جان جينيه في يوميات لص

متسول يقلب العالم على طريقته

 

هذا النص رغم قدمه، ينتمي الى عصور البؤس والتشرد التي تغطي تاريخ الانسان في الماضي والحاضر، وتنسحب الى كل مستقبل قادم، لأن البؤس حالة فردية، لا تتوقف، من الناحية الاجتماعية، عند مستوى معين من العيس. والبؤس تنتجه الطبيعة دورياً عقب تغيرات تطرأ على نظامها (جفاف، فيضانات)، لكن المدن هي المصدر الأول للبؤس، والآلة التي لا تتوقف أبداً عن تفريخ البؤساء، ومهما تساوت صورة المقعين في تجمعاتهم المهلهلة، الذين يوحد بينهم الجوع والعنف والقذارة، إلاّ أن كل فرد فيهم منسحب الى ذاته، منزوٍ هناك في وحدة ساحقة، وهذا ما برع جينيه في في تصويره في (يوميات لص).

     من الناحية الأدبية يمتاز النص بلغة مضيئة، حارة، تصوّر علاقة الأحاسيس بالأشياء، هي لغة جان جينيه في كل أعماله الروائية والمشعرية والمسرحية، إلاّ أن أهمية اليوميات، كونها تنتمي إلى نوع معين من السرد، لم يعرفه الأدب الغربي إلاّ لدى عدد قليل من الكتّاب، ارتبط أدبهم بتجربة حياتية متوترة، صاخبة،  وأليمة، واعتبرتهم المجتمعات التي عاشوا فيها ملعونين ومنبوذين، وهذا ما سعوا إليه في الأصل، لكنها (تلك المجتمعات) ألحقت أعمالهم بتراثها الثقافي من دون تردّد، أبرز هؤلاء بودلير، ثم لوتريامون من القرن السابق، وجان جينيه والأمريكي هنري ميللر في منتصف القرن الحالي، وجميعهم شعراء وناثرون كبار، موهبتهم ملتصقة، بل متمّمة للعنة حياتهم. في الأدب العربي يقابل هؤلاء الشعراء الصعاليك في الجزيرة العربية، الذين عاشوا حياة التشرد ووصفوها في شعرهم، مما تطلّب منهم الخروج عن الكثير من الأإراض المتعارف عليها في الشعر العربي، فسخروا من القبائل، والفخر، وأشادوا بالسرقة والتعلكة وافتخروا بجوعهم وفقرهم، وكانت هذه السخرية جزءً من تمردهم. أما في النثر، فلم تظهر نصوص مهمة في هذا المجال، لأن المجتمعات ذات التركيبة القبلية لا تسمح للأدب الصريح بالنفاذ إلى ثقافتها، خاصة عندما يسعى إلى تسجيل تجربة فردية، تقوم على التمرد وعصيان القيم المألوفة.

  السؤال الذي يظهر مباشرةً لدى التطرق إلى هذا النوع من الأدب، هو: لماذا امتلك هؤلاء الكتّاب، دون غيرهم، لغة بهذه القوة التعبيرية؟

  في الفترة التي بدأ فيها جان جينيه، وهنري ميللر بعده، كتابة أعمالهما الروائية الأولى، عرفت الساحة الأدبية، في الشرق وفي الغرب، كتّاباً مهمين في مجال الرواية والشعر والمسرح، بعضهم ابتدع أساليب حديثة واعتمد لغة قوية، أبرزت أهدافهم الإبداعية وتطابقت مع مع المواضيع التي انشغلوا بها. بَيدَ أننا لو قارنّا، في المسرح على سبيل المثال، بين نصوص ألفريد جاري، ونصوص سيترينبغ، وهو أيضاً نصف مجنون ومسكون بالأشباح، فلإن أعمال جاري القليلة جاءت بمثابة صرخة كبيرة في التجديد، ما زال عدد كبير من المسرحيين في العالم يتأملون لغتها وفوضى الأحداث فيها في مسعاهم لتحقيق نقلة نوعية تناسب العصر المضطرب الذي نعيش فيه.

      لقد ظلّ لنثر الملعونون وأسلوبهم في النظر الى الحياة والأحداث، طعمُ خاص، هو طعم التفرّد في لغة متوترة وعنيفة، تحمل مواضيعهم وتجاربهم في موجات تعبيرية شديدة التميّز، وهذا يعود الى أن موهبتهم هي التي أسست شكل وأبعاد تجربتهم، وأنهما، الموهبة والتجربة صبّتا في قالب واحد يعكس وجهين متلازمين، ونقيين، بمعنى مخلصين كل منهما للآخر.

