الأضواء

عارف علوان

 

 

" في بداية الزمن كان الروح العظيمة فكرة تملأ الفراغ

ثم خلق الكون في سبعة أيام

وخلق المياه والسمك، ثم الأرض والحيوانات، ثم خلق النافاهو"

صلاة قديمة لقبائل (النافاهو) من الهنود الحمر

 

 

القسم الأول*

 

1

 

بيتر يكتشف الجدّ الأول لآدم. من جديد، أغمض الصغير بيتر عينه اليسرى وركّز اليمنى على منظار المايكروسكوب، ليبحر، عِبرَ ذرات الضوء، في الأبعاد المجهرية للفضاء الهلامي الساطع، فتصعد إلى متناول نظره الجسيمات البكتيرية الدقيقة تتلوى وتتمّعج من مسافة غائرة في البعد.

"واو!..." صاح بدهشة سعيدة، ثم التفتَ إلى أمه، العاملة التقنيّة، المنشغلة بتسجيل الملاحظات التي تلتقطها من مايكروسكوب ([1]) آخر، ليقول، بينما يده الغضة، ذات الأعوام الخمسة، ما زالت تقبض على صمام تبئير العدسة خوفاً من تشوّش الوضوح الذي توصل إليه بعد جهد:

"الآن أدركتها!"

انعكس الاهتمام في عيني الأمّ الصغيرة، بَلغتْ العشرين منذ شهرين، وقالت: "لا توجد نهاية لصِغر المادة، مثلما لا توجد حدود للفضاء، لهذا عليك أن تغوص وراءها بصبر".

من جديد أبحرَ النظر في المسافات الضوئية السحيقة ليراقب الكائنات الضئيلة، بلا رأس ولا أرجل ولا عيون، تنشط داخل محيطها الحمضي، منتظراً بسعادة لحظة ولادتها، ومن دون أن تتخلى العين عن ثباتها قال بيتر: "شكراً ماما! حقاً هذا أكثر شيء مثير في عيد ميلادي".

الآن يمكنها الاستمتاع بيومها، وبنظرة غامرة تفقّدت اليد الصغيرة، متشبّثة بمقبض الجهاز. تذكّرت وصف جدّتها لمشاعر الأمّ: "إلى سنّ الأربعين يبقى صدر المرأة ينبض بعذوبة الشفاه الرقيقة. ستعرفين هذا بنفسكِ!" قالت الجدّة لتبدّد مخاوف البنت الصغيرة من الحمل المبكّر.

"كنت أشعر بوخز لذيذ في ثديي كلما شاهدت رضيعاً في حضن امرأة أخرى!"

إلاّ أنها لم تعرف، لم تصعد إلى ثدييّها عذوبة الوخز. الجدّات يعرفنَ هذا الإحساس لأنهنّ أرضعن أطفالهنّ، أما هي فتدغدغها مشاعر لذيذة عندما تتذكّر مداعبات أصدقائها المراهقين، ممّن عرّتْ لهم صدرها كما تفعل نجمات السينما والغناء.

حين رفعتْ رأسها إلى الوراء تريح عنقها من الانحناء الطويل، شاهدت كتلاً من الرطوبة تنهض متثاقلة بين جذوع الأشجار العملاقة وعلى النجيل المشّمس، ففزع انتباهها إلى حقيبة اليد الصغيرة على يمينها فوق الطاولة وقلّبتْ، بخيالها، المحتويات من أقراص وأقلام تجميل ومفاتيح وقطع نقود، لمعتْ من بينها جميعاً علبة الهيستامين، فأعادت إليها الاطمئنان.

دون أن تترك الجهاز وأوراق البيانات، تناولت حبتين من المضادات، ولمزيد من الحيطة وضعتْ قطرة في كل عين من زجاجة تحتفظ بها في الجارور، وبهذا تحصّنتْ من نهار يحمل، عكس ما ذكرته نشرات الطقس، نذر حرارة شديدة، سوف تثير الزهور والأشجار، فيمتلئ الجو بغبار اللقاح الذي يهيّج أغشية الأنف والحنجرة والرئتين والعينين، ويدمّر البرنامج الذي خططت له منذ أيام لعيد ميلاد بيتر.

* * *

 

"هكذا أوغست من كل عام!" تلفظت روحه من كهفها المُعتم.

"جفاف كئيب، والريح، في مزاج عكر، تتقلّب بين الحرّ والبرد ، وتصوّت في الآذان!" بغتةً، والحواس تتردى، ترشق القطراتُ، خفيفة ثم ثقيلة، الأهداب الميتة. إنه الثلج!

"أين تراه انـزوى، كلبي الذي لا يملّ من التسكّع، وهل سيحمله بعيداً، الفرارُ الذي عمّ الناس إثر زخّة ثلج عابرة؟"

تلمّست أقدامه الرصيف بحذر، وشعر أن الجدار يتقدم إليه من مسافة ثمانية خطوات أو بعض، وكانت دواخله، التي تنشط في مثل هذه الحالات، تجفلها الأنفاس الراكضة حين تخطف أمامه وتصفع حواسه المستنفّرة حتى أطراف ثيابة، ومع كل خطوة يرمي كلبه اللابرادور([2])، المطأطأ الأنف دائماً، بلعنة ساخرة. لقد تعلّم أن لا ينقم عليه، إذا تباطأ في السير أو توقف لينعم النظر، لأن في الحياة أشياء لا تفهم الكلاب معناها. بَيدَ أن رغبته في التسكّع تصبح مزعجة، إذا ما أفلَتَ من يده، أو من عقدة حزام الكتف الفسفوري الأصفر الذي يربط بينهما!

"بماذا تراه منشغلاً في هذه اللحظة، وهو يراني من دون شكّ، في وقفتي المزرية؟"

فكّر أنهما لو عبرا إلى الجانب الآخر، لأدركا مدخل السوق قبل أن تُنـزل غيوم أوغست المخادعة حمولتها مطراً مصحوباً بالثلج. هناك يجلس، مثلما اعتاد، نصف ساعة قبل وصول صديقه نايجل.

"قلتُ لهم إن العقدة الثانية أفلتت من سير الحزام داخل البيت، فماذا لو عملَتْها معنا في الطريق؟"

"هكذا أوغست!" قال أحد اللائذين بالجدار، يردّد ما يجري الآن على ألسن اللندنيين وفي أذهانهم، يهجسُ له بالصوت، دون أن يأخذ بيده، أنه بلغ الظلال الجافة بأمان، وأن موقعاً ما قد اُفسحَ له، في الصفِّ المنتظم بين رشقات أوغست الغزيرة وجدار البناية.

"الفلاحون، وهم يميّزون أسرع من غيرهم العبق الصادر عن ارتطام الزخات الأولى بالتربة الجافة، عن ذاك المنبعث عن مرور النسمات خلل الأعشاب الندية، وحدهم يقدّرون نعمة المطر بعد أشهر من اليباس، حتى لو هبط بعناصر مزدوجة"

"بيتر!" نادى أخيراً بلهجة آمرة، متخيّلاً الحيوان كتلةً مظلمة، وسط الظلام، بين كتل بشرية أخرى، هزمها الثلج أو شلّها عن الحركة. يرفع الكلب رأسه الثقيل باتجاه النداء، ثم يحرّك مفاصله الرخوة بعد تأمل.

"الأرض بحاجة إلى سقي" تمتمَ شخص على يمينه.

"لا شأن لي بهمومكم" قال في دخيلته المتوترة دون أن يتجاوب مع القول، لأنه لا يعرف إن كان هو المقصود بالحديث أم شخصاً آخر. بعد فترة شعرتْ ساقُه بكتف (بيتر) الرخص يحتك بها، معلناً حضوره.

"أنت ولد سيء الطباع، يا صديقي!" قال قبل أن ينحني ويتلمّس العنق البدين، بجلدته الرجراجة، إلى أن بلغت أصابعه الحزام، ثم عالج العقدة وركّبها في موضعها، بعدها استقام وفكّر بتحمّل الزخّ الكثيف لعبور الشارع الذي يفصل بينهما وبين مجمّع الأسواق، هناك يصبحان في أمان. أكثر من هذا، يبتعد عن الرطوبة الدبقة التي بدأت، مصحوبة بدخان السيارات، تضايق مخارج أنفاسه.

أعطى الرسن هزّةً خفيفة، تحرّك على أثرها بيتر ببطئه الحذر، وتقدم الاثنان يتحسّسان طريقهما بين خسفات الرصيف التي ملأها الماء والثلج الناعم، ثم توقف بيتر أمام خطوط العبور البيضاء، تبعه سيده في التوقف، ومع هجمة كبيرة من الناس عبرا إلى الجهة الثانية، سارا بضع دقائق بين زحام وزعيق سيارات يتضاعف جنونها مع اشتداد المطر، أدرك وقتها أن لا جدوى بعد من القلق، لأن الرطوبة التي هيّجت مسامات أنفه حالما خرج من البيت، أقعدته الآن عن الشمّ.

أحذر أمطار أوغست، لأنها تلمّلم نفسها يومين ثلاثة، ثم تنـزل حمولتها فوق الرؤوس. نصحت السيدة ماري آشبن وهي تقف في طريقه داخل المجاز، وبيتر، عند الباب، يلقي عليها نظرة طويلة، متشفِّعة. "اسمع كلمتي وخذ هذه المظلة فتتجنّبا الكثير من البَلل!"

استدار قليلاً فأحسَّ دفقة كبيرة من الدفء الخارج من السوق.

إن المظلة، وبالذات مظلة السيدة آشبن الواسعة الأطراف كما وَصَفتها، تربك خطواتهما وتعيق، فوق ذلك، سيرهم بين المارّة حين تشتبك، في غمرة الهياج، بمظلاتهم. ولن يقتنع زميله نايجل، في كل الأحوال، بضرورة السير تحتها "لأن منظرنا، وبيتر محشور بين سيقاننا، يثير تعليقات السفهاء" كما يوحي له مزاجه الذي يكتئب في الأيام الممطرة.

تخلّص بيتر من البلل الثقيل بنفضات عصبية، من جذعه وعنقه وأذنيه، تطايرت لها المياه وإنتشر الرذاذ مسافة مترين على الأرض وثياب المارّة في مدخل السوق. نفض سيده، بيد ليست مبالية كثيراً، مقدم جاكتته ومرّرها على شعر هامته، ثم سلكا بين جموع داخله وأخرى خارجة.

"هل تشعر بالجوع أيّها الولد الطيب؟" سأل، وهو يربت على رأس بيتر ويتفقد متانة عروة الحزام.

"أنا واثق أنك جعتَ قليلاً!" ردّ على السؤال نيابةً، وداعبه تحت أذنيه وأمَتَعه تمسيد الوبر النظيف، الناعم، على امتداد الظَهر فقد أخذ بيتر أمس حمّامَه الشهري في الجمعية ورقّتْ ملامسته، ثم أخذ الحقيبة من كتفه العريض وأسندها إلى فخذيه. مرّر أصابعه على جلدها يتفقده بلمسة طويلة وجذب السحّاب مقدار فتحة صغيرة، دسّ كفه السمينة عبرها وبحث عن وجبتهما متمهلاً، بينما عيناه المغمضتان مرفوعتين إلى الأمام تشخصان في الظلام.

أخرج قطعتي بِسكت ودفعهما بيده، الواحدة بعد الأخرى، بين شفتي بيتر الشمعيتين، ثم عادت اليد بعد ربتة أخرى، تعبيراً عن الرضا، على الرأس المنهمك بطعامه، إلى الفتحة الضيّقة في الحقيبة تنتزع منها ساندويتش جبن راح يقضم منه ويمضغ بالتذاد فوق كنبة الخشب المثبّتة بالأرض وسط باحة السوق.

وسأل أخاه (وليام) الذي يكبره بعامين كيف هو اللون الأخضر؟ قال (ولي) إنه لون العشب. فعاد يسأل ما هو لون العشب؟ أحسّ أخاه يهرب في الصمت، يومها تعلّم أن المبصرين يعجزون عن تفسير ما يرونه على الوجه الصحيح.

عادت السيدة ماري آشبن إلى خيال ذاكرته لتقول هذه المرّة "سوف أقصد بيت الربّ صباح الغد، هل تود أن أرافقكَ إلى هناك؟" وكان في الأسبوع الأول من انتقاله للسكن في بيتها الفيكتوري.

"لا، شكراً لهذا العرض الكريم"

تركها في حيرة، تفكّر في سبب عدم رؤيتها العميان بين المصلين في جميع الكنائس التي دخلتها، بينما قال، لنفسه "لو كانت سوزان إلى جانبي، ربما ذهبتُ!" بَيدَ أن ظنون السيدة آشبن رَستْ على أن العميان لا يذهبون إلى الكنيسة لأن دواخلهم تنطوي على الغضب تجاه نصيبهم غير العادل.

"امرأة لا تقتنع بسهولة، إذا لم تُعطَ جواباً مُرضياً، فقصدت كنيسة أخرى في الجوار" كان بيتر قد تمدّد على الأرض، لم يعد يرغب في التسكع على الواجهات، وحركة المتسوقين وأصواتهم تتجمع على شكل دوي منتظم، لا تَبين معالمه إلاّ حين يمرّون على مقربة منهما. فتسلّلتْ، عِبرَ الذكرى، رائحة البخور المتبقية من يوم الأحد، والصمت الغريب الذي يسود الفناء الكبير، عندما أخذه (وِلي) إلى الكنيسة، وهمس بأذنه يشجّعه أن القسّ غائب، ذهب يتناول الغداء في غرفته وراء المحراب، فخاف أن يطلب وصفاً للمحراب وعمله داخل الكنيسة، ظلّ متهيّباً من الصمت الثقيل، يتبع، في شيء من الممانعة، وعلى مسافة الذراعين الممدودتين، تقدم أخيه، ، إلى أن تناهت إلى أسماعه خطوات مكتومة في آخر الفناء، ويد (وِلي) تتملّص من يده المتمسكة بقوة، ثم تفلتْ ويهرب، وجاء صوت القسّ من بعيد "لا تخفْ!"

فكّر أن زميله نايجل يتهرب من إنجاز العمل الذي كُلّفا القيام به، لأنه، بدلاً من مضغ العبارات ذاتها أمام المحسنين، كما وصف الأمر، يفضّل التسكّع بين غرف ومكاتب الموظفين في الجمعية إلى أن يحلّ المساء ثم يذهب إلى بيته، هناك يُشغل أذنيه بالتهام الكتب، بينما يجد، هو الذي تشقّقت أصابعه وتقرحّت أثناء تدرّبه على حياكة السلال وتغليف قناني الزينة، في الحملة التي يقومان بها لتحسين أوضاع العميان المدقعين في الهند، نشاطاً مفيداً، يجعل حياتهم هناك أقلّ عناءاً وبؤساً.

إن روح نايجل تجمجم لأية مهمة تتطلب أكثر من نهار، فتروح عصاه تضرب الأرض بحنق.

" عفواً! هل تسمح لنا بالجلوس على بقية الكنبة؟" سأل صوت بين الثلاثين والأربعين من العمر، رقيق، ناعم.

"تفضلي رجاءاً" قال.

"شكراً!" ردّت المرأة. تناهى إليه صوت صبية أيضاً، تخيّلها تجلس بعد أن نظرت إلى بيتر باحتراس، فبادر إلى تمسيد الظهر الناعم يؤكد لها هدوء الكلب التام. ثم خَشخشتْ أكياس ورق وهسهسة نايلون على يساره، فعرف أنهم يتناولون وجبة الطريق.

يعلّمون الأطفال في المدارس أن اللابرادور كلاب وديعة، رغم ذلك يخافون منها في المرّة الأولى. اربتوا عليه بلطف وسترون كم هو أليف! بعض الصبيان يشاكسون حتى الكلاب المزمّجرة.

"خذي سندويتشة المايونيز هذه، سآكل أنا التونة" قالت السيدة.

كشفت أصابعُه التي مرّت على رأس الكلب المنبسط فوق الأرض أن بيتر يغلق عينيه ويسرح في النوم.

قليلة الكلام، ليست من نساء الأحياء الشعبية الثرثارات. السيدة ماري آشبن من وسط شعبي، ترمّلتْ ثلاث مرّات، كان نصيبها من الراحل الأخير هذا البيت الذي تؤجر اثنتين من غرفه للموظفين، إلاّ أنها أعطته غرفة بضمانة الجميعة، ولأنها وجدت في بيتر رادعاً كبيراً للّصوص.

رطوبة أوغست جعلته بثلاث حواس. ليس بمقدوره معرفة العطر الذي يفوح على مقربة منه الآن. يمكن للإنسان ابتلاع طعامه بدون حاسة التذوّق، والسير من غير نظر، وتدبّر أموره بلا شمّ ولا سمع، لكنه يصبح عاجزاً عن الحياة من غير حاسّة اللمس. بقية الحيوانات تصبح عاجزة أيضاً.

"هل يمكنني فتح العلبة لرؤية الهدية من جديد؟"

"بالتأكيد يا عزيزتي"

هسْهَس ورق التغليف برفق: "إنها ساعة جميلة للغاية! شكراً مامي!"

"أنا سعيدة أنها أعجبتك" ردّت الأمّ.

لماذا يرهقون الصغار بمسألة الوقت؟ تساءل وأذناه تلتقطان الهسهسة بوضوح. يمكن الاستدلال على جريان الوقت من خلال الضوء ودرجات العتمة. نحن بالدفء والبرودة، النشاط والنعاس، صمت الطرق وضجيجها، الراديو ونشرات الأخبار، ماذا أيضاً؟

الهسهسة من جديد، كأنها تُكتَم وهي في طريقها إلى مكان ما. "هل نعود الآن إلى البيت؟"

"ما إن يتحسّن الطقس قليلاً يا عزيزتي" قالت السيدة.

"هل تأخذين عدداً من مجلة استيقظ ([3]) ؟ " قال صوت وجل لامرأة توزع المجلات.

"لا، شكراً" ردّت المرأة الجالسة.

"نعطيها مجاناً!" قال الصوت الوجل.

"آسفة، لا أريدها" قالت المرأة.

"تعنين، لا تريدين كلام الربّ!" سأل الصوت الوجل في عذوبة، لكنه لم يتلق ردّاً: "كلنا نحتاج كلام الربّ في هذه اللحظات العصيبة!" ثم في ليونة: "إنه من أجل أرواحنا!" وفي ليونة مثّقلة باللجاجة: "لقد بلغ الثلج ذراعين في الخارج، في أوغست الحار، وهذه دلالة جديدة لأرواحنا، فلن يضيع الكثير من وقتنا الدنيوي إذا قرأنا كلمتين للربّ!"

"أرجوك، اذهبي!" قالت المرأة بصوت منـزعج.

"إذن، نسخة إلى الصبية الجميلة، لتشرق أنوار المخلِّص داخل قلبها في اللحظات الأخيرة!"

ردّتْ المرأة في صوت يرتعش فزعاً "لا! دعينا بسلام واذهبي!"

سمع المرأة وابنتها تنهضان مصحوبتان بخششة مرتبكة للأكياس، ثم تبتعد خطواتهما، وشعر صاحبة الصوت العذب تحوّل نظرها، بحثاً عن شخص جديد تفرض عليه كلمات الربّ، مجاناً.

قالت ماري آشبن إنها تحبّ الانتقال بين أجواء الكنائس في الضواحي، ثم علمَ أنها تغيّر أماكن الصلاة لأن القُسس يتضايقون من أسئلتها الكثيرة!

