دياسبورا العراقيين:

حنين للوطن ترعاه الكوابيس*

 

حسب موسوعة هتشنسون  (Hutchinson) تقتصر كلمة دياسبورا Diaspora  على تشرد اليهود من فلسطين إثر الأسر البابلي عام 586 قبل الميلاد، ثم اطلقت فيما بعد على كل اليهود الذين يعيشون خارج اسرائيل. لكن في معجم اللغة العبرية تعني الدياسبورا الدول التي يقطنها اليهود خارج اسرائيل. وكلمة "شَتات" في العربية تناسب إلى حد كبير المعنى المراد من دياسبورا.

قبل السبي البابلي، كان التاريخ ملئ بالهجرات التي تحدث إما بسبب الغزو أو الجفاف، فقد دفعت مواسم الجفاف الطويلة الكثير من الشعوب إلى الرحيل في هجرات جماعية بحثاً عن المياه والخصوبة في مناطق أخرى. وفي 2500  ق.م بدأ الآريون غزواتهم لوادي نهر الهندوس the Indus Valley في الهند، وفي القرن الـ 12 قبل الميلاد بدأت حروب طروادة على اليونانيين وإمتدت إلى البحر الأسود وآسيا الصغرى، ونحو 1269 ق.م فرض الفراعنة في عهد رعمسيس نفوذهم على أغلب آسيا، بينما عاد الكريتيون ليغزوا طروادة   1186 ق.م وأثناء هذه الغزوات هاجر عدد من السكان إلى مناطق أخرى واستقروا فيها، إلاّ أن السبي البابلي فاق الهجرات التي سبقته، التي كانت مقتصرة على الميسوريين والمقربين من الحاكم المهزوم، بينما أراد البابليون نقل شعب كامل (اليهود) من بلده إلى مملكتهم.

وفي القرن العشرين، أدت الحرب الثانية إلى هجرة 26.00  مليون مواطن من بلدانهم، عاد عدد كبير منهم في نهايتها. لكن الجزء الثاني من القرن نفسه شهد لجوء22.3  مليون شخص حتى 31 ديسمبر 1999 حين اضيفت أسباب جديدة إلى الهجرة مثل:

 (أ) قمع الأنظمة الدكتاتورية لشعوبها (ب) الإضطهاد العرقي (ت) الحروب الإقليمية (ج) الحروب الطائفية (س) تطوّر اسلحة الحرب التي خرج دمارها من ميادين القتال ليشمل الناس داخل بيوتهم، مما حمل الأمم المتحدة 1951 على تأسيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين** ثم صدور بروتوكول 1967.

دّياسبورا العراقيين

حتى الآن من الصعب الحصول على العدد الإجمالي، أو التقريبي، للعراقيين الذين تشرّدوا في العالم منذ تسلّم العسكريون الحكم 1958 إلى هذا اليوم.

العراقيون في المنفى يقدّرون العدد بـ 4 ملايين. المؤسسات الإجتماعية التي تعمل وسط اللاجئين تشير إلى 2 مليون هاجروا إلى الخارج أثناء حرب الخليج الأولى وحدها. المفوظية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)  تقول إن نصف مليون فروا عبر الحدود الإيرانية في حرب الخليج الثانية، لكن سجلاتها لا تقدم العدد الإجمالي للاجئين العراقيين في الفترات السابقة!

وسط هذه التقديرات العشوائية، من يستطيع أن يعرف، اليوم أو في المستقبل، عدد العراقيين الذين ماتوا وهم يحاولون عبور الحدود للوصول إلى مكان يأويهم، خلال الأربعين سنة الماضية ؟

 منذ الألف الخامس قبل الميلاد، كانت خصوبة ما بين النهرين Mesopotamia التي يطلق عليها في العادة مهد الحضارة "the cradle of civilization" تجذب هجرات الشعوب المجاورة والبعيدة إلى العراق، وكان القادمون يستقرون فيه ويمتزجون بشعبه، فساهمت هذه الهجرات في إغناء السمات الأثنية للمجتمع العراقي، وصياغة التركيبة المعقدّة لشخصية العراقي، التي تجتمع فيها عناصر الخلق، والطبع الحاد، والنـزوع السريع إلى الخلاف.