لكن هذا التفسير غير كاف لتوضيح تميّز لغتهم، ذات الرنين الخاص، في غضبها كما في حزنها على فقدان الأمل في العالم. إذاً ينبغي اضافة الأطياف التي لازمت حياتهم منذ الولادة الى لحظة السلام الأخير.

  كان جميع هؤلاء الكتّاب يشتركون في الأرق المليء يالأطياف، وعندما تنسحب الذات الى الداخل، في ليل مضطرب مليء بالمناجاة، تصبح اللغة الأدااة الوحيدة في الصراع وفي التعبير،فتولّد مفرداتها وتراكيبها الخاصة التي تناسب الاحتدام النفسي المشبع بالخوف واليأس. ويعتبر جان جينيه الأكثر تمردّاً وعصياناً، فهو فوضوي الى أبعد الحدود، رفض كل الأخلاق المتعارف عليها في فرنسا والمجتمعات الأوروبية، وسخر منها بالتمرّغ في العار وما يسميه "إخزاء الذات" من خلال ممارسة الأعمال التي تقود الى الانحطاط، وكان اندفاعه الى العنف والقسوة مع الذات مدعوماً بمفهوم شبه صوفي، يدعو الى الانتقام وتدمير المجتمع الذي يعاقب المجرمين برّد الجريمة اليه. كان يريد تلويث كل شيء من حوله ليتساوى معه، في البذاءة أو في الاستشهاد، ويسعى لأن يكون شرّاً مطلقاً، ألاّ أن مراقبته لنفسه تحرمه من ذلك، وهو لا يريد الاعتراف أن مراقبة النفس جبناً، لا يعرقل الأشرار الحقيقيين عن أفعالهم.

  يقول جينيه في الثلث الأول من اليوميات إنه كان دائماً ممسوساً بفكرة القتل "التي تقطع صلته بعالمكم ..."، لكنه لم يرتكب القتل، وقد ظل يتباهى بصحبة القتلة، رغم انه لا يشعر معهم بالأمان!

     كانت فكرة جينيه الأساسية من وراء السرقة والتشرد، غسل العار الذي لحق به كلقيط، بالإمعان في ارتكاب الأعمال التي تقود الى العار، بيد أن قصديتهجلبت له عاراً من نوع آخر، أقسى وأشدّ أثراً، وهذه اليوميات التي كتبها أثناء إقامته في فندق يصفه بـ"الفخم" وبعد انقضاء سنوات طويلة على أحداثها، هي محاولة لردّ الاعتبار الى نفسه أمام أشدّ منتقدي تلك القصديّة، وهو جان بول سارتر في كتابه (القديس جينيه، ممثلاً وشهيداً - 1952)، والآن يتكشف أمامي وأنا أقرأ هذه اليوميات للمرة الأولى، أن جينيه يردّ على تحليل سارتر الذكي، بالغش والتلاعب بقيمة الأحداث التي مرت به، لدحض فكرة الاستشهاد والقداسة التي آذته، كما لو أن سارتر أراد من ورائها تدميره، بتنظيف صفحته من الخسّة، وغمسها في القصدية الاستعلائية.

     لقد شبّه سارتر مسعى جينيه الى إذلال النفس بالقداسة، وهذا التفسير شقّ في عيني جينيه جرحاً جديداً للأرق، استمر عشرة أعوام كاملة، لم يكتب خلالها أي عمل، كما أتذكر.

     تبدأ اليوميات بالمطلع التالي: "ملابس سجناء مخططة بالأبيض والوردي ..."، ومنذ هذه اللحظة يهيمن شبح السجن بأجوائه العنيفة والبليدة على بقية النص. ويعترف جينيه أنه ينتقي الأحداث من الماضي ويكتبها من خلال وعيه بحقيقة ما هو عليه الآن، أي أنه يفكر في الماضي بعد أن غدا، كليّاً، بسلوكه وتفكيره الحالي، النتيجة النهائية لذلك الماضي. ويؤكد أيضاً أن عمله هذا ليس بحثاًعن زمن مضى (إشارة الى اسلوب مارسيل بروست في القص) ولكنه يتذكر وينتقي الأحداث من فترة التشرد التي عاشها بين الثامنة عشرة  والواحد والعشرين. واليوميات مكتظّة بأحداث صغيرة لكنها تلقي الضوء على طبيعته التأثرية كما يسميها، وعواطفه وأحاسيه تجاه البشر والأشياء. ويعود جينيه الى تفسير كتابته وكتبه هذا أكثر من مرة، فنكتشف ان الكتاب يتحكم به أكثر من هدف، أوضحها ورد في الجملة الأولى على الصفحة 38 من الترجمة العربية، حيث يقول:"أريد أن أردّ اعتبار هذه الفترة بالكتابة عنها بأسماء أكثر الأشياء نبلاً" ويرفض في نهاية الجملة ذاتها أن يكون سجين تلقائية لفظية، وهذه الاشارة مهمة لدى البحث عمّا يميّزهذا النص، فالتلقائية اللفظية موجودة في ثنايا العديد من الجمل الطويلة، وتسود التلقائية كل السياق في مجال اختيار الوقائع، الاّ أن جينيه يصوغ معانيه بدقة، ويصوّر حالته اتلنفسية بعمق، وشاعرية أخاذة. ويعترف في مكان آخر (ص 701) ان الخيانة والسرقة والشذوذ هي الموضوعات الأساسية للكتاب، الاّ أنني وجدت أصدق تصوير تألق فيه الكاتب، ذلك الذي يتعلق بالوحدة والضعف والحزن، وكان التزويق نصيب الباقي.

