الصراخ، قصة قصيرة، عارف علوان، أدب حديث">

 

 

الصراخ

 

  لم تمض إلاّ ساعة على وصولنا، حتى تناهتْ إلينا أصوات وجلبة القادمين من الخارج. "وصلوا بسرعة!" قال وليد ونظراته تطوف على وجهي مستفسرة، قلت: "لم لا!" ونهضنا لاستقبالهم.

   كان الباب مشرعا على فسحة مزروعة بالأثيل، وطرف كبير من سنديانة، منحنٍ برفاه على الأرض. ظهرت بيترا أوّلاً، ثم هلترود، صديقة وليد، يتبعها شاب جسيم، بجديلة شعثاء خلف عنقه، ثم أندريا، وكان كل منهم يحمل جزءاً من لوازم السهرة ويقول شيئاً ما أثناء دخوله. أخيراً وقف الصغير سعدي في الباب، بقميص قصير يغطي جذعه الأعلى، بينما بقي الأسفل عارياً.

   ألقى نظرة متعالية يتفحص بها الوجوه، ثم اعترته دهشة خفيفة لا تكاد تبين حين اكتشف وجودي، فانسل في تهيب ووقف عند أذيال أمّه.

   لم يزعجني هذا الحضور السريع، إذ كنا قطعنا المسافة بين محطة القطار والقرية في الحديث، وقلنا، أيضاً، كل ما يمكن قوله على عجل في رحلة الباص الذي حملنا إلى الريف، وغداً يعود الجميع إلى بيوتهم في كولون، ليلتحقوا بأعمالهم صباح الاثنين، فيبقى لدينا متسع من الوقت للكلام.

   كانت الفكرة أن تجلب هلترود أصدقاءها، لقضاء ليلة السبت في الريف والتعرف عليّ.

   تبادلنا كلمات التعارف في قليل من الصخب، إذ ما زالت روح السفر تهيمن على مزاجهم.

   ـ سعيد بمعرفتك

   ـ كيف حالك؟

   ـ سعيد بلقائك. لا شك أن السيارة اكثر رحمة بالمسافرين من عربات القطار.

   ـ تعني الحرّ؟ لا، نفس الشيء، خاصة لمن يقود، قالت بيترا ثم قدمتْ نفسها. بيترا.. مسرورة بلقائك.

   ـ أندريا... أهلاً بك.

   ـ ديرك

   لاحظتُ أن وليداً لم يبالِ كثيراً بالشاب وهو يقدمه، وحين اوضح، بعد أن عرّف بالجميع، أن النساء الثلاث مختصات في علم النفس، صحت مازحا: "آه، إذن، سأكون الليلة مكشوفاً وعارياً طوال السهرة" فضج الصالون الكبير بالضحك. علقت هلترود: "لا تخف، نحن لا نعمل أيام العطل" أيد الآخرون ردّها وهم يضحكون، قلت: "بالتأكيد لن أخاف، لأن لي طرقي الخاصة أيضاً، في معرفة حقيقة الإنسان بمجرد النظر إلى وجهه".

   ـ كيف هذا؟ سألت أندريا، وقد ارتسمت على وجهها دهشة جميلة.

   ـ أنا مطّلع على علم الفراسة، قلت متصنعاً الثقة والجدّ. لذلك إذا لم ترأفوا بي، سوف أسلط أضوائي على حقيقة كل منكم.

  انقضت الساعة الأولى في حركة دائبة داخل البيت لإعداد العشاء، راح سعدي خلالها، وقد ألِفَ وجودي، يطوف بين السيقان ويملأ المكان بالمرح، كان يصر على القيام بنفس الأعمال والحركات التي نقوم بها، فينفجر في الضحك، كلما شاهدنا نضحك على أخطائه.

   كانوا لطيفين، تلقائيين، مشغولين في بهجة الوقت الذي جاءوا يمضونه هنا، وقد تجاوزوا على الفور مشاعر التحرج التي تطغى على الإنسان في اللقاءات الجديدة، ممّا جعل الرغبة في استعراض النفس، التي تجمعت في داخلي منذ اللحظة الأولى، من دون معنى، ومعزولة في صحرائها الخاصة.