ويشير المؤرخون أن السومريين وفدوا إلى جنوب ووسط العراق من الأراضي العليا في ايران والأناضول Anatolia  في  3000 ق.م وأسسوا مملكتي سومر وأكد، وكان لتلك الشعوب لغاتها الخاصة، بعضها ما زال حيّاً إلى الآن، تستعملها أقليات تعيش في قرى ومدن صغيرة جنوب وشمال شرق مدينة الموصل، وفي بعض الأحياء ببغداد، بعدما طغت اللغة العربية إثر الهجرات الأحدث التي قدمت من شبه الجزيرة العربية، ثم بعد التوسع الإسلامي.

لكن، رغم هذا التنوّع، والأصول المختلفة المصدر، عُرف عن العراقي عدم ميله إلى الهجرة خارج العراق، عكس السوري واللبناني، الذي شجعه الساحل البحري الطويل على السفر إلى بلدان العالم الأخرى بحثاً عن العمل، أو المغامرة. وعلى ضوء الهجرات الصغيرة التي حدثت في القرون الحديثة أثناء الصراع الايراني _ التركي على الأماكن المقدسة في بغداد والمدن الأخرى، والسفرات الفردية للتجارة أو الدراسة أو العمل، ظل العراقيون يحملون الحنين إلى وطنهم حيثما هاجروا. ولم تتغير هذه الصفة لدى العراقيين حتى في السنوات الأربعين الماضية، التي كان فيها الهرب من الموت، أو القمع الفظيع، وراء هجراتهم الكبيرة!

ورغم أن التاريخ يحاسب كل مرحلة على حدة، إلاّ أن العراقيين الذين كانوا وراء شتات dispersion اليهود في الماضي، أصبحوا هم ضحايا الشتات في الجزء الثاني من القرن العشرين!

العسكريون حطّموا حلم العراقيين في الإستقرار

بعد إنهيار الامبراطورية العثمانية، التي هيمنت على العراق أربعة قرون مليئة بالبطش والفوضى، واستقلال الدولة العراقية 1932، كان حلم العراقيين أن يحظوا بمرحلة جديدة من الهدوء والاستقرار، إلاّ أن هذا الحلم تناثر في الريح عندما سيطر العسكريون على الحكم 1958، ومنذ ذلك التاريخ دخل العراقيون في دوامة من العنف والقسوة والدكتاتورية البغيضة والتهجير لم يسبق لهم أن شهدوا مثلها من قبل، لأن السطور التي كتبت عن المآسي التي رافقت غزوات التتر للعراق، سادها الكثير من المبالغة على عادة المؤرخين العرب، بإستثناء الطبري (1). أما أعمال القسوة التي سادت العراق منذ استولى حزب البعث على الحكم فقد دُعمت بالوثائق وصور الفيديو وشهادات الصحفيين الدوليين، وأدت إلى سلسلة من الهجرات، كان عدد الفارين فيها يتفاقم باستمرار، ويسبق بعضها المجازر الفظيعة، كما حدث للأكراد في الشمال، ثم الشيعة في الجنوب.

وبالنسبة لليهود العراقيين، كرر التاريخ الحدث القديم بإطلالة صغيرة، لكنها أيضاً قاسية، حين إتخذت الجامعة العربية 1984 خطوتين غبيتين، دعت في الأولى إلى طرد اليهود من الدول العربية، فتعرّض يهود العراق إلى التهجير، ورافقت عملية ترحيلهم أحداث نهب لممتلكاتهم وأثاث بيوتهم، وهم في هجرتهم الجديدة، إلى اسرائيل أو دول أخرى، لا يقلّون عن بقية العراقيين في حنينهم للعراق. وأرادت في الخطوة الثانية، وهي أكثر غباءاً، شنّ حملة إعلامية ضد اسرائيل الحديثة العهد، فنشرت أخباراً وتقارير كاذبة ادّعتْ فيها أن الجيش الاسرائيلي ارتكب المجازر ضد المزارعين الفلسطينيين وقام بعمليات اغتصاب لنسائهم، فأدى شيوع هذه الأخبار الكاذبة، التي راحت الإذاعات العربية ترددها ليل نهار، إلى عكس الغرض من إختلاقها، إذ إنتشر الفزع بين سكان القرى ودفعهم الخوف إلى الفرار عبر نهر الأردن، تاركين وراءهم بيوتهم ومزارعهم وقراهم، وكانت هذه بداية شتات الفلسطينيين بعد توزيع مئات الآلاف منهم على مخيمات اقيمت في الدول العربية، بينما سهّلتْ المفوضية العليا للاجئين توطين عدد آخر في بعض الدول الأجنبية.   

