في الحديقة.. بين شقائق النعمان


   لا أعرف غير اللون الأحمر لشقائق النعمان، هذه الزهرة برية في اختيار مواقعها، متعالية في وحدتها، عزيزة النفس لا تخاطب إلاّ النسمات، دائماً تميل إلى جيرة الصخور، وتبقى جذابة في وجودها بينها. أيام الطفولة لم نكن نجرأ على قطفها، للشعور بأنها ستذوب بين أيدينا قبل التمكن من امتلاكها. وشقائق النعمان باهرة في حمرتها، وأحياناً غامقة، أو نارية، لا تتنازل عن نصيبها من الإشراق، إلاّ أن السيدة روزماري، وهي تسقط بشكل مريع أمام رجال البوليس حين أخبروها عن وجود جثة الطفل المفقود في حديقتها الخلفية، كشفت عن اثني عشر لوناً لزهرة شقائق النعمان، لذلك قصدتُ السياج المحيط ببيتها لإلقاء نظرة.

غالباً ما تعبر الأحداث الصغيرة والكبيرة أمام أنظارنا من دون أن تنقلب الدهشة في نومها، هذا ما سينتهي إليه منظر زهرة برية دجنتها أيادي البشر. لكن الفضول، الإحساس الفريد الذي يبعث الدخان من جثثنا الباردة، دفعني إلى السياج في ذلك اليوم الماطر.

«آه يا إلهي»، قالت السيدة روزماري بصوت مرتعش، قبل أن ينتشر الخوف إلى أنحاء وجهها الأخرى، ثم هوت بجسمها الثقيل على الأرض بلا حراك.

بعد أن رفعوا جثة الصبي، أخذوا ما يلزمهم للفحص من طين ودماء وأحجار، ثم اختفوا. لو كان الأمر يخصّ الإمساك بقاتل، لتجمهر الناس مثل حشرات الليل، غير أن اكتشاف جثة بين سيقان النباتات والأعشاب الندية لم يعد يثير أحدا. وهكذا رحتُ أتأمل، بحرية، التشكيلة الغريبة للزهور.

كان الصبي قد اختفى منذ شهر، أو شهرين، لا أذكر على وجه اليقين، لأن اختفاءه لم يأتِ الأخير في سلسلة المفقودين، إذن، ربما ثلاثة. ولم يكن العثور عليه في هذه الحديقة يثير الشكوك إزاء صاحبتها، لأن الميديا وأهالي الضحايا، في هذا البلد المعروف بحنكة مخبريه وعبقريتهم، اطمأنوا إلى أن المفقودين، كقاعدة، لا تدفن جثثهم في مكان طعنها بالسكاكين أو الفؤوس، بل تنقل بعناية إلى أماكن أخرى. رغم ذلك، خلّفَ سقوط السيدة روزماري أمام الكاميرات وأنظار الشرطة أثراً حزيناً في قلوب السكان، إذ على المرء أن يتوقع، منذ الآن، وفي أي صباح مشرق، رجال البوليس ومجارفهم وهي تقلب على تربة حديقته جثة مخفية.

«هيه، أنتَ، تعال فتش البيت من الداخل، بدل التلصص من وراء السياج».
صاحت الأرملة الستينية وهي تندفع بغتةً من الباب الخلفي، فشعرت بالحرج يشلّ أعصابي ورغبتي في الاختفاء بسرعة عن الأنظار.

كانت السيدة روزماري تراقب عينيّ المندهشتين من نافذة المطبخ، ولم انتبه إلى ظلها المتربص خلف الستارة طوال الأيام التي أصبحت أتردد فيها على سياج الحديقة.

أخيراً انسحبتُ، متراجعاً إلى الخلف، متظاهراً ببراءة سلوكي، مشيراً، بحركة مرتبكة من يدي، إلى اعتذاري، إلاّ أنها غيرت لهجتها العدوانية، ما إن لاحظت سمرة بشرتي، لتقول: «تعال». وعادت تكرر في دعوة رقيقة: «ادخل، أنا أعني ذلك» فأجبتُ، من دون أن أغيّر مكاني: «كنت أنظر إلى الزهور يا سيدتي».

بسبب نظافته وترتيبه، بدا البيت من الداخل فسيحاً، يضم، إلى جانب السيدة روزماري، أثاثاً قليلا تشع مسانده بالبريق الفيكتوري، ولم يكن فيكتورياً، مع رائحة غريبة، تصدر عن مكان غامض، تشبه رائحة الجحور التي تأوي إليها الحيوانات الثديية، كانت تضرب أنفي، ثم تختفي.

ـ هل تعتقد، أيها الجنتلمان، أنني مسؤولة عن هذه الجثث التي يزرعونها بين النباتات؟ سألتْ وهي تجلس أمامي على طرف المقعد.

ـ بالتأكيد لا.

ثم عرضتْ عليّ كوباً من الشاي، بعد أن بينتُ لها السبب الحقيقي لوقوفي المعيب وراء السياج.

ـ شقائق النعمان، قالت وهي تتبسط أكثر في الحديث. كان المرحوم (الفقيد) يجلبها أثناء سفرات عمله إلى جنوب امىركا.

