الأشباح

 

  قال:

   ـ لا تسخر مني، فلم يخطر لي في أي يوم من الأيام أن تكون في هذا الشرك التافه نهايتي.

   كان يتمدد فوق سرير قذر في زنزانة ضيقة، يتفصد العرق من جبهته وذراعيه بغزارة، ويرتعش بدنه من حمى الملاريا، تفصل بيننا قضبان دبقة تزحف عليها جموع خاملة من الذباب والناموس. "لا تسخر منيِ"، كرّرها مرة أخرى مثل الصدى، ليرسم على شفتيه الجافتين ابتسامة مشحونة بالمعنى، ولم تكن نفسي حينئذ منزهة من مشاعر غريبة، بدا أنه توقعها ويريد، بالتالي، الاستهانة بجدواها مقارنة بجسارة الحياة التي عاشها.

   في تلك اللحظة رحت استرجع صورة أول لقاء كشف فيه لعبته المجنونة مع الحياة، حياته هو قبل أي شيء. حدث ذلك اللقاء، ويا للمصادفة الغريبة، في ارض قفر يخترقها شريط من الإسفلت، يتلوى فوق هضاب صغيرة، تستجيب لامتداده السلس ثم تضيق عليه وما تلبث أن تغيّبه في عمق مفازتها المدلهمة.

   "ما الذي قذف بك في هذا العراء؟"، سألته مازحا وأنا أترجل من السيارة، وكان يومها يقف على جانب الطريق، ينتظر مع عدد من الركاب قرب سيارة أجرة معطّلة. ردّ ضاحكاً وقد تهلل وجهه لرؤيتي: "هذا أنت؟ يا للسخرية، الصحراء أيضاً تقدم مفاجآتها، اسمع، إنني ذاهب إلى العاصمة، المدن الكبيرة فخاخ حقيقية، واليوم أحسست بهذا الفخ يستدعيني، فعزمت على الرحيل".

   في ذلك اليوم توجه في خط مستقيم لا يداهن، نحو مصير رسمه وحدّده بنفسه، بادئاً رحلته الشائكة، في البحث عن الفخاخ لاقتحامها، وعدت أنا إلى مدينتنا الصغيرة، الغافية على جرف بحيرة تسعفها الرمال، وتغطيها غازات حقول البترول القريبة طوال أيام السنة، غير آبهٍ بما قال، أو اختار، لأن معرفتي به لا تتعدى المجاملة التي يتبادلها الناس في مدينة صغيرة.

   قال:

   ـ بدلاً من البحلقة في جثماني، حاول أن ترشو الضابط ليعطيك جرعة ماء، لأن أمعائي تتشقق من الجفاف.

   ـ لقد فعلت، أجبتُ مطمئِناً، ثم أضفت بنوع من الأسى. ولكن اخبرني، ما الذي جاء بك إلى هذا البلد الأفريقي الموحش؟

   ـ العدالة.

   ـ ماذا..؟

  ـ لا تستغرب، العدالة يا صديقي فخ مدهش، لأنها تقلب عينك إلى الخارج، تجعلك تتفحص، بأنفاس ذئب، شرور الآخرين وأدرانهم، وهكذا، بحركة واحدة، تُبْ.. وينشطر العالم بين يديك إلى قسمين، ابيض واسود، وأنت خارجهما، فوق أي حساب، فتدفع، برضا تام، مياهك الراكدة بعيدا إلى الأسفل. العدالة تلهيك عن مراقبة ذاتك.

   بعد فترة من الصمت والتأمل أضاف: "ولكن ما كنت أتوقع أن تكون الملاريا في انتظاري!"

   في المساء وافقوا على إطلاق سراحه، مقابل مبلغ بسيط، وأمام باب المعتقل الذي تتصاعد منه نفثات الحرارة مثل أرخبيل استوائي، قال الضابط: "قل له، قل له أن لا يضع قدمه في هذا البلد مرّةً أخرى، فالناس هنا لا يحتاجون إلى الثورة، بل يحتاجون الخبز؟" وأشار إلى فمه المفتوح بحركة تفسر كل شيء.

