أحزان الشواطئ الحارة

 

 في جمهورية ساحل العاج لا تجدٌ ناباً واحدا، ولا أثراً لقدم فيل، وشجرة الأكاجيو، التي جئتُ أبحث عنها، لا تختلف ثمارها، من حيث طبيعتها، عن أية ثمار أخرى، والمعادن الحمراء الذائبة، التي تصبّ في بحيرة أودينو، لا تمت إلى الواقع بصلة، لأن البحيرة ذاتها غير موجودة. بَيدَ أن مكتب العقارات الذي يملكه ويديره جمبوللو يشرف على البحر، ويتوسط مدينة آسيني الساحلية.

   طلب مني جمبوللو ، وهو من قبائل الباولا الكبيرة التي ينحدر منها الملك بوكو، تنظيم حساباته عن الصيف الماضي، مقابل مائة فرنك، وتذكرة سفر أعود بها إلى بلدي حالما أنهي الجرد.

   لا أدري كيف صدّقتُ ما يقوله هؤلاء الكتّاب المجانين، عن بلد لا يعرفونه، وطبيعة لم يضعوا أقدامهم فيها، لأتورط في مغامرة تعيسة كهذه!

   قبل ثلاثة أشهر نزلت على هذا الشاطئ ذاته، من سفينة خربة، وضعت الفراش ـ الحقيبة (Sleeping Bag) على ظهري، ورحتُ أطوف بين القرى والأحراش، لرؤية ثمرة حمراء اسمها الأكاجيو، يقال إنها عندما تنضج تتساقط حبّةً حبّةً لتشعل الحرائق في الحقول والغابات.

   لم أعثر على تلك الحبّات، مشيتُ آلاف الأميال، قطعت غابات مخيفة، عبرت أنهراً صخرية جارفة، انتظرت في سهوب موحشة من دون أن أجد الثمرة الحارقة، جميع الأكاجيو الذي صادفني، على الأرض، أو معلّقاً في الأغصان، لا يختلف بشيء عن فاكهة الأكاجيو التي تباع في مخازن الغذاء بباريس، أو في نيويورك.

   منذ النظرة الأولى إلى حسابات جمبوللو التي تعمّها الفوضى، عرفت أنه يشيّد بيوتاً وهمية، في مناطق غير موجودة، لأناس غير حقيقيين، ويقبض أموالاً مقابل ذلك.

   لن يعنيني هذا بشيء، المهم، بالنسبة لي، الحصول على تذكرة سفر، قبل أن يبدأ الصيف، حيث تدفع التيارات الاستوائية الرطبة والحارة إلى البرّ، مزيجاً شيطانياً من اللهب، يقشّر لحاء السنديان في غضون ساعات.

  هكذا يقال.

   جمبوللو رجل حماس بالدرجة الأولى، حين عيّن الفرنسيون ملكاً يحكم الشمال قبل الاستقلال، دافع جمبوللو عن الملكية، وفتح ورشة كبيرة يصنع فيها ثيابا للنساء والأطفال تحمل صورة الملك الباسم، وهو الآن، مأخوذاً بنفس الحماس، مؤيداً مخلصاً للجمهورية، يدعم من شغاف قلبه، خطة الحكومة لتشجيع السياحة، ببناء فيلاّت على الساحل، يتلقى على كل فيلاّ، إضافة إلى تكاليفها، مبلغاً رمزياً تشجيعاً للوفاء.

   في ساحل العاج، لا تتطلب الأمور الكبيرة، ولا الصغيرة، اهتمام الناس، هذا يعود إلى طبيعة الحياة فيها، ويعود، بنسبة أكبر، إلى تلك التيارات اللاهبة، التي تقشر السنديان طوال فترة الصيف، ولكنك، إذا ما وجدت الوقت لتسأل، إنْ كان في ساحل العاج أشجاراً للسنديان، أو إنْ كان فيها فصلاً آخر غير الصيف، لن تعثر على من يضيّع وقته في الجواب.

   لاكونا وحده كان موضع اهتمامي، شخصية ظلّت تشغلني منذ البداية، وفي الأخير أصبحتْ تقلقني.

   في الخامسة والعشرين، طويل، نحيف، يرتدي في سيقانه بنطلون جنز مهلّهل، ولجذعه فانيللا بتعليقتين، كل صباح يحمل الأوراق التي يسجل فيها جمبوللو مواصفات الفيلاّ الجديدة، مساحتها، تجهيزاتها العصرية، الكلفة بالفرنك الفرنسي، يذهب بها إلى رئيس البلدية ليصادق عليها، ثم يعود بالمبلغ مكتوباً على شيك.

