الإغريقي

 

  الآن أصبح إبراهيم يعلم، أن الإنسان الذي فقد بصره إثر حادث عرض له في صباه، يحتفظ تجاه الأشياء من حوله بعاطفة رقيقة، يخترقها خيط شفاف من الأمل، يلازم حياته إلى نهايتها. أمّا الذي حدث عماه بعد الولادة بقليل، فإن صوَر الحياة في خياله تتشكل عِبرَ احتدامات قلقة، في ظلام مطبق.

    واصل سيره، مخترقاً شوارع كامدِنْ تاون التي تزدحم أرصفتها بالشبان في هذه الفترة من المساء، وبالفارين من الحرّ طلباً لنسمة ندية خارج البيت.

   كان يسترجع الأفكار التي وردت في كتاب "الرؤية" الذي طالع جزءاً كبيراً منه في المكتبة بعد الظهر، قبل التوجه إلى شمال لندن، للّحاق بزوجته في شقة الإغريقي .

   ما إن شاهد الباص مقبلاً حتى أسرع نحو الموقف ليأخذه، رغم أن المسافة المتبقية تكفيها خمس دقائق على الأقدام. أحسّ مشاعرَ غامضة تتحرك في صدره، قال في دخيلته إنها لم تكن أي شيء سوى الغيرة، فابتسم لكي لا يصدق نفسه.

   قبل أسبوع أسرّت له زوجته الكاريبية، أن تلميذها ثيمستوكليس، الذي يصغرها بخمس سنين، وصف بشرتها، عندما لامس إصبعه، عفواً، جانبَ يدها، فاعتذر، إنها أشبه بملمس الزبدة، فضحك إبراهيم للتشبيه، لكنه بعد يومين راح يفكّر جدياً في حالة الإغريقي.

    منذ مجيئه إلى لندن ظلّ ثيمستوكليس وحيداً، إلاّ من خادم يوناني الأصل، يطلّ عليه كل يوم في فترات متباعدة، وقد نعتته زوجة إبراهيم بالإغريقي، لأنها تجد صعوبة في لفظ أسمه، الذي لا تسمح لها مقاطعه الكثيرة، كما تقول، بالتنفس، وهو ينتظر الخضوع لتجربة يائسة، تتعلق بمنظار ألكتروني، يساعد المصابين بالعمى، إثر الحوادث والصدمات، في رؤية الأشياء على صورة نقاط ضوئية، مغبَّشة، تبنيها الحواس الأخرى. ولم يكن الإغريقي ذاته يأمل شيئاً من وراء كل هذا، إلاّ أن حماس والده، وبالأحرى غناه، وهو مصمّم مراجل لمكابس الضغط التي تدير محركات سفن الشحن العملاقة، يجعله، وبلا كلّل، يرمي الأطواق على كل قشة عابرة، علّها تخلّص ابنه الشاب من العتمة التي تخيم على حياته، لذلك فكّر الإغريقي بتلقي دروس في البيانو، لقضاء الوقت فحسب، في هذا العالم الغريب، الذي لم يألف روائحه من قبل.

   ترجّل إبراهيم من الباص، وبدأ يتحرّر من توتّره حالما أشرف على البناية واقترب من بابها وضغط على زرّ الجرس.

   تذكّر والدته تهمس في أُذنه: "لا تقل أعمى، سَمِّه بصيراً، رحمةً بعاهته" تعني الشحاذ الذي كان يطرق بابهم كل يوم جمعه. وهي تصنّف العمى نوعين، العمى الأبيض والعمى الأسود، ولم يفهم، في طفولته، ما ترمي إليه، اليوم عرف في المكتبة ما كانت تعنيه، دون أن تفسِّره.

   كانت نقرات البيانو تملأ الأسماع في ممرّ الطابق الثالث، عالية، مفكّكة، وفتحت لوليما الباب بعد الطرقة الأولى.

   شعر بالارتياح لدى رؤيته سمرتها الشديدة، طولها، وابتسامتها الحاضرة دائماً، كأنه ظلّ طوال الطريق يخشى أن يفقد إحداها. إلى الخلف بدا الإغريقي منكباً على المفاتيح، مستغرقاً مع أصواتها.

   قبَّلَ زوجته بحرارة من خدها، ثم سلَّم بصوت عالٍٍ ليجذب الانتباه. توقف العزف للحظة، ردّ المتمرِّن التحية من غير أن يدير رأسه، أو يرفعه، بعدها سأل، وقد عرف القادم، إنْ كان بمقدوره الانتهاء من الجملة الأخيرة.