إذا ارتفع الثلج مقدار ذراعين، لن يرى بيتر الأرض، فينكفئ على حوافي الأرصفة، وينكفئ المبصرون أيضاً، وتستكشف عصا نايجل الطريق بإتجاه مستقيم، لكنه سيعجز عن تلويحها يميناً ويساراً ليتعرّف موقع خطوته التالية. إذا بلغ ثلاثة أذرع، يتساوى الجميع في تخبطهم. لكن، إذا ظهرت الشمس وعمّ ما يسمونه الوميض الجليدي الذي يعشي الرؤية، يصبح كل الناس عميان.

وعادت الخطوات تتقدم مني في بطء، بعد أن تلاشت للحظة في ضربات حذاء (وِلي) الصاخبة، المدوّية في أرجاء الكنيسة، وقال "لا تخفّ" ثم لمس شعري بيد غير ثقيلة، وكنتُ خائفاً في المكان الغريب حيث تركني (وِلي) وحيداً "أهو صديقك؟" أجبتُه "أخي!" فسأل عن اسمه، قلتُ (وليام) ورفع يده عن شعري ليقول "لا تقلق" غير أنني بقيت خائفاً، أفكّر كيف أعود إلى البيت! وعاد هو إلى الكلام "إنه المكان الوحيد الذي يجعل قلب الداخل إليه يعمر بالاطمئنان" لم أفهم كلامه، لكنه طويل، عرفت ذلك من الصوت الذي كان ينزل من الأعلى، وسأل إن كان الوالدان يصحبانني إلى الكنيسة، أو شيء من هذا القبيل، قلتُ "لا" وفي داخلي قلت إنهم لا يذهبون إليها، ولم يوجه أسئلة أخرى، لكنني أحسستُ يده، دافئة، تأخذ يدي لتمشي بي، ولم يسمح لي الارتباك بمعرفة الاتجاه الذي قادني إليه إلى أن شممتُ رائحة الأشجار ولفحَ الضوء جبهتي، نادى "وليام!" حينها عرفت أن (وِلي) ينتظر على مبعدة فشعرتُ بالاطمئنان.

في المدخل، دوي موجة جديدة من القادمين تندفع إلى الداخل وتتوزع في الباحة. صوت شاب: "هناك مقهى بدون شك في هذا المجمّع! أين؟ أين؟ أين؟

"في العمق، إلى اليمين" أجاب في خاطره، يعني المقهى التي حرّم على نفسه دخولها. تساءل: "لمن يوجه حديثه؟"

صوت الشاب: "لنأخذ كوب ساخن من الشاي، إلى أن تهدأ العاصفة الثلجية" تبع ذلك حركة أقدام تبتعد.

برفقة امرأة، صوت كعب الحذاء. تفقد بيتر بلمسة حنون، فكّر أن زميله نايجل سيدخل مع واحدة من الموجات الهاربة من الشارع، والماء يقطر من ثيابه، فتنصبّ سخرياته على بيتر فينتش ([4]) وتطميناته الجوية، وعندما يخرجان ينقر الأرض "وأتبعُ صوت العصا لأنه يرفض وضع ذراعه بذراعي فيحسب المارّة أن الشذوذ بين الذكور جرف العميان في طريقه"

لكن وجود امرأة على ذراعه سيكون أمراً طبيعياً. مرّت على خاطره، جائرة ومؤلمة، عبارة سوزان المكتوبة بحروف بريل النافرة "كنتَ تدعي أن الزواج يتحوّل إلى نقمة ما إن يبدأ الحمل ثم الإنجاب، فلماذا تغيّر رأيك بعد عشر سنين؟"

محزنٌ الآن، من دون امرأة على الذراع، مع ذلك أفضل من نشوء طفل بين أمّ وأب أعميّن. "ماذا فهمنا عن العالم حولنا، لنودّع، نحن الغاطسين في الظلام، بين يديِّ المصير الغامض حياةً وليدة".

لو كانت الظُلمة الوجه الحقيقي للكون، كما يدعي نايجل، لأمكن لليد، اليد الرطبة الحارة، كلما داعبتْ قضيبه المنتفخ باللّذّة، انتزاع البهجة دون خوف من عيون لئيمة، تتلصّص عبر الشقوق، لتجعل اللحظات الأخيرة مطعونة بالمرارة والوسواس!

"لن تفعل السيدة آشبن أمراً كهذا، لن تتجسس، ولو فعلت يخفينا الظلام! " سألتْ راعي أبرشية وَيمبلي: "هل تمنع الكنيسة على العميان الصلاة لأن السيد المسيح نهرَ الأعميين في ضواحي حيفا بعد أن خالفا نصيحته؟"

امرأةٌ شديدة العزم، تقفز الأسئلة من قلبها إلى لسانها!

"هل يصحبانك الوالدان إلى الكنيسة يوم الأحد؟" انبعث السؤال بصيغته الكاملة من رماد السنين البعيدة، يومها لم يجد الشجاعة ليقول إنه غير معمَّد، لأن الوالد غضبَ حين اكتشف أن عينيه الواسعتين، الزبرجديتين، الشاخصتين على الدوام في مصباح السقف، لا تريان النور!

نقرتْ العصا مرتين بقوة، لتصمتَ ثوانيَ، قبل أن تنقر الثالثة.

"أخيراً وصلتَ يا نايجل، كنا قلقين أن السيل جرفك بعيداً عنا!"

"ما كان عليك أن تقلق يا بيتر، رغم أنني مشيت مثل دبّ في الثلج! لقد أنجزتُ عدة أمور في طريقي" أجاب القادم، بينما كان طرف عصاه يبحث برفق عن التخوم الحيّة من منتَظرَيه.

"تعال اجلس!"

"احتاج ساعة على الأقدام للتخلّص من البلل العالق بثيابي. كنت أشعر قدميَّ يغوصان حتى الرِكَب! والثلج يسفع وجهي مثل الرمل البارد"

لكنه جلس، ومدّ أصابعه يتلمّس بها ظهر بيتر الراقد "هالو أيّها الولد الطيب!" ثم كتف بيتر الجالس. "أنتما هنا منذ فترة!"

"حوالي نصف الساعة، مع ذلك لم نجفّ بعد!"

"حسناً، سوف نقضي النهار هنا. علمت أنهم منعوا تنقل السيارات والباصات، وأعلنوا حالة طوارئ"

"ألهذا السبب وصلتَ بمزاج طيب؟"

"لسبب آخر. مفاجآت الطقس هذه لا تثير قلقي. بيتر! لم أنمْ أمس، ومنذ السابعة خرجت أطرق الشوارع بعصاي"

"أية مفاجأة!"

"ليس هذا فحسب، جمعتُ أربعمائة واثنين وخمسين جنيهاً، وأنا في طريقي إليكما"

"مثل أوغست، تلقي علينا مفاجآتك الوفيرة! ماذا حدث؟"

"قمت بجولة موفقة على أصحاب المحلات والشركات الصغيرة"

"أعني ماذا وراء هذا الحماس!"

"سأحكي لكَ" ردّ نايجل.

ركز مسامعه ليتأكد أن أحداً لم يحتل الفراغ عن يساره. لم يكتفِ بهذا، مدّ يده بطول ذراع يتلمّس الخشب إلى جانبه ليتأكد من فراغ بقية الكنبة، قال: "هذا الصباح قلت لنفسي يجب أن أكون في السوق قبل وصول البيترين*، لكنني غيّرت رأيي، ورحت أطوف على المحال والشركات الصغيرة في طريقي إليكما!"

عصر كمّه، ثم طرف جاكتته. "أشعر أنني محمّل بنصف طنّ من المياه والثلج" تنفّس عميقاً وهو يفتش عن العبارة التي يبدأ بها أفكاره.

"اسمع يا بيتر!" أمال بوزه العريض على آذان زميله.

"إن هذا الشاب سيكون واحداً من عباقرة العصر!"

"تعني ابن أختك!"

"بالضبط"

"لِمَ لا!"

"الشيء المهم أنني بدأت أفكّر على ضوء معلوماته" ثم بصوت أكثر انخفاضاً.

"أمس تطرق إليّ الشكّ أن الظلام هو الله"

وبعد لحظة: "أعني إنه خالق الكون. منذ ليلة أمس وأنا أرتعش داخل هذه الفكرة"

لزم بيتر الصمت بانتظار المزيد من التوضيح، إذ أكد صوت نايجل أنه يرتعش حتى هذه اللحظة.

"يقول هنري" قال نايجل، إن الظلام هو الحقيقة الأولى في الكون، لأن النور يتولد من اشتعال الغازات التي تتجمّع في كتل نارية تتحوّل، فيما بعد، إلى كواكب عائمة في الفضاء وينطفئ بموتها. هذا جعل نايجل، النفس المرتعشة بما توصلت إليه في ليلها الطويل، يقتنع أن الحياة ولدت في أحضان الصمت والعتمة.

"وحين ربطتُ بين البويضة التي تنمو داخل الرحم المعتم، والبذرة التي يوصي الحدائقي جيف هاميلتون Jeff Hamilton بدفنها على عمق نصف إنج في التربة، فهمتُ أن الظلام يرعى كل خلق في الكون، ولا تتمّ أية حياة جديدة بدونه!"

راح بيتر يصغي، ويتخيّل الأشكال التي يسمع عنها داخل ظلامه الخاص.

"هذا الحدائقي اللامع، بلوّر في رأسي الفكرة النهائية عندما قال إن البذرة، مهما أعطيتها الأسباب الأخرى للحياة، لن تتفتّح ما لم تغطها بالتربة. أي تدفعها إلى أعماق الظلام"

أحسّ بيتر يد نايجل تقبض على رسغه بعصبية، ليسأل بصوت مرتجف، مخنوق: "ألاّ يعني هذا أن الظلام هو الروح الخالق لكل الأشياء في الوجود؟"

"لا أدري!" أجاب بيتر، يشعر أنه بحاجة إلى الكثير من التأمل قبل أن يستجيب لقناعة زميله.

"إنه الخالق. هذا ما شعرتُ به يا بيتر، شعرتُ به يملأ عقلي وأحاسيسي، وجعلني أتلمّس أرقام الساعة، أمشي في الغرفة وأعود إلى الساعة أنتظر الصباح بلهفة عظيمة، لأصرخ بوجوه الناس أن يمدّوا أيّدَيهم بالمساعدة لعميان الهند، ومبصريها أيضاً، فقد سيطرتْ عليّ مشاعر الرحمة تجاه كل المخلوقات، هل فهمتني؟"

إقتحمت باب السوق العريض زحمةٌ هائجة من الفارين، محمّلة بالثلج والخوف من الشوارع المضروبة، على التوالي، بالرعد وشلالات الثلج، لأن مفاجآت أوغست العادية تحوّلت إلى مصدرٍ للفزع. تصاعد الدوي إلى طبقات جديدة من الفناء، وضاق حيّز الهمس بين بيتر ونايجل، بينما نهض بيتر الآخر على قائمتين ليّلتّز بسيقان سيده، تحذّراً من أصداء الرعد التي اهتزّ لها فناء السوق وتوغلت في باطن الأرض.

انتاب بيترَ القلقُ، إذ تذكر أنه لم يسأل خلال السنين الطويلة، بوازع الخجل أو نتيجة الإهمال، إن كان السقف مرصوفاً بألواح الخشب أم الزجاج، ولن يعثر على الجواب إذا أسرّ لنايجل بمخاوفه! لكن هذا بادر إلى القول باسماً، كما لو كان يتنصّت على هواجس زميله.

"إنها مجرد نتف غيوم، وعطاس ريح، مقارنةً بما يجري الآن، ومنذ بلايين السنين في الأعلى! هناك تُولد مَجرات، ولُهب عظيمة، ترسل النور إلى مسافات شاسعة في الكون"

"لقد عرفنا ما يكفي عن الظلام، لكننا لم نفهم شيئاً عن النور!" قال بيتر لنفسه. ما هو النور؟ وما علاقته بالأشياء التي تنبعث من رحم الظلام؟ إن نايجل يحسّ الفارق بينهما، كما يقول، ويمكنه أن يرى عندما يشعل المصباح في الليل، ولو على شكل غشاوة تفتح في عينيه منفذاً ضيّقاً على النور، أما هو، فلا يسمح عماه المطبق لشيء باختراق الظلام. لذلك، فإن ما يقوله نايجل محض رطانة.

سادتْ ولولولةُ الفارين الجدد بين الزميلين، فتراجع كلُ منهما إلى صمته، بينما راحت عينا بيتر المغلقتان، وقد انبعث فيهما النشاط الحسّي، تراقبان القلق والانـزعاج يبلبلان نظرات المتزاحمين في مدخل السوق.

في تلك اللحظة، شعر بيتر بالحاجة إلى كتف يلتزّ به، حتى لو كان في نفس عماه. كتف سوزان الحنون، متجاوب في الشدائد الغامضة، ومستعد لأن يطلق صرخة الألم في الوقت ذاته، أو يرجِّع ارتعاشة القلق من غوامض النور في توحد وعاطفة ثمينين.

قبل الاتصال الأخير كان يستحضرها إلى تفكيره بقوة، وبعده، أصبحت تزحم خواطره، يستدعي أصابعها النحيلة كلما تمدّد في الفراش، ورَشّة العطر الصغيرة التي تنفثها بحياء على رقبتها، تداعب يده حين يسعيان وراء مهمة خيرية ما، أو يعودان إلى الجمعية، والزملاء يهذّبون العبارات حين يوشوشون بها خلفهم، أو بحضورهم، عن مشروع زواج ينّمو بحرص وتكتّم، عن قدر قد يفلت من بين أصابع التحوّط والعقاقير، تشجّع عليه مبادئ الجمعية، لكن الناس ربما يقابلونه باستهجان، مثل استهجان روحه القلقة؟

إنها أجرأ منه، تستهين بالذي يفكّر به عجائز الجمعية، والناس، وتستجيب لنداءاتها الداخلية بلا مواراة، يدعمها وجودها بين والديها، واستعدادهم إلى تولي مشاغل طفل يملأ البيت بالصراخ والفوضى، ويتنقلان بعربته في الحدائق والأسواق "أنتَ تتحرّج من أصوات لا تعرف عن أصحابها شيئاً يا بيتر!" قالتْ، وهو، حين واتته الشجاعة، فات عليه الأوان.

نقر نايجل الأرضية بعصاه، ليعلن اقتراحاً: "ما رأيك بكوب شاي إنكليزي حقيقي في كفيتريا السوق؟"

"يجب ألاّ يقعدنا الربّ الجديد عن العمل!" قال بيتر بلهجة مازحة، مضيفاً، أثناء إعداد الحقيبة لتصعد بها يده إلى موقعها على الكتف: "دعنا ننطلق في جولة لنضاعف المبلغ الذي جمعتَه"

"بيتر! الشوارع مغطّاة بالثلج"

"بالضبط! اليوم يتلمّس كل البشر الطريق بأقدامهم"

بشعور تلقائي، نـزلت يد نايجل تتفقد الكلب الجاثي، ثم سأل: "وماذا عن بيتر؟"

قال بيتر "أحرّره من الرباط. إنها فرصة طيّبة كي يتقافز بين الثلج ليتخلّص من كآبته المعتادة"

"إذا كنت مصرّاً!"

استسلم نايجل من دون حماس، وبدفعة رفيقة من يده، حثّ بيتر اللامبرادور على التحرّك ليقودهما إلى الخارج، وقال، ليخفف من أثر رفضه دعوة الشاي:

"يقول المذيع إن لندن لم تشهد عاصفة ثلجية بهذه القوة منذ ثمانين سنة. تُرى، ماذا كان يحدث للمواسم قبل ثمانمائة سنة؟"

"ماذا كان يحدث لها قبل ثمانية آلاف؟" قال نايجل يزايّد على صديقه بالأرقام بدافع المزاح.

"وقبل ثمانية ملايين؟"

"وكيف كانت الألفيات تعبر قبل مليار سنة؟"

"وقبل ترليون سنة؟"

"وقبل ألف ألف ترليون؟"

"رغم إنها خفيفة، هذه الأرقام، فهي تبعث على الإحساس بالغرق!" قال بيتر باسماً.

"إنها حقّاً كذلك!" ردّ نايجل، وكان الزميلان يتلقيان اللفحات الأولى، القارسة، من هواء الشارع.

"بيتر!"

"نعم!"

"يقول جدّي، وكان يعمل في سلاح الجو الملكي، عندما نزلتْ أول طائرة عسكرية في إحدى مدن الشرق، فرّ نصف السكان، ولم يعودوا إلى منازلهم إلاّ بعد أن أقلعت من الأرض!"

"أستطيع فهم هذا، أمّا الآن، ففي أي بقعة نائية من العالم لن يترك أحد مسكنه حتى لو هبطتْ عليه مخلوقات من المجرات البعيدة!"

لم يرفض بيتر قضاء ساعة أخرى في مقهى السوق خوفاً من عودة زميله إلى تفسير رؤاه بالمزيد من الأدلّة، بَيدَ أنه فضّل البقاء على مسافة من المقاعد والطاولات التي شهدتْ تلذّذه بطعم البسكت المحُلّى، والكريما المخفوقة بالشاي بصحبة سوزان.

* * *

 

"مامي!" صاح بيتر من غير أن يرفع عينه عن العدسة. "لقد انشطرتْ البكتريا وظهر وليد جديد عنها!"

"ألم أقلْ لكِ!" ردّتْ العاملة التقنيّة (كاتي)، تغمرها السعادة للفرح الذي انعكس على وجه الصغير بما شهدتْ عيناه، ثم أضافت وهي تراقب كتل الرطوبة والحرارة تتبدد، مبشّرة بطقس جميل:

"سوف نطلق عليه اسم بيتر، لأنه خُلقَ بمراقبتك وتحت أنظارك!"

* * *

 

جولة الأوز في الضواحي. لا ليل يقطعها، لا فجرَ ينهيها، مقاصد الإنسان الشريفة. تمتمَ قريبه، أو أحد أقربائه البعيدين في وقار مهيب، أصابعه تفرز الحبّات السود فوق إصبعه ثم تطلقها والمسبحة تهتزّ وترتعش بالإيمان.

بعد أن أنهيا صلاة العشاء، بقيا جالسيَن على الأرض بانتظار سُفرة الأكل. مع ذلك، غرزتْ أحاسيس الإثم، كعادتها، مخالبها الوحشية في قلبه، أنه صلّى دون التطهّر من نجاسة النهار، التي أرخَتْ مفاصله المتعضّلة، حين اجتمع دلال الممانعة التي أبداها الغلام بالحركات الشهوانية التي عبّرت عن رغبته النقية.

"نصلّي ركعتي الفجر سويةً، ثم تأخذ الطريق الذي وصفتُه لكَ، فكلما بكّرتَ في الخروج، تجنبتَ الحرّ اللاهب".

على الفور ضرب ذِكرُ الصلاة سحنته بغلالات الخشوع، وتهيأت روحه، وقبل ساعات بدنه، للانطراح على الفراش الذي خصّوه به، وأعلن، من جديد، حزنه لضياع مسبحته في القطار، بخرزها المكيّة التي لم تفارق ملامسه أثناء الصحو ولا في هَدأة النوم.

