رحلة جوليو الشاقة

إلى أن نترك الشاطئ وراءنا، يغطس الجزء الأخير من الشمس في البحر، فتتجه خطواتنا إلى مكان الحافلة، مهدودة، متطوحة قليلاً، لكن محسوبة بدقة. في السادسة ترحل آخر الحافلات من لارنَكا، وعلينا الوصول في الوقت المناسب.

منذ أعدنا السيارة المؤجرة لأصحابها، تركنا لخطواتنا المدرّبه، المشبعة بالحر والرمال والأمواج، أمر إهدائنا إلى الوقت.

من جديد، الشمس، وسائق الحافلة، يرسمان أوقات عطلتنا.

كنا نسيناه، وعندما وقعت أنظارنا عليه وجدنا أنفسنا تتوقعه. كان جوليو يمازح بائع المرطبات ويتربص، عبر ساعة يده، بالدقيقة الأخيرة ليرحل بالركّاب.

"من هناك سوف ترون أضواء بيروت! والاسكندرية، إذا دقّقتم النظر! وربما حلب!" قال لنا قريبنا حين ودعنا في المطار، ثم تركنا، معتزّاً بما هدانا إليه.

جوليو يهزّهز حافلته القديمة على الطريق الساحلي، يهزهزنا معه. نرمي أنظارنا المهتزّة على مساحات المياه المكشوفة للضوء، بين عدد قليل من السياح، أغلبهم إنكليز، مشتعلين مثل المصابيح بملابسهم القصيره، سعداء بالحرّ، وباللهب الذي أجّج الحمرة على أجسادهم، يلقون أنظارهم الأخيرة على البحر قبل دخول صالات العشاء في فنادقهم الصغيره  full board package(الوجبات ضمن السعر الكلي للرحله).

في النهار، الوهج يمنع رؤية المدن المعلّقة في الذاكره، المهتزّة على إيقاع دواليب السفر، لكنه يرسم لأنظار جوليو الموزّعة بين الطريق والسائرين على الرصيف، التفاصيل المثيرة لأرداف المتنـزهات، افروديتات قبرص.

ثلاثاً، أكّد أنه شاهد أنوار لارنَكا، حين ودعنا.

إحرصوا أن يكون البحر شفّافاً! ولليلة الثالثة بقيت ذكرياتنا منطفئة، هناك، في الأفق الذي يتوسد الصفاء!

مصابيحها لم تعبأ بما يكفي من الزيت، بيروت! والأسكندرية تغالب اليمّ، دمشق يحيطها الضباب، وبغداد تغوص في النسيان.

الشرق، ظلام يلتفّ على الظلام بحنان.

وجهه يعشق المرح، يشيح عن الأرداف الألمانية الطويلة، عيناه تلاحقان افروديتات البلد، ونصف جذعه يميل خارج النافذه. يذهب بخمسة ركاب، ويعود بأقل من ذلك. جوليو الباحث عن الجمال، عَرقٌ وشراهة في التدخين، من أكتافه العريضة، المكشوفة، تتدلى فانيلة زرقاء، لا يخطئها النظر من أول الكورنيش المنسرح على الشاطئ، صراعه اليومي على الطريق مع حركة السير، مع أصحاب السيارات، يثير له المتاعب. وجهه يعشق المزاح، وعيناه ترميان شِباكهما على الطريق، ترتّبان حصادهما من الذكريات للأيام القادمه.

في لارنَكا، لا أثر غزير الظل لافروديت!

"هيه، جوليوس!" ينادي رجل عندما تتوقف الحافلة أمام إشارة الضوء، يرطن بقبرصيته اليونانية، فيردّ جوليو، ومع الكلمة الأخيرة، وهي طائرة في الشمس اللاهبه، يضحك الاثنان، تضحك راكبة قبرصية، الوحيدة داخل الحافله، ويرفرف المرح على الوجوه، وجهينا أيضاً، إذ نشعر أنه اصطاد لحظة سعيدة، في يومه المشبع بالحرّ.

لليلة الخامسة تنعم المياه بالصفاء، سبيكة من الذهب الأبيض تتساقط على وجهها الشُهب والنجوم، والأفق، لا نور يتلألأ في سمائه! عتمة وصمت يتناوبان على سواحل الأوسط ناحية الشرق.

ظلام يعانق صورته برفق.

لارنكا، بوجوه أهلها الودودة، أصبحت مستقراً لأيامنا الباقية، مُذ فررنا من الجزء التركي لنيقوسيّا بعد نصف ساعة من دخوله. في زهد السائح عن الفضول، حكمة بليغة للسفر العصري.

معبر (لاترا بالاس) إكتظاظ في شدق الجزء التركي من نيقوسيّا، وصمت يسبقنا، صمت يتبعنا، نحن العابرَين الوحيدَين من الجانب اليوناني.

