الحُلم

 

لا يهمني كيف تصنع خلايا الدماغ أحلامنا، إلاّ أنني انشغلت كلياً في الحلم الذي أفقت منه هذا الصباح، وعزمت على الاحتفاظ بالتفاصيل  إلى بقية النهار. أردت لعذوبة الحلم أن تغطي يوماً كاملاً من حياتي.

 كان علينا أن نفترق مؤقتاً، ثم نلتقي على العشاء، فأصبحت عاجزاً عن تدوين أرقام تلفوني على ورقة صغيرة في اليد التي أسندتها على صدرها لأتمكن من الكتابة، بينما يتعثر القلم في اليد الأخرى، تهرب الأرقام من رأسي، أرقامي التي أعرفها جيداً تطيش من الذاكرة، والرجل الذي ظهر فجأة معنا كان حريصاً على عودتي وسعيداً بها، فلم يعكر عذوبة تلك اللحظات سوى إطار شفاف من القلق مبعثه تمرد الأرقام.

وجهها خليط من سمات جميلة وعادية ثم أقل وضوحاً من ذلك، وهي متوسطة الطول، ممتلئة قليلاً، استجابتها السريعة للوله الذي بان في عيوني جعلت كل ابتسامة منها ساحرة، مثيرة، محملة بالعاطفة الدافئة، وخاصة بي وحدي.

من شاطئ قريب غرفت لها الماء بإناء من الفخار، كبير ومزخرف، وشعرت سعادة عميقة تنتشر وتتمدد حتى نهايات أطرافي وأنا أنظر إليها من بعيد، تلملم أذيال ثوبها الأسود الشفاف حول قدميها العاريتين.

يفيض قلبي بالسعادة كلما ازداد الشعور بأن أقداراً غامضة جعلت تلك المرأة من نصيبي. سمراء، ملفوحة بنسائم رقيقة من الصحراء، لم تعد بقية ملامح وجهها ثابتة، لكن الليل قدم لوعيّ الغافي واحدة من أجمل ثمار الأوهام.

الرجل الثالث الذي ظهر كان محايداً، المهمة التي قادته إلينا غير واضحة، وسط كل هذا بقيتْ النظرات فيما بيني وبينها تشعل أضواءها الدافئة،  مشحونة بمعانٍ وتفسيرات خاصة بجوارحنا ولهفتنا وتفاهمنا الخفي.

كان عليّ الإسراع، وقد تأخرت طوال فترة الصباح، من أجل بلوغ الدائرة قبل انصراف المدراء، للحصول من جديد على الوظيفة التي فقدتها مدة سنتين جعلتني في حاجة مدقعة، إلاّ أن ذهابهم، المرأة والرجلان، من غير الاتفاق على وسيلة للاتصال يعني فقدانها إلى الأبد، بينما الأرقام تزوغ مني، تغيب وتحتمي بالعدم.

أعرف الوهم الذي اكتنف نومي، بَيدَ أن العذوبة التي خلفها ما زالت تنبض بالحياة، مثل، بل أقوى من الحقائق المحيطة بي، وما برح قلبي يخفق بلذة تهويمات الليل، رغم أن ملامح المرأة بدأت تتلاشى من الذاكرة، ولم أعد أذكر من الابتسامة غير طيف مشوش، غيبتهما حركتي البطيئة، المخدرة، لأعداد فنجان قهوة.

منذ ضربة الحلم الأولى، لم يكن للرجل أي وجه، أية سمات، كان موجوداً فحسب، إلى أن ظهر الثاني، وجوداً آخر بلا علامات، شبحان بعيدان أسمران، يتحركان على هامش الوعي الغارق في مصدر العذوبة، بينما الحرير الأسود فوق الجسد المتكئ على مرفقه بين الحشائش قد كلّل الأحاسيس  ببقعة جميلة من الأمل. إنهما الآن، في اللحظة التي بدأت فيها ارتداء ملابسي، يغيبان في النسيان ومن دون رجعة، وتبقى أشلاء مبعثرة من صورتها.