   حدث مجيئي إلى هنا في سرعة، وفترة بقائي محسوبة بدقة، ثلاثة أيام لا غير، اقضيها في الريف. كنت مارا بمدينة كولون الألمانية، فتذكرت وليداً، الذي لم أره منذ فترة طويلة، قلت له في التلفون: "سوف اقتحم عزلتك الريفية قبل عودتي إلى برلين، ما رأيك؟" قال: "تعال، أهلاً بك" وعندما سألت في نبرة مازحة: "كيف الليل عندك؟" أجاب بعد صمت قصير: "رائق وقصير". هذا هو ما احتاج إليه، همست لنفسي، وقلت له: "سآتيك غدا".

   بعد ساعة خفّت الحرارة في الخارج، فانتقلنا إلى فسحة الأثيل. انتقلت، وهي تقرقع، الصحون والسكاكين والملاعق والكراسي والأحاديث، والظمأ إلى جرعة باردة من الشراب.

   اقترحت هلترود إبعاد المائدة عن السنديان، لأن أسراب الطيور تتوافد على أوكارها بحوصلات متخمة، بعد يوم من اللُقاط.

  كنت سعيدا بالمكان، أملّي النظر، مع كل طبق أو إناء احمله إلى المائدة، في المروج والهضاب الخضراء، التي تبهج النفس بألوانها وصمتها العميق. كانت الشمس تلملم ضوءها وتنحدر ببطء خلف التلال القريبة.

   قال وليد، الذي انتبه إلى وقفاتي: "سوف تملّ كل شيء، قبل أن تنتهي مدة الزيارة". وافقت بابتسامة مذعنة، مع ذلك لعنت المدن، لأنها شوهت في حواسّنا معنى الجمال، وقتل ناسها في قلوبنا أي أمل في البشر.

   كان ديرك اقل حركة، والأكثر صمتاَ من بين الجميع، وبدا في قامته الطويلة، الممتلئة،  والرؤوس الشيطانية الزرقاء التي وشمها على كتفيه وصدره وذراعيه، أشبه ببحار يتقصى أخبار سفينته في مقاهي كولون وشوارعها المكتظة.

   علمت بعدئذٍ، أنه واحد من مرضى بيترا، تبقيه إلى جانبها أحياناً، ليكون تحت رقابتها ورعايتها الطبية. لقد كسر ديرك انف اثنين من رفاقه في العمل، وهو يشعر أنها الطريقة الوحيدة التي تجعل الناس يأخذونه بنظر الاعتبار، لذلك وُضِع، هو وفكرته عن الاعتبار، تحت العلاج.

   اتخذنا أماكننا حول المائدة، وكان سعدي أُصعد إلى سريره في الطابق الأعلى، مع عودة الطيور إلى أوكارها، وسرح من لحظته مع النوم، بعد أن نال نصيبه من اللعب والمرح واهتمام الآخرين به، فاستأذنت هلترود وليداً، حالما استقرت في مقعدها، لاستعمال غليونه، ثم راحت تدخن في استمتاع، وقد شاعت على وجهها علامات الرضا والارتياح، أنها أطعمت صغيرها وأرقدته، وساهمت في إعداد العشاء أيضاً، فحق لها الآن التلذّذ بأطايب الليل.

   اختار ديرك الكرسي الذي يقابلني، كان هادئاً، معتاداً على صحبة هؤلاء الناس، رغم أن وجوده يوحي بمقاتل وُضع بين فئة متعبدة، والى يميني جلست أندريا، وهي دائماً بشوشة، لها وجه أليف، من النوع الذي يمكن أن تصادفه بين كل الشعوب والأجناس، فتحبّه على الفور.

   ـ هل صحيح أنك تفهم الشخص من خلال النظر إلى ملامحه؟ سألت أندريا وهي تدير نحوي وجها باسماً.

   اربكني السؤال، واكتشفت انهم لم يفهموا مزاحي، غير أن طريقة أندريا في النظر سحرتني. قلت:

   ـ كنت امزح، ولكنني اطلعت على القليل من هذا العلم، الذي يسمونه الفراسة.

   ـ إذن تعرف القليل عنه! سألت بيترا بلهجة من يطلب المزيد من الإفصاح.