   ـ بكل تأكيد، قال إبراهيم. اعذروني لأني وصلت مبكراً، هكذا هي حال وسائل النقل في لندن، مرّةً توصِلك قبل الأوان، ومرّة متأخراً نصف ساعة عن الموعد.

   بدت لوليما منشرحة، مبتهجة باللقاءات كعادتها، مهما كانت عادية. أوضحتْ أن الدرس موشك على الانتهاء، وامتدحت سرعة أصابعه تلميذها في التعود على مواقع المفاتيح، ثم عادت إلى مكانها قرب البيانو.

   من هناك أشارت على إبراهيم بالجلوس في مكان ما، وبالفعل غطس في زاوية الكنبة، أخرج بعض أوراق العمل من حقيبته وبدأ يراجع، لكنه ما لبث أن رفع عينيه نحو البيانو. تأمل بحبٍّ قامة زوجته، منحنية قليلاً على المسند، طويلة ومتناسقة بشكل مثير، وملامح وجهها الجذابة. تذكّر أن بشرتها، في أماكن من ناعمة الملمس نعومة الزبدة، وربما كانت إشارة الإغريقي لا تحمل أبعد من معناها الاستعاري، لأن معالم الأشياء، بالنسبة لخياله، تشكّلُها حاسّة اللمس وحدها.

   من الخلف، عِبرَ ممرات وغرف لم يدخلها من قبل، تهبُّ على أنفه روائح طعام هندي نفّاذة، تهيِّج فوق لسانه، بين آونة وأخرى، لعاب شهية خرقاء.

   فكّر أن مبعث القلق الذي انتابه منذ أسبوع لم يكن الخوف من إخلاص لوليما ، إنّما فطريِّة مشاعرها، وطيبتُها اللامتناهية، وهو دائماً يشم في زوجته عبق أشجار الماهاكوني.

   في السنوات الأولى كانت هذه الطباع تسبب له الحرج، وأحياناً الخوف، ثم اعتاد عليها، وأصبحت حقيقة نفسها محبّبة إليه.

   توقف العزف ليعبِّر ثيمستوكليس عن أسفه: "إذا كنت أخرتكم عن الأكل..!" فقال إبراهيم إنه لم يكن جائعاً، إلاّ أن تيارات الكاري هي التي حرّكت عواصف شهيته، أما زوجته فاستغاثت بصوتٍ مرح: "إنني أكاد أهلك من الجوع".

   سار الجميع، يتقدمهم الإغريقي بخطوات قصيرة، متأنية، إلى غرفة الطعام، اتخذوا أماكنهم حول مائدة عامرة، رُتبت عليها أطباق الأكل بشكل، قصد منه الخادم اليوناني أن تكون جميعها في متناول يد سيدِهِ، واقترح المضيف طريقة "أخدم نفسك" ثم قال: "تفضلوا..".

   امتدحتْ لوليما الطعام الشرقي، نكهته، مذاقه الحاد على الخصوص، لأنه يشبه طعام أهلها من بعض الوجوه، وغدا مرحُها أخاذاً على العشاء، وذكر ثيمستوكليس الشاعر الكريتي إبيمونيدس، الذي كان يردّد أن جميع أهل كريت كذابون، دون أن يكترث بالورطة الذي وضع نفسه فيها، لذلك، أضاف الإغريقي: "لن أمتدح طعام أهلي، لأنني لا أعرف طعاماً سواه". فأشار إبراهيم إلى أن هذا يذكّره بالشاعر السوري المعرّي، الذي عاش  أربعة وثمانين عاماً وهو يتشكى من الحياة، دون أن يهتم بالورطة التي يقود نفسه إليها بهذه الشكوى، فردّ الإغريقي أن الذين يختارون ورطتهم في الحياة يملكون في العادة عواطفَ مرهفة، وبالنسبة له فقدَ الفرصة، إلى الأبد، في اختيار أهواء قلبه، ثم كشف أنه وُلِد مغلق العينين، فطرد والده الزوجة التي أنجبته، لأنه أصبح يشعر بالفزع من أحضانها، ثم لم يتزوج من بعد.

   كانت جلسة العشاء مريحة للجميع، إذ رفعت لوليما عنها الكلفة، ببشاشتها، منذ البداية.