حين أعادت زوجتي سرد حاجات البيت المطلوب شراؤها في العودة، هزّت جانباً كبيراً من تفاصيل الليل المتبقية في رأسي، ووجدت صعوبة مريرة في استرجاع هيئة المرأة وشكل ابتسامتها عندما كنت أستعين بصدرها لأكتب الأرقام. ثم بدأ تيار خفيف من الحزن  يطرد الأجواء اللذيذة التي كانت تخدّر حواسي.

لم أحدّث زوجتي عن الحلم، مَنْ من الرجال يكشف مسرات نومه إلى شريكته في الفراش! كذلك لم أظهر انزعاجي من مقاطعتها استغراقي مع عطاءات الفجر العذبة.

كان انتظار الباص فرصة ثمينة لإعادة تشكيل ألوان وظلال الحلم، غير أن التكوينات الأساسية، الحركات والأضواء التي كانت مبعث البهجة، اختفت وراء ضباب ثقيل، وعمل القلق من التأخير على تدمير جزء كبير من صورة اللقاء، سحر النظرة الأولى على الخصوص، النظرة التي ألهبت بقية الأحداث والتفاصيل بشعاع من السعادة، بآمال تعجز الحياة عن شحنها بهذا الزخم الجميل، الذي جعلني أرفرف على ارتفاع مئتي متر عن الأرض.

بدا أحد الزملاء في العمل حريصاً للغاية على موقعي الوظيفي وهو يكرر على مسامعي المديح الذي قدمه لمدير القسم عني. وقف يعيد أقواله بأشكال مختلفة، فيجرّني بقوة كريهة إلى الانتباه، والردّ، كلما ابتعدُ متشبثاً ببقايا أطياف ليلي.

لم يعد سمار المرأة بتلك الإثارة، لأن بشرتها بهتتْ الآن، ولم أعد قادراً على إبقاء عينيها مفتوحتين لأسترجع الفرح بنظراتها، ولا الإمساك بحقيقة الشيء الذي غرفت فيه الماء لتشرب، الشيء الوحيد الذي ظلّ يبرز ويختفي من الذاكرة التي أنهكها الزميل بالثرثرة، هو بقعة سوداء منتفخة تلملم جوانبها البدينة، مثل حيوان مائي يترجرج على رمل ساخن.

 

 

 

 

 

أحزان القلوب الحائرة

عارف علوان

 

قبل أن تسجل كلمة (عنكبوت)  بين حاجات البيت المطلوب شراؤها من السوق، شردتْ تتأمل في سرّ الصدف الغامضة التي تجعل الكلمات تفرز، ثم تفرض على العقل، مرادفات غريبة عن معانيها الأصليّة.

لقد عودتها الأشغال الكثيرة، وتدهور صحة زوجها الشاب، على كتابة حاجات البيت اليومية، مستلزمات الأكل بشكل خاص، في ورقة صغيرة، تعتمد عليها حين تذهب إلى السوق أثناء عودتها من التدريس، في شراء المواد الأساسية للوجبات.

كانت تفكّر بحزمة معكرونة للعشاء، حين قفزت كلمة (عنكبوت)، صريحة، سوداء، معثّلكة، لتطرد الأولى وتحتلّ مكانها في عقل السيدة هناء.

لم تتردد عن كتابتها في ورقة (المسواق)Shopping ، إذ ألحّت عليها، وهي تبتسم، رغبة ساذجة في امتحان ذاكرتها لهذا اليوم: هل تتذكّر الحاجة المعنيّة عندما ستقرأ الكلمة الأخرى في نهاية النهار؟. إلاّ أنها عادت تفكّر بمجسّات ومفاصل الحشرة، والصدفة التي دحرجتها، مع قبضات الكزبرة والبقدونس والخبز والجبن والطماطم، داخل خيالها!.

من بين فروض التلميذات التي انهمكتْ تراجعها قبل الدرس، زحفت كتلة سوداء بثماني أرجل على الأوراق، وتحوّلت تحت بصرها إلى عنكبوت، تنفتح كلاّبتاه وتنغلق مثل شفاه طفل تمضغ اللعاب.

استغربتْ هذا التجلّي، وكانت قد نسيت حكاية العنكبوت طوال الفترة التي أمضتها في الباص بين البيت والمدرسة، ولاحظتْ، وهي تتفحص الحشرة الجاثمة أمامها، أن عيونها الثماني كانت تراقبها، كلٌ من زاوية، فينقسم وجهها المتعَب على غشاء العيون الزجاجي إلى شظايا صغيرة، موزّعة في كل الاتجاهات.