     (كنت وحيداّ أسير بذلّة على حواف الطرق، وقرب الخنادق حيث يعضّ التراب قدمي، وعلى الرغم من هذه السفينة المحطمة التي أغرقتها بلايا العالم في محيط اليأس، فإني كنت أشعر حلاوة قدرتي في أن ....الخ)، وقدرة جنيه في تلك الفترة متنوعة الرغبات، لكن أبرزها الشذوذ، الذي قد يكون أقوى جزء في طبيعته، وأشدّها أثراً في صياغة نمط حياته العابثة والمنحرفة.

     تغطي اليوميات الفترة بين 1932-1934، حين عبر الحدود الى اسبانيا، والتحق بجماعات اللصوص والشواذ والمتسولين في مدينة لشبونة، ومنها بدأ رحلة تشرده في مدن أوروبا الوسطى، وتبرز ثلاث كلمات يتردد صجاها طوال هذه الفترة وفي كل ثنايا الجزء الأول من النص وفي بدايات العديد من جمله: الخوف - الوحدة - والحزن.

     وغالباً ما تتنوع صياغات هذه المشاعر في صور ومعانٍ قوية، شعرية أكثر منها فلسفية أو اجتماعية، ورغم أن جينيه ينكر التزويق، لكن هذا اللص الذي يعذبه اليأس شاعٌر قبل أي شيء آخر، وهو يدّعي أنه اكتشف الشعر في إحدى لحظات بؤسه، عندما اقترب من بيت ريفي في الأندلس جاء يتسوّل منه، وظل متردداً بين الاقتراب من بابه المحروس بكلب كثير النباح، وبين العودة من دون الحصول على قطعة نقود يسدّ بها رمقه، فينتبه الى عجزه عن ملاحظة جمال ذلك الريف : "أو التفكير في سرّ ذلك الجمال، والخداع الذي وراءه، الذي سيكون المرء ضحيته اذا وثق به، وبرفضي ذلك الخداع اكتشفت الشعر" (ص48).

     ذلك الجمال الطبيعي كان يعرّي بؤسه ووحدته، وكأنه خلق لهذه المهمة، لذلك عمدت أحاسيسه منذ تلك اللحظة الى خلق الجمال في، ومن البؤس ذاته، لأنه بالنسبة لوضعه، حقيقة ناصعة لا تقبل الخداع، ولن تمّحي بعد أن تمكنت من حياته (التشرد والانحراف) وترسخت في أعماقه.

     إن البؤس يعمي الانسان عن رؤية الجمال، وهذه ثيمة أغلب الكتّاب الروس في الفترة التي سبقت، وبؤس جينيه الحقيقي يأتي من وحدته في مجتمع ينتمي بعضه الى بعض عبر الأب والأم والعائلة، لذلك بقي الشعور بالوحدة يعذبه في لحظات جوعه كما في لحظات شبعه، في عشقه وفي أيام حرمانه، أثناء وجوده بين اشباهه من المنبوذين أو في أيام سيره في الطرق المقفرة بين حدود الدول.

