خبال الحديد والفولاذ

 

  يقال إن جان كارلو مُزميشي، المهندس الإيطالي الكبير الذي فاز تصميمه للجسر المعلّق على مضيق مسِّينا، ما إن سرح في الغفوة الأولى من النوم، بعد أن راجع، تغمره السعادة وشعور عذب بالإجهاد، التقديرات الأخيرة لمخطط العمل الهندسي، حتى لطمه الصحو بأجنحة خشنة على عينيه. لقد تذكّر أنه أسقط من الحسبان أحد العناصر التي تهدد ثبات الجسور المعلّقة بالخطر، فجلس مستوياً على الفراش وراح يحدّق في وجه الليل الذي يطل من نافذته.

   لم تكن الهزّات الأرضية الصغيرة ما يهدد مشروع مُزميشي، ولا هشاشة الصخور التي تدعم ركيزتي الجسر، ولا الثقل الهائل الذي يتطلّبه ميل ونصف الميل من الحديد والإسفلت والفولاذ، وإنّما الريح.

   إن تيارات الهواء المندفعة في وتيرة متواصلة من السرعة، إذا أمكنها تحريك جسر معلّق مقدار شعرة، يرتد هيكل الجسر في حركة مقابلة، سرعان ما تنقلب إلى أرجحة، فذبذبة منتظمة تبدأ غير منظورة ثم يكبر قوسها عند حدٍّ معين، ولن توقفها بعدئذٍ أية قوة في الأرض.

   كان مُزميشي، وقد بلغ الستين، يشعر بالحاجة إلى عمل مهم يتوّج حياته الزاخرة بالنجاح والثراء، صرحٍ كبير يضمن لأسمه المهابة ويذهب به عميقاً في التأريخ، واستطاع، بذكائه اللامع، إقناع الإيطاليين أن جسراً معلّقاً يربط جزيرة صقلية بإيطاليا أقل كلفة من جسر يقوم على دعامات في الماء، وان الملوحة والرطوبة والزمن ستفعل فعلها لا محالة، وبما أن الإيطاليين لا يهمهم الزمن، عندما تكون الكلفة باهظة، اختاروا، من بين عدد كبير من المعماريين، رأس جان كارلو مُزميشي ليضعوا فوقه إكليل الفوز، وها هي الريح تضمر لأحلامه الخراب.

   كنا يومها نقضي عطلة الصيف في الجنوب، وتوقفنا في مدينة "فيلاّ سان جوفاني" للمبيت، وذهبتُ صباح اليوم التالي أتفقد المضيق. بدتْ صفحة المياه، من ناحية البحر التيراني، ساطعة ومستوية، تخترقها بين آونةٍ وأخرى رعشات عابرة، تكسُّرات من زرد الموج تحركها ريح خفيفة تهبُّ منحنية على اليمّ ثم تصعد متوارية، بينما  كان الهدوء التام يطبق على المضيق، ويعمّ السكون مياهه، السكون الذي يتلاطم الآن في رأس مُزميشي.

   أرغمني جفاف النوم المتخلّف في فمي على التوجه إلى مقهى صغير، بَكّر صاحبه في الاستعداد لخدمة الزبائن. كنتُ سلختُ، على رغم إجهاد القيادة، شطراً طويلاً من الليل في السهر، مفكراً، من دون سبب واضح، في محنة مُزميشي.

   كلما طالت الجسور، ازدادت فرص تذبذبها، هكذا تصورتُ، وأنا أراقب نفثات البخار تندفع من ماكينة القهوة، وفي هذا السياق الطردي من النزال، بين قوة المجد وسرعة الدمار، وضعتُ المسألة.

   كان غبش الصباح يحجب عن النظر الجرف المقابل من المضيق، يغيّبه، يبعده مسافات نائية، كما لو أنه يضعه على الطرف الآخر من العالم، فلماذا اختار عقل مُزميشي الأمداء ليقيم فوقها صرحَه؟

   تذكّرت، وأنا أبحّلق في المياه من نقطة ما على الشارع، أن الريح الرخاء ساعدت، من قبل، سفينة عوليس الضالّة على عبور هذا الممرّ بسلام، ودفعت بوارج القرطاجيين بيسر، ثم موكب كيلوباترا الحالم، ومن بعد فيالق الأغالبة، فأي روح غادرة تتملكها الآن، وتجعلها تتربص بآمال مُزميشي الأخيرة؟.