تراجيديا الهجرات الحديثة

لأن الطغيان لا يميّز بين الطوائف أو الأديان أو الأعراق، لم تسلم أي فئة في المجتمع العراقي من الهجرة أو التهجير خلال الأربعين سنة الأخيرة، وقد بدأ فرار العراقيين إلى الخارج بأعداد مميّزة عام 1963 عندما استلم البعثيون السلطة في إنقلاب عسكري دموي، وفي عودته الثانية إلى السلطة 1968، وبروز شخصية صدام حسين في المجال السياسي ثم الرئاسي، أصبح فرار المواطنين إلى الخارج أشبه بالنـزيف المدمن، أولاً في أوساط المثقفين، ثم السياسيين، وأخيراً المهنيين الذين وجدوا أنفسهم بلا عمل يناسب كفاءاتهم العلمية، إضافة إلى خوفهم من القمع حين اتبع البعثيون في حكمهم للعراق مبدأ "إذا لم تكن معي، فأنت عدوي" وتهمة (عدو) في الدستور العراقي الذي صدر بعد 1968، عقابها الإعدام، أو الغياب داخل السجن لفترات غير معلومة.

وقبل أن تبدأ الهجرات الكبيرة التي صاحبتها تغطيات إعلامية دولية، فرّ من العراق حوالي مليون مواطن حتى عام 1980. إضافة إلى الحالات الفردية، شمل هذا العدد الأقليات العرقية من الأرمن والآشوريين والسريان والمسلمين الأتراك والصابئة والمسيحيين العرب، ساعدت (UNHCR)  على تجميعهم في مخيمات مؤقتة في لبنان وتركيا قبل ترحيلهم إلى أمريكا وكندا واستراليا. وبعد نشوب الحرب العراقية الايرانية 1980، فرّ من العراق حوالي مليونين مواطن أغلبهم من سكان الجنوب مسرح العلميات العسكرية، عاد بعضهم في نهاية الحرب، وبقي العدد الأكبر في الخارج، وفي الأشهر الأولى للحرب كانت الحكومة هجّرت بقرار رسمي العراقيين من أصل إيراني، رغم تجنّسهم منذ عهود طويلة، وهؤلاء ظلوا في المهجر إلى هذا اليوم.

أول هجرة جماعية أثارت الإستياء العالمي حدثت في مارس 1988، حين قصفت الطائرات العراقية مدينة حلبجة HALABJA، والقرى المحيطة بها بـ "كوكتيل" من أسلحة الدمار الشامل، تضمّن غازات سامة وخانقة وحارقة، فقتلت على مدى يومي 16 - 18 حوالي 5000 كردي.

بعد هذين اليومين المأساويين، تحرّك حوالي 100.000 كردي في مسيرة طويلة مليئة بالشقاء والرعب(2)، في طقس شتوي قارس، ليعبروا الجبال الحدودية الوعرة غير المسلوكة إلى تركيا، وفي رؤوسهم صورة الموت الأصفر البشع الذي تعرض له سكان حلبجة كما نقلتها لهم محطات التلفزيون العالمية! ولأن الحكومة التركية رفضت هذا التدفق إلى أراضيها، سعت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR) لدى مجلس الأمن لإيجاد حلّ فوري للمأساة، فصدر قرار يحرّم على الطائرات العراقية التحليق فوق منطقة الشمال(no fly zone) لتشجّع الفارين من الموت على العودة إلى اراضيهم وبيوتهم.