انفجرت التلميذات بالضحك عندما وصفتْ نابليون، القائد الذي كانت معجبة بروحه البطولية من قبل، بأنه عنكبوت بطين، جاء يحتل أراضي العرب ويفرض ثقافته عليهم. ولتدارك الموقف أوضحت أن العنكبوت يدلّ، بذاته، على شيء يفزع العقل، ويخلّف القشعريرة في الجسد، وأنه أصلٌ لفروع أخرى يجمعها اندماج الرأس في الصدر يطلق عليها العنكبيات، وكان نابليون، بهيئته التي تصوّرها الكتب، يحيل الخيال إلى هذه الفصيلة من الحشرات.

مرّةً أخرى ضجّت البنات بالضحك، مما زاد في إرباك هناء، وسيطر عليها الشعور بالقلق من ملازمة الأرجل الشوكيّة، والمفاصل المقرّنة، تفكيرها طوال فترة التدريس، لتحوّل المزحة الذهنية التي اختارتها إلى سبب إضافي للكدر.

لا يشترك العنكبوت مع المعكرونة، التي تمناها زوجها لوجبة العشاء، في المعنى، ولا يأتي من لفظها، ولا يُصاغ منه أو من فعله، ولا يعيّن مدلوله من قريب ولا من بعيد، فلماذا قفزت الكلمة إلى خاطرها في الصباح عندما تذكّرتْ المعكرونة؟.

كانت تجلس في الحديقة أثناء الاستراحة المخصّصة للغداء، تفكر بحزن، وتراقب الحشرة السوداء تزحف على تنورتها في استقامة واحدة، تتوقف ثم تواصل الحركة بكسل مريع، مخلّفةً وراءها عصارة زلالية دبقة، بينما شفاهها العظميّة، الدقيقة، تلوك الفراغ بلا توقف.

بدت أنوار الغروب لعينيها جميلةً، وتخفف النهار الطويل من حرارته الخانقة، فأحسّت هناء بالانتعاش. في البيت، وقفت وسط المطبخ تفرغ المشتروات Shopping على مائدة الأكل، وسألت زوجها، الذي جاء يحيّيها، عن صحته. "أشعر بالقليل من التحسّن" أجاب إبراهيم، وتناول حفنة من النقول المخلوط بالزبيب، راح يطحن الثمار الجافة والطرية بين أسنانه في متعة، ويتحدث عن الأوجاع التي هاجتْ عليه في الصباح، وتغلّب عليها بعد ساعات، شعر في أثرها أن كليته تنبض كعادتها على امتداد خاصرته، لكن بلا ألم يُذكر، ثم التهَمَ حفنة أخرى.

قابلت كلام زوجها بارتياح، وعاودها الشعور بالأسى على دورات الألم التي يعانيها. فكّرت أن الحياة ظلمته حين أتلفت كليته، وأقعدته في البيت منذ عامين وهو لم يبلغ الثلاثين، ثم لامتْ نفسها لانسياقها وراء الشكوى الصامتة، لأن الحبّ الذي جمعهما، قبل الزواج وبعده، في عاطفة صادقة، مشبوبة، أفعم حياتها مع إبراهيم بالبهجة، بأفراح ومتع لا يجوز التنكّر لها بسبب مرضٍ لا يدَ له فيه، إلاّ أن هذه المشاعر تخلتْ في اللحظة التالية للأفكار المشوّشة، الحزينة، لأن تلك العواطف يدمّرها منذ فترة شيء بغيض فيه، لم تنتبه إليه من قبل، هو طريقته في المضغ، حيث بدأت تتساءل في الفترة الأخيرة، إنْ كانت صاخبة منذ البداية، أم أن المرض جعلها كذلك؟.

في الأيام الأولى، أيام الحبّ والأشواق العارمة، كانا يتبادلان فُتاتِ الحلوى من بين شفاههما الباسمة، المتلهفة، فما الذي يحوّل صوت أسنانه، الآن، إلى جعجعة تقبض النفس، وتظلّ تطحن داخل رأسها المتعَب؟.

ــ هل عثرتِ على تفاح بلدي في السوق؟.