     في جملة قصيرة انشائية، يصف وحدته قائلاً : "حين أكون قلقا، لا يبدو عليّ ذلك في البداية، لكن عند الغسق، وقد انتابني الارهاق، يتدلى رأسي وتراقب نظراتي العالم بتلكؤ، وتندمج معه، أو ترتّد الى داخلي وتختفي. أعتقد تنها تعي وحدتي المطلقة" (ص55). والنص مليء بالمعاني والصور التي تسجل شعوره بالوحدة، وغالباً ما ينعتها بالقسوة، أما الحزن، فهو حتى عندما لا يرد في النص كتعبير تشبيهي، أو وصف مستقل، فان سرد جان جينيه وتركيب صوره الحسيّة، خاصة عندما يسترجع ذلك الماضي بصفاء، يخيّم عليها الحزن، ممزوجاّ بالخوف من افتقار مصيره الى مسافة معقولة من الاطمئنان، وتذييلاته الاستعارية في نهاية العديد من الجمل، توحي بأنه، حتى في لحظات تظاهره بالجرأة أو اللامبالاة، مجبرُ، دائماً على احناء رأسه خوفاً من الغدر أو الخيانة والقسوة أو الجوع، أو السجن أو النبذ، وهذه المفاجآت كانت أشبح جينيه اليومية، وتشكل العناصر الأساسية للحياة التي فرضتها عليه أجواء الاصلاحيات والسجون.

     في قسم خاص بجينيه، يصف الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو في كتاب (على وتيرة النوارس - ترجمة كاظم جهاد) إحدى أوبات جان جينيه الى شقته في باريس كالآتي: "كان يستعذب الوصول الى منزلنا في ساعة الغداء، فيهجم على المطبخ ويتناول، دون أن يضيّع هنيهة واحدة، شيئاً من شوربة العدس الحامية في القدر. يلتهمها جالساً في أيّما زاوية، كمثل طفل سيء التربية يتضور جوعاً، مع ابتسامة ساخرة تتراقص في العينين". هذا يوضح، و غويتيسولو يتكلم عن الكاتب أيام شهرته، أن شخصية جينيه تعودت الخوف من فقدان الأشياء بعد أن تصبح بين يديه، حتى لو كانت صحن شوربة مجاني في منزل صديق.

     تنتهي (يوميات لص) كنص كثيف ومتميز، في منتصف الكتاب،إذ تكاد تتحول منذ الصفحة 91 الى تكرار لغوي لما سبقها، باستثناء بضع صفحات تتضمن تعريفات للخير والشر والطهارة التي أراد التوصل اليها من خلال الابداع وحبّه للبشر، ويختم الجزء الأول بوصق ضعفه، وشعوره العميق بالذل، الذي يقوده إلى ألله.

  إن جينيه، على الرغم من أ'ماله الشريرة،، كما يعتقد، ومسعاه الأكبر للتماهي مع الشر المطلق (وهو يفشل دائماً في هذا) يلجأ إلى الله كلما ازدادات وحدته وحشية، وهو في هذا يقترب من لوتريامون، أكثر الملعونيين مرارةً وإشراقاً في التعبير، منه إلى بودلير، أو من معاصره هنري ميللر.

"إنني أدخل في عملية تواصل مع الله" يقول بعد حديث ميري عن عن وحدته، ثم يضيف. "ذلك ما حدث، الله هو الأمل والوجد واغنيتي، وعلى طول الشوارع، يداي في جيبي، ورأسي متدلٍ أو مرتفع، أنظر إلى البيوت والأشجار، ادندن ترانيمي الخرقاء التي لم تكن مرحة أو حزينة، كانت وقورة، واكتشفتُ أن الأمل مجرد تعبير يعطيه المرء معنى". لكن من يصدق جينيه، حتى في لحظات الضعف، التي جرّت الكثير من الكتّاب إلى طريق ألله المنقذ؟

     لقد أراد جينيه، عندما يحلل أهداف الكتابة والإبداع، يفصل بين أقدار الحياة ومسؤولية الكاتب، إذ الإبداع ليس لعبة طائشة، كما يقول في الصفحات القليلة التي أشرنا اليها منذ قليل، فالمبدع يُسلم نفسه الى مغامرة مخيفة، آخذاً على عاتقه المخاطر التي تقوم بها مخلوقاته، وجينيه لا يتخيل إبداعاً لا ينبثق عن حبّ. وعبر سطور أخرى، نكتشف أخلاقية واعية وحازمة في صميم هذا المشرّد اللا أخلاقي، وموقفاً رحيماً وإنسانياً تجاه البشر، عبّرت عنه جميع مؤلفاته الأدبية، وهو يقلب العالم على طريقته، ليجعل شياطين الخير تتغلب على ملائكة الشرّ.

     السؤال الأخير الذي أنهي به هذا العرض السريع لليوميات هو: هل يخلق التشرد إبداعاً متميزاً وقويا في جدّته وموضوعه؟ إن جينيه يملك في الأساس موهبة كبيرة، عركتها التجربة القاسية فأنتجت أدباً خاصاً به وحده، حاول الكثيرون تقليده من دون نجاح.

 

* كتب هذا المقال بمناسبة صدور ترجمة جديدة لكتاب يوميات لص