الهجرة الجماعية الثانية حدثت في الجنوب - June 1999 - بعد حرب تحرير الكويت، عندما قام الشيعة بانتفاضة شبه عامة إحتجاجاً على الحربين اللتين شنهما النظام على ايران ثم الكويت، وأدّيا إلى دمار الجنوب وموت عدد كبير من سكانه، فكان الردّ عملية قمع عسكرية واسعة اشتركت قيها طائرات الهيلوكوبتر، فرّ على أثرها نصف مليون جنوبي إلى ايران و .00093 إلى صحراء السعودية، عاد منهم .00060 هرباً من الحرّ والجوع، ليتشردوا في أهوار جنوب العراق، ووزع 33.000 بناء على طلب  (UNHCR)  على معسكرين:Rafha and Artawi  بإنتظار ترحيلهم إلى أمريكا واستراليا وكندا (3).

حتى الآن، لم يُحصر عدد الذين قتلوا في أحداث الجنوب، ولا عدد كبار السنّ والأطفال الذين كانوا يموتون من البرد والجوع والتعب في الجبال الشاهقة بين العراق وتركيا أمام كاميرات المراسلين، ولا عدد الاكراد الذين نقلوا ليلاً في شاحنات (عملية أنفال) وقتلوا بشكل جماعي بعد أن ادخلوا حفراً كبيرة بنفس طريقة النازي في الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى ذلك نادراً ما يُشار إلى الذين يموتون بشكل فردي أثناء فرارهم بحثاً عن الخلاص، بإستثناء غرق سفينة صغيرة 18/10/2001 في بحر جاوة، حين أدى الحادث إلى موت 356 عراقياً و17 من جنسيات أخرى كانوا يحاولون الوصول إلى استراليا.

بإلقاء نظرة على جداول (UNHCR) الخاصة بتوزيع اللاجئين العراقيين على دول اللجوء، يتضح أن هجرة العراقيين التي بدأت منذ 1958 إتخذت طابع الشتات، وأنهم يعيشون في دّياسبورا لا تختلف عن دّياسبورا اليهود التي حدثت منذ 586 قبل الميلاد، وبعدد أكثر.

شخصياً، تلقيت رسائل إلكترونية من أصدقاء من جيلي يعيش أحدهم في سان باولو بأمريكا اللاتينية، وآخر في النرويج، حيث يصف مكان إقامته، مازحاً، بأنه على بعد خطوات قليلة من القطب الشمالي، ولزوجتي قريب يتصل بأهلها من استراليا ، وآخر في هولندا، وتصلني من كندا ودول أوربا رسائل إلكترونية من شبّان وشابات ممن يهتمون بالأدب، وجميع هؤلاء، الأصدقاء ومحبي مراسلة الكتّاب، يعملون كأساتذة في الجامعات، أو يدرسون فيها.

ولأن المفوضية العليا للاجئين (UNHCR) تبذل جهوداً كبيرة للحصول على موافقة الدول لترحيل العراقيين المقيمين في المخيمات إليها، يذكر أحد الجداول 32 دولة وزع عليها اللاجئون العراقيون كان يضم دفعة واحدة(4). بعض الجداول قد يحتوى عدداً أكبر أو أقل، فالمفوضية العيا، والعراقيون، لم يعودوا يهتمون بالمواقع الجغرافية للدول التي تقبل لجوءهم، لأن الحياة في المخيمات قاسية، وهي معزولة في مناطق صحراوية حارة، أو جبلية باردة، إضافة إلى أن ظروف العالم الآن لا تسمح بغير هذا، إذ تقوم الأمم المتحدة بجهود عظيمة لحلّ مشكلة ملايين اللاجئين في العالم، المشكلة التي يسميها لويس هولبورن: مشكلة عصرنا(5).

لقد أصبحت الدّياسبورا نصيب كل اللاجئين الهاربين من الحروب الأهلية، أو العرقية أو الدينية، أو من قمع الأنظمة الدكتاتورية. وبالنسبة للعراقيين، الذين يحمل أغلبهم في ذاكرته صوراً بشعة عن سجون البعثيين، وقوانينهم الجائرة، وسياسة القمع التي اتبعوها ضد المواطنين منذ عام 1963 حتى اليوم (بإستثناء 4 سنوات طُردوا فيها من الحكم) أصبحت الدّياسبورا خلاصهم النهائي، خاصة بعد أن يأسوا من إحتمال إنتهاء نظام صدام حسين، الذي مثّل، بقسوته البغيضة، الجزء الأكبر من حكم البعثيين للعراق.