لهفة تبرق من العيون، رغبة مدجّجة بنفاد الصبر، تنتظر الهجوم، يقابلها الصمت على الطرف الآخر، وعابران غريبان يبرزان أوراق السفر.

خلال ثلاثين دقيقة لا غير شاهدنا آلاف الصور، مئات التماثيل، تكاد بقية الجزيرة تغور في المتوسط من ثقلها.

"ماذا يفعل أتاتورك هنا؟" قال كلٌ منا للآخر. وعلى الفور عدنا أدراجنا إلى نقطة العبور من لاترا بالاس.

في الجزر التي تقدم دفءَ مياهها للسياح، مثلما في الشواطئ التي تتعهد الجمال للزوار، ينافس المحتلُ جمال الطبيعة برموز كريهه، أعلامه، وصور الرئيس. على نقاط الحدود، والمطارات، في مداخل المدن، يقول المحتل: "ها أنذا هنا أيضاً، بفجاجتي، ووجودي الخانق للأنفاس، فنّ يعبق بالوحشه!"

هل كان طُرفةً، كلام قريبنا عن الأنوار المتراقصة في عيون بيروت، على وجه الاسكندرية، وفي نظرات صيدا؟

"أي ما شا الله ما شا الله!" صاح جوليوس من النافذة، عندما اصطادت عيناه سمكة تفيض على الشِباك. امرأة مكتنـزة الأرداف ببنطلون ضيّق. ضحكنا، أنا وزوجتي، قبلَنا ضحكتْ سيدة قبرصية ترطن مع جوليوس، ضحكت عيناه حين ارتدّت إلى الداخل، وضحكت الحافلة أيضاً، برعشات صاخبة من جوانبها المقضقضه.

سوفكليس يتهكم على جحافل السلطان، بترديد عباراته التعظيميّه. خلّفها سليم الثاني في الذاكرة الشعبية أين ما حلّت مدافعه الضخمه.

الجحافل تنتظر ساعة الصفر أمام معبر (لاترا بالاس). نكرهكم، رزقكم يجذبنا، أمنكم يغرينا!

الفقر، مُرضِع الحسد، الأمّ الولود للجشاعات الأزلية، ينتظر أمام المعابر الحدودية، في نيقوسيّا، وسط كوريا، وفي أعالي البقاع، والمعبر الأعظم، بين الشرق والغرب، محاط بالآمال الشائكه.

المصابيح المشتعلة منطرحة على امتداد الشاطئ، والمويجات تلحس الرمال، وتلاطم بفتور رصيف الميناء. جوليوس يدخن وحيداً، تشرد به الأفكار، كلها شابّة ما تزال، تتبعثر وتتشتّت، مثل الأوراق في الريح، عندما يسكت عن المزاح.

بِمَ يفكر القبرصي، حين يلجأ إلى الصمت؟

كيف يسترجع الغريب أطواف الذكريات المبعثرة على أصقاع المياه؟

وقفنا على الساحل في كيليا حيث نقيم، وبعيداً في بايلا، في كريكور، في ليماسول، في بافوس، نرمي أنظارنا على الأفق الشفاف. لا نور ينطلق! لا بصيص يومئ إلى الأماكن القديمه!

الشرق! أوجاع وشكوى، تدرّجات رخيمة للحزن, سيوف صدئة بلُحى معثننة، والكذب يقول كلمته الأولى والأخيرة، يثمر فاكهته العفنة، غذاءاً للأرواح المستبشرة بجنّات سهلة القطاف (الوجبات ضمن الكلفة العامة للبيان السياسي)

أين كان يقف، قريبنا الذي ودّعنا في المطار، حين رأى الأنوار؟

كيف لم تحسبا، أيها العجوزان، يا من ضيعا الليالي أمام الشواطئ الصامته، قوانين ابن الهيثم، وقبله جالينوس، عن أوهام الرؤيه!

عن مدن مشعّة ترسل نورها على إمتداد الآفاق، وأخرى مدفونة في الليل، تعكس ما يحيط بها من أحزان؟

مدن تخادع العين بالسفاهات، بشمس من ركام البلاغة، ومصابيح وقودها رثّ البيان!

لا طائل من بعد في إنتظار! هناك، قضت ذكرياتنا القليلة، ابتلعتها ألسنة الظلام.

جوليوس! غداً تقلع طائرة العودة. تحياتنا، إذا لم نرك في الصباح!

تحياتي، إلى اللقاء.

جوليوس! إحذر مهازل الرؤية في أيامك القادمه. لا تودِع الحصاد الجميل من أيامك الشاقة في الأماكن المخادعة للنظر، وقدِّرْ إنكسارات الضوء على الكلمات المُطنّه.