"الإنسان؟ لن يحتاج عناءً كبيراً ليفهم، أن الإيمان مكانه لُباب القلب" صاح سعدون، ما إن توسط الشارع المقفر إلاّ من الريح الغبراء، تقلع الأوساخ وبقايا التبن المتخلّف عن عربات العلف الليلية، لتدوّم بها في عصف شديد على الإسفلت، على زوايا البيوت، ووجوه قلة من الأشباح مبعثرة على مسافات بعيدة، تحثّ الخطى وراء مقاصدها المختلفة. شعر بالارتياح، إذ وجدَ طريقه هيناً، وتباشير الأمور تفتح أمامه الأبواب، فطربتْ روحه التي ترفرف عليها السعادة لأي انتصار على الحياة، مهما صغر، وغنى:

يا ليل ما لي والهوى ومالك

ﮔلبي تعذب وانشغل بالك

أينما تضعَه، سعدون محمد العُبيس، عاهل الفرح والمقاصد الشريفة، يجد نفسه في المكان المناسب.

قال له مضيفه، أحد أقربائه البعيدين، أو قد لا يكون، بعد أن صلى معه وأتخم بطنه بالدجاج المحشو بالرز واللوز والزبيب المدسّم: "الزم طريقك في الشارع الكبير حتى نهايته، بعدها اسأل من تصادفهم عن الاتجاه الذي يأخذك إلى مقصدك".

منذ نعومة أطرافه يهوى قلبه الفرفشه، مُذْ كان يناول الضباط الإنكليز كرات التَنسْ. "ويبد بوي! ناولني كرةً جديدة"

يركض، بساقيه الرَبلتين، وراء الضربة الخاطفة عندما تطيش عن الميدان كأنه سيصل قبلها. يتابع الكرات الأرضية والطائرة، يجمعها فوق بطنه وينتظر السيف الجديد ليزود الضارب بقذيفة، ثم يصاحبهم بالمناشف وأدوات اللعب إلى سقيفة الدوش، هناك يأخذه أحد الضباط، الليفتنانت يونغ أو هامر، وأحياناً جفري، من رسغه البضّ إلى مساقط الماء الدافئ، وتهيم الأصابع المرقّطة بالنمش على البدن الأسمر الرضراض إلى أن ترتخي الرِكَب.

يا يليل...

قاطعتْ تغريدَه جشأةٌ رعدتْ داخل مريئه ثم إنطلقت من بين شفتيه متبّلةً بطيوب عشاء الليل الفائت.

"لذيذ ومُشبِع، ما كان ينقصه غير كأس من العَرق" تلمّس معدته باطمئنان، نصف متخمة حتى الآن، تكفيه إلى منتصف النهار، ويكون قد حظي بأخته بنجيبة قبل فترة الغداء.

"ما أجمل أن يكون للناس نظام عام يخصّهم، ويكون ليّ نظامي الذي أعيش به وحدي!" قالت روحه الهائمة وسط الغبار الذي دبغ السماء بحمرة قاتمة، وبسط على الأرض عتمة جافة تهدد بيوم قائظ.

آب اللّهاب، ييبّس المسمار بالباب.

ما فتأت مصابيح الكهرباء تتغامز في غَبشها الخاص، تتأرجح وترتعش ضمن هالة غبراء. في الليالي الصحوة يلعب الناموس والهوام حول النور. على الأرض، عند القاعدة الأسمنتية يشرئب لسان وعيون وعنق أبي بريص، تنبض نغانيغه لساعات، إلى أن تهوي ناموسة مشوية فيلتهمها، وتعود نغانيغة تنبض من جديد. الليلة، لاذ الهوام بالفرار، واحتلّ الغبار قلب العالم.

الحياة! وجبة هنا، وجبة هناك، والإيمان مسألة تخصّ القلب وحده.

تذكّر أمّه، دائماً يتذكّرها بعد الغواية ويقسم أن لا يعود، تلطم فكها حين أخبرها أنه تنصّر معهم.

"متى؟"

منذ أسبوع، أجاب، فكرّرتْ اللطمة، على نفس المكان، وانخرطتْ في البكاء، فاستغرب مبعث الشعور بالفخر الذي حمله على قول هذا.

لو كان الأب، لنحَره على القِبلة! إلاّ أن الأمّ أرحم، المرأة دائماً أرحم، صفعة هشّة، ثم انحنت تولول، فقرفصت روحه الصغيرة أمام وجهها الدامع بانتظار أن يهدأ عويلها، ونجيبة تلعب بالأحجار، تفرج ساقيها عند الباب وتتكلم مع أحجارها. الآن هي، ما شاء الله، تنهبُ العقولَ بلحاظها الواسعة!

لا يعرف عنوان مقصده، لا يعرف شوارع وأحياء المدينة، لا يفهم لهجة أهلها. نظراتهم العدوانية، تطلّ من وجوه تنضح بالعافية، ولا ترشد إلى مكان.

"نحن الذين تعلّمنا تدبير الأمور" حشرجتْ لهاته اليابسة "في النور أو بين طيات الظلام، لم يبق من يولول لعثراتنا، وحيدون، إلاّ من رغباتنا الصغيرة، نَثبُ، أو نسقط بين فترة أخرى، إلى أن ينتهي المشوار، نصارى أو مسلمين، وفي الأعلى تبدأ العاقبة!"

"ويبد بوي! رافقني إلى البيت بهذه الأدوات" هناك مدّده الليفتنانت، الطبيب الطيار على طاولة من الخشب. قال له بالعربية إنك لا تنتمي إلى هذه المدينة، إن أصولك تعود إلى المدن المشيّدة فوق جزر من اليابسة، تحيط بها آلاف الأميال من الأراضي المغمورة بالمياه. وحين كبر قليلاً، عرف أن الـ ويبد بوي الذي ينادونه به في نادي ضباط القاعدة الجوية يعني الولد الغشائي.

لاحظَ أن الشارع الذي ينحني على شكل قوس خفيف، تتراص على جانبيه كراجات صغيرة، تتكوّم حولها السيارات المحطمة والماكنات القديمة في فوضى، وتنشرُ الزيوتُ والدهون، معجونة بالطين، دبقها المائع أمام أبواب الصفيح، فالرصيف الترابي، وجزء من إسفلت الشارع.

خرائب الآلات القديمة، شاهد منها الكثير في العديد من المدن، صغيرةً وكبيرة، بَيدَ أنه لم يشاهد بمثل هذه الضخامة، الحطامَ الذي يخلفه تحرّك الإنسان وراء مساعيه الأرضية! إلى الأمام بدأت الأنوار تعلن افتتاح عدد من مقاهي الفطور الصغيرة، قليلة، إلاّ أنها تشير إلى اقتراب الأطراف الحيّة من المدينة. هناك يحتسي شاياً قوياً، ويرتاح حتى ينكشف الصباح، ثم يتابع سيره.

نومةٌ هانئة بحقّ، إلى أن شبع من الراحة واستعدَ ليوم آخر من السعي. لكن الغبار بقي على حاله، يرافقه منذ يومين في رحلته الطويلة، لا يعرف أحد متى ينقلب عائداً إلى مصادره الهائجة! وشاهد أول باص للنقل، مسرعاً باتجاه الضواحي الغربية البعيدة، تشتعل داخله الأضواءُ، دون أثر لركاب.

فجرَ أمس، حين وصل قطار الجنوب الطرف الغربي من العاصمة، أمضى الوقت هناك يتسكع بين المقاهي والدكاكين حتى لا يوقظها من النوم، وعندما اتصل ظلّ الجرس يرنّ داخل البيت طوال النهار من غير أن تردّ! اليوم عليه أن يحظى بنجيبة حتى لو أيقظها في أول الصباح.

"لا أريد نقوداً!" قال لها عشرات المرّات في خاطره، وتلقى نظرتها المتشكّكة "جدِ لي عملاً هنا فحسب!"

نومها ثقيل منذ الصغر، يمكنكَ أن تخلعَ عنا ثيابها من دون أن تترك النوم، وعندما تنهض، تكره البقاء في البيت.

"لامسني مرة ثانية!" تقول وعيناها مغمضتان، مستسلمة بسعادة للدغدغة التي تنتشر في جسدها وهو يلعب بأصابع قدميها، ثم تنطلق ضاحكة. أصابع صغيرة، مدبّبة، وناعمة.

"لماذا تفعل هذا؟" تسأل.

"أريد أن أعرف هل أنتِ غشائية!" فتستفسر عن معنى هذا، وتطلب في نفس الوقت: "دغدغني أكثر"

"أيّها الأخ!" نادى صوت من الظلام، من بين ركام الحديد والصدأ، أجفلَ خطواته الحثيثة.

"أيّها المستطرق الكريم!" هذه المرّة حدّد النداء مكان وصوت المنادي، متعلثم ومبهور، فتراجع سعدون عن فكرة الهرب.

"لقد أوقعتُ بعضاً من فلوسي القليلة!" وبرز من بَهمة الظلال شبح المستغيث، يحاول الثبات على سيقان قصيرة متعتَعة.

"أين؟" سأل سعدون، من غير أن يبرح مكانه، لكي تأمن عيناه المكان ويطمئن قلبه المخلوع إلى نوايا الليل.

"هنا!..."

بيد عمياء أشار الرجل إلى دائرة من العتمة حوله، وفي اليد الأخرى، المهتزّة، استقرت حفنة صغيرة من القطع توشك هي الأخرى على السقوط. حينها فقط، تهيأت الروح الخّيرة للعون وتقدم من الرجل بعزم ثابت، وقلب مستبشر أن السَعد، خلافاً لليوم الفائت، يحالفه قبل أن ينشر الصباح أنواره.

"تعال نبحث عن ثروتك المفقودة" اختطف أبو السَعد نظرة من اليد المبسوطة ليعرف قيمة ما تحمل، ثم طافت عيناه، لأن الظلام مسح النقود على راحة اليد.

"كم فقدت على وجه التحديد؟" سأل، أنظاره تغوص في العتمة، تحاول، مشحونة بالأمل، التمييز بين صدأ الحديد وبريق الدراهم الضائعة.

"لا أذكر!" قال الرجل.

"ربما هنا، وربما هناك!" وبعد فترة: "لكنها تكفي لمصروف هذا اليوم"

بدا الكلام صعباً عليه، فهو يتحشّرج بالكلمات وينطق بها في جهد كبير. التقط أبو السَعود شيئاً، سرعان ما رماه بعيداً، انحنى ثانية وقال: "هذا فلسٌ وجدناه!" ناول الرجل اللُقية وعاد إلى الغوص بأمل أكبر، فقد ألِفتْ عيناه المكان.

أنِسَ الاثنان إلى بعضهما، كما أنِستْ ظلال الفجر المخنوقة إلى سعيهما، وبين كل قطعتين يودعهما أبو سعود راحة الرجل، يحتفظ بدرهم ثقيل في يده.

"ما الذي أخّركَ إلى هذا الوقت عن البيت، يا صديقي؟"

"ضيعتُ الطريق" ردّ المتعتَع، المنكوب بمصروف النهار الآتي، وهو يكفّ عن التأرجح عندما يتكلم، ويعود إليه حين ينظر إلى الأرض.

"هذا الغبار، لعنةٌ على البلد، وسكانه، كتبهما الله على الاثنين إلى يوم القيامة"

"يوم القيامة! هناك سيكون الغبار جزءاً من العقاب" أجاب أبو سَعدة، ما فتأت أنظاره تتصيّد القطع، وتوزع مصروف النهار المقبل بعدالة أرضية لا غبار عليها.

من أعماق جوانحه، بما تبقى من جذل الخمرة الذي ما زال يداهن وعيه، ضحك الرجل لتنّدر الغريب.

من دون أن تفارق عيناه الأرض، شاركه أبو سعود الضحك، وقبل أن تتلاشى أصداء المرح بين هياكل الحديد الجاثمة، تَلقلَقتْ حنجرة الرجل وانخرطت في نوبة وحشية من السعال.

"أحكمْ قبضتك على الفلوس، وإلاّ ضيّعتها من جديد!" صاح أبو سَعدة وقد انتصب في مكانه، ينظر بشفقة إلى الرجل يأخذه انشهاق طويل، مبهور، ويعود به خوار متحشّرج مسعور.

كل شهر يلعن الغبار ليتنفس بضع ساعات من دون عذاب، وكل صباح يلوم السُكر، ويعود إليه أول المساء.

بلبلة الحياة! خلُص أبو السَعد إلى التفكير، وعدّ، بالملامسة، النقود المحفوظة في يده، ثم اقترب من الرجل حين هدأت ثائرة أنفاسه "هاك! هذا الدرهم آخر ما لقيتُ، ولن نعثر على المزيد"

وضع النقد في اليد المرتعشة، وأخذ الرجل من ذراعه النحيلة إلى طرف الشارع. قال: "عليك أن تعود إلى البيت، الجو هنا يهيّج عروق الدم في صدرك".

"إنني أعتزّ بصداقتك، أيّها الشهم!" ردّ الرجل بأنفاس متقطّعة، وقدّم يده، بعد أن نفض النقود داخل جيبه، ليشكر ويؤكد الاعتزاز، فشدّ أبو سعود على اليد الهشة يردّ على الاعتزاز بمثله، وسأله هل تتذكّر طريق البيت، قال إنه سيتخذ تلك الوجهة، مشيراً إلى الاتجاه الذي يقود إلى الضواحي الأبعد، وحين عزم على السير ترنّح قليلاً، يتفحص بعينين منطفئتين سلامة الأرض التي سيوكل إليها خطواته الهائمة، ثم قال:

"عفواً إذا سألتُ، من أي مكان كريم في الجنوب قدمتَ؟"

"من قبور التاريخ"

من جديد، غرق الرجل في ضحك متحشّرج، وقال بكلمات متقطّعة، غاصة بالسعادة: "تعجبني روحك الطريفة، أيّها الصديق!"

والليل يعتم، والليل يخرس، والليل، يا ليل مالي والهوى ومالك! تنادي الليل وأنتَ في أول الفجر، فماذا فرّخ الحظ غير دريهمات قليلة!

روائح البيض والكباب المقلي لفحتْ خياشيم أبو السَعد، وأيقظت شهيته قبل بلوغ أنوار الدكاكين الخافتة، يحوّم أمامها قلّة من الزبائن، عمال بناء، جنود مبكرين للالتحاق بثكناتهم، والذين ما زالت أجنحة السكر ترفرف في عقولهم، وحين وصل، طلب بيضتين، لكنه استدرك ليجعلها ثلاثاً، مع خمس كبابات ورغيفين يسحقها، جميعاً، بشاي خُمّر حتى ثَقُل سواده، ثم تنحى عن حافة المقلاة، يده تخشّخش الدراهم في أعماق جيبه، وأنظاره تتابع الزيت يفرقع ويتطاير رذاذه الحارق على ساعدي الطباخ ووجهه وثياب المنتظرين.

"لو تركته وحيداً، ما استرجع فلساً واحداً!" تذكّر أيضاً، أن المعلّم المتقاعد قال أمراً ذكياً عن القيامة لم يرد على خاطره قبلاً. كلام يحمل على الفكير.

خيالات العَرق! هو الآخر يَردَهُ الكثير منها، إلاّ أن الناس في العاصمة يقولون ما يفكّرون به دون خوف. كُفاراً، يعتبرونهم في المدن الأخرى! "خُذها مني!" قال الرجل "لم يَعُدّ منها أحد، ذاق فيها العذاب، أو تنعّم بالرحمة".

أعاد حساب ممتلكاته من جديد، ثلاثة دراهم، إذا أضفناها إلى الخردة المتبقية عن الأمس، تكفيه لشراء علبة سجائر، وعدة أكواب من الشاي إلى أن يلتقي أخته نجيبة.

لا يريد فلوساً منها، رغم نظرتها الساخرة، الحصول على وظيفة مقصده الأول والأخير، ويظلّ يقسم بتربة أمّه إلى أن تستجيب. الوظيفة تحلّ جميع مشاكله، ولن يقترب من حياتها، يقسم برحمة الوالدة ويده على جبينه.

فرقَع الزيت المقلي وصعد نشيشه قامتين، فأبعد الطباخ وجهه دون أن تكفّ يده عن العمل، وتراجع المنتظرون بسرعة إلى الخلف، ثم عادوا إلى أماكنهم حذرين.

التقطت عيناه جندياً يدخن بانتظار وجبته، فتذكر نجاسة النهار السابق.

جميل، ساقاه صلبتان، وهو في أول خدمته الإلزامية، في الثامنة عشرة بالتمام. قبل العثور على نجيبة، لن يضحي بمصروف النهار من أجل متعة جديدة، خاصةً لا يبدو على الشاب أنه من "الجماعة".

الناس جماعات، مثل القرود، لا يمكنهم أن يفعلوا غير هذا.

"سأكون عوناً لكِ في ساعات الشدّة" لن تصدّق، تذهب إلى النهاية في شكوكها، عنيدة! هكذا هي منذ الصِغر، عندما تنهال عصا الوالد على ظهرها وذراعيها تلزم مكانها لتتلقى الضرب بعناد الحمير، ولحاظها، منكفئة على الأرض، تذرف بصمت.

وهم يتلقّون النظرات، تنشدُ الرفقة، أو تتضوّر إلى نَشقة من غلالات الدخان، لا يعزم أهالي العاصمة على سيجارة. حين تخرج أياديهم بالعُلَب المذهّبة، تسّتل، بحركة مشهّية، لفائف التبغ وتُشعل أطرافها، والرغبة المتردّدة في عيني الغريب.

"هل أجدُ دكاناً يبيع السجائر في هذه الأحياء؟" سأل أبو السِعد، وقد تغلّبت شهواته على الحياء، الرجلَ المطرق إلى يمينه، ينفث أنفاساً كثيفة تخدّر الحواس.

"لا أعرف أين يبيعون السجائر! جئتُ من داخل الحيّ" أجاب الرجل دون أن يرفع نظره إلى السائل، ودون الخروج من شروده مدّ يده بلفافة إلى المستجدي الذي، يلعق لهاته، مثل سلوقي اُشغِل بوجبة عظام جرداء قبل ليلة الصيد.

شكر أبو السعد ببسمة ولطف مبالغ فيهما ثم أفعم رئتيه بنفس طويل، فتجلّى الإحساس العميق بالحياة من نَشعة التبغ، مخلوطة بمذاق الشاي المُحلّى وطعم فتات البيض واللحم المتبقية بين أسنانه.

متكبّرون، يفهمون الإشارة عن مسافات بعيدة، أهلُ بغداد، ويميّزون الغريب من كلامه. موظف صغير، مجرور من أنفه إلى نوبة العمل الصباحية، عيونه منتفخة من السهر، والخروج مُكّرَهاً من الفراش أتعسَ مزاجه.

رغم انطفاء مصابيح الكهرباء، لم تنعم الساحة بمظاهر الصباح، لأن الغبار حجب أنوار الشروق في الطبقات العليا، ليكلّل المدينة بوهج دامٍ، تتراقص ظلاله القاتمة على الأرض وواجهات الدكاكين، والأشباح الساعية وراء رزقها اليومي. هناك، اختار كنبة عارية، متّربة، على الرصيف وطلب شايّاً ليقتل المزيد من الوقت بمتابعة باصات الركّاب تجأر بحرّقة، وتدور نصف دورة أو دورة كاملة حول الساحة ثم تنطلق من أحد الفروع إلى أهدافها المرسومة.

"نقتل الوقت، والوقت يسحقنا ببطء، في دوراته الأوسع، إلى أن يقتلنا، فنذهب دون رجعة كما فعل آباؤنا وأجدادنا، شاي من فضلك! فمن الذي يُقتل في الأول؟ لو كانت تلزم البيت، مثل النسوة الأخريات، لما ضيّعتُ نهاراً كاملاً في الشوارع!"