   ـ حَسنٌ، المسألة أن أحد أصدقائي يهتم بالفراسة، ويجمع الكتب القيمة عنها، أحيانا، عندما نجلس في المقهى، يحدثني عن معنى خطوط الوجه، فنروح نقرأ الأشخاص من حولنا ونحن نضحك، نقول هذا الرجل واجه صدمات كبيرة في حياته، ولكنه قوي الإرادة، تلك المرأة قنوع، ولكنها عصبية المزاج، ذاك العجوز يملك عقلاً تحليلياً، وقضى حياة مليئة بالمخاطر، أتراه كان عسكريا؟ على الأغلب، وهكذا، إلاّ أن صورة الكشف هي التي كانت تهمني، وليس قواعد الفراسة.

   ـ والعقلي التحليلي، ما هي علاماته على الوجه؟ عادت بيترا تسأل.

   ـ دعيني أتذكر، قلت، وحثثت ذهني على التفكير. الخطوط المستقيمة في جبهة الشخص.

   أسرع كل واحد منهم يتفحص جبهة الآخر، ثم انفجروا ضاحكين.

   قالت هلترود، ترفع باتجاهي إصبعاً متحدياً:

   ـ هو يقول لنا.

   ـ أنا؟ صحتُ متخذاً موقع الدفاع. أنا لا اعرف، لأن صاحبي لم يشرح لي نوع الاستقامة المطلوبة.

   ـ هيا، تشجع وقل لنا.

   تفحصت وجوههم، متعمداً الانتقال في بطء من وجه إلى آخر، بينما راحوا يراقبون عيوني وهم يحبسون ابتساماتهم في صعوبة، أخيراً قلت:

   ـ إن وجوهكم شابة، لا تحمل أي غضون، فكيف أستطيع قراءتها؟

   ـ آ آه، صاحوا في آن واحد وقد ارتسمت على وجوههم الخيبة، ثم انطلقوا يضحكون.

   ـ أقول لكم، اعرف شيئاً واحدا، تعلمته من صديقي، إن أحزان الإنسان وأفراحه، تنطبع على الوجه ولن تزيلها بعدئذٍ أية قوة في الأرض.

   ـ أعرف، أعرف، وافقت هلترود، تبتسم وتحرك رأسها في حكمة.

   في ليل الريف، ينبع الإحساس بالوحشة من تقلص المكان، إذ يلتمّ الوجود في بقعة الضوء الصغيرة التي تحتويك، ويتناءى العالم، تصبح المسافة بينك وبينه ضرباً من الغيب، صمتاً أجوف تذكرك به، بين آونة وأخرى، صرخة جدجد، أو حركة غصن يتكسر.

   كانت فترات الصمت التي تتخلل الجلسة تضغطنا، تلزّنا إلى بعضنا البعض، فتكثف غربتنا، إلى أن يسارع أحدهم إلى الكلام، أي كلام، فينتشلنا من القاع الذي نتدهور إليه كلما احتوانا الصمت.

   ظلّ وليد يرعاني بنظراته، يسلطها عليّ ثابتة، مستفسرة، يريد بها الاطمئنان إلى راحتي. في ذلك الجزء من السهرة، بدأت أتلمس أعشاباً طرية في قاعي.

   كان اهتمام أندريا يفتنني، أسئلة ولفتات ودودة كلما علقتُ أو ضحكتُ على تعليق، وغدت الأحاديث المنفردة حينما تشغل الجالسين تغذي آمالي، لأنها تتيح فرصة التقرب إليها، بدا التسلل إلى عالمها هيناً، ويكفي أن افتح لها منفذاً ضيقا، في بوابتي.

   ـ هل اصبح الناس يتقبلون فكرة العلاج النفسي بشكل اعتيادي؟

   ـ طبعاً، المستشفيات تحيل ثلاثين بالمائة من مرضاها إلى العيادات النفسية.

   ـ هذا يعني أن العالم مقبل على الجنون التام؟

   ـ اعتقد ذلك، قالت وهي تضحك في صفاء. بذرة الجنون تكمن في أعماق كل إنسان، إلى أن يأتي الضغط المناسب فيحركها.

  سألتُ، وأنا أميل برأسي عليها:

   ـ وأنتم، ماذا يكون دوركم؟

   ـ نحن نساعد المريض كي ينظر داخل نفسه.