ـ إذن ليست جينية؟ أعني ألوانها ونقوشها الساحرة؟

ـ لا. نحن لا نستمتع بما يضيفه الإنسان للطبيعة. كل ما يخرج من يده يتحول ضد الحياة.

شعرتُ أكثر بالاطمئنان إليها. لذلك نبهتها إلى الفجوة المخفية بين الزهور الصفراء، لأن رطوبة الأعشاب الجافة قد تتلف السيقان الرقيقة، فنهضت لتقف أمام المقعد ونظرات الغضب تنصّب على رأسي من عينيها السماويتي الزرقة. قالت: «إذن أنت أيضاً تخدم في البوليس؟»، وقبل أن تكمل سؤالها سقطت على الأرض، وتكومت أمام المقعد. هل السقطات المريعة بحضور الآخرين تريح السيدة روزماري، أو تخفف صدمات الفزع عن نفسها؟ تساءلتُ وأنا أبذل جهداً مضنياً لمساعدتها في العودة إلى المقعد الفيكتوري.

ـ يمكنك أن تخبرهم، وقبل ذلك عليك أن تخرج من بيتي.

ـ طبعاً...

بدا أن خروجي قبل تسوية الأمور التي تشابكت، هكذا بسرعة غريبة، يمنعني من استغلال طردي للفرار من المأزق برمته، لكن البقاء وسط الارتباك والخوف، قد يشحن، هو الآخر، الجو بالمزيد من المفآجات.
ـ يجب أن تعلمي يا سيدتي، قلتُ وأنا أنهض واقفاً. انني لا أخدم لدى أحد، خاصـة البوليس الذين لا أحبهم. لقد كانت إشارتي إلى الحفرة بريئة، صدقيني، إنها بسبب حرصي على هذه الزهور النادرة.

ـ في هذه الحالة، اجلس من فضلك. ليس من العدل أن تخرج قبل إكمال الشاي، عدتُ إلى الجلوس، غير مصدق غفرانها السريع، وكان بودي أن أتنسم الهواء في الخارج.

ـ كنت واثقة أنك تنتمي إلى واحدة من تلك المجتمعات الامنية. تناول شايك، أرجوك.
لم أبدد ثانية واحدة لتنبيه السيدة الإنجليزية إلى سذاجة رأيها فينا، يوماً ما سترمي نفسها من أعلى السلالم حين تكتشف خطأها. في تلك اللحظة كنت منشغلاً في ترتيب خطواتي: أنهض، وأعتذر، ثم أخرج.
أخذتُ رشفة من الكوب، استعداداً للخطوة التالية، حين بادرت مضيفتي إلى الاعتراف: ـ لم أقتله. رأيتهم ينقلون الجثة عبر السياج، ويدفنونها بين شقائق النعمان، لكني لم أخبر البوليس.

هذه المرة كنت أنا من يحتاج، وبالحاح شديد، الى سقطة هائلة، تزيح الغيوم التي تجمعت حول عينيّ.

ـ خفت أن يكتشفوا الحفرة التي يأوي إليها بوبي في النهار.

كانت السيدة روزماري من اللطف، بحيث لم تتركني أتعذب طويلاً من الحيرة، فأوضحت أسبابها على الفور. فعلمتُ أن (بوبي) اسم الثعلب الذي رتبتْ له حفرة بين الزهور، ينام فيها أثناء النهار.

- ماذا يفعل هذا الحيوان المسكين، إذا شاهدوه في وضح النهار؟ سوف يطارده الكبار والصغار إلى أن يقضوا عليه. أليس هذا ما يفعله البشر في العادة؟

     غدا خطاب السيدة روزماري مؤثراً للغاية، في ما يخص أبعاده العاطفية على الأقل، إلاّ أن غرابة الأمور في هذا البيت تدفعني عميقاً في الغرق. هل يمكننا حقاً الموازنة بين مقتل صبي وإنقاذ ثعلب من قسوة الناس؟
ـ الإنسان هو الذي سيدمر الحياة على هذا الكوكب، أما الحيوان، فإنه يأخذ فقط ما يحتاجه من الطبيعة، ويرد إليها ما تطلبه منه.

الآن تأكدت أن حظي من الهرب أصبح أكثر تعقيداً، لأن مضيفتي تثقل المياه التي تغمرني بكلام فلسفي لا طاقة لي على فهمه، أو رفضه.

ـ لماذا لا يأخذون جثثهم إلى مكان آخر؟ تساءلت المرأة في حنق. هذا بيتي، لا يحق لأي كان استعماله لإخفاء أفعاله البشعة.

ـ منذ هذه الجملة، راح رأسي يقدم هزات خفيفة للسيدة روزماري، تأييداً لكلامها، في الوقت الذي ظل ذهني فيه يبحث عن الطريق المؤدي إلى الخارج، عندما، فجأة، دخل من أحد الأبواب المطلة على الصالة ثعلب ضخم، أشقر، تقدم بضع خطوات مكتومة، ثم وقف وسمّر نظراته الثاقبة في عينيّ.

*  *  *