نهض من جلسته، ليمدّ صاحب المقهى بساطاً من البردي على الكنبة، من غير أن ينفض عنها الغبار، لأنه يهتاج إذا حُرّك، ويتطاير على الزبائن ويجعل شايّهم وقهوتهم شوربة من الطين.

"شكراً!" قال أبو السعد وهو يقعد من جديد. فكّر أن حياة نجيبة تفتقد الاستقرار "مسكينة!" ويمضي الوقت عليها، لأنه أصبح يفهم، ولو متأخراً في ذلك، أهمية الوقت، رغم أن الأمر يختلف بالنسبة للرجل، ونتائجه أشدّ قسوة حيال المرأة. لكنه لا يعرف كيف تدبِّر الإنكليزيات أمورهن، وقد شاهد زوجة المستر يونغ تضاجع رجلاً آخر، وهي واقفة في المطبخ، وفهم، من حركاتها وطريقة ضحكها مع الرجال، أنها تضاجع أكثر من واحد، بينما اليد المنمّشة تلاحقه في ميادين التنس، لتأخذه إلى البيت في غيابها.

"أنت من أحفاد نوح السومريّ" قال له أول مرّة.

"من أبناء القوم الذين صنعوا أوائل الأشياء" لكنه لم يفهم ماذا يقصد. قال إنه خدم في الجيش الإنكليزي في الأهوار، فعرف أنه يشير إلى المكان الذي انحدر منه أبوه وأمّه، لكن ما شأن نوح بتلك المنطقة!

ممدّدٌ على طاولة من الخشب، ما زالت قطرات الدوش تغمر بدنه الأسمر الرضراض ببرودة منعشة، والليفتنانت يونغ يفحص أصابع قدمه، شعرَ دبيب الملامسة يتصاعد أعلى فخذيه ويهيّج الأحاسيس اللذيذة، فإنتبه الضابط إلى انتصاب العضو الصغير، بينما يداه تفرجان أصابع القدم ليقيس اللحمة الرقيقة بينهما، ثم ترك أمر الأصابع وراح يداعب العضو والاحمرار يتوهج على وجهه المنمّش.

تحرّك بين فخذيه الشعور باللذّة عند هذه النقطة من التذكّر، كما لو أن المداعبة تحدث الآن.

إلى الخلف ترّن المعالق لتذوِّب السُكّر في الشاي ويشتدّ سعال العرفاء ببزاتهم العسكرية الخشنة فيحسّ البلغم والاشمئزاز ينـزلقان داخل بلعومه، ولطمتْ الأمّ خدها لأن الذكرى انتقلت إلى صورة ركوعه بجانب قريبه، أو أي كان، وهو في كامل نجاسته، وكان بمقدوره التهرّب مدعياً أنه صلّى العشية استباقا قبل أن يصادف مضيفه في الطريق، إلاّ أنه أفلتَ من الكذب ليقع تحت طائلة الذنب الأكثر تنغيصاً، وهو يعرف أن الوقت مثل الرُحى، يجرش الذكرى السيئة والجميلة ويفّتتهما لتصبح زياراتهما للخاطر مثل سُحابات وغيوم صغيرة، تراها دون أن تخاف المطر. الأهم من كل شيء الآن، قبل الثامنة أو بعد الثامنة، يتصل بها!

"لا أسمعكِ!... ماذا أفعل هنا؟ جئتُ لأراكِ، ورحمة الوالدة أنا مشتاق! طيب! أين يقع هذا؟ لكنني لا أعرف شوارع المدينة! طيب! طيب!" ظل الصمت وحده يخشّخش في أذنه.

"اللعنة عليكِ! الساعة تقترب من الثامنة ولم تفتحي عينيك من النوم!"

عاد يتلكأ على رصيف الساحة الذي ازدحم بالأقدام المسرعة. وجوه لم يمنعها الإرتواء من النوم عن التكشير ضيقاً بالغبار الذي يمكن لمسه باليد، أحمر، شديد النعومة، يلتصق بالرموش ويجفف اللهاة. بعد دورتين اختار مقهىً جديدة يصدح منها نفس الصوت الذي يرتل تلاوة الصباح في المقاهي الأخرى، وسرح وراء أفكاره، تتطفل عليها الآيات المجوَّدَة، تهبط وتصعد برخامة ساحرة، مشحونة بالوعيد والترغيب.

"كل مرّة تورطني بعنوان، اللعنة عليها! لا تثبت في مكان" قال في نفسه.

لا يعرف الطرق المؤدية إلى المركز، وفي دواخله يفزع منه. الشوارع هناك تعجّ بالناس، والوجوه، بعواصف الغبار أو بدونها، تتلاقى مكفهرّة، سحنٌ مكهَّربة لا يعرف المرء ما تضمر، وفي ساحاتها الكبيرة يكثر المحتالون، يتصيّدون الغريب بهيئات مختلفة، باكية أو ضاحكة أو تطلب الودّ، وهي تصرّ على اللقاء به في قلب العاصمة المليء بالألغاز والمفاجآت. إذا حصلتْ له على وظيفة صغيرة هنا في الضواحي، أمكنه تدبير أمره والعيش في أمان.

منذ فترة كتبتْ له: "متى كان ذلك؟" أنها تشتاق لرؤيته، وكلما فكّر بزيارتها ينتابها الغضب.

هناك، في الجنوب البعيد، طاف وتشرّد في المدن ونهل، بمغارف صدئة وأخرى مبرقّشة بالذهب، من المتع والإهانات، مخلصاً لنداء اللذّات حيثما أشار قلبه. هذا القلب الغجريّ، الذي أمدّته الطبيعة بأسّمدة متنوعة الأصول، يتقبّل عضّات الحياة بصمت، لكنه يرتعش ما إن يقترب من المدن الكبيرة!

بينما الباص يتكأكأ بين جموع المارّة والسيارات وعربات الخيل، احتلّ أبو السعد أول مقعد خلف السائق، يقلقه الإحساس أن بلوغ الميدان الذي يقرِّبه بضعة أميال من قلب العاصمة، سوف يأخذ وقتاً طويلاً يقّضيه في الملل وإنتظار النداء الذي سيوجَّه إليه من بين جميع الركّاب.

"خُذْ الباص رقم عشرة" قالت له "واطلب من السائق أن يُنـزلكَ في ثالث ميدان!" لذلك، راحت البنايات والمحلاّت تمرّ على شكل أطياف في عينيه المنقلبتين إلى دواخله المتوترة، وهو يترقّب صيحة السائق الزاجرة: "ميدان النافورات الخمس!" حينها يهرع، مع كلمات الشكر والامتنان المهيأة، إلى الباب، ويكون قلبه قد سقط حتى ذاك عدّة مرّات على الأرض.

بآذان مشدودة إلى مقعد السائق، إنشغلت عيناه تستعرضان بشهية حارقة أفخاذ الموظفات العريضة يصعدن من الباب، ومؤخراتهنّ المرتجّة وهنّ ينـزلن إلى الشارع، يسحبن في أثرهنّ العطور الأخاذة، وبطّات السيقان تفصح عن وفرة الهرم المقلوب، وغزارة طراوته إذا دوعبَ مشّفراه بخبرة.

"يا طير الدرّاج، كل ما فيك يؤكل بإلتذاذ ونهم!" غنت جوانحه لصعود فتاة تخفق أذيال العباءة حولها لتغطي ثم تكشف أجزاء مترعة من قامتها الطويلة. بحثتْ عيناها عن مكان في الخلف، غير أن تحرّك الباص المفاجئ حملها على التشبّث بعروة المقعد المجاور والارتماء فيه.

بقلبه، تلقى أبو السعد ارتطام أردافها بالخشب الصلب، وصاحت أمّه من أعماق تربتها: "لن ترضى بكَ عائلةٌ نسيباً لها بعد الآن!" فلاحظ أن الغبار داخل الباص أقلّ كثافة من الشارع. أرجعَ ذلك إلى أنفاس الركاب، رئاتهم تنقّي الهواء، وهي الآن ملوثة بالطين، ورئة المعلّم المتقاعد سُدّت منافذها "هل استدلّ على بيته، أم ما زال يضرب في الشوارع والطرقات؟" بينما رئة الشابة تفوح منها الأنفاس العبقة، أنفاس الثامنة عشرة، أو التاسعة عشرة "لقد بلغتَ الثلاثين، ولطّخت اسمكَ بكل السيئات، فلن تقبل بكَ باكرٌ ولا مطلّقة!" عادت الأمّ توبخه من تحت تربة القبر، وهو يصغي بحزن، ليس لضياع الأمل في الزواج، إنما للخيبة الكبيرة التي ارتسمت على وجه الوالدة وهي تضع الأمر في مصاف الفجيعة، تشاركها نجيبة، من صمتها الغامض، الإحساس بالمرارة.

حين إلتفتَ يسترق نظرةً أخرى من وجه الفتاة، ابتسم للنـزوة التي جعلته يفكّر حينذاك بالزواج، طلباً للخلود عِبْر ذرية يقطع من خلالها الأزمان الأبدية، فعبستْ الشابة في عينيه، وتمتمت "مغّتر بنفسه وهو في عمر جدّي!" ثم أشاحت إلى النافذة.

صبوحٌ، وجهها وشهواني، حتى في غضبه، وأردافها عالية، وهي مرصوصة على مقعد الخشب.

"ليس عبثاً أنهنّ مثيرات، فقد جعلهنّ الله يملأن الحضن من الخلف ومن أمام!" عادت نظرتها، متحدية، تستنّطق وجه الغريب إن كان يراقبها بعينيه الفاسقتين، فوجدته سادراً في نواياه الوقحة، يتصنّع النظر أمامه ثم يلتفت إليها، يرتشف، بلا حياء، من مفاتنها المحصّنة!

خزرته بنظرة نارية، مسّتهجِنة، وأدارت وجهها بأنَفة لتشّعره بالاستهانة، وأخفت، وهي تسّتر طرفها بالعباءة، الابتسامة التي طفرت في اللحظة الأخيرة على شفتيها الممتلئتين.

"آه!..." زفر بحسرة عميقة، لينقل إليها رسالة هيامه، ثم تمتمت شفتاه.

"أعطيك روحي، مقابل عضّة رقيقة من تلّة رَدفك الممتلئة!"

"ميدان النافورات!" صاح السائق دون أن يحدّد أحد بصياحه. انتزع أبو السَعد روحه المنتشية من المقعد، بلا رغبة في الابتعاد عن الحياء العاهر الذي ما زال يبتسم، وحين ألقى عبارات الشكر والامتنان، موزّعاً النظر بين السائق والفتاة المتجاهلة، وأنهى الدرجات القليلة بسرعة، يدفعه إلى الشارع زخم الركّاب المتدافع للنـزول، وقبل أن يكمّل طريقه إلى الزجاج ليتزود بنظرة أخيرة، انطلق الباص مخلّفاً شريطاً متموّجاً من الوميض، تبعته سحابة كبيرة من غاز الوقود المعتم، وفي خواطره الملّتذّة ينكشف ويغيب جانب الردف المضغوط بقماش الموسلين الناعم.

لم يجد في الميدان أثر لنافورات، وعادت إلى خياله صورة المياه، كما رسمها منذ ساعة، تصعد في حزمة كبيرة لتهطل في رِشاش واسع مثل تويجات الزنبق. "هل أصولنا من المياه؟" سأل والده.

"نعم نحن من الأهوار، إذا كنت تقصد هذا. لكننا لسنا أسماكاً أيّها الحمار!". وفي فترات الظهيرة، راقب الحمار لعدة أيام قدمي الوالد النائم ليبحث عن الغشاء بين أصابعهما.

لم يعثر في الميدان على نافورات تنصبّ منها المياه، وسجّلت "حوافر" المارّة على الأرصفة رقماً جديداً لسُمك الغبار يصل ربع الإنج في بعض الزوايا القريبة من الجدران، وإنهمكت عيناه، نصف أنظارها مرتدّ إلى الداخل يجتر أقواس الردفين الطريين، في البحث عن مطعم (الأفراح) الذي حدّدته نجيبة للّقاء.

بعد أن قرأ الأسماء وتفحّص دواخل المحلاّت والدكاكين، واصل دورانه حول الميدان، لأنه سيعثر على المطعم، أو عليها، قادمة بتنورة مشدودة، وجهها مزيّن بالأصباغ، لا تخطئ العين وقاحتها، لتعترف بضيق أنها أكلت في هذا المطعم قبل خمس سنوات "فكيف أتذكّر أن المكان داخل أحد الفروع؟" تخيلها تقول.

عند باب سينما مغلق تبعثرت حوله الأوساخ من كل الأنواع، يتنقّل فتى في الثامنة عشرة، أو العشرين، بين عارضات الصور، يتأمل أفلام هذا الأسبوع والأسابيع القادمة. في مدخل أحد الأزقة المتصلة بالميدان، وقف كلب مُستنّفَر، يحمل جروحاً حديثة على وجهه وظهره الهزيل، راقب، بقوائم ترتعش، الضجيج وحركة الناس والسيارات والباصات وعربات الخيل، ثم انكفأ ليعود أدراجه بهرولة منحرفة.

أمام واجهة مطعم تراكم على نوافذها هُباب العوادم والزمن والإهمال، تنافس ثلاثة صبيان على رفس ولكم وتمّليخ ثياب صبي رابع، يفلتُ، وتعود به القبضات من جديد. مقابل دكان يعرض البدلات الرجالية مدّ سمّاك، يقرّفص على الأرض، سمكة شبوط كبيرة ما زالت تنتفض، ونغز أسفل عنقها بطرف السكين، فتدفّق الدم مكوّناً بقعة يتصاعد منها بخار الحياة الأخير، بعدها قلب الذبيحة الساكنة على الجانب الآخر وشقّ الظهر بحركة واحدة تحت أنظار عدد من المارّة تحلّقوا في دائرة، يتابعون بشغف فأس السمّاك، تفلع الرأس بضربة قوية، وكفّيه الملطختين توسعان الشقّ وتفتحانه عن آخره ليظهر البطن، دافئاً، أزال عنه الأحشاء ورماها إلى يمينه، وكشف، لأنظار الزبون أولاً ثم لأنظار الجمهور، اللحم الأبيض، عَضيضاً، دسماً، قابله الجميع بالإستحسان، وصاحب الدكان بعلامات الرضا والإنشراح، وأبو السعد بلسان يريّل منه اللعاب، وفي يده أشارت الساعة إلى التاسعة والنصف دون أن يظهر أثر للتنورة الضيّقة "قلت لكَ تعال إلى البيت، تقول لا تعرف الطرق وسط المدينة!" صاحتْ في خياله.

ما زالت وجوه الممثلين وأوضاعهم السينمائية تتراكم وتُغّرق ذهن الفتى بالخيارات دون أن يرسو على قرار. على الجانب الآخر من الباب وقف أبو السعد يشاهد، دون أن يرى أو يفهم، إعلانات الأفلام ويراقب، بطرف عينه، الذراع البيضاء العارية، رَخصة، تملأ ردن القميص القصير، وتؤجج إيحاءات مثيرة للقَرِص والحَضن والتقبيل، وعندما تراجع الفتى خطوة إلى الوراء، كمن ينتزع نفسه ليهمّ بالإنصراف، تقدم ابو السعد ليسأل، إذ ألحّت عليه فكرة إصطياد وجبة للأيام القادمة، عن ساعات العرض لهذا النهار. قال الفتى: "الحادية عشرة في الصباح، والثالثة بعد الظهر" فعاد يسأل، وقد عرف بخبرته أن الصيد مطواعٌ للألفة مع الغرباء، عن الفيلم المقرّر، أشار هذا بأصابعه إلى صور العارضة القريبة، موضحاً: "فيلم كاوبوي جميل!"

"هذا ما كنتُ أفكّر فيه!" قال أبو السعد.

والشمس تنهي ربع الطريق من قوس الزَوال دون أن تخترق كثافة الغبار، شعر طيفاً سريع الغضب يقف خلفه ويراقب بإنـزعاج مساومات قلبه، فتخلّص من الفتى على عجل، والتفتَ ليقابل، بإبتسامة نورانية، شقيقته الصغيرة.

لم يتغيّر فيه شيء، باستثناء بطنه التي ثقل عليها الشحم، وعيناه، اللتان تراكم فوق جفونها وأهدابها طحين الغبار، تبسمان قبل فمه. هيئة الصعلوك المُخجلة مرسومة على ملابسه ووجهه وسلوكه، وفي عاطفتها. "ماجن!" قالت لنفسها.

ماجن في حياته، ماجن في أكله، وفي شربه! والسنين لا تظهر عليه، حتى لو عاش أربعين سنة أخرى.

"نجيبة!" قال كمن يحلم.

"منذ ساعة أنتظر أمام المقهى!" قاطعت أشواقه بلهجة مؤنبة، ثم: "تعال!"

سار إلى جانبها، يخفي دهشته من البنطلون، يضيق على عجيزتها ويكشف قمتي ردفيها مثل صياح الفضيحة. فكّر بها: دائماً جريئة، لا تهتم لأنظار الرجال تلتهم لحمها وعظمها! وبالفتى: "راح يتهرب لأن شهواتي طفرت إلى عيوني"

"كنت أبحث عن مطعم الأفراح!" قال ليخفف من انزعاجها، لكنها تابعت السير، كعباها يجعجعان على الرصيف "طيق! طاق!" ويضفيان الإثارة على اهتزاز مؤخرتها، والرجال يتوقفون عن السير لإلقاء النظرات الشرهة مصحوبة بالتعليقات، كلها بذيئة، عن المرأة التي ترتدي البنطلون، البدعة التي خلّفها الإنكليز، بينما الوالدة "رحمة الله عليها" تتملّمل ضيقاً تحت التراب من هذا السلوك.

حالما جلست به على الطاولة داخل المقهى، عرف أنها راقبت عبر فتحة الباب، وجزء من النافذة القذرة، مراحل تسكعه أمام صور وإعلانات الأفلام، وشهدت خطوات الثعلب الحذرة التي اتّبعها للانقضاض على الفتى، قبل أن تترك فنجان القهوة وعلبة السجائر والولاعة في مكانهما وتخرج لتصبّ عليه نظراتها الساخطة.

"أمضيت الوقت أدور وأبحث في المطاعم، بينما أنتِ تنتظرين هنا، في مقهى!" قال ليزيل آثار الغضب المتبقي على فمها الملوي، ثم تناول سيجارة من علبتها الأجنبية وأشعلها بالولاّعة المذهّبة، بعد أن قلبها على راحته ووزنها وأظهر إعجابه بحركة من رأسه، ثم امتص نفساُ عميقاً ونفث الدخان بإلتذاذ، ولاحظ أحد عمال المقهى الذي ينظر شزراً، من تحت جفنيه، إلى القادم المريب الذي عطّل أحلامه الهائجة للذهاب بها إلى غرفة المخزن، إلى الخلف أو في الطابق الأعلى، وإفراغ صديده الناري في بئر أنوثتها الصارخة.

لم يعد بيده من طريقة يلجأ إليها ليفرد تعبير سحنتها المتشنّجة غير حيلته القديمة، حيلة الطفولة التي يسلب بها جزءاً مما تخفيه داخل يدها، أو خلف ظهرها، من الملبّس الشهي، ومن نقود، ونفائس صغيرة، يطمع فيها وتتعصّب للاحتفاظ بها، متحفّزة للبكاء، سلاحها النافذ، أو الصراخ، تجذب بهما الانتباه. لكنه ينتزع من الضعف أسلحته الخبيثة، بأن يَحوِل عينيه، يقلبهما باتجاه أنفه، فتغرق في الضحك، وتكشف له ما تخفي، متّسخاً بعرق يدها.