سأل إبراهيم وعيناه تتفحصان، من الأعلى، الخيار والبرتقال والبصل الأخضر وعلب السردين، ثم اقتنص بيده حبّة خوخ، مسحها ببيجامته، وقضمها بشهية.

تشاغلتْ هناء بتفقد الحاجيات، لا تعرف إن كانت تريد الإجابة، أم تجاهل السؤال، بينما ظلّ رأس الزوج يحوّم، معقوفاً مثل نسر في سماء الأكياس.

أحسّت التوتر ينهض من أعماقها، فلم تشفق عليه إلاّ بجزء من انتباهها، وهو ينقل إليها الأخبار عن نية الوزارة إرسال وفد إلى أوربا، للتفاوض حول جهاز تصفية الدم، الذي وعدت بشرائه منذ سنوات، ثم داخلها شعور بالذنب من تصنّعها البرود حيال الأمل الجديد الذي كان يتكلم عنه بحماس.

تذكّرتْ انشغالها الأول، عندما كانت تطارد المعلومات، تسأل وتتابع أخبار الصحف والتلفزيون، لتتعرّف على أمراض الكلى، أنواعها، أعراضها، فرص الشفاء، نسبة نجاح عمليات زرع الجديد منها. الآن، في هذه اللحظة بالذات، تعطي زوجها نصف أذن، ربما أقل، لحديثه المفعم بالأمل عن مرضه!.

"لماذا تتدهور المشاعر بهذه الصورة المحزنة؟، أهو اليأس من الشفاء، أم يوجد شيء ينخر في الأماكن الحساسة من عقلنا وجسدنا؟"

 كانت موزعة التفكير، تتمنى الفرار من لجاجة الأسئلة، وقسوتها، ولكي لا تُظهر تلك القسوة أمامه، سألته إن كان زار المستشفى، فاعترف، وهو يتراجع قليلاً عن حماسه، بأن ذهابه إلى المستشفى، الذي يَعدُ به كل يوم ولا يفعله، لم يحدث اليوم أيضاً، وأن الممرضة أكدت له هذه المعلومات، في التلفون.

ــ أنتَ لا تقوم بأي شيء، حتى من أجل شفائك!.

صدَمهُ القول، بينما ارتبكت هناء من جرأتها وأثر ردّها عليه، انحنتْ تبعثر نظراتها بين فوضى الأكياس، لإخفاء الغضب الذي طفح من عينيها، ليس بسبب اعتماده على كلام ممرضة في التلفون، بل لأن ضجة أسنانه كانت تزداد صخباً أثناء كلامه عن الشفاء.

سوف يكون عذابها أشدّ من عذابه، إذا أفلتت منها الكلمات الأخرى، القاسية، والمتوثبة على طرف لسانها، لذلك عاجلت بالهرب، توجهت إلى غرفة النوم لتتخلّص من الموقف، لكنها غيّرتْ وجهتها ما إن أصبحت أمام الباب، إذ اندفعت إلى خيالها صورة زوجها، يدفن ساقيه المشعرتين في حضنه، وينام مختلطاً بالشراشف والأغطية، مثل كتلة حيّة تتنفس وتعرق من سباتها الطويل.

في الصباح التالي هجم عليها الإحساس بالذنب حالما فتحتْ عينيها. كانت مجابهة الأمس، وانفجار مشاعرها أمام زوجها ينتظران صحوها، ليوقظا في قلبها شعور مرير بالإحباط. انسلّتْ بهدوء من الفراش، وانهمكتْ تعدّ نفسها للخروج، تنقل خطواتها بحذر في البيت، خشيةَ إقلاق إبراهيم في نومه، لا تريد رؤية نظرته المنّكسرة، واعدةً نفسها على تجنّب أي إشارة مؤلمه، له ولها.

   في المطبخ، وقفت تفكّر في الحاجات المطلوب شراؤها لهذا اليوم، فجذبت انتباهها ورقة كبيرة على المائدة بخط إبراهيم: (لا تنسَي، يا حبيبتي، نصف كيلو حلوى لما بعد العشاء).

تركت الطلب في هجعته على المائدة، وفي ورقتها اليومية الصغيرة سجّلتْ: (حوت).

*  *  *