الضحك

 

بعد أن وافق ناصر، من دون رغبة تذكر، على مرافقة زوجته إلى عيادة الدكتور هيرمان، ليبدآ التمارين الأولى على الضحك، شعر بالخوف من الورطة التي جر نفسه إليها، لمجرد إرضاء زوجة يائسة، تتشبث بأي فرصة، حتى لو كانت غامضة، للخلاص من الوحدة والعوز، اللذين يمتصان دماءهما يوماً بعد يوم.

أمام باب العيادة، تقدمته بضع خطوات، ثم التفتتْ، تحثه على الإسراع للوقوف إلى جانبها، قبل الضغط على الجرس.

رحب الدكتور بهما، كزوار، وأشار إلى كنبة طويلة ليرتاحا عليها، وبدل مكتبه المحاط بأرفف رصّت فوقها عشرات الجماجم الآدمية، جلس على مقعد مواجه، وعاد يرحب مرة ثانية، مؤكداً أن العلاقة التي ستقوم بينهم، منذ هذه اللحظة، لن تكون بين طبيب ومرضى، بل بين..." ماذا اسميه...!" قال كأنه يستعمل العبارة للمرة الأولى. "بين مسافرين عزموا على تبادل الحديث، سواء توقف القطار بعد ألف ميل، أو في المحطة التالية".

اقترح أيضاً، أن يكون الموضوع الذي يدور حوله الكلام: "ليس في معظمه بالتأكيد..." استدرك قبل أن يضيف. "هو حركة أعصاب الوجه". بعدها طلب من "السيد..."  أن يفتح فمه إلى أوسع حد يقدر عليه، ليشرح لهما خريطة أعصاب الوجه، والحركات التي تؤديها.

رفض ناصر الطلب بصمت، ورمى زوجته بنظرة لائمة على هذه البداية المزرية، فسارعت إلى تنفيذ الأمر بدلاً عنه. مطت شدقيها عن آخرهما، وظلت تمط، إلى أن تحول فمها إلى حفرة واسعة الأطراف.

لا تتذكر سهام آخر مرة ضحكا فيها، أو لاحت الابتسامة على شفتيهما، إلاّ أنها تتذكر اليوم الذي فقد فيها ناصر وظيفته بسبب الوشاية، وصاح الواشي أنه يكره العبوس الذي يغلف وجهه، وأنه قد قام بذلك لهذا السبب وحده. يومها فقط اكتشفا أن هذه المسألة هي التي تجلب لهما المتاعب، وعندما يردّ الزوجان بأنهما لا يجدان حولهما ما يستدعي الضحك، يزداد تعصب الناس، ويطلقون عليهما شتى الأوصاف والإتهامات.

لذلك، حين ظهر إعلان تلفزيوني غريب، يدعو الأشخاص المحرومين من الضحك، إلى التطوع في تجربة مثيرة يقوم بها طبيب ألماني، يعالج الخلل العضوي، أو النفسي،  الذي يمنع الناس من التمتع بالميزة التي اختص بها الإنسان وحده، وهي الضحك، جلست تراقب الإعلان فترة طويلة قبل أن تفاتح زوجها بالموضوع: الطبيب يحمل شهادات معترف بها في كل العالم. يتكلم لغة البلد، ويعرف عاداته أكثر من أهله. يعفي المتطوعين من دفع الاجور، والعلاج يقتصر على التمارين من دون الإستعانة بالأدوية.

بعد أن تشبّع رأسها بالفكرة، قالت لزوجها إنها لم تعد تهتم بمضايقات الناس، ولا بالصفات السخيفة التي يطلقونها عليهما، لكن العزلة التي تشدد عليهما الخناق أصبحت تضايقها، تأخذها في رحلات موت مظلمة. "فماذا يعني أننا على قيد الحياة!" تمتمت والدموع تنـزل على خديها، من غير أن تختلج عضلة واحدة على سحنتها الجامدة. "لماذا لا نعترف بأن العبوس الذي يلازم حياتنا وراء كل المشاكل؟" قالت وهي تنظر إلى زوجها بيأس مرير.  

اقتنع ناصر بتفسير زوجته لحالتهما، لكنه لم يقتنع بتعريض نفسه للإذلال على يد طبيب، مهما كان الأمر! ولم يقتنع أيضاً، أن تمرين خدودهم وشفاههم على الحركة سوف يغيّر شيئاً، وأوضح موقفه النهائي بالإشارة إلى أن الضحك يتطلب السفاهة، وهذا ما لن يرضاه لنفسه: "ماذا يقول الناس عنا لو أصبحنا نضحك ونقهقه في الشارع مثل المجانين؟" تساءل بخوف.