دفاعات الغريزة الساذجة، واحدة لدى الإنسان والقطط، نافذة أحياناً، ومَجلَبة للمحن في أوقات أخرى، لكن الشدائد الناتجة عن الرغبات عابرة في كل الأحيان. مثلما تخلّي الرغبة مكانها لرغبة وافدة، يفسح الحزن مكانه في القلب لحزن جديد.

هكذا نرعى، أيتها الشقيقة المُثقلة بلمعان الذهب ورنينه، في المساحة المقدَّرة بين العالم الأرضي وجنّة السماء، من نفس العشب الدنيوي للأحاسيس، إلى أن ينتهي الزمن الذي بدأه جدّنا آدم، يوم القيامة، فلا تنفشي بوجهي وبَرَك المسنّن!

وعندما تهبّ الخواطر القديمة، تابع أفكاره، مكلّلة بالحزن، عن موت الوالد، الموت الشنيع، حين تدهور على السلّم وهو في طريقه لإغاثة صراخكِ الساذج، يأتي الخاطر الجديد مكتسحاً صورة الموت، ليمتطي صهوة أفكارنا الحاضرة.

بلا جدوى، حاولت أن تخفي عن عينيه ابتسامتها المنّتَزَعة، ثم انفجرت بالضحك، تشيح قليلاً عن نظرته المحاصِرة، وتطبق أصابعها الضائعة بين الخواتم على فمها الذي ردّدت المقهى هديره.

"ماذا تريد؟" قالت، بعد أن هدأت وسيطرت تماماً على نَفسِها. وبتملّملها، خشخش الذهب وفاح عطر قوي من ثيابها وشعرها.

حين هدأ الصراخ عند الفجر، سحبتها القابلة من رأسها، كتلةً صغيرة زرقاء، لم يفهم إن جاءت مجرّحَة، أم مغطاة بدمّ أمّه، التي إندلق نصف أحشائها على الشراشف البيضاء، فأسدل طرف الغطاء على رأسه لحماية أنفه من الرائحة الزنخة التي فاحت مع البخار الذي صاحب خروجها. في الظلام، أراد التفكير فيما رأى وشمّ، بَيدَ أن تهليل القابلة والنعاس دفعاه آنذاك إلى قيعان النوم، وسؤالها الجاف، مصحوباً بالعطر الشعبي، يرفعانه، الآن، إلى لحظة الحقيقة.

"أن تجدي لي وظيفة في العاصمة!" قال.

"في العاصمة؟!" تساءلت بلهجة ساخرة، وهي تعرف أنه لا يقوى على العيش خارج مدينتهم العمارة ([5]) فإذا انخسفتْ المدينة في الأرض يوماً، سوف يظل يدور في الشمال والجنوب ثم يعود إلى حفرتها.

"وكيف أجد لكَ عملاً؟" عادت تسأل بلا اهتمام كبير.

"كل المديرين هنا يلبّون طلبات العسكريين!" أراد، دون أن يذكر، عشيقها الضابط.

ابتسمتْ، تمهد لردّها المخيّب، ثم قالت إنها لم تعد تعيش معه.

فكّرت بسعيه الخائب، لكنها أشفقت حين أطرق، وتأملت جحوظ عينيه، جميل، لأنه خفيف، يكشف جوعهما الدائم للحصول على ما يقعان عليه. مثل جحوظ والده، لكن بدون عصبيته وسرعة هياجه، وأخيراً عنقه الملوي على السلّم. تركوها وحيدة لينشغلوا بالصراخ، إلى أن امتلأت بمشهد الموت، والزَبد الأصفر الذي فاض من بين أسنان أبيها، يفيض من الذاكرة، كلما جلستْ وحيدة. فماذا يعني قَطع الذريّة؟ وهل يحمل سعدون عارها، أو يتخلّى عن التفكير بطلب جديد، إذا أخبرته أنها تعيش الآن مع تاجر حبوب بعد أن هربت من الضابط، لأنه يمعط سروالها بقبضة شيطان هائج، ويفحص فرجها بإصبعه، كلما تأخرت في العودة!

"تجّار الحبوب أيضاً متنفذون، وقد يعرف، هو أو أحد أصدقائه، مديراً كبيراً يجد لي وظيفة!"

"آه!..." صاحت، لتنفث شرر ضيقها، ثم فتحت إبزيم حقيبة اليد، مطلية بماء الذهب الزائف.

ليس لها حظّ فيه، أمّها المسكينة، ولن تعرف الراحة، في قبرها كما في حياتها، بسبب تصرفاته! طائش، مهما ردّت عليه الحياة بالمصائب. أناني لا يفكّر إلاّ برغباته، ولا يسمع غير نصيحة نفسه، وهي، لم تُسعد الوالدة ببيت وأحفاد، ولم تُدخل الاطمئنان إلى قلبها "سوف تقطعون ذريّتنا!" لكنها تعرف كيف تدبّر أمورها، الآن وفي الأيام القادمة، الأيام التي يحني فيها العمر ظهره، ويتحطم كل شيء باستثناء عاداته، فيأتي، كلما ضاقت به الدنيا، يطلب مساعدتها، وتأتي، مهما أقسمت على الهرب، بحزمة نقود تضعها في يده، لأنها تعرف، وتضحك من نفسها كلما تعدّ بمجافاته، أن الدمّ يحنّ إلى الدمّ عندما تشّتد الغربة على الأحاسيس، كما تعرف، ويحزن قلبها كلما أخذها التفكير إلى الماضي، أنه لا يقبل اللوم طويلاً إذا سبّب العذاب لأحد، وعندما شدّته أمّه من شعره لأنه تنصّر، ثم لطمتْ خدها وناحت اسبوعاً، عاد في اليوم التالي أيضاً وجيبه مملوء بالجكليت. لذيذ، يقدمه له الطيارون الإنكليز في القاعدة الجوية شمال المدينة لأنه يجمع لهم الكُرات، ويعطيها منه الكثير.

"دَبّرْ نفسك بهذه النقود، وسأكتب لك عندما أجد من يساعدك في الحصول على وظيفة"

لم يتعجّل في تحريك يده، لأن الحزمة غدت من نصيبه.

خلال ذلك يمكنه التلوّي والتمنّع للتفكير، ومن فوق كتفه المطلّ على الزقاق المجاور وقع بصره على الكلب ذاته، وقد زادت جروحه وثخن القديم منها، ينظر برأس مرتعش وعينين غائمتين إلى الطرف الآخر من الميدان، تثنيه، كلما همّ بالعبور، ضجة الأقدام، وتضاعف زوابع الغبار الغشاوة على نظرته اليائسة.

"خُذْ...!" قالت بحزم.

دسّ النقود في جيبه ليرضيها، تمهيداً لحديث آخر، وعندما إلتفت جانباً ليراجع فكرته، اختفى الكلب.

هل نفذَ، أم عاد على أعقابه؟ يريد الهرب بعيداً، إلى الضواحي الأقلّ زحاماً، الأكثر أماناً، أو هكذا تخبره غريزته. دفاعات ساذجة، كل الأنفس الحيّة تلجأ إليها، وهي لدى الحيوان أكثر صواباً، لأنها محدودة، لكن البشر يخترعون الكثير منها، يقعون وينهضون، ثم ينسون! والحجر بلا غريزة، مهما ضربته وثلمته لن يخفي رأسه من الضربة الجديدة. قد يتعلّق الأمر بالبصر! العميان أيضاً، رغم ما يقال من إنهم يرون الأشياء بقلوبهم، وإن الله يأخذ بيدهم، هم في الواقع يستدّلون على الحُفر بالعصا، لكنه يعيد إليهم البصر في الجنّة، مع ذلك يتحسّرون على ما فاتهم رؤيته في الحياة.

لم يَعدّ أحد منها ليحكي لنا! قال المعلم المتقاعد. حسم أمره واختار الدنيا، بلا همّ ولا وجع رأس.

على الجهة الثانية من الزقاق ظهر الصبيان الثلاثة من جديد، ينهشون قضمات كبيرة من لفات البيض المشبّعة بالبُكل الهندي الأصفر، تسيل خلطته الصمغيّة على شفاههم وأصابعهم وثيابهم، يتباعدون ثم يتجمّعون في وقفتهم غير مبالين بحركة المشاة، يترصدون الطرق ليظفروا بغزال خارج قطيعه، يعرفون كيف يدبرون أمورهم في الشوارع، وحين يعودون ليلاً إلى البيت يجدون صحن رز تتجمد فوقه يخنّة دسمة، تصدّ أنفسهم عنها لكثرة ما نهشوا طوال النهار.

عندما نكبر نفتقدُ أيام الطفولة، كنا نعود إلى البيت فنجد ما نأكله. كلهم رحلوا الآن!

عندما أدار نظره إلى الداخل، وجدها تعيد إغلاق الحقيبة إستعداداً للذهاب، قال: "فكّرتُ بتأجيل السفر إلى الغد، هل يمكنني المبيت معكِ ليلة واحدة؟"

"خائب، وستظل خائباً!"

"لماذا؟" سأل الخائب، على وجهه أشرقت إبتسامة رضا أنها تذكّرتْ الأسم الذي غالباً ما نعتته به في الماضي، أيام اللعب والعراك، والخلافات الصبيانية.

"لأنك ستضيّع النقود في السُكر والسهر، وفي اليوم التالي تطلب اجرة السفر!"

إذا أقسَمَ لن تصدّق، تنهض إذا ألحّ، وتنكر، إذا أظهر حنينه إلى ساعات أخرى يقضيها بقربها، بينما الغبار، الغبار والحرّ وأنين المروحة السقفية، ونظرات العامل الذي يدور بين الكراسي والطاولات الشاغرة، تصدح في جوقة واحدة كئيبة داخل رأسه، تكبح الرغبة الشاردة في البقاء إلى جانبها، ثم تطلقها من جديد.

لم تعد أكثر حبّاً لقربه، أو تشتاق إليه إذا غاب فترة طويلة. أصبحت تشبع بسرعة من وجوده ، لا تهتم بسرد أطراف من حياتها، ولا تتلّهف إلى مزاحه وتعليقاته "كلما أتذكّر حركاتك وأنتَ تقلّد القرد الذي يقلّد مشية الرجل العجوز ينشقّ بطني من الضحك.." كتبتْ في إحدى رسائلها. الآن تكاد تساويه في العمر، ظهرها منحنٍ قليلاً، وقسم من جذور شعرها لم يتشبّع بالصبغة السوداء فبرز بياضه على المفرق.

عادت صورة الفتى، زنده الأنثوي عبر القميص الشفاف، إلى المقام الأول في حساباته. لقد أمضى آدم حياته بلا أب ولا أمّ، ولا شقيقة يقضي الليل في بيتها، والجميع يدّعون الانتماء إليه، العرب والعجم والإنكليز! هو الوحيد الذي لم يعرف الحنين إلى غائب، لم يتلطَ على بيوت الأقارب. الليفتنانت يونغ، المنمّش، يقول إنه قرد، بأكتاف عريضة، الجميع يعرفون هذا الآن لكنهم يتجاهلونه "إذا سمع الوالد، يشنقكِ على عمود وسط الدار" قالت الوالدة، لأن آدم نبيّ، مثل بقية الأنبيّاء، والرغبة التي جالت وتسكّعت في دمائه بعد نـزوله من الباص، يُشبعها في أحد بيوت الدعارة، ثم يرافق الفتى إلى السينما، فيلتَذّ مرتين، بمضاجعة امرأة من العاصمة موفورة الأثداء، وبوجود ذكر رُمّاني الخدود يتلامس، متصنّعاً السهو ومعتذراً بالظلام، مع أجزاء من بدنه الممتلئ باعتدال جميل.

"يجب أن أمرّ على السوق قبل العودة للبيت" قالت وهي تنهض، فشرب الخائب، وهو ينهض من جنّة أفكاره، حثالة الشاي من الكوب، ثم وقف، وشيّعهما عامل المقهى بنظرة حاقدة، تابع خروجهما بقلب حانق، ومن إرتجاج الردفين تزود بلحظة متيّمَة إخترقت نسيج البنطلون وما يليه وإرتشفت بحسرة من هضاب اللحم الأنثوي وواديه العميق، المظلم، تشرق في الخيال الممرور آبارُه النديّة.

آخر مرّة جاءت في تاكسي، قبل عام، أكثر من عام، حسِبَ الخيبان فترة الفراق عشوائياً بينما نجيبة تبتعد، يختفي ظهرها السافر بين الحشد، وستأخذ تاكسي لتتجنّب معاكسات الرجال وشتائم النساء، يعود بها إلى البيت، أو يأخذها إلى مكان جديد. متعجّلة في تنقلاتها، وسيمرّ عامٌ آخر، ربما أكثر، قبل أن يراها. الوقت، دائماً قصير بالنسبة لها، أو هكذا تتصرّف أمامه، ووقته طويـ يـ يـ يـل، لا ينتهي، فضفاض لا تملأه أحداث، ولا أفعال، ولا رغبات يشبع منها أو يتحسّر عليها، بالون هائل ما زال فارغاً، وعمره، سيكون بعمر النبي نوح، بدايته ضائعة، ونهايته بعيدة. لكن الوالدة "عندما تذهب إلى الجنّة تطلبنا معها، أنا أولاً، ثم نجيبة" هناك تعمل النفس ما تشتهي، كل ما تشتهي، فتيانٌ وحور عين، ويبدأ العمر بلا حساب، فهل يعلن هذا الغبار الذي لم يقع عليه نظر من قبل، هذه السماء، وقد تحوّلت إلى قطعة مدلهمّة من نار، والطيور، الفارّة إلى الكهوف أو إلى بلدان بعيدة، والنخيل، تنحني جذوعه العملاقة، تصارع الريح برؤوس شعث، هل تعلن نهاية العالم وقيام الدينونة؟

قلبُه يشعر أن لا دينونة في ذهن الله.

"قلبي يقول إنه نفض يديه من هذا العالم، سأم من شقاقات الأنبياء والأديان حول من يحرس أبواب الجنّة، لينشغل في أمور أهمّ"

في الثالثة، يعود الفتى إلى باب السينما، نقعد ساعتين في الظلام الجميل، ثم أقوده إلى أحد بيوت الدعارة، هناك أعلّمه دروب اللذّة، وبعدما تتفتح البراعم الطاهرة لشهواته، أكون أول من يمتصّ رحيقها"

لن يترك الميدان إلى أن تحين الساعة، ساعة الظلام اللذيذ، لأنه إذا ابتعدَ قد يضيع. الحياة تعطي القليل وتأخذ الكثير، وهذه الشوارع المحاطة بالأزقة، ضيّقة، وبعضها أضيق، كلها شمطاء، تتلوّى وتلتهم عدداً كبيراً من المسرنمين في مشيتهم، لا يعرف أين تأخذهم. إذا إبتلعت خطواته في غفلة منه، ضاعت المتع التي خطط لها قلبه.

في الجانب الآخر من الميدان، لامست أنفه هبّةٌ رقيقة من رائحة شواء، أغرت روحه على المغامرة والإكتشاف. ها هو الغيب يرمي تحت تصرّفه ساعة ينشغل فيها إلى أن تحين الثالثة، لأن أقداح الشاي التي احتساها، بانتظار نجيبة أو معها، ذوّب البيض والكباب، وهيأ فراغاً مناسباً لوجبة مشهيّة، وإذا صحّ ما ذُكر وقيل واشيع أن الوقت عدو الإنسان، فإن مركبة آينشتين، الذي اُعتبر في عداد الموتى منذ عشرين سنة، تستطيع خفض الوقت إلى درجة الصفر "ليمتدّ عمري مليوناً من السنين، ربما أكثر، إلى أن اشبع وأطلب الراحة بنفسي. لكن، ماذا يفعل الإنسان مليون سنة داخل مركبة تمشي بسرعة الضوء؟"

في ركن مهمل من الساحة التي تتوسط ميدان النافورات السبع، عند نقطة معيّنة من مسار الرائحة بين أبو الخَيبات* وموقع النار، شاهد الصبيان الثلاثة يتمازحون ويتعاركون على حنفية يصدر عنها سيل ضعيف من الماء، يريد كل منهم إطباق شفتيه على الخرير، ويمنعه الباقون من الوصول. بعد خطوات من النـزاع الأخوي على النافورة العوراء، صرخ المؤذن، معلناً صلاة الظهر من أربع مكبرات للصوت تشقّ الآذان، فانتبه إلى باب واسع على يمينه، تؤطّره واجهة مزيّنة بنقوش مذهّبة، وقطعٌ من الخزف الأزرق، يعبر عتبته الرخامية عدد قليل من الذكور، داخلين أو خارجين. بسرعة إنحرفت أفكاره عن مجراها ودخل متصنّعاً الإيمان.

قَطعَ الباحة الكبيرة نحو هدفه، مخلّفاً على جانبيه إيوانات تتدلّى من سقوفها العالية مراوح وثريات كثيرة، يركع وينهض داخلها المصلّون في جماعات صغيرة متفرّقة.

في العمق، دخل الباب الذي جاء يقصده دون غيره، إذ لمعت في رأسه فكرة إزالة الغبار عن وجهه وذراعية وإفراغ جزء من أمعائه، كي لا تقطعه هذه الأمور، فيما بعد، عن مناوشاته مع الفتى، أو المسارعة إلى تنفيذ طلباته لإرخاء مقاومته، فيغدو من نصيبة في الأيام القادمة، إلى أن تنفد النقود.

بعد أن انتهى، شعر بالإرتياح، بالخفّة، بالنظافة، بفائدة هذه الأماكن للغرباء والمقطوعين. فكّر بهؤلاء الناس، واطمئنانهم إلى وعد غامض، يحملهم على حرمان أنفسهم من لذّات الدنيا، مقابل نعيم ونساء وخمر في حياة ثانية. قارن ذلك بالمتع التي تنتظره هذا المساء، فوجد أن الإنسان يخلق الأوهام المريحة للنفس ثم يتعصّب لها، يمنعه الكسل من التفكير بغيرها، أمّا هو، فيكفيه عصفور واحد في اليد، بدل عشرة على الشجرة "خاصة عندما لا يدلّكَ أحد على مكان هذه الشجرة!"

أثناء عبوره الباحة الكبيرة غمره شعور بالسعادة أنه حرّ، لا يربطه بهذه الأمور شاغل، وقبل ذراعين من الباب العريض، المرصّع بالخزف، لمعَ رخامُ العتبة الصقيل للحظة ثم خَفتَ، فلطمت الأصابع النحيلة الخدّ الحزين إذ تذكّر أنه دخل بيت العبادة ولم يتخلّص من نجاسته بعد، فأسرع خارجاً.

"أجدادنا خاضوا في المياه مع الإوز، لهذا نتعثر حين نسير فوق اليابسة!"

بعد خطوتين التقط أنفه مسار الرائحة، فنشطت الحواس الخمس، يقودها الخيال، في تتبع سحابة الشواء القادمة من إحدى عربات الكباب، حيث النار المتوهجة تقطّر الشحم الذائب وتحمّر قطع اللحم المرصوصة على السيخ لتكون جاهزة للالتهام.