   الأجسام المثبتة على الأرض، في نقطة أو أكثر، تتحرّك كلها، البنايات العالية والمآذن والأبراج والصروح الفخمة والأشجار المعمّرة، تتحرّك فوق مرتكزها من دون أن يؤدي تحرّكها إلى الانهيار، ولكن الجسور وحدها، إذا أغوتها  الحركة انساقت وراءها في خَبال، فأي قلق يتأرجح الآن في ذهن مُزميشي؟

   فكّرتُ، وقد بدأ الجوع يقرص معدتي حال انتصاف النهار، أن مخاوف مُزميشي قد لا ترتكز على أساس متين، لأن جسوراً عظيمة ما زالت معلّقة في فضائها تقارع الزمن، وقد يكون وراء قلق المعماري الكبير هُلاس طفيف سببه الإرهاق الشديد، وإن إجراء تعديلات بسيطة على التصميم كفيل بوضع الأمور في نصابها، وكنت في تلك اللحظة توغلتُ بعيداً في الشارع المحاذي للمضيق، حتى بدت المدينة، عندما التفتُّ ورائي، في حجم كومة صغيرة من الأحجار، فتابعت سيري وأفكاري، ووجدت أن بابل وطيبة وأفسس وصور وكرنتس وسدوم وإيوان كسرى قد عرّتها الريح وما زالت تقشّر فيها، وان جسر مسينا سوف يصمد، ركيزتاه إنْ لم يكن جميعه، بيد أن المدن والصروح تُعرف بملوكها ومُشيّديها وليس ببنّائيها، فهل كان هذا الخاطر هو الذي قلقل النوم في عيني المهندس الإيطالي؟

   فكّرت أيضاً، إذا كانت فكرة تجريد الجسور من مهمتها قد راودتْ خيال مُزميشي، بإبعاد الناس والمركبات عن عبور صرح مسينا العظيم، ليبقى معلّقاً كمتعة للأنظار، مقتصراً بوجوده على جمال النُصب، فإن الريح هي عدو مُزميشي الأول، وليس أثقال البشر.

   إن الإنسان يؤسس مجموعة متنافرة من المشاعر تجاه الأشياء، ويدمن عليها، هذا يفرح القلب، وذاك يحزنه، ذي تبعث على الخيلاء، وذا يثير الشعور بالانكسار، وكان هذا اللهو الغبي بالأحاسيس ورطة الإنسان الأولى التي قادته إلى التعلّق بالحياة، وكل مغامرات العقل اللاحقة قوامها التشبث العنيد واليائس بالبقاء، على الرغم من أن كل عناء في هذا السبيل ظلّ عناءَ من يصفر في الريح، الريح التي تصفر الآن في رأس البنّاء الإيطالي الكبير.

   كانت رعشات البحر التيراني الوديعة التي انقلبت في هذه الفترة المتقدمة من المساء إلى مضيق مسينا، سريعة وهائجة، وفي الحال تجاوبت أعماق المضيق مع الزخم القادم من الشمال، لتُفلِت قواها الحبيسة إلى السطح، فراحت الأمواج تتدافع وتصطخب، مرتفعة عدة قامات عن اليمّ، كأنها تستطلع انفتاح الفضاء فوق هاماتها المتحلّبة ثم تنفلش، فتداعى الهدوء الذي عمّ طوال النهار، بعد أن اكتسحت الريح أرجاء المضيق، وأشاعت على جانبيه الاضطراب، الذي شرع يدبّ، منذ قليل، في ليل مُزميشي الجديد.

   بدت واجهة الفندق تشعّ بالأضواء، وفي الداخل يجأر صوت أحد المغنيين: "إذا كان لا بدّ من العذاب ... فهذا ما يريده القدر لهوانا" في واحدة من حفلات الزفاف التي يزخر بها موسم الصيف، وعلى المدخل يقف رجال الشرطة يتطلعون في الوجوه بفضول، بعد أن تركوا مصباح الإنذار الأزرق يومض بكسل فوق سيارتهم.

   عندما دخلتُ وجدت صديقتي تقف بين عريف النجدة وموظف الاستعلامات، تتكلم وتحرّك ذراعيها بلا حول ولا قوة، ما إن شاهدتني حتى نفضت يدها، أخيراً، من الأمر كله: "انظروا كيف يمشي ببلاهة.." قالت مشيرةً نحوي، ثم تركتْ الآخرين وصعدت إلى الغرفة، ينكمش وجهها على حنق ويأس عظيمين.

   تقدم مني العريف وسأل بمرارة واضحة إنْ كنت في خير، أجبت أنني كذلك، ثم صعدتُ خلفها. كانت تجمع ملابسها.

   ـ لا أعرف شيئاً عن الخراب الذي تحمله في رأسكَ، ولكنني سئمت من حالاتك هذه، ولا أرى أي أمل من وراء هذه العلاقة.

   قالت كلمتها بحزم، ثم حملت حقيبتها وخرجتْ.

  لم تكن أول مرّة تتصرف معي على هذا النحو، كلهن بلهاوات، في النهاية. تمدّدتُ على السرير، وعلقتُ أنظاري في الجدار المواجه.

   فكّرت،  وقد انتابني القلق، هل ستأخذ القطار في العودة إلى روما، أم السيارة؟

*  *  *