   لاحظ إبراهيم أن الإغريقي لا يبتسم أثناء الحديث، بَيدَ أنه لم يكن صارماً في كلامه، ويده تعرف طريقها إلى الأطباق بسهولة، وهذا نتيجة تمرين قام به بحضور الخادم، ويستطيع تكوِّين صورة كاملة عن الطعام، لأنه يلمسه بأصابعه ويقضمه بأسنانه ثم يمضغه فوق لسانه، كل هذا يجري بشيء من النهم، رغم حرصه على اللياقة في المجالات الأخرى، وحاول إيجاد مرادفاً لكلمة بصير "الرحيمة" في الإنكليزية، ثم شعر أن هذه المجازات لا قيمة لها، في عالم ربط بين كلماته ومعانيها بشكل محكم.

   نهضا عن المائدة بعد أن استأذنا في الانصراف، وشكرا الإغريقي بحرارة على دعوته، بينما كان يقودهم إلى الخارج، مصرّاً على عبور الأبواب والممرات دون الاصطدام بها، معتمداً دقة حسّية عالية، وتمنيا له ليلة سعيدة.

   في سيارة الأجرة، قالت لوليما إن الإغريقي استفسر اليوم عن عمق سواد بشرتها، ثم سأل، في لطف كبير، إن كان بمقدوره تحسّس ملامح وجهها بيديه، لأنه لم يلمس وجهاً كاريبياً من قبل.

   "لو وُضِعت عيون العناكب في محاجر الإنسان.."، تساءل إبراهيم، المنقلب على ظهره في الفراش إلى جانب لوليما الغارقة في النوم. "هل أمكن إصابة ثيمستوكليس بالعمى؟"

   "إن يرقات النمل والحشرات"، واصل خياله المحموم. "تلتهمُ، قبل أن تتعود النظر، ما تحتك به خطومها اللدنة، ثم لا تقترب من شيء سواه بقية حياتها، أما الإنسان، فإن يديه تلتقطان كل الأشياء الغريبة، لتسحقها ثم ترميها".

   فكّر أن الإغريقي مسكين في نهاية الأمر، ضحية نوع من النحس، ولَجَ أحضان والديه في لحظة دقيقة من حياتهما، وهو يتمثَّل باللمس ما يعجز عن فهمه بالنظر، لكن، إلى أين سيقود كل هذا ؟.

   حسِبَ أيضاً، أن والده الذي يوفر له أقصى الحاجات، يمكنه ترتيب زواج عائلي، أو حتى علاقات فراش مع نساء ممتهنات، ثم تذكّر أن الإغريقي شديد الحياء، وهذه الطبيعة تعقِّد عليه محنته، إذ تجعله وحيداً مع مشاكله، أما في بلد غريب، فقد تتراءى له النفس البشرية أشبه بعتمة داخل عتمة.

   عندما سأل لوليما في الصباح، مازحاً، عمّا سيكون الطلب القادم لتلميذها، رشقته بنظرة عتاب طويلة، عكَّرت نهاره من أوله إلى آخره.

   لم يتطلب إصلاح الأمور مع الكاريبية سوى اعتذار بسيط، وبضع كلمات رقيقة، لتعود إلى مزاجها الطيب ويقضيان نهاية الأسبوع في هدوء، بعيداً عن دروس البيانو، فالتأم، منذ اللحظة الأول، جرحٌ عابر أصاب الثقة التي طبعت علاقتهما، بَيدَ أن السكين ذاتها ظلّت ندية.

   أول يوم من الأسبوع الجديد، اعتذر عن اصطحابها إلى البيت بعد الدرس، بحجة زيارة متأخرة تخصّ عمله، مستهدفاً طمأنتها إلى صفاء روحه، إذ خاف أن تنكمش طبيعة زوجته، بعد الحادث، فتحتفظ لنفسها، منذ الآن، بكل ما يجري لها مع الإغريقي .

   بعض الحواس، التي لم تألف الشيء أثناء نموّها المبكِّر، ترفض التعامل معه في وقت متأخر، هذه هي مشكلة البصر بالنسبة إلى الإغريقي، كما جاء في كتاب "الرؤية". فقد ضمرتْ ألياف عينيه الحسِّية إلى درجة يصعب إيقاظ النشاط فيها من خلال الحواس الباقية، "وهذا يعني.." قال إبراهيم لنفسه، وهو يضغط الجرس، في اليوم التالي. "إن تلك الحاسّة قد تدعم، كطاقة غاشمة، وظائف أخرى في الجسد".

   "تك...." وانفتحَ الباب.

   في الممرّ،لم يكن من أثرٍ لصوت النقرات المرتبكة، غير أن باب الشقة فُتح بسرعة، كالعادة، وظهرت زوجته للحظة، ثم عادت مسرعة إلى الداخل لتركع على الأرض خلف البيانو.