-   لن تصدقا إذا قلت لكما، واصل الدكتور هرمان كلامه. بأنني شخصياً لا أحتاج في حياتي إلى الضحك، إلاّ أن عضلات وجهي تردّ، بدون إرادة مني، على كل مناسبة بحركة معينة. هل فهمتما قصدي؟ سأل، وهو ينقل أنظاره بين الوجهين المقطبين، ثم قال للزوجة. بإمكان السيدة أن تغلق فمها الآن.

كانت وصايا هرمان الأولى، الحازمة، أن يقرأ الزوجان الصفحات المسلية من المجلات فقط، وأن يشاهدا الكثير من أفلام الفكاهة، ويتجنبا الجلوس في الظلام لفترات طويلة. "أضيئوا كل المصابيح في البيت، حتى أثناء النوم"، قال، وهو ينشر يديه ليتمثلا فضاءاً تملأه بالأنوار والبهجة.

في الأيام التالية، أصبح ناصر أكثر ترددا في اللحاق بزوجته إلى باب العيادة، وكان يرفض الاقتراب إلى أن يخلو الطريق من الناس، ثم اشترط أن يتأخر الموعد إلى أن يخيم الظلام، بينما ركز هرمان على نقطة أساسية في العلاج، هي أن لا نمنع عضلات وجهنا من الرد، حتى لو كانت مشاعرنا الداخلية تسير في إتجاه آخر.

"يحتوي وجه الإنسان على أربعين عضلة رئيسية"، أعلن هرمان في احدى الجلسات، التي انشغل خلالها ناصر بالتحديق في الجماجم البشرية المنضّدة على الرفوف. "يمكنها القيام بنصف مليون حركة مختلفة، تعبّر كل منها عن شعور مختلف. هذا الغنى العضلي في وجوهنا لم يُخلق عبثاً، إنه يسمح بتخفيف الصدمات التي تتعرض لها غدد المعدة، والدماغ، بدونه تصاب الإفرازات بهياج وظيفي، يؤدي إلى إتلاف كل خلايا الحياة في الجسم!"

كانت أنظار ناصر تطوف، مع إحساس عميق بالخيبة، على فكوك الجماجم الآدمية، مفتوحة هنا، مغلقة، أو نصف مغلقة هناك، بأسنان كاملة، وبعضها مكشرة بعدد قليل من الاسنان، بينما محاجرها المعتمة تبحلق في الفراغ، غير معنية إلاّ بصمتها المقيم. ثم تذكر، وهو يعدّ الثقوب المحفورة في إحدى الجماجم، فم زوجته المفتوح بكل اتساعه في الجلسة الأولى. تخيله منـزوعاً من الشفاه والعيون، لا يميزه شيء عن هذه الوجوه المسلوخة، فتعزز شعوره أن ما يسعيان إليه، سواء كان بلا مقابل، أو مدفوع الثمن، لن يغير كثيراً من وضعهما، لأن الحياة، وليست إفرازات الغدد المهتاجة، كما يريد الدكتور هرمان، حقنت عظامهما بالحزن، وسيبقى مزروعاً فيها، إلى أن يجدان طريقهما البائس، مقشري الجلد والعضلات، إلى جانب هذه القحوف اليابسة.

في احدى الجلسات التي شهدت أول اعتراف للزوجين عن سبب انخراطهما في هذه التجارب، استعرض الدكتور هرمان أنواعاً شتى من الابتسام: "نحن نبتسم للمجاملة..." قال، مفعماً بالارتياح لإنجرارهما، في نهاية المطاف، إلى الاعتراف والمناقشة. "نبتسم لمداراة الحرج، للفرح، أو الخيبة، وتوجد ابتسامة للألم، واخرى للتعبير عن المرارة، وللمواساة، للتعزية أيضاً ابتسامتها الخاصة، للاعتراف بالجميل، للغضب، للخبث، للتشفي، لإخفاء حقيقة المشاعر، للنكاية، لكل ارهاص عاطفي ابتسامته المعبّرة، إلاّ الموت!".

كان ينبه زائريَه إلى حدود قدراته في العلاج، لكي لا يشجعهما النجاح على طلب المستحيل، كما يفعل المرضى الألمان.

-   انظروا إلى هذا الإنسان، قال بعد أن تناول جمجمة من الرف، وطرحها على المكتب. لا تصدقوا هراء كتّاب القصص والروايات، حين يقولون إن أبطالهم، أو عشاقهم السعداء، ماتوا والإبتسامة على شفاههم. هراء...! الموت هو الحالة الوحيدة التي تنطفئ الابتسامة حين تصل أعتابه!

