حقيقية، رائدها الضمير، بيد انها كانت خطيرة ايضاً، في الجانب النفسي منها، إذ جرتنا الكاتبة اللبنانية هاديا سعيد، صاحبة الفكرة، إلى ميدان يتطلب الكثير، ونحن حتى الآن لا نعرف كل شروطه، أو لم نتعود عليها! فمسألة الضمير لا تقتصر على الأدباء وحدهم، لأن آلاف الأشخاص في انكلترا يحملون علبة التبرع (الفلوت)، ويقفون على الأرصفة الباردة أمام محطات المترو ومداخل الأسواق، يجمعون التبرعات للمؤسسات الإنسانية، وكلهم يؤدون هذا الواجب بصمت، ولا يشير أحد إلى أسمائهم في الصحف، وهم أنفسهم لا يطالبون  بأي مقابل، لأنهم يكتفون بهذه السعادة الخاصة التي يشعرونها، حين يؤدون دوراً معيناً للدفاع عن ضحايا الضمير في بلدان لا يعرفون حتى لون بشرة سكانها.

     إذن، ماذا لو طغت الذات على مشاريعنا الثقافية، بحيث لم يبق للإنسانية زاوية صغيرة تنحشر فيها؟ أو ماذا لو اكتشف أحد الحاضرين منا في تلك الامسية، انه منخرط في فكرة يؤدي تحقيقها إلى عدد من الضحايا، بينهم ضحايا الضمير؟

      أعتقد انه سوف يعيد النظر، على الاقل أثناء لحظة البهجة التي قدمتها الامسية، في الفكرة واسلوب تحقيقها، او في الفرق بين نوعين من البهجة، البهجة  التي تدخل قلب الانسان وهو ينقذ ضحية من تعذيب لا مبرر له، والبهجة التي تدخل قلب السياسي حين يقضي على مواطن ذنبه الوحيد انه لا يشاطره الرأي. فإذا أمكن لهذا النشاط الثقافي ان يحمل شخصاً واحداً في كل امسية، حضر أم لم يحضر، على هذا النوع من التفكير، فان هذا النشاط مبارك، وجدير بالدعم، وبالحنان أيضاً، وهذا رأيي الخاص، لأن المؤسسات الإنسانية لن يتأخر ولا يتقدم عملها كثيراً، بإمسياتنا الثقافية، ببساطة لأن الانكليزي سيظل يجمع التبرعات على الارصفة الباردة، والسبب انه تربى على ذلك، وهذا ما نحتاج إليه.

     يردد الكاتب والصحفي اللبناني وليد نويهض رأيا، مؤداه ان الديمقراطية تحتاج مجتمعاً ديمقراطياً قبل كل شيء، وهذ حقيقة كبيرة لا ننتوقف أمامها طويلاً، ولا نعمل شيئاً من أجلها، بل نروح نكتب ونكتب، ونلوم ونلوم، ونجهل ان ذاك المفكر الذي أنتج عشرات الكتب عن الديمقراطية، ثم مالبث ان وضع آماله وقضاياه على عاتق دكتاتور، إنما كان صادقاً مع نفسه، وقد اعترف بتصرفه هذا ان كل ما كتبه جاء من خارج ذاته، وضدها في نفس الوقت، الدليل انه في اللحظة الحاسمة لم يقاوم فكرة الإنخراط في مشاريع حاكم ديكتاتور من أجل تحقيق آماله الشخصية، والسبب ان التربية تغلبت على التعليم، وعلى مهنة الكتابة أيضاً، وهذا طبيعي، ولكن ما ليس بالطبيعي ان لا تقوم الفئات التي تحلم وتؤمن حقاً بالأفكار الإنسانية، بخطوة عملية من أجل قناعاتها، كأن تحرّر، في الأقل، دلالات ومعاني ومفردات الإنسانية والديمقراطية من الأيادي التي تغرف من نبع لا تمت إليه بأية صلة، وليست جميع هذه الأيادي تخون كتاباتها فحسب، كما فعل ذاك المفكر "الديمقراطي" في لحظة ضعف، إنمّا الكثير منها أيادٍ ملوثة بالدرجة الأولى، تعتاش، وهذا الرأي أيضا لأمين الريحاني، من السطو على أفكار وأحاسيس الآخرين النبيلة.