   في اليوم التالي أوضح الطبيب بجلاء أن نوبات ارتفاع الحرارة ستعاوده بانتظام، وقد تكون في إحداها نهايته.

   قال صاحبي، مشيرا إلى الناس في الطريق، وكأنه يستطرد في حديث لم ينهِه في الزنزانة:

   ـ ثم.... انظر إلى هذا البؤس على وجوه السكان.

   لم أعلّق بشيء. كنت ابحث في نفسي عن سبب اهتمامها بمحَن هذا الشخص.

  لقد ظلّ، منذ رحيله قبل عشر سنوات، يتابع سعيه وراء المهاوي الخطرة، وهو يسميها الشراك، ليرمي نفسه في حومتها. دخل في مضاربات محمومة ليجمع ثروة، لأن.. "المال، يا صديقي، يستعبد وعيك، يجعله يمشي على السطح". ثم بدد الثروة على موائد القمار، كون... "الخسارة مثل الربح، كلاهما يجعل المرء وحيداً مع انفعال قلبه". تنكّبَ حقيبة صغيرة وجاب الأصقاع والمدن والأحراش حتى بليت أعصاب ساقيه فـ.."السفر لا يذكّرُكَ بنهاية الأشياء". طاف، حليق الرأس، مع جماعات الهاري كاري يدعو إلى راحة النفس ببلوغ النيرفانا...." كان قرع الطبول، شئتَ أم أبيت، يخرس في ذاتك كل أدوات صراخها". نام في الشوارع مع الهيبيين.. "الهيبيون؟ لا شيء يمنحك الفرصة لتمريغ وعيك في الوحل مثل حياة الهيبيين". تسلّق الشعاب الوعرة وقفز من ارتفاعات شاهقة إلى المياه وخاض سباق السيارات..." أن تقود بسرعة تضعكَ على مسافة ثانية واحدة من الموت، يعني أن تفرّغ وعيك إلى درجة الصفر، هذا، صدقني، اكثر الفخاخ جنونا".

   وهكذا راح يطارد الفخاخ ليحطّم، بين أسنانها المهلكة، وعياً سُلطتْ عليه الفأس، فلم يعد ذا فائدة للمكان الذي نبتَ فيه.

   كنا نجلس في مؤخرة مركب بخاري، يهدر ويتقضقض متحاملاً على نفسه ليمخر، ببطء قاتل، مياه ضحلة تقترب من مصبها في خليج صغير على المحيط الأطلسي. على مبعدة جلست شابة ترضع وليدها بصدر سافر، قلت، وقد اكتشفت أن نظراته، مثل نظراتي، منصبّة عليها:

    ـ جميلة..

    ردّ:

   ـ نعم. أم أفريقية صغيرة، وهذا الطفل ثمرة حبها الأول، ثم أزاح البطانية عن كتفه الملتهب ليضيف من بين العرق والحمى. اعترف لك أن الحبّ شرك لعين، نسعى إليه باظلافنا.

   ـ ولماذا يكون شركاً؟

   ـ لأن المرأة، هذا المخلوق الجميل، يفتنك، يغويك، يلهب حاجات الطبيعة التي فيك، ثم يطبق عليك دون فكاك، لقد جربت هذا الكأس، وأعرف كل طبقات مذاقها.

   ـ لا تبالغ، فالرجل أيضاً يمثل إغواءً بالنسبة للمرأة.

   ـ صحيح، غير أن الأسلحة مختلفة، والنتائج أيضاً مختلفة، المرأة يا عزيزي تعرف ضعفها الطبيعي، فتخلق أسلحتها الخاصة لتوقعك في الحبّ، ثم إن لم ترضخ لشرطها النهائي، أعني الزواج، رفستك على المؤخرة وتحولت إلى رجل آخر.

   ـ الرجل بدوره يسعى إلى الزواج.