   كان الإغريقي مطروحاً على السجادة، منفوضاً بنوبة صَرع شديدة، والكاريبية تتسابق مع جبهته وفمه لتمسح العرق والزَبد بيديها العاريتين، بينما بقية جسده يرتعش تحتها مثل ثعبان ضُرب على مقدمة أنفه.

   وقف ابراهيم على مبعدة، لا يدري ما الذي يفعله، وواصلت لوليما جهودها المشتتة. حاول القيام بعمل، أو قول شيء، استجابة للوضع المربك، إلاّ أن شعوراً آخر كبَّله.

   بعد فترة بدأ الإغريقي يهدأ، استقرت أطرافه أولاً، بعدها تخلّص رأسه من التشنجات، حرَّك يده فوق السجادة، كأنه يجمِّع أحاسيسه ويتعرف المكان من حوله، ثم انقلبَ، في وهن شديد، إلى أحضان لوليما ليتعلّق بها، ويسرح في نوم عميق.

  لزم إبراهيم وقفته الأولى، مكتفياً بالنظر إلى وجه زوجته، الذي اختلط في سمائه الخوف بالحنان.

  لم يُشِر الإغريقي من قبل إلى الصَرع، ومن الواضح أنه أخفاه عن خادمه أيضاً، أما إذا كان قد اصطنعها مؤخراً، يعني إبراهيم حالة الصرع، فلن يشكّ للحظة واحدة أن للإغريق عيوناً خلفية.

   أخيراً سأل:

   ـ ماذا حدث له؟

   قالت في شرود، وهي ترخي يديها على الذراعين المتعانقتين حولها:

   ـ طلب أن أصف لون عيوني، قلت له، أقصد المزاح، إنهما صفراوان، حدقتيهما خضراء قزحية، فاستغرب وقال إن المرضعات وصفنَ عيون أُمّه بهذه الألوان، ثم سقط على الأرض.

   لم يعد جوهر الحقائق يعنيه بشيء، إنّما صورتها الأخيرة والموقف الملتبس الذي تضعه فيه، وبدا أن الإغريقي اختار هدفه، وسيغامر بكل شيء إلى النهاية، لذلك اقترح نقله إلى السرير، والعودة إلى البيت لمناقشة الوضع بأكمله.

   قالت لوليما إنها تحسّ رعشاتٍ عميقة ما زالت تخفق في أنحاء بدنه، ولن يتركا الشقة قبل أن يهدأ تماماً، فتساءل إبراهيم، بشيء من السخرية، فيما إذا كانت راحته تتطلب، أكثر من ذلك، قضاء الليل هنا؟. لم تردّ على السؤال، لأنها تعرف عادة زوجها حينما تظهر عليه، بالتدريج، علامات نفاد الصبر. اكتفتْ بالاستسلام كلياً لثقل الجسد المهدود، المنكفئ على حضنها.

   ـ لن يفهم المدير غداً أساليب الإغريق في النوم، إذا عرضتُ عليه التقرير ناقصاً. فهل أطلب سيارة أُجرة تعود بنا إلى البيت؟

   ـ إنني أسمع، قالت لوليما. فلماذا تشرح ما تريد بصوت عالٍ؟

   دار حول نفسه، ثم حولهما في هياج، وفي النهاية صاح:

   ـ إذا كنتِ تفكرين في البقاء عشر دقائق أخرى على هذه الحال، فسأذهب وحدي!

   ـ إذا ذهبتَ، إبراهيم، لن أتبعك إلى البيت.

   نظر إلى عيونها الساهمة في غضب شديد، واعْوَلَت كل المشاعر في داخله طالبةً الردّ، فاستدار نحو الباب وخرج، وبقيت لوليما في الشقة.

   عند الفجر نُقل الإغريقي إلى المستشفى. على المحفة التي حملته ورقة مكتوبة بحروف نافرة، يقرُّ فيها أنه قطع ذَكرَه بإرادته ومن دون مساعدة أحد، ليتخلّص من سعادة لا يقوى على تحمل إثمها إلى الأبد.

   بعد ذلك بساعات قليلة، ذهبت الكاريبية إلى بيتها. دخلت غرفة النوم وراحتْ تختار من الثياب والحاجات، تلك التي تعتز بذكراها، بينما وقف إبراهيم إلى الخلف، يراقب الحقيبة تمتلئ بالأشياء وهو يطحن أضراسه من الغضب والشعور بالخسران.

*  *  *