الجاليات العراقية في المهجر

في حياة المهجر، يحاول العراقيون السكن في أماكن متقاربة ليسهل الإتصال بينهم، ويمارسون بعض عاداتهم ضمن جماعات صغيرة، لكنهم لا يتكتّلون في ghetto. والمسيحيون أسرع في الإختلاط بالمجتعات الغربية التي يتواجدون فيها، ثم يأتي الأكراد، وأخيراً الشبّان المسلمون من العاوائل المتفتّحة (غير المتشدّدة دينياً).

ومثل الكثير من الشعوب المهاجرة، نقل العراقيون إلى الخارج عاداتهم وتقاليدهم، فأنشأوا جمعيات ترعى جانباً من شؤونهم الإجتماعية، وأخرى تهتم بالنشاطات الثقافية (فن، موسيقى، مسرح، أدب) باللغتين العربية والكردية. ومؤخراً سمح الانترنت للجاليات العراقية الموزّعة بين القارات الخمس على التواصل عبر مواقع websites تتابع أخبار الوطن وأخبار الجاليات (6). ورغم تعاطفهم مع قضايا الشرق الأوسط القومية والاجتماعية، إلاّ أن العراقيين لم يذهبوا إلى درجة التطرف ولا الإنخراط في أعمال الإرهاب. وفي أحداث 11 سبتمبر وما تلاها لم يظهر اسم عراقي واحد بين منفذي العمليات الإرهابية.

ويحرص العدد الأكبر من اللاجئين على تعليم أبنائه في مدارس عربية حتى لا ينسون لغتهم الأصلية. ومشكلة هذه المدارس أنها ذات توجّه ديني متشدّد، لأنها انشئت من قبل مؤسسات وحكومات إسلامية تتصارع لنشر أفكارها الإصولية وسط أبناء الجاليات العربية في الخارج. ويشكّل التعليم في هذه المدارس خطراً على الصغار لأنه يتصيّدهم في المراحل الأولى لنضجهم العقلي، فيدفعهم إما إلى الإنغلاق على التعصب الديني والإنعزال عن المجتمعات التي يعيشون فيها، أو يؤدي بهم إلى حالة من إنشراخ نفسي بين ما يتعلمونه في المدارس العربية من أفكار وتفسيرات قديمة عن الحياة والدين، وبين حقيقة ما يجري حولهم من تطور اجتماعي وثقافي وعلمي. وفي الحقيقة أن جميع بذور الإرهاب تشكّلت في هذا النوع من المدارس الدينية.

هل الحنين يعني الرغبة في العودة؟

قبل سنتين، إلتقيت مجموعة صغيرة من المثقفين العراقيين، وحكيت لهم عن حلم ظلّ يرد نومي على فترات متقطعة طوال السنوات العشر الأولى على خروجي من العراق 1971، كنت أرى نفسي خلاله أسير في أحد شوارع بغداد، ثم يتحوّل الحلم إلى كابوس مزعج عندما أكتشف فجأةً أنني دخلت العراق بالخطأ ولا أعرف كيف أعود منه إلى الخارج. بعد أن سمع الحاضرون تفاصيل الحلم، أعترفوا، وكانوا سبعة، أن هذا الكابوس يرد نومهم حتى الآن!

سايكولوجياً، هذا الحلم يفسر العلاقة الرهابية (فوبيا) بين اللاجئ العراقي وبلده، فهي تربط الحنين (الواعي) إلى الأهل المتبقين، أو الحنين (اللاواعي) إلى الأماكن بالعقاب. يجب أن أشير هنا، إن الذين خرجوا من العراق في الفترات الأولى بإرادتهم، يتساوون مع الذين فروا بعد تعرضهم للسجن والتعذيب في العلاقة الرهابية التي تربطهم ببلدهم البعيد، مع إختلاف نسبي في مستويات الرهاب.