لم تكن سهام، ولا زوجها، يسعيان وراء غاية كبيرة، مثل الضحك، أو الابتسام، ولم يتطوعا للإشتراك في هذه التجربة من أجل أن يموتا والابتسامة على شفاههما، بل للتخلص من العبوس الذي خشّب ملامحهما، وجعل الناس يتهكمون، ويطلقون عليهما شتى النعوت والأوصاف الساخرة، أبعد من ذلك، شجعهم على انتظار الفرص للنيل منهما.

عندما وصف هرمان الموت، وهو يحرك باصبعه الفك الأعلى للجمجمة، بأنه حالة تجريدية، يفقد فيها الإنسان عناصر الحياة الأساسية، الدم والأعصاب، فتتعطل الحركة عن التعبير، كما يحدث لدى انفتاح وإنغلاق هذين الفكين العظميين، تعزز إحساس ناصر بتفاهة المعارك التي تشغل الإنسان في هذه الحياة، وتتابعت على خياله وجوه وهيئات أشخاص يركضون بعناد، يركضون ويدورون ليبتسموا هنا ويطعنوا هناك! يركضون بإصرار، والألوان تتغير على جباههم لإرضاء هذا والحقد على ذاك! يدورون ويلهثون بلا شفقة على أنفسهم، للسمو بهذا الشخص وتدمير الآخر. "وفي النهاية...!" تساءل بمرارة. "ماذا تبقى لهذه العظام، التي تحركها يد هرمان بلا صعوبة؟"

كان الألماني في نشاط دائم، حتى خلال الأيام التي تشتد فيها الحرارة ويصاب الناس بالخمول والنعاس. لاحظت سهام أيضاً أنه يوليهما اهتماماً كبيراً، وأصبح يمنحهمها وقتاً أطول للعلاج، ويغور أكثر في الطباع والشؤون الخاصة.

في احدى الجلسات، سأل إن كانا يتذكران آخر مرة انفجرا فيها بالضحك. راح الزوجان ينظران إليه بصمت، وقد عمقت الدهشة والحرج خطوط العبوس على وجهيهما، فبادر هيرمان إلى إعفائهما من الإجابة. قال إن الإبتسام يغني، في أحيان كثيرة، عن الإنفجار بالضحك، وعندما تنفرج شفاهنا عن ابتسامة ما، فإن أرواحنا ذاتها تكون قهقهت بما يكفي قبل أن تصعد الإبتسامة إلى شفاهنا. "ليس المهم أن تتكلموا أمام الضيوف"، قال ليبث فيهما الثقة بالنفس. "المهم أن تبتسموا بوجوههم بين فترة وأخرى". ثم أكد أن لغة الإنسان الوحيدة، إذا ما تخلى يوماً ما عن الكلام، سيكون الإبتسام ولا شيء آخر.

ظل الزوجان يتسللان إلى العيادة بانتظام. سهام تضغط الزر، هرمان يفتح الباب، ويندفع ناصر في خطوات مرتبكة من الشارع إلى الداخل. في أحد الأيام قال الزوج إنه لا يرى فائدة من الإستمرار في العلاج، لأن مساج الألماني، وتمارينه، زادت من صلابة العبوس على وجهيهما، وأصبحت وجنتاهما أضخم، مما يجذب إنتباه الناس أكثر من السابق، لذلك أصرَ على إيقاف الزيارات.

- لو كانت الجلسات تفيد بشيء، لأحسسنا الفرق منذ البداية، قال واليأس يضفي على ملامحه الجامدة مواتاً مظلماً. "علينا أن نقبل حظنا المكتوب لنا من الحياة" قال باستسلام.

-   لقد أتعبنا هذا الحظ، ردت سهام. لم نظلم أحد، مع ذلك يضايقنا الناس، ويرفعون أصواتهم لكي نسمع بوضوح إتهاماتهم وسخرياتهم!

-        الناس هكذا، سواء ضحكنا أو عبسنا. غداً نخبر الألماني بقرارنا، ونتقبل حياتنا كما هي.

كعادته فتح هرمان الباب، إلاّ أنه صحبهما إلى الداخل، ثم جلس مطرقاً بوجهه إلى الأرض. مرت فترة طويلة، بدا فيها الأموات والأحياء داخل العيادة، كأنهم في جلسة موتى. أخيراً رفع الدكتور الألماني وجهاً يائساً، وقال إنه قرر العودة إلى بلده.

_ لم أجد منفعة من بقائي هنا، أضاف وهو يرسم على شفتيه ابتسامة حزينة. منذ سنتين لم يأت أي شخص غيركما إلى العيادة. الأفضل أن أبدأ في مكان آخر!