   ـ وإذا لم يفعل؟

   ـ نحاول معه إلى النهاية، قالتها في ثقة، وكان الآخرون قد انهمكوا في أحاديث طويلة، باستثناء ديرك، الذي ظلّ يصغي من وحدته الفظة.

   أبعدت عن خاطري أي فكرة لمشاكستها، أو صدمها، بالكشف عن رأيي في علم النفس، كنت مهتما بانجذابها للحلقة التي شكلناها سويةً بنوع من التواطؤ، مأخوذاً بعلامات الود التي أصبحت تكبر وتتعمق في تعبير وجهها، أتابع شعاعاً رقيقا من عاطفة يمتدّ بيننا، ما زال غامضاً، ولكنني أستطيع الإحساس بدفئه، لذلك استمر الكلام فيما بيننا. كنت اطرح الأسئلة الواحد بعد الآخر، لكي لا ينقطع الحديث، وهي تجيب في اهتمام كبير، حتى انتبهنا إلى هلترود تشير إلينا، وتقترح أن نواصل الدردشة، بينما يدخل الباقون ليرتّبوا أماكن النوم، فشكرتها، مازحاً، على هذا اللطف، وسُرّتْ أندريا بالفكرة، قائلة إنها لم تنعس بعد.

   اصبح القمر، من قلب السماء، يسكب ضياءه على الحقول والجداول والأشجار والسقوف المائلة، فغمر الريف ليل فضي ساطع.

   ملت عليها وسألت:

  ـ أما زال علم النفس يرفض الاعتراف بالأسباب العضوية، كأساس لبعض حالات الخلل في وظائف الجسد؟

   ـ مثل ماذا؟ سألتْ في اهتمام.

   ـ الأرق، قلت، وفكرت أن الفرصة مواتية الآن، لتقديم المنفذ الضيق الذي ادخره لها، ثم أوضحت، وعيناي متعلقتان بنظرتها العذبة، المستفهمة. منذ شهر أجد صعوبة في النوم، مهما أجهدت نفسي في العمل والحركة أثناء النهار.

   قالت:

  ـ يجب أن تنظر داخل نفسك.

   ـ آه، انتم تعزون كل شيء إلى الداخل.

   ـ نعم، ردّتْ باسمة.

   ـ ولكنني انظر داخل نفسي على الدوام، قلت في ثقة. أغوص واخرج بلا انقطاع، حتى أصبحت اعرف كل تجاويفها.

   ـ إذن، انظر من جديد.

   ـ من جديد؟ أنا اعرفها، نفسي، لأنني أدير حواراً مستمرا مع ذاتي.

   ـ لا يكفي أن نعرف أنفسنا، بل يجب أن نصل إلى المنطقة المظلمة فيها.

   كانت تتكلم في هدوء، بينما راحت مشاعري تتفاعل، ولم اكن أريد لها أن تطرحني على سرير الفحص، هي التي تصغرني بعشرة أعوام، ناهيك عن السرير الآخر، الذي كان يتأرجح في خيالي منذ بداية السهرة، قلت:

   ـ وأنتِ، هل جربتِ النظر داخل نفسك.

   ـ نعم.

   ـ وبلغتِ المنطقة المظلمة فيها؟

   ـ بلغتها، قالت وحركة رأسها أشبه برجع صامت يؤكد ثقتها بكلامها.

   ـ وهل حرّرتكِ هذه المسألة من المشاكل؟

   ـ من بعض المشاكل، وما زلت انظر لأعرف المزيد.

   ـ وماذا كانت، إذا سمحتِ لي بالسؤال، المنطقة المظلمة التي اكتشفتِها؟

   ـ الخوف من الوحدة.

  ـ ام م مم.. إنها معضلة كل البشر، قلتها في استهانة، ثم سالتُ. وهل كانت هي السبب وراء طلاقك من زوجك.

   ـ اعتقد.

   كان ذِكر زوجها قد ورد عرضاً في أحاديثنا الأولى، وأرتني صورة ابنها ( في الثامنة) بينما أخفيتُ صور أبنائي، ولم أكن أحمل صورة لزوجتي في أي يوم من الأيام. علقتُ مبتسماً، وفي شيء من الإحساس بالانتصار:

  ـ لم اكن أعلم أن أطباء النفس يواجهون المشاكل أيضاً.