   عندما يحتاجه رئيسه لأمر آخر، أذهبُ لأناديه، أنتزعه بصعوبة من بين الأولاد الذين يلعب معهم في كرة صغيرة، يتبعني، ويظل عنقه الطويل ملوياً إلى الوراء، يراقب بقية "الماتش" أو يصيح بأحد الأولاد كي ينتبه لهجمة خصمه.

   لاكونا تيار استوائي حقيقي، لكن من دون لهب كثير، وهو من قبائل الكرُو الصغيرة، التي كفّتْ منذ سنين عن القتال، وتكتفي الآن باستعمال أقنعة خشبية عابسة، تفزع بها أعداءها.

  يريد أن يصبح مثل مارادونا، لاعب كرة مشهور تنهال عليه الأموال والكاميرات. أحياناً يدخل على مديره، يقف بين يديه ليكشف أنه حمل متاع سائح أمريكي إلى الفندق، وتكرّم عليه بدولارين، فيمسكه جمبوللو من أذنه، يجرّه إلى باب المكتب ويصيح بأعلى صوته ليسمع الرائح والغادي:

   ـ لاكونا ! ماذا سيظن بنا الأمريكان يا لاكونا، هل نحن لصوص أم شحاذون؟

   غير أن لاكونا ينسى نصائح مديره بسرعة، ربّما لكثرتها، أو تنوع مستوياتها، فيتخذ في اليوم التالي الوقفة ذاتها، ويخبر جمبوللو أنه لم يدفع أجرة الباص الذي نقله إلى البلدية، لأن السائق انهمك في شجار طويل مع إحدى الراكبات وأهمل تحصيل الأجرة، عندئذ يقبض جمبوللو على خادمه من شحمة أذنه، يأخذه إلى الباب ويهز رأسه هزات عنيفة ثم يصرخ:

   ـ لاكونا ! ماذا يقول النّاس عنا يا لاكونا، هل نكون وطنيين ونسرق أجرة الباص الذي ينقلنا؟

   بعض الأيام يحتال لاكونا ضدّ نفسه، ليصلح وضعاً يراه غير اعتيادي.

   مرّةً دخل المكتب ليقول:

   ـ جمبوللو ، أعطتني الجمعية اليوم علبتي حليب، وعندما أخبرتهم أن بيتي فيه طفلاً واحداً، رفض الموظف استرجاعها، لكنّي تركتها هناك دون أن ينتبهوا.

  جرّه جمبوللو من أذنه وعاد به إلى الشارع، ليصيح هناك:

   ـ لاكونا ! هل تريد أن نحتال على الدولة يا لاكونا! ماذا يقول النّاس عنا إذا تحايلنا على قرارات الموظفين؟

   عندما يقبض جمبوللو على أذن لاكونا، ليقوده مثل العنز إلى الباب، أشعر أذني تنخلع من مكانها، إلاّ أن طريقة العاجيين في النصح لم تكن تعنيني كثيراً، خاصة وان لاكونا نفسه يركض، ما إن ينتهي من تلقي التوبيخ الصاخب، إلى الشارع، يجمع الأولاد ويدير ماتش سريعاً في كرة القدم.

   في الفترة الأخيرة  بدأ مزاج لاكونا  يتغيّر، أصبح حزيناً، شارد الذهن، وقف يوماً أمام زوجته الشابة، سألها:

   ـ بابي، هل تلاحظين اختلافاً بين آذاني؟

ضحكت بابي وهي تغطي أسنانها الكبيرة بيدها، قال لاكونا عابساً:

  ـ لا أقول هذا لكي تضحكي، بابي، هل يوجد فرق بين أذني اليمنى وأذني اليسرى؟

   اعترفتْ الزوجة أنها لا ترى أي فرق بين الاثنتين، واستعاد وجهها جديته.

   يجد لاكونا أذنه اليسرى أكبر من اليمنى، يراها بوضوح، شحمة أذنه اليسرى أصبحت كبيرة، متهدلة، وهابطة إلى الأسفل لكثرة شدّ المدير. يشعر بثقلها، يحسّ انتفاخها الطري حين يلمسها بأصابعه، لكن زوجته، أصحابه، حتى الأولاد الذين يدخل ويخرج كما يشاء على مبارياتهم الكروية، لا يلاحظون ما طرأ على أذنيه من اختلاف.

   لو كان هناك شخص واحد، شخص واحد فقط يُقرّ له، ويعترف بالتضخم الذي حصل لأذنه، لما انشغل لاكونا بالأمر، لكان نساه بعد يوم لا أكثر.