   ـ مقابل ماذا؟، مقابل أن يتخلى عن وعيه. المشكلة أن الطبيعة تريد ذلك، قانون البقاء حدّد وظائف الغريزة، ولو تصرف الرجل بوعيه الكامل، وعيه الحقيقي، إزاء أسلحة المرأة، لتوقفتْ الطبيعة عن أداء دورها. هنا يكمن الفخ الطبيعي الذي يتربص بوعي الرجل.

   بدا لي في تلك اللحظة، وهو يجادل بحماس، متكوماً وملفوفاً بالأغطية، أشبه بحطام على ظهر طوفٍ مزعزع. تذكّرت أن معرفتي به قد تعزّزت بعد رحيله، ثم تحوّلت إلى صداقة شدّتها، من بعيد، خيوط مبهمة، نوع من الإعجاب، أو الشفقة، أو شيء آخر لا يمكن تحديده. لقد استنجد بي مرتين، في المرّة الأولى أرسلت له دفعة من المال، وهذه المرّة تحملت المشاق وتكاليف السفر، لأخلّصه من ورطة كادت تقوده إلى حتفه، وما زالت نتائجها (الملاريا) تهدد حياته.

   قلت:

   ـ حسناً، أنت تضفي كل هذه الحرارة على لعبتك، ولكن، في النهاية، مِمَّ تلوذ بهذه الفخاخ التي تصنعها لنفسك؟

    نظر إليَّ باستغراب، إذ لم يتوقع مني صراحة كهذه. بقي كل منا يهتزّ في عيني الآخر لفترة ليست بالقصيرة، كان المركب خلالها يطلق هديره المبحوح وسط الغابات، قال، منفعلا بعض الشيء:

   ـ أصنعها! ربّما، وما قولك في ذاك الخراب المقيم الذي تركته ورائي؟

  ـ إنني أراه جيداً، الخراب الذي تشير إليه، مع ذلك..

   ـ مع ذلك ماذا؟ هل تريد أن اقبل حياتك المنطفئة؟

   قلت بين السخط والاستخفاف: "لم يكن ما فعلته أكثر إشراقاً، كان هروباَ فحسب".

   شعرتُ أنه تنكّر بهذه الصلافة لكل ما فعلته من أجله، غير أنني سرعان ما خجلت من نفسي، ثم تخلّصت من تبجح القروي الذي يطلب العرفان بالجميل فاسترجعتُ هدوئي، لأضيف:

   ـ كنت أظنك ستكتفي بفخاخ العاصمة وأهوال العيش فيها.

   ـ العاصمة! ماذا تستطيع عواصم قاحلة، مُغلقة على رعبها، مثل عواصمك العربية أن تقدم لظمأي؟.

    لم أسمح لغروره، هذه المرّة أيضاً، أن يستفزّني، قلت: "أنت على حق" فلم يكتفِ بكلامي، إذ سأل:

   ـ لماذا تعتبره هروباً؟

   ـ لا أدري...

   أشحت عنه، مجيلا البصر في الأغصان الكبيرة المتشابكة، الملتفة على أسرارها، بيد أني أحسست نظراته متشبثة بصفحة وجهي، تستجوب وتنتظر. بعد أن نفد صبره عاد يسأل:

   ـ لماذا تسميه هروباً؟

   ـ لأنك تخاف من أشباح نفسك، أجبت في هدوء، ومن دون أن أسترجع وضعي الأول.

   كانت دكنة الأشجار تحمل صورة عينيه المستفهمتين، فيما رحتُ ابحث عن كلمة تبدد سوء الفهم الذي اكتنف حديثنا. التفتُ إليه مبتسماً، وقلت بودٍ ظاهر:

   ـ أين تنوي الذهاب الآن؟

   ـ سوف أفتش عن فخ جديد، أحطم فوقه عظام رأسي، ردّ بتحدٍ، ثم أردف بذات التحدي. وأنت، لماذا تتبعني؟

   للوهلة الأولى اضطربتُ، ثم غمر ذهني صفاء عميق، يمّمتُ أنظاري صوب عتمة الأشجار المحدقة بنا، ولذتُ بالصمت.

*  *  *