      فإذا انتقلنا إلى السياسة وأحزابها، وهي محطّ آمال الكثيرين ممن يتعاطون الكتابة، نجد ان هذه الاحزاب، منذ فترات الاستقلال الاولى حتى الآن، عملت على خنق كل ظواهر ونزعات التطور في المجتمعات العربية، وضخّت في عروقها نوع من الدماء السوداء، دماء غذاؤها الحقد والكراهية والرغبة المسعورة في إفناء الآخر، إذا فشلت في إجباره على الخنوع.

      إذن، هل يمكن الركون إلى السياسة في مسألة تتعلق بالضمير؟ وهل يصح الوقوف إلى جانب الحزب السياسي والى جانب الضمير في آنٍ واحد؟

      السياسة، في أرقى مستوياتها، هي لعبة تعتمد الخبث، ففي ظل ديمقراطية متطورة، ونظام مكشوف للرأي العام والصحافة، ومُحاسَب من قبل هيئات دستورية مثل النظام البريطاني، تكشف المؤسسات المستقلة فيه بين فترة واخرى، عن تجاوزات كثيرة تتعلق بالضمير، أو بحقوق الانسان، فكم ترتكب السياسة والحزبية في المنطقة العربية من تجاوزات بحق الانسان؟ وهل يمكن الجمع بين المواقف الإنسانية وبين أهداف حزب يسيطر على السلطة في بلد ما، أو يسعى إلى السيطرة عليها؟

      لقد أصبحت التجمعات التي تهتم بالبيئة وبالإنسان تهدد الأحزاب التقليدية الكبيرة في أوربا، وهي في الأساس أحزاب تكسب الأصوات بما تقدمه للمواطنين من خدمات يومية، وللبلد من تطور، غير أن الوعي الإنساني بات يطلب الكثير من الحكومات، فلم يعد هذا الوعي ليقتنع بان الرفاه يقتصر على الأمن والعمل ومتطلبات العيش، بل انه يطالب للشجرة بمكان في هذا الرفاه، وللحيوان، وحتى للإنهر، كون الطبيعة ليست ملك الإنسان وحده، ومقابل هذا، ذهب التطرف بأحد المسيَّسين العرب إلى القول، وعبر واحدة من أوسع الاذاعات انتشاراً في البلدان العربية،أي الـ (بي بي سي)، بان بدعة النباتيين ( الذين لا يشتمل غذاؤهم على اللحوم) هي مؤامرة غربية للسيطرة على أسواقنا العربية!

      يمكن الإكتفاء من هذا الكلام بالجانب الطريف فيه، لو لم يقف على جذور تمتدّ عميقاً في الأذهان، أيضا يجوز قبوله كرأي آخر، لولا انه يستند إلى الخداع بالدرجة الاولى، لأن السياسة الحزبية العربية شقت طريقها إلى العقول من خلال ترويج مفاهيم خاطئة، ينضج على دخانها التطرف والعناد، ليتحوّلا في النهاية إلى نمط من التفكير قوامه كلمتين فقط: لا، أو نعم.

      وعندما تحدثت صحف العالم عن "جنون البقر" وطلبت دول أوربا من الحكومة البريطانية التخلص من الجيل الأول من المواشي الأنكليزية حتى عام 1991، ظلت حكومة المحافظين تماطل، وأحياناً تخادع وتكذب، تهرباً من إبادة جيل كامل من الأبقار، ليس رحمةً بهذه الحيوانات المسكينة، بل لأن بريطانيا ومزارعيها سيخسرون ثلاثة بليارات جنيه استرليني بهذه العملية (حوالي اربعة بليارات ونصف دولار)، أي ان قيمة الأبقار في انكلترا يعادل ميزانية الاردن والسودان والصومال واليمن وجيبوتي والضفة الغربية، فنحن نعرف ان الغرب يريد، بأي ثمن، استمرار تدفق النفط إلى أسواقه، ولكن ان تكون "النباتية" مؤامرة جديدة للسيطر على ثرواتنا (العظيمة)، فهذا ضحك على ذقون المواطنين العرب البسطاء، الذين لا يعرفون حتى الآن من يقف وراء تخلفهم وتعاسة حياتهم.