"خمسة أسياخ ([6]) لحم، وثلاثة من الكبده"

دون أن تتوقف يمناه عن تهوية النار بمروحة الخُوص، نكشتْ يسراه الجمر بقضيب من حديد ومدّته إلى نهاية المنْقَل، فتأجج الفحم وتطاير الشرر على الرصيف ووجوه وثياب الواقفين، ثم هدأ، حين فرش البائع أسياخ اللحم والكبدة على النار، من غير أن تتوقف عيناه عن تفحّص المشتري الجديد.

"ثم لففتُ ذراعي حول رقبته ونـزلتُ به إلى الأرض وهو يرفس مثل العصفور!" تابع أحدهم ما انقطع من كلام، يطبق بزنده ويشدّ على رأس غير موجود ليصوّر المشهد، ويبرز عضلات ساعده المتين.

"والله شعرتُ فقرات رقبته تطقّطق في ذراعي"

أقسم العُتُلّ بإيمان عميق، منتشياً بالإعجاب الذي إنتقل من البائع إلى الواقفين أمام عربة الكباب.

"ولم ينقذه مني إلاّ جلالة الملك!" أكد، وبعد أن تأكد من تشبّع الملامح بالدهشة والسؤال، قال:

"نعم! لقد مرّ جلالة الملك بسيارته المكشوفة في تلك اللحظة بالذات. وحَقُّ الخالق، شعرتُ نظرته، وهو يهدئ السيارة، تأمرني أن أرحم الرجل من الموت، فتركتُه لسبيله"

أعطاه البائع حزمة من السفافيد متلّتلة باللحم.

"لكنني قلتُ له!" أضاف المتكلّم، وهو ينتزع بأسنانه قطعة لحم مشتّعلة من السيخ: "اسمع أيّها الخروف! إذا رجعتَ مرّة أخرى إلى حيّنا لتعاكس النساء أو الفتيان، لن أبقي على حياتك. يمكنك أن تتعفّرتَ على بنات وأولاد حيّك، لكن هنا، لن أسمح بذلك!"

من عمق أحد الأزقة، تناهت أصوات وزعيق عدد كبير من الأولاد، ناعمة، حادّة، متموجة.

انتابت أبو السَعد الخيبة والقلق والتوجس من الطريقة التي يسرد فيها الرجل العَضِل مناقبه، وأدرك أن التراجع ليس حكيماً، بعد أن وُضِعَ طلبه على النار وبدأ الشحم يطقطق وينشّنش، فتعكّرت شهيته التي قادته إلى عربة الشواء.

ذكّره التهريج بموعده أمام باب السينما، وبعُتُلّ آخر يلوي رقبته وينتزع منه الفتى الجميل، فانسدت معدته قبل أن ينضج اللحم على النار.

هجمت أصوات الأولاد على أفكاره، بعد أن علا ضجيجها وهي تقترب من الميدان، ولاحظ تحوّل أنظار المارّة إلى مدخل الزقاق المجاور حيث إندفع كلب يكزل على ثلاثة قوائم، الكلب ذاته! يسعى بذهن مبلبل وجهود متخبّطة إلى إختراق الصفوف التي تراجعت بإرتباك، وظهرت في اثره مجموعة كبيرة من الأولاد يلوّحون بالعصي والقضبان والأحجار، يرمونها على الطريدة ثم يلتقطونها أثناء ركضهم، دخلوا الميدان في زفّة هيّجها الفرح والزعيق، فتعطّلت حركة السير وتعالى التزمير مشفوعاً بالسباب والتحريض.

ترك الصبيان الثلاثة لعبتهم مع الماء وركضوا يستبقون الكلب ليسدوا عليه الطريق.

رفع العُتُلّ حجراً من الأرض وقذفه بإتجاه الكلب في تصويب غير دقيق.

تناول بائع الكباب قضيب النَكش وركض وسط الميدان مستسلماً للرغبة في المشاركة.

صرخ شخص يطلّ بكامل جذعه من نافذة الباص: إرموا عليه عباءة فيُصاد بكل سهولة!

بحث أحد الواقفين قرب عربة الكباب عن شيء يرميه من دون أن يتوقف فكاه عن المضغ.

ركض شاب من بين المارّة يلوّح بحبل طويل، يسعى بنظرات مجنونة إلى وصول الجهة الثانية من الميدان قبل أن يبلغها الكلب.

اجتاز الكلب وسط الميدان وهو يتعثر كلما تلقى حجراً أو عصا مقذوفة، وعبَر الشارع من بين دواليب السيارات وعربات الخيل مصوباً أنظاره الغائمة إلى الرصيف.

خرج طالب دين يرتدي الجبّة والعمامة من الجامع وحين وقعت عيناه على الكلب المطارَد فرشخ ساقيه ليحمي المدخل وصاح: امنعوا هذا الحيوان النَجس عن الاقتراب!

وقفت امرأة تضحك من الفوضى التي سبّبها الكلب وقالت على حياء: "سوف يدوخ المسكين فيقع بأيّدَيهم!"

في حذر، تسلّل أبو السَعد، أبو سَعدة، أبو سعدات، ابو سعود، ابو سعدي، ابو مساعد، ابو مسعود، ابو سعسع، ابو سِمال، ابو السهر، ابو سنّ حلّوة، ابو الهمم، ابو الليل، ابو الافراح، ابو الخيبات، ابن المصائب، ابن العثرات، ابن القحبة، بن حامد، بن شعشع، بن جربان، بن قحطان بن كَعيان، إلى آخر أسمائه وألقابه التي تزيد على التسعين، مستغلاً الهياج الذي عمّ الأرصفة والميدان، ليبحث عن الطريق الذي يعود به إلى الضواحي، فمحطة القطار.

* * *

طعام الكواكب من النجوم الصغيرة* تحمله مراكب الغرور، وتدفعه الأوهام، والإيحاءات السفيهة إلى الشواطئ الصخرية العالية، التي يتأرجح بين شعابها حطام كل التمنيّات. وانجذابكِ الخادع، أيتها النفس الذليلة، تتجه إلى الأمجاد الدنيوية!

أنا الذي اوجدني الخالق وعشتُ جزءاً منه تسعين عاماً، أنتظر، تغمرني السعادة، موتي، ليتحقق انطفائي الأخير بعد الانفصال عن شهوات النفس العمياء.

فإذا خفتت كل نأمة فيّ، قرّبوا مشعل التطهير من كومة الحطب، زادي الدنيوي الأخير، لتنفِّذ النار المقدّسة مهمتها الأخيرة.

فجأة صرخت الحناجر: النار!

النار، أين؟ لا، هذه ليست بشيء.

النار، أنظر!

اعولت النساء: النار! وأبرق الخوف في عيون الرجال، وهم يشاهدون ألسن النيران، تمتدّ من كومة الحطب الصغيرة وتلحس بقية الغابة.

لم أرَ لهباً بهذا الارتفاع والضخامة! أيتها الآلهة! رحمة بنا.

خطفت السيقان والأقدام، وركضتْ، بعد أن تخلّصت من الهلع الذي سمّرها، باتجاه البيوت: قصور وبنايات ودور وبيوت طين وأكواخ صفيح وأكواخ خوص وأعشاش بين الأغصان وحفرٌ آهلة، طارت العقول، قبل السيقان، لبلوغ ما فيها قبل أن تصله أذرع النيران، إلى أن خلتْ الفسحة تماما بين يدي المنشد الكهل، الإله إيشار ناما، الذي تابع صلاته بعينين مسبلتين ورنين منهَك، وهو يتلقى اللفح الساخن بفرائص هادئة، وصدرٍ عار، مزيّن بالصَدف وعظام الطير والأحجار المثقوبة، وإلى جانبه عصاه، وكلب صغير (آرما) مربوط إليها بحبل مهترئ.

لم تشهد الأرضُ حريقاً أكولاً مثل هذا، ولا حظيتْ الذاكرة، ولا ألواح التاريخ، بزحف ناري مماثل. وبحساب الألم الذي يكوي جبينه المغضّن، ابتسم الإله إيشار للنعمة المباركة التي خصّته، بدلاً من حزمة الحطب التي تركها الفارّون وراءهم، بنار عظيمة تطهّر روحه من وعائها الدنيوي الهشّ، والانطلاق في الرحاب الشاسعة للأبدية، وستحظى الهند، التي يتولى مصيرها عشرة آلاف إله من قرود ونسانيس وجعران وبقر وآدميين وثعالب وأفاعٍ وحيّاة وأشجار وخفافيش وجُرذان، بالمشعل المقدّس لنهاية العالم الحالي، وانبعاث عالم جديد يسوده النقاء والنفوس الكريمة.

انصاعت الأشجار الهائلة، كما العشب الضئيل، لألسن اللهب الضارية، تهسّهس وتتقصّف ثم تنهار أعمدةً خاوية من الرماد، في إلتحامٍ سريع يربط ولادةً الأشياء بنهايتها، ينذر، مؤجلاً إلى حين، ألسنِ البشر الزاعقة بمصير مشابه، ليبرم، في انتقالِه عبر الأمواج المشّتعلة إلى سكان الجزر الصغيرة في الشرق، وجزر التجّار العرب الرملية في الغرب، الخاتمة المقدّرة للعالم، متمثّلاً بالهند، وبالمياه اللانهائية المحيطة بسواحلها، وجبال الشمال الثلجية العملاقة التي نـزل منها العظيم بوذا، فتذوب الأرواح في مدارات الفراغ الكليّ، ثم تتمخّض البذور الأثيرية للانطفاء عن عالم جديد عِبرَ دورة الفناء والبعث الخالدة.

كلما وسعت النار خطواتها، انـزعجت ذات الإله إيشار ناما من تأخُر الموتُ في مجيئه، وضاقت، أكثر من هذا، بتوجّع وتذمّر الكلب الصغير، ونباحه الشرس.

حين وجد أن التفكير بأسباب الموت ألهاه عن تلاوة أناشيد الآرانياك المقدّسة، لعن الجسد، عدو الروح، ورمز الحواس الدنيوية، الذي تمرّن خمسين عاماً على إخماد أحاسيسه، ويتمرّد عليه الآن بأن يتذمّر من حرارة اللهب الكاوي.

"ماذا تفعلون أيّها البلهاء؟" قال بصوت واهن، عندما أحسّ الفارين يتركون آلهتهم ويسجدون للحريق ذاته.

"إنها ألاعيب شهر جيست (أوغست) حين ينوّع مفاجآته الماكرة، فهو مرّةً يقدح الشرر في الأوراق، ومرّةً يغمر الأرض بالمياه"

لكن أحداً لم يسمع كلامه، الذي تحوّل إلى تمتمات تخاطِر النفس.

"عندما تفزع المشاعر، ينسَ العقل ما تعلّمه عن طريق الكلام. بالصبر والتفكير الطويل علٍمَ المنوّر بوذا أن القوى الكونية تعمل، الواحدة بعد الأخرى، على تدمير جميع الصور التي تتبدى بها حقيقة الكون، من خلايا وكائنات وأشجار ومياه وحجر وكواكب، لإزالة ضروب النواقص والعيوب التي تلحق بالأمّ المقدّسة الطبيعة"

من الذي يتذمّر قبل الآخر من النار، جسده أم جسد الكلب آرما؟

معطّر، وكامل البهجة، تحرّرُ روحك من وجودها الهشّ عبر النار المطهِّرة.

كثيرةٌ، المرّات التي ردّد فيها صلوات القربان أمام هياكل الحطب. ومبهجٌ، الشميم الذي كان يتصاعد من المبخرة وهي تتأرجح في يده، بينما حامل المشعل ينتظر منه الإشارة، لإضرام نار الإله جيني في الأغصان والجذوع التي تسجى على قمتها أجساد الموتى المتخشّبة، قبل أن ينصرف إيشار ناما، كليّاً، للعزلة والتأمل، بحثاً عن حقيقة الذات التي بداخله، وصولاً إلى الحكمة الخالدة التي سَمَتْ به في النهاية إلى مصاف الآلهة.

لم يحن الوقت بعدُ للزهد وطلب الحكمة، قالت الأمّ المباغَتة بقراره، تبسط أمامه حفنة كبيرة من الجواهر، ثروة أبيه، ليرتقي بها إلى مصاف السادة، ليغدو أميراً تتسكع على أبوابه حشودٌ، تفوق تلك المقرّفصة على التراب أما الآلهة والمتكلمين بالحكمة.

لم تشبع من الحياة ما يكفي، لتُنذرْ نفسك الشابة إلى الإله الأوحد. تنغمر في تأمل صمته الذي يخترق كل الأزمان، ويشع على كل قول جميل، لأن الكلام السليم منبعه الخبرة الطويلة، وتجربة الأهواء الصعبة، كما فعل المنوّر بوذا، فهل تسعى، حاشاكَ أن تفكّر بهذا يا ولدي، إلى السمو على المتألق في سموه؟

جاكاتار يا ولدي! إنسَ عثراتك الأولى، واجعل من نكبتك الأخيرة، على قسوتها، بذرة النضج التي تهديك، بأنوارها، إلى سبل النجاح والترقيّ، فلم تأتِ إلى الدنيا، وقد صقلتُك في أحشائي من الألم والخوف، وراقبت تمتماتك الأولى بصبر طويل، لتعبر، هكذا، في خطوات قليلة، وبلا أثر مجيد، من لعب الصبيان إلى طريق الكبار!

لقد عبرتُ في خطوات قليلة، لكنها واسعة في حساب العقل الراجح، ولم أعد صبيّاً إلاّ في عيون قلبك، أيتها الأمّ، وسأبقى كذلك إلى أن يحملني زمن الدنيا الغادر، وهو لا يتسع، إذا قارناه بالزمن الكوني، لرمشة عين، أو نصف رمشة، إلى وهن الشيخوخة وعجزها، قبل أن أضع يدي الآثمة على حقيقة ذاتي، فأجد السلام الذي يبحث عنه كل متبصّر.

إن تعلّقات النفس، وأطماعها، تفسد العقل، تنحرف به إلى الزائل والملوّث، المساوي، في بهجته للتراب، وقد اخترتُ، أنا الذي خَبر المتع والشهوات والنكبات وقضبان السجون الصمّاء، التوجه، مباشرةً، وبلا عناء زائد، إلى التراب أكسو به بدني وذاتي، يعزّيني الأمل الأثمن مما عداه، على ترويضهما، إلى أن يخمد الألم والموت في أحاسيسي، فأتلقى، جديراً بتعاليم الإله، طُرّة الصندل الأبيض المقدّس على جبيني.

في طغيانٍ شَرِه على صراخ رعايا الحياة، من غابات وهضاب وجبال وحيوان وبشر، اندفعتْ ألسن اللهب الجبارة، تزعق بلحن هادر في جذوع الأشجار وسقوف البيوت، يبدأ بقرقعة الأوار ويخلص إلى هسهسة الرماد.

صعوداً وجُلجلة، هبوطاً وأنفاساً أخيرة، في زحف ممّعن، بطئ لكنه مخيف، تهاوت له الأشياء والأحياء على الأرض.

بحثت أصابع إيشار ناما المعروقة عن عصاه المطروحة إلى جانبه.

بحثت أصابع جاكاتار الغضّة عن المناطق القابلة للتأجّج في جسد بينامي، الغافية في تصنّع ودلال على الوسائد الناعمة والسجاد الوثير. ولمّا شعرت الخطر الناعم يرتقى مرتع اللذّة الحصين، إنتفضت جالسة، تذود، بابتسامة مغوية، عن مفاتنها الثمينة، فتراجعت اليد الجسور عن توغلها، تشحذ براعاتها لمناوشة أدهى.

كان الليل ينظّم قصيدته الأولى، وعطور الفراش لم تجفّ بعد، بينما الرغبة، هذه الأفعى التي ترقص بعشرة رؤوس داخل عظامي، لا تخشى الوقت، لأنها تجدّد ذاتها، كلما قطع دلالكِ الباهض، عنقاً منها! استطرد إيشار ناما في خياله المدوغ بأطراف اللهب.

إذا لم تُرضِ شهوات المرأة، لن تخلُصَ لرغباتك. هذا ما تعلّمه جاكاتار الشاب من أقرانه.

بذهن تزحمه الأطماع، إنشغل يُقلّب الصيد النَفور، المتمدّد على جلود النمور الرقطاء، عين تفكّر باللحم الشهي، والأخرى تثمّن الفراء.

الحكمة، دهاء العقل في ترتيب حسابات القلب، تراجع أسلحتها، فلن ترفسي طويلاً، مهما تنوّعتْ فنونكِ في اللعب. أضواء زائفة من الفحم الصقيل، ثم أغرز مناخسي المهتاجة في ثغورك الندية، لتعبر أهدافي إلى مراسيها الغنية.

بعد أن أترع قدحها الكريستال بشراب التوت المنقّى، أسقط فيه ماسة بحجم بيضة الهُدهُد، ثم اتكأ على زنده، يتأمل فنون الناسخ الأعظم، وهو ينقل الأرواح من بدن إلى آخر في دورة الموت والحياة المتكّررة، فيصبّ، بقدرات لامتناهية، روح الطير في جذع شجرة، أو روح يرقانة رخوة في جسد امرأة!

"ماذا تريد من الأمير جاشفانترا؟" تنهّدت أثداء بينامي حين سألتْ.

"دخول بيته ليوم واحد" قال جاكاتار، خوف قلبه يتابع السبابة الجميلة، تلاعب، وقد غاصت في الشراب الرقراق، الماسة الكبيرة، ترفعها إلى السطح ثم تتركها تنـزل إلى القعر، تختبر، بلحاظ ساذجة، صدق رنينها واصالة أضوائها.

"وهل يتمّ اختراق أبوابه العالية بمظهر زاه، دون مال يبرهن عليه؟" قالت بينامي، واعادت طرحة الساري الشفاف إلى كتفها اللحيم، الذي عرّاه جاكاتار لينهل، بلسانه وشفتيه، من مذاقه الشهي.

"اللعنة عليكِ!" رعدت روحه الساخطة في كهوفها الخفية.

"اللعنة على المال، إذا وقف في طريقي!" تمتمت شفاهه الجافة، وهو يراجع أسباب فشله.

"اللعنة على أصحاب الرهون، لأنهم لا يمحضون وعودي المزيد من الثقة!" صرخ لسانه بعد أن عَقده اليأس.

جاكاتار! أيّها الرأس الملوي الذي استنفد حصافته القديمة في اللعب! يا من يتهشّم ذكاؤه أمام غانية تتزين ببريق لا تعرف حقيقته! لم يعد أمامك سبيل آخر تلجأ إليه غير باب واحد يفتح ذراعيه لوصولك حالما تقترب منه! غير حنين يتجدّد مهما خدعته! غير أمّ ثانية، بعد الأمّ العظيمة نايسارجك (الطبيعة)، تصغي إلى هموم قلبك بعاطفة رحيمة!

"جاكاتار! أنت تبدّد المال الذي أعطيكَه بجوع لا يشبع من الإنفاق، وعطش لا يرتوي من اللهو!" قالت الأمّ.

"جاكا! ماذا تريد اليوم بهذا المال الكثير الذي تطلب؟"

بلسان يفيض في الشرح، تؤيده رقبة تهتزّ وتتلوى بلا توقف، قدّر الابن الثروة التي تنتظر، مكدّسة في سفن كبيرة تلعب بها أمواج الشاطئ، الإنتقال إليه، في صفقة يختبر بها حظوظه مع التجارة، بعد أن خذلته في مهن كثيرة.