  ـ ولِمَ لا؟

   ـ ترى، من يعالجهم، أطباء النفس؟

   ـ زملاؤهم، أو أطباء ذوو خبرة طويلة، أنا شخصياً اخضع إلى جلسات شهرية.

   ـ أنتِ؟

   ـ في المستشفى حيث اعمل.

   ـ هل تجدين فائدة من هذه الجلسات؟

   ـ بالتأكيد.

   شعرت برضا عن النفس، عميق ومريح، حيث فكّرت أنني، في النهاية، أنا من وضعها على سرير العلاج، بأسئلتي المتلاحقة، فعدت اسأل، بلهجة واثقة، وكلمات قوية:

   ـ كيف عرفتِ أنها الوحدة، من جعل زواجكما ينتهي إلى الفشل؟

   ـ كنت اشعر نفسي وحيدة، وبعيدة، حتى وهو معي في الفراش، نائم ويده تطوق كتفي.

   اندفعت في حديث طويل، حار، عن مشاكل الإنسان الحديثة، كلمتها عن مخاوفه، عن الحياة العصرية وضغوطها، وأشرت إلى القراءة خارج الاختصاص، كونها تعمّق معرفتنا بالحياة، وكنا نشاهد، بين فترة وأخرى أضواء نوافذ الدار تنطفئ الواحدة بعد الأخرى. وأخيراً قلت:

  ـ كنت أسال وأنتِ تجيبين طوال الوقت، لماذا لم تطرحي علي أي سؤال؟

   أجابت، وهي تنظر بنفس العذوبة في عيني:

   ـ لأنك حذر، وكتوم.

   في تلك اللحظة، شعرت الأرض تهتزّ من تحتي.

  صدمني جوابها، فهمتُ أنني كنت مطروحاً فوق السرير منذ البداية، بينما هي تجوس في أعماقي من خلال أسئلتي ذاتها، لأنها عرفت أنني اكمن خلف أبواب موصدة، أتخفى وراء دروع متينة، قالت، عندما لاحظت صمتي:

   ـ ثم انك تملك شخصية قوية.

   ما كدت التقط أنفاسي بعد سماع هذا الإطراء، حتى مددت يدي لأضعها فوق يدها، فكّرت أن الوقت ينساب، مثل حبات الرمل من بين أصابعي، وقررت، بدلاً من الكلام الذي قد يجرني إلى عثرات أخرى، اللجوء إلى أسلوب اكثر فاعلية.

   بقيت أتطلع في عينيها، شعرت يدها تتجاوب مع ضغط ولمسات راحة يدي، فملت عليها، قبلتها في عنقها، صعدت شفتي إلى خدها، وحين لامست زاوية فمها تراجعت ببطء من دون أن تترك يدي، قلت:

   ـ أحبّ تقبيلك من فمك.

   ـ اشعر بالنعاس.

   ـ هل نذهب إلى الفراش؟

   ـ نعم.

   التهبت رغبتي فيها، إذ أخذتُ كلامها بمثابة دعوة واضحة، ودخلنا.

   كان الطابق الأعلى يغرق في الصمت والظلام، وفي الصالون ضوء خافت، حيث يغرق ديرك في نوم عميق فوق فراش رتب على الأرض مقابل فراشي، وبدت جديلته الشعثاء ورؤوس الأفاعي والشياطين حول رقبته وكتفيه قد غمرهم السلام.

   عندما تبعتها إلى الغرفة المخصصة لها، التفتتْ، قبلتني متمنية لي نوماً هادئا ودخلت، قلت، مصدوما للمرة الثانية:

   ـ لماذا..؟

   ـ لأنني أخاف الرجل ذا الشخصية القوية، قالتها معتذرة، وبنفس نظرتها الجميلة، وقد أذبلها الشراب والسهر.