      إذن، ألاّ يتطلب وضعاً كهذا، وقوف الكاتب على الجانب الآخر من اللغط، ليكشف من خلال وعيه، وإستناداً إلى ضمير محايد، محنة الإنسان في المنطقة العربية، وفي بقية العالم؟

      إن السياسة بشكل عام تقدم على الدوام أمثلة غريبة عن مخاتلة أعمال ومواقف الضمير، وفي بعض البلدان العربية قدمت (السياسة) نماذج فانتازية في الدجل، بتأهيلها كتّاباً وقفوا دائماً في الخنادق الأمامية، ليحجبوا بضجيجهم الكثير عن الديمقراطية، ويسفّهوا بالتالي، كل الأصوات الباحثة عن دور شريف للكتابة، بحيث أصبح الآن من حق كل شخص أن يتحدث عن الديمقراطية، بما في ذلك هؤلاء الذين هم في الأساس وبطبيعتهم وإلتزاماتهم الحزبية، أشد أعداء مفاهيم حرية التعبير.

      من المؤكد أن المجتمعات في دول العالم الثالث ستبقى تفرز من ذاتها، وضد ذاتها، حكاماً طغاة، وذلك بسبب تخلفها، ومحاولاتها البطيئة أو المتعثرة للنهوض، أما في المنطقة العربية، فقد بلغ الأستهتار ببعض الحكام أن ملأوا السجون الرديئة بمن يعارض طغيانهم، وأنشأوا إلى جانبها مكاتب مكيّفة الهواء للدفاع عن "حقوق الانسان".

      شيء يفوق الخيال، أليس كذلك!

      لكن ماذا عن الأحزاب التي تعارضهم، التي تدعي انها تمثل آمال الناس؟. أنا أحب الأشياء التي تفوق الخيال، لذلك سوف أجيب بنفسي على السؤال.

      يقدم العراق، وعلى الدوام، بسبب تطرف الأمور فيه، مقياساً نموذجياً، يمكن ان تدخل فيه جميع التجارب السياسية العربية الأخرى، من دون أن تشعر بضيق المكان، وإذ أن صدام حسين طغيان قائم بذاته، قررت الاحزاب السياسية والدينية إنقاذ الإنسان والديمقراطية منه، حيث تجمّعت في إطار سياسي جديد، وفتحت بدورها منظمة لـ "حقوق الانسان"، تشرح فيها كل يوم للمواطنين معاني واصول ومباديء هذه الحقوق، ثم ذهبت أبعد من ذلك، إذ أنشأت إذاعة أطلقت عليها اسم "إذاعة الحرية"، فاكتملت بهذا دولة المستقبل للعراق السعيد، ولم يتبق سوى الإنتقال إلى بغداد. وعندما فاتحني مديرها عن فكرة عرض مجموعة من الكتب تبحث في الإستبداد، وافقت بعد تردد طويل، رغم انهم تعهدوا له (خطياً) باستقلال الاذاعة وبرامجها، وعدم السماح لأي توجهات حزبية أو شخصية بالتأثير على سياستها "الحرة" الموجهة في الأصل إلى الداخل، وما دام الرجل على قيد الحياة، أي يمكنه نفي أو إنكار ما يُقال، فقد جرى البحث معه، بعد الكتاب الثاني، حول برنامج اسبوعي متواصل، تُعرض فيه التجارب الديمقراطية في الغرب والشرق باسلوب توجيهي، ويذهب ريع البرنامج مباشرة إلى احدى المنظمات الإنسانية الانكليزية، التي أعمل بين صفوفها كمتطوع صغير بين آلاف المتطوعين، فلم يكن أمامه إلاّ القبول، لأن المسألة تخصني، ما داموا يحتاجون عروضي للكتب.

      بَيدَ ان مدير "اذاعة الحرية" عاد ليخبرني في التلفون، وبعد أسابيع قليلة، ان المسؤل الكبير (أي رئيس العراق الديمقراطي في المستقبل) تراجع عن تعهده، وإن مسؤل الإعلام (وزير الثقافة القادم) عيّن مراقباً على النصوص داخل الاذاعة. طبعاً لم يكن أمامي إلاّ الطلب منه إقاف عملية بثّ الكتاب الاخير (الرابع) وعلى الفور. وقد فعل، وفعل أكثر من ذلك إذ إستقال في خطوة ما زلت أنظر إليها بتقدير.