بعيون لا يفارقها الحذر، سكبت الأمّ النقود في حضن ابنها، وطالبت الآلهة بتسديد مشاريعه وخطاه، ناذرةً الشموع لتماثيلهم، والفاكهة والرزّ للفقراء، وحين ودّعته، نشرت أنوار عينيها تضئ له الطريق، وبدموع الصلاة حرستْ الفراغ الذي تركه وراءه

بقلب جرحته المصيبة، وضع جاكاتار عيناً حمراء في عين السماء، وصاح بعد أن هزؤتْ به الغانية بينامي واختفتْ بثروته:

"إيه، يا دنيا! أكلّما اُحدُّ البصر في خططي، تسحب خيولُك المُرُطُ الغشاوات أمام بصري؟

"توقدَ الذهن، والمهارة في حَبك الفخاخ، التلاعب بالأحاسيس، حيث الأضواء الشديدة تخترق جدران النفوس، والعناد في ملاحقة الآمال، تهزأ بها، كلها، عاهر متوسطة الذكاء!"

"قريباً ترين، مهما كثُرتْ المعاكسات، فنوناً أرقى في التصويب، ومساعيَ أذكى للثراء، لأن العصيّ التي لوحت ظهري بالشقوق، وآلام الخزي من الوقيعة، زرعت وسط جبهتي عيناً ثالثة، ينفذ ضؤها إلى النوايا الخبيئة"

"قريباً تشهدين، أيتها الدنيا الغدّارة، تقلبات الحظّ، وخروج الأقدار عن الطاعة، مهما تنوّعت وصفاتُ سحرك لزرع طريقي بعاهرات ماكرات يخنَ عهودهنّ، ويهربنَ بالمال!

وبجفون قرَّحها الذلّ، ركع جاكاتار في حضن أمّه من جديد، يطلب الغفران، ولا شيء غيره، لأن الدنيا، عندما تختار غريماً من بني الإنسان، تكيد له لدى الصدر الذي أرضعه، ثم تسحقه، ولأن بقية من شطارة توصيه أن لا تعلن نفسه عن طلبين، الغفران والمال، في وقت واحد.

لقد نفد المال يا جاكا! قالت الأمّ. ولم يعد بحوزتي غير هذا الكيس، مشفوعاً بوصية أبيك، لن أفتحه إلاّ عندما ينتهي لهوك، وينضج تفكيرك، لتكمّل ما بدأه. ولأنك فضّلت التهافت، بدل تذوّق جمال الحياة بقدر معقول من التروّي، عليك تدبير الأمور بنفسك، إلى أن تَعرِك التجارب خواطرك الشابة، فتغدو كفوءاً للدور الذي وضعته العائلة على عاتقك.

لقد تضخّمت ديونك، يا سيد جاكاتار بالوَندي! قال القاضي. وحفل سجلك، المفتوح أمامي، بأعمال الغش، والاحتيال، والتزوير، وكثرت شكاوى الأعيان والأمراء من الإيقاع ببناتهم، وبما أنك مارست اللهو بأموال غيرك، وتبعت رغباتك دون الاهتمام بأحزان ضحاياك، خلّفتْ شهواتُ جسدك ثمارها من الأبناء للكدّ والآلام والتخبط والوجود العابر والمصير الغامض والبحث الشاق عن أمل.

وبناءاً على ما ذُكرَ، وبموجب الشرائع التي وضعها الإنسان ضد خداع الإنسان، قررتْ المحكمة تكبيلك بالأغلال خمسة عشر عاماً، ليس فقط لتسديد الجزاء على ما ارتكبتَ، بل وللتأكد، أيضاً، من شدّة العقاب إذا تجدّدت الأهواء الأنانية في نفسك

"هل رأيتم سليل لوَفاندَري، البذرة الأخيرة للعائلة التي ذاع غناها، وتجذّر صيتها عميقاً في الزمن؟ هل شاهد أحدكم، الرجل، أو الشاب، أو حتى الصبي جاكا المزنّر باللآلئ، الذي حمله أضخم الأفيال في نـزهاته؟

"من يدلني على مكانه، أو أخباره، أو أثر صغير تركته أقدامه، من يهدي نظري الخافت، أيّها الناس، إلى طريق يأخذني إليه، فرشت بالنقود كل خطوة يخطوها!"

"رأيناه كثيراً، أيتها المرأة المسنّة، يرافق النشّالين في غزواتهم الخاطفة على جيوب المارّة" قالت: "لا، ليس هذا إبني!" هذرمتْ الأمّ لوفاندري.

"عرفنا شخصاً بهذا الاسم، يُرقِّص كوبرا درداء بالمزمار، من أجل اُعطيات شحيحة"

"مؤكَداً لا تعنون جاكا الذي يخصّني!"

"سمعنا عن رجل يلتهم الزجاج وينفث النار، يدَّعي الخوارق في الشعوذة، وهو لا يقدم غير المعهود منها"

"ليس جاكا الذي أطلب، ولن يغدو كذلك!"

"ستجدين من تبحثين عنه، أيتها الأمّ التي أحنى ظهرها السؤال، بين الحمالين الذي يعملون في الأسواق، مقابل كسرات من الخبز"

"لا، ليس جاكا الذي تربى في بيتي!"

"إن جاكا الذي تطلبين، يقعد بين صفوف الشحاذين أمام المعابد، ينتظر الحسنات ليسدّ رمقه بعد أن صبغ عينيه بالفُوفل*، ويصحب كلباً صغير الحجم يتظاهر أنه يقوده في الطريق"

"ليس جاكا الذي ارضعتُه حَليبي!"

"إذا لم تذكري صفاته التي نهض بها اليوم، لا تلك التي نام عليها بالأمس، لن يعرف أحد ولدك، في نهار تموج فيه الهند ويفزع سكانها بإتجاه الشواطئ، لإقتناص نظرة من مسافات بعيدة، إلى مراكب خرجت من أعماق البحار بصوارٍ تبلغ السماء ، شراع واحد منها يحجب الشمس عن مدينة كاملة!"

"لا تُثرْ الخوف في قلب المرأة العجوز!" قال شخص قريب من الحديث.

"إنهم التجّار العرب، وسعوا أشرعة بوماتهم (مراكبهم) لتحمل المزيد من البضاعة" ردّ آخر مصححاً: "ليسوا التجّار العرب، إنها مخلوقات جديدة لها شعر بلون الذهب، ومن وجوهها تبصّبص عيون بزرقة البحر!"

"افسحوا لي الطريق يا أهل كُلكُتا الرعاع! هذه سفن البرتغاليين، تحمل النسيج المتين والسيوف الصقيلة والعجائب التي يصنعها البارود"

"جاكا!"

"ميتا!" ([7])

"أين تسرع في ثياب مهلهلة، ورأس أشعث، وقد بحثت عنك، مهضومة القلب، في المدن والأرياف، وانتظرتُ أخبارك على الضفاف! جاكا! أي هزال أصابك يا ولدي! ولماذا يصحبك هذا الكلب الذي قبَّحه الجَربُ؟"

"اغفري لي يا أمّي، لأنك تعذّبت في البحث عني

"منذ اليوم، لن أبقى مصدراً لشقائك، فأنا متّجه إلى الكانج، أقدس الأنهر في العالم، للتطهّر، بعد أن نذرت نفسي للعبادة بحثاً عن سلام الفكر.

"الحزن والألم، مثل السعادة والمتع والأمجاد، تذهب كلها في الهواء، وتنتهي بخواء الروح، لذلك سوف أجمع كتب الحكمة وأنتقل إلى الغابات للتنسّك والعبادة، هناك، حيث الجميع، البشر والأشجار والأحجار والحيوان والأنهر، يتشاركون في تنفس الحياة. هذا الكلب اسمه آرما، ساعدني في الحصول على لقمة العيش، ويقودني الآن في عماي، سيبقى إلى جانبي، أتحسّس بعينيه مواقع خطواتي

"يقول الناس إنني صنعت لهم المعجزات، بأن أشرتُ إلى كسيح في مدينة (كارالا) فنهض على قدميه، وبصلاة من ثلاث كلمات أزلت العمى من رجل في (ماهاراشترا) وبصقت على فم أخرس في (بوبال) فشكرني بلسانه على ما فعلت، وناديت على المطر فغمرت المياه سهول (اندرابراديشي) المتشقّقة

"يقولون الكثير، ويشيدون بمعجزاتي، لكنني لا أذكر شيئاً منها! ولا قصدتُ يوماً أماكن حدوثها! هذا يكسفني يا أمّي! لذلك أجد نفسي تحثني على التنسّك في المغاور البعيدة، والغابات المهجورة، علَّ المقدس الذي تشرق الشمس من قلبه وعينيه، يكمّل إلوهيتي!"

أمسكت يد إيشار ناما بالعصا المتعرّجة من مقبضها المجدوع، شعر أن خطوات اللهب في غمار الحاضر، أسرع من دبيب الذاكرة بين حُفر الماضي، وعليه أن يختار، لأن زمن الإنسان مشطور بين قاربي الدنيا والآخرة، وما الذكرى إلاّ سجْل بالأطمار التي نملأ بها القارب الأول، أما الحاضر، فهو المرْجل المشحون بالرؤى والأحلام التي نقذفها من اليابسة إلى القارب الثاني، قبل أن يظهر قيدومه من بين الضباب!

نباح الكلب آرما ورفاسه، وهو يحاول جرّ العصا من الطرف الثاني للهرب بها، ذكّر إيشار ناما بأن الألم يحطّ من جوهر البشر، وهو الذي أمضى جزءاً من حياته يتلو آيات الآرانيك المقدسة على أجساد الموتى قبل تطهيرها بالنار، يدرك في هذه اللحظة أن من يواجه الأوار حيّاً ليس كمن يتقبله ميّتاً، لأن ضعف الإنسان يكمن في أحاسيسه النابضة، الممتعة منها والمؤذية، وما هو إلاّ واحداً من نجوم صغيرة، تتراجع وتخفت ولا يبقى من بينها غير العظيم بوذا، لهذا لن يكون إلهاً كاملاً إلاّ بالموت!

اعتمد العصا، وقد خارت عزيمته، ونهض على ساقيه الواهنتين، ثم حثّ رفيقه الكلب على الإسراع.

ركض آرما، يتبعه صاحبه المتخبط في مشيّه ، باتجاه الدروب الضيّقة بين الأدغال والغابات، بحثاً عن منفذ يأخذهما إلى مكان لن تبلغه النار، بعد أن تلتهم بقية العالم.

* * *

 

الغَرق على اليابسة. في المياه المالحة التي تغطي خمسة رماح، المياه التي أخذ منها كوَليتكاي (العَظاءة) لون عينيه، تقفُ داخل الـ تسينآ (زورق) وقفة أيل على صخرة. في شهر بيني آنيت أَأَتس اوسَي (أوغست الأصفر) من كل موسم، يشقّ زورقك الأمواج، مثل سهم منطلق من ذراع شاب يعدّون له فتاة بالغة للزفاف..

أنتَ واقفٌ داخل الـ تسينآ وقفة أيل يفكّر على صخرة، لترمي إلى البوداب (الحوت) خطافك الذي يسميه أبناء قبلية النافاهو الثور الذي مضغ الكثير من العشب، وتعود في كل رحلة بصيد يغنّي النساء والأولاد ما إن يشاهدوا حجمه الكبير

لأنك لا تجد ما تفعله، الآن يتكلم لسانك الصامت (تفكّر) بالبوداب وأسماك لها حدبة الجبل (سلاحف) جررتها إلى الرمال في الماضي. الآن تجلس أو تنام على حشية البامبو، مثل نسر في أيامه الصعبة (الأخيرة) يغمض عينيه حتى لا يرى الطيور تعبر على مسافة جناحين منه!

كَيّوت!([8]) يا صياد الأيام السالفة، فكّر بأمر السماء الذي تنظر بعيني باز غاضب إلى كيَاه هاما أت (الأمّ الأرض)، والثلوج التي اختفت من تسيسناسهيني (جبل المحارة البيضاء) تتشاور في مخابئها بين النجوم، عن الهيئة التي تظهر بها من جديد.

أحذرْ غفلة النسر في أيامه الصعبة، فكّر مثل أيل واقف على صخرة ليحمي القطيع، لأن المفاجآت تلوح سعيدة في كل بداية، وتنتهي بأحزان كثيرة.

لا تنسَ، أيّها الصياد الذي فقد جميع أسنانه! أن أي دموع تنسكب من عيون القوم، تخرج من مكان ما في قلبك، وأن رجال النافاهو مهما تضاربوا بالفؤوس عندما تقلّ الطرائد، أو تُفّسد الأرواحُ الغاضبة موسم البطاطا، هم من صنع الإله العظيم (كاريّا) الذي خلق السمك في البحر أول الأمر، ثم الحيوانات على اليابسة، بعدها خلق النافاهو ليخصّهم بالشبع دون الأقوام الأخرى.

عندما نـزل الأب يوَهاَن أَيَّ (الشمس) فوق جزيرة الكريستال في بحر الغرب، رقد العجوز كَيّوت على حشية البامبو مفتوح العينين، يراجع الكلمات التي خرجت من فمه الصامت وراحت تضئ في رأسه، مثلما يضئ الذهب تحت المياه الجارية، يقلّقه ليل شهر بيني آنيت أَوسي الذي يذكّر النفس بموقد النار، وتكبر في خياله فكرة إنقاذ شعب الأرض المقدسة من أعمال الأرواح الغاضبة، لأن كَيّوت ما زال قادراً على الشغل بيديه ورأسه.

"ماذا تفعل بخشب التنّوب الكثير الذي جلبته أيّها الجدّ الأكبر كَيّوت؟"

سألت زهرة الكستناء الحمراء حين شاهدت كَيّوت في الصباح يرتدي عباءته المزيّنة بريش الصقور التي تمثّل عدد الأعداء الذين قتلهم، وإلى جانبه أترانا أتي (ساريته) كأنه ذاهب إلى الحرب، ينام قربها كلب الهيوا هْوا، وأمام التيَّبة (خيمته المخروطية) شجر كثير، قال لها لسانها الصامت إن الأرواح أصابت الجدّ الأكبر برعشة الريح الباردة في ذروة الصيف.

"لا توسعي فتحة عينيك ([9]) أيتها الصبية التي قريباً تتنازع جماعات النافاهو الأخرى على طلبك لتلدي لهم مقاتلاً. لماذا تركتِ فراشكِ في هذا الوقت؟" سأل كَيّوت.

"جئتك بعصيدة البلّوط أيّها الجدّ الأكبر"

"هذا عمل تكافؤك عليه الأرواح، لأنه يسعد قلب كَيّوت" ثم سأل:

"هل قصدتِ الصخور الحمراء في جبل تسيسناسهيني ولمستيها طلباً للبركة؟"

"لقد فعلتُ أيها الجدّ الأكبر. وأنتَ، ماذا تريد بالشجر الكثير الذي قطعته؟" عادت الأسئلة إلى رأس زهرة الكستناء الحمراء.

" أصنع به تسينا (زورق) من هنا إلى هناك (طويل) تدخل فيه كل جماعات النافاهو التي تعيش في أرض اليوكون([10]) مع أدواتهم وثرواتهم وغذائهم"

"هل نبدأ الرحيل مرة أخرى أيّها الجدّ الأكبر؟"

"نعم"

في طريقهم إلى الصيد، وهم يقتربون من خيمته، ردّد الرجال أغنيتهم القصيرة المعتادة: "الجدّ الأكبر يخزن الجلود غير مدبوغة في خيمته، فتتجمع العفونة في الشتاء، وتخرج في الصيف"

ثم وسّعوا فتحات عيونهم من دون أن يتوقفوا، عندما شاهدوا الجدّ الأكبر قد صبغ وجهه بخطوط الحكمة (لون السماء ولون الليل) ووضع قنزعة الريش على رأسه، وأمسك فأس التومَهوك وراح يرقص في تعبّد ويغنّي للأرواح، يستعين بقواها ليبدأ عملاً ما قال له لسانه الصامت أن يقوم به، وإلى جذع شجرة الصفصاف ربط الهيوا هْوا. ماذا وراء ذلك؟

رفع كَيّوت السارية المنقوش عليها رأس نمر فوقه زعنفة السمك الرعّاش ووجّهها نحو جبل تسيسناسهيني، ثم أدّى أغنية رجاء يطلب فيها المساعدة لإنجاز العمل الذي تكلّم به لسانه الصامت.

"لقد سافرتَ بصحبتك طوال حياتي،

كم أنا سعيد بهذه الصحبة! أرجوك،

أيّها الإله العظيم! واصل مساعدتي

لأنني مصرّ على السير في طريقك.

أسعى لأكون حقيقةً لتوجهك

وحدك من يستطيع تقدير حصتنا من الحياة، في أيام الغضب

وفي أيام الصفاء، تقديراتك كلها صائبة

عمّا انتهى، وما ستأتي به الأيام القادمة للنافاهو من مصير"

جاء رجال ونساء وأولاد القرية يسألون الجدّ الأكبر عن الأسرار التي تلقاها من الأرواح، لأن ثمرة الكستناء الحمراء، وهي لا تتكلم دائماً بصمت (ثرثارة) أخبرتهم بأمر الـ تسينآ (الزورق) الذي يصنعه من هنا إلى هناك، فتكلم لسانه عن الثلوج التي اختفى قسم كبير منها من قمة تسيسناسهيني.

عندما سألوه عن معنى وجود كلب الهيوا هْوا المربوط إلى شجرة الصفصاف، طلب منهم الانصراف لتهيئة الحطب وإعداد خبز الذُرة فتأكل القرية طعام يومها، لأن رجال النافاهو سيعودون مع غروب الأب يوَهاَن أَيَ (الشمس) على جزيرة الكريستال بلا جلد يُدبغ، ولا لحم يوضع فوق النار.

على لوح من خشب الأرز الأحمر، خطّ كَيّوت بحجر كلس أول نهار قضاه في الإعداد للمهمة التي تشاور مع الأرواح بخصوصها، ثم ضحى من ثروته بـ تاإيزهي (ديك رومي بري) أحرقه أمام خيمته، ليستأنس تي إهونآ أيَ (القمر) بالدخان الأزرق أثناء طوافه الليلي، بعدها تمدّد على حشية البامبو ومضى في النوم، وهو يتنفس مثل غزال يتشمّم الريح في الساعات الأولى لولادته.

"أيّها الجدّ الأكبر! يا ذا الجبهة المسطّحة (الأصيل)! هل وراء هذا الخشب الكثير نداء من روح الموت، يطلب فيه أن تعدّ سقالة دفنكَ؟" سأل رئيس القبيلة العجوز كاناساتيكو ناات أآني، بعد أن وقف لفترة طويلة يراقب عمل كَيّوت في تشذيب الأغصان وسحج الجذوع الكبيرة بالقيّدوم.

"لم تبلغْ إلاّ جزءاً صغيراً مما بلغتُه من العمر، لسبب تعرفه الأرواح وليس البشر! لكنني لستُ عجوزاً سفيهاً لا يكتفي بأربعة عصي وسقيفة يدفن عليها جسده الفاني، ولستُ ذكياً لأعرف ما يدبّره الإله العظيم كاريّا حين أمرني بصنع زورق من هنا إلى هناك!" أجاب كَيّوت القاعد في ورشته، التي باركت الأرواح أدواتها، الفأس والقيّدوم والمثقاب.