   أشعلتُ كل الأنوار ورحت أدور في الصالون، محاولاً تخفيف وطئي ما استطعت، خوفا من إقلاق ديرك في نومه. درت دورتين، ثم خبطت الأرض بقوة، وصحت بأعلى صوتي:

   ـ "ديرك، لقد أمضيت نهارك تبحر وتعربد، وتضرب الريح حيثما عاكستك، فنمت في أعماق السلام، أما أنا، فالآن يبدأ صحوي

   "ديرك، سوف تشاركني الأرق، وتسمع كل ما أقول، ولسوف أهزّ الشمع في أذنيك، حتى تنهض، أو أرفسك على انفك، إذا تطلب الأمر، فقد حلّ الوقت الذي انفخ فيه أبواقي، الشيئ الوحيد الذي املك، الإرث الذي لا فكاك منه، آلاتي التي تطلق العويل، الغليظة مثل أمعاء ثور

   "تعتقد أنكم وحدكم تتكلمون في هدوء، وثبات، وتنطقون بما تنطوي عليه نفوسكم من مشاعر وأحاسيس، وتعيشون بوجه واحد، لا يعرف الكذب، حسنا يا ديرك، أنا أيضاً أستطيع ذلك، نحن أيضاً لا نقل شجاعة عنكم، وسأثبت لك قولي، سأكشف أمامك أعماقي، اظهر كل دخيلتي، اقلبها إلى الخارج، لتكون أسراري جميعها، خفايا المنطقة المظلمة، والمضيئة، من ذاتي، منثورة فوق هذا البلاط، ولا عليك من طريقتي في الكلام، فهذا جزء من ذاك الإرث

   "لقد كذبت عليها، نعم، تلاعبت بالحقائق والكلمات، واستخدمت معرفتي البسيطة لإيهامها بالتفوق عليها، ولا ادري لماذا تسيطر علي هذه الرغبة السخيفة كلما تحدثت إلى إنسان، حتى لو كان يريد مساعدتي، أبرزت لها دروعي المتينة، أخفيت وراءها ضعفي ورغبتي، لأننا لا نفكر يا ديرك، بأن امرأة ما، يمكن أن تحبنا بسبب ضعفنا، وقد تربينا على ازدراء أخطاء الإنسان ووقعاته، وتحقيره عليها، لذلك ولدنا كلنا معصومين، أبطالاً، شوامخ، لا ننظر برحمة إلى الجانب الضعيف في البشر، وكل هذا ريح ... ونفخ في الأبواق، اعرف، واعترف به أمامك

   "ماذا افعل بهذا الاضطراب، بهذه الأقنعة، التي تأخذ بيدي من خسران إلى خسران؟ ماذا أرجو من هذه الدمامل، التي تخنق منافذي؟ ذهبتْ تنام، لأنها تخاف شخصيتي القوية، فهل تصدق ذلك؟ بربك يا ديرك، هل تراه معقولاً؟ منذ عشر سنين يلازمني الأرق، يمرغ الأسرّة التي ارقد عليها، يخض الغرف التي أنام فيها، ولا اكشف هذا لأحد

"  ديرك، أنت مكشوف حتى العظم، عارٍ، تفعل وتقول كل ما يخطر لك، وأنا أيضاً مكشوف، ولكن جلدي مغلف بالحراشف والصدف، اعرف ما يدور في خاطرك الآن، تريد القول: ما أهمية امرأة تفلت من اليد، وفي الحياة مئات النساء؟ لا يا ديرك، هنا الفرق بين عريي وعريك، لأن المرأة هي المخلوق الوحيد الذي لا نسمح بأن يغلبنا، فإذا خسرنا معه ماذا تبقى للكبرياء؟ هل عرفت الآن سبب زعيقي؟ هل فهمت...؟"

   سمعت خطوات تتحرك في الصحن الأعلى للسلّم، ثم تهبط، ظهر وليد في بيجامة خفيفة وتمهّل على الدرجات الأخيرة ليقول:

   ـ أما زلتَ مستيقظا؟

   ـ نعم، أرجو ألاّ أكون أزعجتكم بصراخي.

   ـ صراخك؟ تساءل في دهشة صادقة. لم نسمع لك أي صوت، على العكس، كنت أظنك نمت منذ فترة طويلة، ثم شاهدت الأنوار مضاءة، فقلت ربّما كان فراشك غير مريح، أو تحتاج إلى شيء.

   انتقلتْ الدهشة، قلقة، إلى وجهي.

   شكرته، وأكدت أنني لست بحاجة إلى شيء، وبدأت أطفئ الأنوار، فعاد يرتقي السلالم، وشاهدت ديرك يفتح عينيه لوهلة على حديثنا، ثم انقلب على جنبه الآخر، ليواصل نومه الهادئ.

*  *  *