      مراقب على النصوص في لندن، وفي إذاعة تحمل اسم "اذاعة الحرية"! أمر اعتيادي ومتوقع، على الأقل بالنسبة لي، أي أن ينهض دكتاتور صغير في رأس معارض بسيط، أو أن يكذب المعارضون على المواطنين في الداخل، باعتبارهم المدافعين عن  الديمقراطية فيحصلون على وظائف سياسية كبيرة جراء ذلك، ويكذبون على الامريكان إذ يأخذون منهم الدعم باعتبارهم الممثلين المناسبين للشعب العراقي، ويكذبون على الأنكليز إذ يدفعون لهم الرواتب وإجارات البيوت باعتبارهم عاطلين عن العمل. هذه السلسلة المتداخلة من الأكاذيب متوقعة بالنسبة لي، إلاّ ان الشيء الذي لا يتصوره الخيال إن كل الوجوه اللامعة، نجوم الديمقراطية ونجوم مؤسساتها العصرية، الذين ملأوا صحف وتلفزيونات أوربا وأمريكا بالكلام عن محنة العراق وعن المباديء الديمقراطية، إختفوا فجأة عندما ظهرت هذه القصة إلى العلن، تواروا وكأن شيئاً غريباً لم يحدث، أو ان ما حدث لا يستحق أن يقلق خواطرهم، المشغولة في إدارة مؤسسات تبشّر بمستقبل ديمقراطي في العراق!، حتى نشرات المعارضة الاخرى اقتطفت من الموضوع الجانب التشهيري فيه، فقط لتقول: "ألم نقل لكم انهم ليسوا أفضل منا؟" من دون أن تهتم بمتابعة الحقائق، لأن السياسة الحديثة في العراق تقوم على مبدأ صلب، يقول ان السيء أفضل من الأسوأ، وأن عدد الضحايا هو الذي يقرر تهمة الطغيان، بمعنى إذا كان عدد ضحايا الحزب خمسة آلاف بريء، يبقى صدام حسين وحده المدان، وحده الطاغية، لأن ضحاياهاه بالملايين!

      على ضوء هذا المنطق، لا يمكن لهؤلاء المعارضون "الأحرار" أن يفهموا، بأي حال من الأحوال، أن آلاف المواطنين العراقيين وضعوا في السجون العراقية بسبب (مراقب النصوص)، وهل من سبب آخر يجعل صدام حسين دكتاتوراً؟، وبالتالي، هل يمكن للضمير أن ينمو في مثل هذه الرؤوس المسننة؟

      إذا كان الجواب لا، فهل يجوز أن تبقى دلالات اللغة ومفردات الخير والأنسانية بيد غير جديرة باستخدامها؟ ومن يقلْ لي ان حزبه السياسي في بقية الدول العربية، يُعدُّ وزيراً للأعلام يختلف، جوهرياً، عن "وزير" الاعلام العراقي المعارض، فهو مخدوع في أفضل الأحوال، أو يغالط في أسوئها، أو يحترف الكذب في أبشعها.

      ان العديد من المواطنين في البلدان العربية يخيّم عليهم اليأس نتيجة الإحباط، بعد ان اكتشفوا ان أحاسيسهم الوطنية او القومية او الدينية قد تحوّلت ضدهم حين تسلّق عليها الآخرون، وهم الآن لا يعرفون الكلمة الصحيحة التي يعبِّرون بها عن يأسهم، أو ينعشون بها آمالهم، لأنهم إن وقفوا إلى جانب (لا)، أو جانب (نعم)، التي بشّرت بهما الأحزاب والكتّاب والزعماء، وقعوا في نفس الخدعة  القديمة، وتحوّلوا إلى جلادين للرأي في المستقبل، وإن لزموا الصمت دفعوا الثمن مضاعفاً، وجلسوا يتابعون الأمور التي تتحسّن ببطء شديد، ضحاياه كثيرون ولا يشجع على الأمل، بينما نظل نكتب ونكتب وننظِّر، ونحن نتخبط مكشوفين أمامهم، ممّا يزيد ضيق الناس وحزنهم.

      لذلك، ينبغي العمل لتأسيس كلمة جديدة، بين (نعم) الصارمة و(لا) المستبدة، كلمة موجزة وهادئة، وهي: (هذا غير إنساني)، كلمة قد لن تهزم مواقع الطغيان الحالي، لكنها قد تربّي جيلاً للمستقبل يرفض، من ذاته، إلحاق العذاب بالآخر من دون سبب مُقنِع.

      (هذا غير إنساني) وحسب. وحبذا لو نتقدم خطوة صغيرة إلى الأمام، تكسِّر جليد الخيبة وعدم الثقة في قلوب الناس، بأنْ نقدم في كل سنة ثمن مقال واحد، أو قطعة أدبية، إلى المنظمات العالمية التي تدافع عن ضحايا الضمير، وأن يجري هذا في صمت.