الآن، لنلقي نظرة على موقف اللاجئين العراقيين من إحتمالات التغيير في الداخل.

من الواضح، سواء كان عدد العراقيين في المهجر أكثر أو أقل من 4 ملايين، فإن عدداً كبيراً منهم يملكون كفاءات متنوعة خرجوا بها، أو حصلوا عليها في الخارج. بين هؤلاء علماء فيزياء وكيمياء، اختصاصيو طب، أطباء، أساتذة جامعات، مدرّسون، مهندسون، ورسامون تشكيليون ممتازون، وكتّاب وشعراء وصحفيون، وبرز أيضاً عدد قليل من مخرجي المسرح، إضافة إلى عدد كبير من الفنيين في مهن مختلفة. وفي السنوات الـ 15 الأحيرة ظهر جيل من الأولاد والبنات يتقن لغات البلدان التي ولد فيها بشكل ممتاز، وخلال السنوات العشر القادمة سوف ينهي دراساته العليا في أهم الجامعات الغربية.

هؤلاء اللاجئون، وأبناؤهم، يشكّلون قوة عمل ضخمة ومتطورة، من غير المعروف إن استطاع العراق يوماً أن يجذب بعضها إليه إذا تغيّر النظام فيه!

في استطلاع سألت فيه اللاجئين العراقيين في دول أوربا الذين كانوا يزورون لندن إن كانوا يفكرون في العودة إلى العراق إذا إنتهى نظام البعثيين؟. حوالي 15% منهم أجاب: (لا) لأن من الصعب عليهم التعايش مع المجتمع العراقي الحالي بعد ثلاثين عاماً من القمع والحروب، وعشر سنوات من الحصار. بينما قال الباقون: (نعم) ، لكنني لا اصدّق الذين قالوا (نعم) لأن إجابتهم كانت عاطفية أكثر منها واقعية، السبب أن هؤلاء اللاجئين لن يجدوا الأمان الذي توفر لهم في المهجر، ولا العمل الذي فقدوه في الماضي، وليس بينهم من يغامر بحرمان أبنائه من التعليم والضمان الاجتماعي المتوفر لهم في دول اللجوء مقابل مستقبل غامض.

إذن، لقد فقد العراق جزءاً من طاقة أربعة أجيال نتيجة سياسة نظامه الدكتاتوري. مع ذلك، أعتقد أن عودة الديمقراطية التي عرفها العراقيون قبل 1958، قد يحمل بعض اللاجئين من الجيل الجديد، بعد عشر سنين تجريبية لتثبيت الإستقرار، على العودة لرؤية وطن آبائهم، وربما البقاء فيه للمساهمة في إعادة بنائه، بموجب عقود عمل، كمواطنين يحملون جنسيات البلدان التي ولدوا وتعلّموا فيها، أي بلدان الدّياسبورا.

__________________

Click BACK in the menu to go to the previous place))

* كتب هذا البحث منتصف عام 2002 لإحدى المنظمات الإنكليزية الشبه مستقلة التي تتولى تدريب الصحفيين في بعض الدول التي خرجت من الحروب، أو تخلصت من الأنظمة الدكتاتورية بالحرب، لكنه لم ينشر لأن فكرة إنشاء قسم خاص بالعراق لم تنفّذ لأسباب لا أعرفها، وأعتقد أن نشره في الانترنت الآن يناسب ظروف العراق الجديدة. (سبتمبر 2003)

** United Nations HIGH COMMISSIONER FOR REFUGEES (UNHCR)  

(1) الطبري 923 ميلادية. مؤرخ وفقيه عراقي من أصل إيراني، عُرف عنه نقل الخبر من مصادر مختلفة دون التحيّز لواحد منها.

(2) توجد أرقام مختلفة عن عدد الفارين.

(3)  (UNHCR)  23/10/2001 ، News service No.14

(4) (No.4, November 1996)

(5) Louise Holborn: A  problem of our time.

(6) لمعرفة عناوين هذه المواقع ودخول صفحاتها، انظر مقال:

The Iraqi Diaspora on the Net: www.media-arabia.org/userfiles/ Hala%20Fattah%201st%20paper.doc