   أصبح هاجس لاكونا الأول والأخير الوقوف أمام واجهات المخازن في السوق التجاري، ينظر، يتلمّس، يتفحّص شحمة أذنه على ألواح الزجاج الكبيرة، ثم يمشي مثل المهبول على الأرصفة، وعينه تراقب طيفه الهائم على الزجاج.

   عندما يطلب المدير خادمه، أصبحتُ أجد مشقة في العثور عليه، فيزداد غضب وصراخ جمبوللو،  الذي بدأ في تلك الفترة يضاعف البناء، ويرسل فاتورة حساب في الصباح وأخرى في المساء، لأنه خطط لشراء الساحل ذاته، من مدينة آسيني إلى حدود غانا، بما في ذلك مئات الفيلاّت الجميلة، التي لم يشيّدها أصلاً.

   بسبب الهم الثقيل الذي بلبل لاكونا، وحطم عاداته وأفراحه الصغيرة، ازدادت أخطاؤه اليومية، وازدادت، تبعاً لذلك، نصائح المدير الصاخبة، التي كان يوجهها للمارة أكثر ممّا يلقيها على خادمه المسحوب من أذنه.

   ـ لاكونا، قلت له أخيراً. الوهم الذي يعذبك سخيف من أساسه، سوف تهدم حياتك بلا معنى، وكنا نجلس خارج المكتب في فترة الغداء، فتابعت كلامي. يجب أن تعلم أن كل ما يحدث في بلدكم لا يعنيني، لكن أذنك هذه، التي أصبحت متهدّلة ومختلفة عن الأخرى، كما تعتقد وحدك ولا يراها بقية البشر، اطلبْ من جمبوللو أن لا يمسكها مرّة أخرى ليجرّك إلى الشارع.

   أصغى واستوعب الكلام دون أن يحرّك ساكناً، لكن اليوم والطريقة اللتين اختارهما ليتحدث إلى جمبوللو لم يكونا مناسبين على الإطلاق.

   في نفس النهار الذي أعلن فيه رئيس الدولة عن تشكيل مجلس ديمقراطي يدير شؤون البلاد، حوّل جمبوللو كل الفيلاّت السياحية إلى مدارس مجّانية لتعلّيم الديمقراطية.

   جمبوللو يأخذه الحماس كل مأخذ.

   يؤمن أن الأفكار والمبادئ التي لا تقدم حلاً عاجلاً لمشاكل الإنسان الشخصية، لن تساوي حفنة عدس. كان يقول كلامه بحرارة، مصحوباً بهزات مجلجلة من رأسه ويديه، منتظراً منّي إشارة إعجاب بهذه الفصاحة التي أضاءت روحه. إلاّ أن ما يفكر به العاجيون لا يعنيني من قريب ولا من بعيد، خاصة وان مدة العقد تقترب من نهايتها، لذلك تحوّل انتباهي إلى لاكونا، الذي دخل في نفس اللحظة، حزيناً، مهدّماً، يتأرجح في نظرته عزم خافت.

   ـ جمبوللو، قال حين توسط المكتب. لا أقول هذا الكلام لكي تغضب، أذني صارت مثل التوبولا (البطاطا الحمراء)، لا أريد أن تجرّها عندما أخطيء.

   ـ أذنك؟ قال المدير يتأمل رأس وعقل خادمه بهدوء مصطنع، ثم سأل منفجراً. أية أذن منهما؟

   ـ أذني اليسرى،

   ـ لاكونا ! صاح المدير وهو يقبض على خادمه من أذنه اليمني ويجرّه نحو الباب. ماذا يقول عنا الأجانب عندما نكذب بهذه الوقاحة يا لاكونا؟، هه؟

   علّقتُ الفراش ـ الحقيبة على ظهري، وأحسست به الآن أخفّ وزناً ممّا كان عليه حين نزلت على هذا الشاطئ قبل ستة أشهر، ثم تسلّمتُ بطاقة السفر من يد جمبوللو، واتجهت إلى مطار العاصمة أبيدجان.

   قلت لنفسي، والطائرة تجنح إلى مياه الأطلسي، على ارتفاع خمسة آلاف قدم:

   ـ "شاهدت أموراً عجيبة في البلدان التي قادتني إليها الصدف أو المغامرات الفاشلة، لكن لا في القاهرة ولا في بيروت، ولا حتى في لندن، شخص على شاكلة جمبوللو، ويمكن للمرء أن يحمد الله على ذلك".