الدليل

 

 قالت:

   ـ للمرة الثانية آتي إلى الرباط ولا تأخذني إلى الأُوداية!*.

   كنتُ أشعر بالضيق، لا أعرف إن كان الحرّ والرطوبة هما السبب، أم شيء آخر، لكن، إذا فسَدَتْ الأيام الأولى من زيارتها، يتحوّل الأسبوعان الباقيان إلى جحيم، قلت في يأس:

   ـ اووه، الاوداية، ماذا فيها هذه الاوداية!.

   بعد ساعة خرجنا.

   ماذا تفعل بنهار ينغلق على نفسه منذ الصباح؟.

   وضعتُ السيارة قرب باب السور، ثم صعدنا.

   ـ هل آخذكم إلى برج حسّان؟.

   لحق بنا صبي، ممن يقضون النهار في الساحة، يلعبون ويراقبون الأدِلاء والسياح. قلت من دون أن نتوقف: "لا، نعرف الطريق". قالت زوجتي: "دَعه يرافقنا، حتى نرى أماكن كثيرة".

   التفتُ إليه، قلت:: "تعال...".

   الذي حفّزني على مناداته، ابتسامة غريبة تملأ وجهه حين يتكلم. ضحك وتبعنا، ثم سبقنا ليمشي أمامنا. إنه من النوع الذي ينمو بسرعة، وتظلّ طفولته عالقةً به.

   راح يقودنا في طرق أخرى، الطرق التي تعوّدَ السير واللعب فيها، وبدأ الصعود يرهق زوجتي. خطر لي أنه يريد عرضنا على أصحابه، أو أهله: "ها أنا أصيد سُيّاحاً" يقول لهم بعينيه، بينما الابتسامة تملأ وجهه.

   قلت له: "أين يقود هذا الطريق؟"

   ـ برج حسّان.

  أعرف أزقة الاوداية جيداً، كثيراً ما قادني الفراغ والضجر إلى قمتها. سألته:

   ـ من هو، حسّان؟

   ـ السلطان الذي بنى البرج.

   ابتسمتُ، قلت له: "لم يكن حسان سلطاناً" ابتسم بدوره ثم ضحك، وسألته زوجتي اللاهثة إنْ كان تعلّم في المدرسة، أجاب:

  ـ لا. ثم أضاف ليُصلح خطأه السابق. بناه الموحّدي.

   ـ أنت تعني مدينة الرباط، قلت له، ضحك من جديد.

   بقينا نصعد. الدليل في الأمام، يلتفت بين حين وآخر، كأنه يخشى فرارنا، كلما تصطدم عيوني بعيونه يبتسم، ويواصل طريقه.

   كنا جميعاً في نوبة من الغُش، مسلّية، ولن تضرّ أحداً.

   قال بالفرنسية: ".. Par La [من هنا] "

   قلت: نحن لا نفهم الفرنسية، فلا تُعقّدها علينا.

   ضحك وأحنى رأسه ليخفي وجهه.

   في فسحة صغيرة تجمّع حولنا جوق من الأطفال، يتصايحون فيما بينهم وهو يتقافزون ويضحكون، أبعدهم الدليل ليحمينا، وكان يضحك مثلهم. أصبحت الأمور لا تروق لزوجتي، قالت: "لم نشاهد أثراً مهمّاً حتى الآن!"

   عندما بلغنا ذروة الاوداية انكشف البحر أمامنا. وضع الدليل يده على خاصرته وقال: "هذا هو المحيط".

   كان المحيط فعلاً، لأن مياهه وسماءه لا ينكران ذلك. قلت له:

   ـ كم تطلب على هذه الجولة؟

ابتسم، لَوى رقبته وظلّ يبتسم. أعطيته ورقة من خمسة دراهم، ضحك، هزّ رأسه ليقول: "بِزافْ ... [كثير] ".

   ـ ما دخلك أنت، خُذْ !

   ظلّ يبتسم، مطرقاً إلى الأرض، ثم مدّ يده على حياء، من غير أن يدير وجهه نحوي. بقي مأسوراً بفرحه الخاص، ولم تعد الأشياء الأخرى تهمّه كثيراً. قال:

   ـ هل أعود بكم إلى السيارة؟

   قلت: "لا، سوف نذهب إلى برج حسّان".

   ضحك.

   قالت زوجتي كلمة واحدة، ولزمتْ الصمت بقية النهار: "كنتَ تعرف..".

______________

* الاوداية، الموقع القديم لمدينة الرباط، قائم على مرتفع تشرف قمته على المحيط الأطلسي، فيه مواقع أثرية مهمة.

*  *  *