"سوف نرضخ لما يطلبه الإله العظيم كاريّا" أجاب الرئيس كاناساتيكو.

"الجدّ الأكبر لا يقوى على الصيد في المياه العميقة، ولا يقلّد طائر الغاق النهم حين يفكّر في بناء قبره المعلّق، فهل قالت الأرواح شيئاً عن السفر بحثاً عن العشب والبايزون (الثور)؟"

"قالت اصنع زورقاً من هنا إلى هناك، وانتظر كلامي الجديد!" أجاب كَيّوت دون أن يتوقف عن العمل.

"أظنه السفر!" قال كاناساتيكو. "الإله العظيم كاريّا خلق النافاهو ليعيشوا هائمين على وجوههم، يتبعون القطعان من مكان إلى مكان"

"إنه السفر!" أجاب كيّوت.

"ولن يكون هذه المرّة في السهول القائمة بين الجبال الأربعة المضيئة: تسيسناسهيني (جبل المحارة البيضاء)، دووكو أوليد (جبل المرجان القرنفلي)، تسودزل (جبل حجر الفيروز)، دزيل نا اوديلي (جبل الكهرمان الأسود) إنما يتجاوز ذلك إلى بقية ما تحتويه كَياه هاما (أمّنا الأرض) من يابسة ومياه"

" أيّها الجدّ الأكبر! إن ما تفكّر فيه ويقوله لسانك يوّلَد غاضباً، فيحمل قلب كاناساتيكو على الإرتعاش"

أجاب كَيّوت، وهو يزداد غضباً: "النافاهو أفسدوا النظام حين أداروا ظهورهم للآلهة، فهم لا يقيمون الشعائر قبل الذهاب إلى الصيد، ولا يحتفلون بالموكوشان (احتفال طقسي) لذلك لا تصل سهامهم إلى الكاهَتسوَه (الأرنب) وهو على مسافة خطوتين منهم. النافاهو لا يضحّون للأرواح التي ترسل المطر في مواسمه، وتُخرج العشب بكميات غزيرة، فيعود البايزون إلى مراعيه، وترتفع الذرة مقدار رمح عن الأرض!"

هزّ كانوساتيكو جبهته موافقاً، وفتح عينيه على سعتهما عندما شاهد الهيوا هْوا، بينما تابع كَيّوت:

"كبار النافاهو لم يوزعوا ثرواتهم في أيام البوتلاج (احتفال سنوي) القليلة، إنهم يفعلون ما يفعل الاوبُسوم عندما ينتظر المحتاج أمام خيمتهم!"

"إذا كنت تقصد العجوز كاناساتيكو بكلام غضبك، فإن شهر أوغست ينفخ اللهب على جذور الذرة، والطرائد هاجرت إلى أماكن بعيدة، والنافاهو استنفدوا غذاءهم المخزون، وهذا حال الجميع!"

"كاريّا، الذي تفوق حكمته جميع المخلوقات، لا يغيّر وظائف القوى الكبرى من دون سبب أشعل الغضب في قلبه!" ردّ كَيّوت وهو يهزّ فأس التومَهوك قرب وجهه.

"كاريّا، لا يترك مجلسه القائم في الزمن إلاّ ليعيد النظام إلى الكون" أضاف، ثم دخل خيمته.

بعد أن رُبطت العوارض الرئيسية، بدا الهيكل مخيفاً لعيون النافاهو التي تعوّدت الزوارق الصغيرة التي تحمل على الكتف. من كل سهول وجبال حوض اليوكون جاء أفراد من جماعات النافاهو لينظروا إلى عمل الجدّ الأكبر، وعادوا من غير أن يفهموا الغرض منه. الرجال الذين يخرجون وراء الطرائد يشاهدون الزورق يكبر وترتفع حافتاه كل صباح، فيبتسموا أن الجدّ كَيّوت بلغ تسعمائة وخمسين عاماً، لذلك شيّد الزورق الضخم بعيداً عن النهر قبل أن يتدبّر أمر سحبه إلى الشاطئ.

أيام أوغست الأخيرة تمرّ بسرعة على قلب كَيّوت، لأن السماء تزداد صحواً، والرعد الأكبر وابناه، البرق وقوس القزح، لا يظهر في قبة السماء، والرعود الصغيرة التي تنتقل بين الجبال ومساقط المياه لا تقول شيئاً عن الغيوم. كاناساتيكو، الزعيم، وضع كَ آه بينازت إي أَ (قنزعة الريش) على رأسه وتوجّه إلى أحد الكهوف يجلس هناك عدة أيام بلا أكل ولا ماء، طلباً للرؤيا التي تفسر له أسباب غضب الجدّ الأكبر وحراة أوغست الخانقة، اللذين جاءا في وقت واحد!

دينَ بي كيَاه داهودينكوَوَ................ أرض شعب النافاهو مقدسة

كيَاه هاكان أت أي .................... الأرض بيتنا

كيَاه هاما أت أي ...................... الأرض أمّنا

كانت نساء القرية، مع أولادهنّ وبناتهنّ، ينشدن أغنية سن كهوو إي إي دوو، وهنّ يقشّرن لحاء أشجار الأرز الأحمر في حزم كبيرة ليغلّف كيّوت جدران الزورق من الخارج ويثبتها بصمغ المحار الأصفر (الرّاتينج) قبل أن يفرشه من الداخل بجلد البقر الوحشي.

الشرق هو إتجاه تفكيرنا

الجنوب إتجاه التخطيط لما سنفعل

والغرب حياتنا ومكان إقامتنا

حيث ننشط خارج هدفنا.

في الشمال يجري تثمين حصتنا من الحياة،

هناك رضانا، والتفكير فيما سيأتي به الشرق،

حيث عزمنا على تغيير الأشياء لنجعلها أفضل،

ولنرى أننا على الطريق الصحيح.

لغتنا مقدسة، لأنها تستطيع أن تشفي البيت والعائلة،

وكل الأجوبة موجودة فيها.

بي هاز آنيي آوالان كو بيك ايهكو هاشت أ هوديت بيك ايهكو وِوٍلدَ (القواعد تساعدنا على تنظيم وصيانة الأمر في المجتمع)

لأن كل شيء في الأرض له غرض، كل مرض له عشب يداويه،

وكل شخص له هدف.

بيي هاز آنيي (إلتزام القواعد) المبدأ الأول لحياتنا

تعلّمناه من آبائنا، الذين نقلوه لنا عن أجدادهم، وأسلافهم الأوائل،

الذين تركوا كهوف الشرق البعيد (وسط آسيا) قبل آلاف السنين،

حين تبعوا نأهوكَكس (نجم الدب القطبي) فقادهم إلى هذه الأرض المقدّسة،

التي تحميها آلهة النافاهو، وتبارك نعمتها.

الذين بقوا في هذه الأرض حفظت لهم الآلهة بشرتهم الحمراء

وأعطى البشرة السمراء للذين رحلوا إلى أرض الرمال الحارقة([11]) .

على ظهور التلال الصغيرة، يقرّفص الرجال، يراقبون من بعيد أفكار كَيّوت تكتسي شكلها الأخير، مثلما يكتسي كاأآ (القندس) في الشهر الثاني فروه الأحمر الدائم.

هاتيين يازهي (الرجل القصير) وقف أمام خيمة كَيّوت ينتظر أن يقول له الجدّ الأكبر ماذا تريد؟

"لماذا تقف مثل ناهاشكا إد (حيوان قصير القوائم) ولا تقول ما يخفيه لسانك الصامت؟" سأل الجدّ الأكبر، وهو يدخن بارتياح غليونه المعبأ بـ بيا دييلك أَأَ نادأَأَ (تبغ مصنوع من خشب عرنوس الذرة) وقد نسي أوجاع يديه التي إنغرزتْ فيها شظايا الخشب.

"هذه حبال متينة صنعتها من جلد البِيته (الظبي الوحشي) ليصبح الزورق قوياً بوجه الريح والأمواج"

"ضعها هناك!" قال كَيّوت، فوضعها هاستيين يازهي في المكان الذي أشار إليه الجدّ الأكبر، وعاد إلى وقفته الأولى.

"ماذا تريد غير هذا؟" سأل كَيّوت.

"دخول الزورق أنا وزوجتي عند الرحيل" أجاب هاستيين يازهي.

"كاريّا يختار أسماء الذين يصعدون، وليس كَيّوت" قال الجدّ الأكبر وهو ينظر أمامه.

سكت هاستيين يازهي لفترة، بعدها تكلم لسانه:

"أيّها الجدّ الأكبر! لن أعترض على ما يقرره الإله العظيم، لكن الزورق من هنا إلى هناك، ويسع العديد من النافاهو. أيّها الجدّ الأكبر! زوجتي لم تلد لي مقاتلاً، وقد تتحّرك الحياة داخل رحمها في مكان آخر، فلا تمنع هذا"

قال كَيّوت: "نأتَآ نأسكوَو نيجَي (الماضي والمستقبل) يخطط لهما الإله العظيم كاريّا من مكانه الذي لن يصله أحد، وهو قرر الجفاف لأرض النافاهو فشمل رحم زوجتك، لأن الجميع تخلّفوا عن أداء الطقوس التي ترضيه"

"النافاهو تخلّفوا عن التوجّه إلى الآلهة بالطقوس، مثلما يتخلّف البايزون عن زيارة النهر الذي نضب منه الماء، وأمّنا الطبيعة علّمت البايزون التوجّه إلى النهر عندما يشمّ رائحة الماء، حتى لا يضيّع طاقته التي أنهكها العطش في السير بالإتجاه الخطأ"

"صغار النافاهو مثل كبارهم، ما عادوا يقصدون جبل تسيسناسهيني لطلب البركة من صخوره البيضاء، ولم يركعوا لها حتى من مسافات بعيدة، فيتجنبوا المصائب وتبتعد عنهم الأمراض!"

ثم لزم الجدّ الأكبر الصمت لفترة طويلة قبل أن يقول:

" هاستيين يازهي! أنت قليل الصبر، كمن يريد جمع الذرة قبل أن يدفن البذور في التربة، لذلك تنسى أن كاريّا هو الذي خلق أمّنا الطبيعة في سبعة أيام، وشرائعه سبقت كل شيء"

"لا أنسى هذا أيّها الجدّ الأكبر!" أجاب هاستيين يازهي.

"على الآلهة أن تُظهر نفسها للمخلوقات التي صنعَتها، فلا يضطرب العقل أثناء التفكير بعدالتها"

ردّ كَيّوت: "لا تقلْ للشاستو (الهرة الذئبية) تعالي أفحص فروك، لأنك تفقد ذراعك يا هاستيين يازهي! ومعها تفقد الإحساس بملمس الفرو. الصياد الماهر يستعمل عقله ليعرف قيمة الطريدة، وبعقله أيضاً يمكنه التعرّف على الآلهة وعدالتها"

"أيّها الجدّ الأكبر! ساعدني لأتعلّم، قبائل الشيروكو وقبائل الهوبي يشاهدون آلهتهم في الأمطار، في الأشجار، في العشب وفي كل المخلوقات التي يعيشون معها فوق أمّنا الأرض، فلماذا تختفي آلهة النافاهو عن الأنظار؟"

"الإله الذي مكانه العين، ليست له القدرات الكبيرة التي للإله الذي مكانه القلب. يا هاستيين يازهي! خذ حبالك وإجلس في خيمتك عدداً من الأيام لتفكّر فيما قلتَ لي، وما قلتُ لك، وفي احتفال بوْوَاو([12]) للصلاة على الروح العظيمة في الليل، يمكنك التحدث إلى أرواح أسلافك لتقول لهم هذه الأسئلة"

في طريقها إلى خيمة الجدّ الأكبر، غنّت زهرة الكستناء الحمراء:

"لأنها لا تجد زهرة تُفرح عينها

ولا جدولاً تسمع منه الخرير،

توقفت الطيور الصغيرة عن الغناء.

حتى نجمة الأرض البيضاء (الأقحوان البري) واقفة بلا روح

مثل زهرة الكستناء الحمراء

لا تجد بين الجبال الأربعة الزاهية غصناً جديداً (شاباً) يغني له قلبها،

تقول الجذور: أعطني القليل من الماء أيتها التربة

لأدفع أوراقي الخضراء إلى الأعلى

تقول التربة: اصبري فتتعلّمي أن بيني آنَيت أَوسي (أوغست) يأخذ المياه من أمّنا الأرض،

ويا إإشياتوش (يوليو) يعيدها إليها"

شهر أوغست، لم يترك لشهر يوليو شرف إعادة المياه. فجأة صعدت السحب الغبراء إلى السماء، أطلق البرق من قبة السماء صرخات عظيمة، ونـزل المطر.

فرح قلب كَيّوت من داخل خيمته للأصوات التي انتظرها طويلاً. لقد تحققتِ النبوءة التي همس بها الإله كاريّا في أذن الجدّ الأكبر ، وبدا الزورق الذي انتهى منه الليلة السابقة يضحك من الذين شكّكوا في أهميته لإنقاذ شعب النافاهو.

"الآلهة العظيمة لا تخطئ في حساباتها" تمتم كَيّوت كأنه يصلي.

"إنها خفيّة عن الأنظار لأن أسرارها أكبر من قدرة المخلوقات على التفسير. الآلهة لا تقول شيئاً وتتراجع عنه، هذا يفعله البشر حين يستعملون عقولهم للتفكير"

مَرحَ الأطفال، رقصوا وتقافزوا بين الخيام المخروطية ما إن نـزلت القطرات الساخنة على أجسادهم العارية. حين شعر الرجال القطرات الأولى على وجوههم، عادوا من الصيد قبل أن يقطعوا نصف الطريق، ليشاركوا سكان القرية المصير الذي حذّر منه الجدّ الأكبر، وتسلّلوا إلى بيوتهم خافظي الرؤوس وهم يمرّون بالزورق وخيمة كَيّوت. ترك الزعيم كاناساتيكو الكهف على عجل، إذ قالت له الرؤية: "عدْ إلى القرية. كَيّوت صنع الزورق الكبير ليفعل النافاهو ما يقوله لسانه، فيعود زعيماً كما كان، وإن كلب الهيوا هْوا أخبره أن الرعد الأكبر الموجود في قمة السماء سيطلق صرخات عظيمة، لينـزل المطر أياماً وأشهراً طويلة إلى أن تغرق الأرض وتبلغ المياه قمم الجبال المقدّسة"

غمرت السعادة قلب زهرة الكستناء الحمراء، أن الجذور سيصلها الماء، فيزهر النبات وتغني الطيور الصغيرة، وقتها تستطيع زهرة الكستناء الحمراء الطواف في المروج القائمة بين الجبال التي تتغيّر ألوانها مع حركة الأب يوَهاَن أَيَ (الشمس)، بحثاً عن غصن جديد يغني له قلبها. وقف الرجال أما بيوتهم الجلدية، خلفهم وقفت النساء، ينظرون بخوف إلى السماء، لأن المصائر، مصيرهم ومصير أرض النافاهو وشكلها، سوف تتغيّر إلى الأبد.

فكّك الجدّ الأكبر حبال خيمته وأوتادها، وصرّ أغراضه ثم راح ينقلها إلى داخل الزورق، بينما النافاهو ينظرون إلى حركاته من بعيد، لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا.

"في بداية الزمن كان الروح العظيمة فكرة تملأ الفراغ

ثم خلق الكون في سبعة أيام

وخلق المياه والسمك، ثم الأرض والحيوانات، ثم خلق النافاهو"

في صوت واحد غنى رجال القرية، وهم يدورون حول نار كبيرة أشعلوها تحت سنديانة هائلة، وطرحوا عليها الأضاحي من الذبائح، لإرضاء الروح العظيمة حتى تتلطّف بمصير النافاهو.

يمكننا إيذاء أنفسنا في هذا الكون، إذا لم نتعلم كيف نحترم قوانينه

بالصلاة والاحتفال يمكننا التحدث إلى الأشياء المقدسة،

وإلى أرواح أسلافنا لتهدينا

لأنك لا تعرف أسرار الروح العظيمة

لا تطحن الحجر، إذا لم تكن بحاجة إلى آنية فخار تطبخ فيها

فقد تكون في الحجر حياة تَقرّرَ لها مصير معين!

كل وجود في هذا الكون له مصير

واجبنا تقديم الأضاحي، والطقوس، حتى يستمر الوجود.

القنفذ الصغير يعرف كيف يلد صغاره ويرضعهم،

ثم يجلب لهم الطعام إلى أن يكبروا ويلدوا الصغار

ليستمر الوجود في حركته الدائرية

لا تطلب أكثر من حصتك في الحياة

لا تطلب أكثر من حصتك في الحياة

أمّنا الأرض تعطي وتأخذ بحكمة، لتحافظ على بقاء المياه والنبات والمخلوقات

أيّها الروح العظيمة إبقِ الشمس في دورتها،

أبق القمر في دورته،

أبق المواسم في دورتها،

لتبقى حركة الوجود مستمرة

بعد أسبوع، لم ترتفع المياه عن الأرض غير نصف ذراع. وسط الزورق الهائل وقف الجدّ الأكبر ينظر إلى الآفاق التي ما زالت يابسة، وهو يرتدي ثياب الرحيل ويزيّن صدره بالـ ومبون (عقد من أنانيب المرجان الأبيض تتخلّله الصَدف الملونه)

"أيّها الجدّ الأكبر! أنت ملأت الزورق بأغراضك وثروتك من الحيوانات، أين يجلس بقية النافاهو؟" قالت العجوز شينكواكونس (حبّة الصنوبر)، تحمل صرتها وتستند على عصا من البامبو.

" الزورق يسع النافاهو الذين يختارهم الإله كاريّا للبقاء" أجاب كَيّوت.

"ساعدني لأصعد، أنا شينكواكونس ، ابنة حفيدك ناربونا؟"

لم يقدم كَيّوت يده ليساعدها، ولم يقل كلاماً. ظل في وقفته الصامتة.

"هل وجد كلب الهيوا هْوا مكاناً في الزورق، ولم تجد حفيدتك شينكواكونس لها مكاناً بين هذه الحيوانات والجلود؟" سألت العجوز شينكواكونس.

"لا يحقّ لنا أن نقول للإله العظيم كارّيا افعل هذا ولا تفعل ذاك!" أجاب كَيّوت.

"لن أقول كلاماً يخالف هذا" ردّت شينكواكونس، ثم ابتعدتْ تستند على عصاها وتخوض في المياه تبحث عن بقعة من اليابسة تقف عليها مثلما فعل سكان القرية.

شقّ الزعيم كاناساتيكو طريقه المائي بين الخيم المخروطية المهجورة يرافقه إثنان من كبار السنّ ووقف الثلاثة أمام الزورق ، الذي يقف داخله الجدّ الأكبر، تحمل نظراته القلق والإنـزعاج.

"أيّها الجدّ الأكبر!" نادى كاناساتيكو.

"المطر لا يريد أن يتوقف، لكن المياه لا تريد أن ترتفع، والقوم ينتظرون إشارة من الروح العظيمة أو من الأسلاف، ليفعلوا شيئاً تجاه مصيرهم. لماذا لا نسحب الزورق إلى المنخفض، ومنه إلى النهر، ليرحل النافاهو إلى مكان آخر؟"

"كَيّوت يحترم رأيكم، وهو لا يريد التصرّف دون كلام يقوله الإله كاريّا" ردّ الجدّ الأكبر بصوت قاطع.

"لن نخالف كلام الإله العظيم. أنت صنعتَ الزورق لإنقاذ مصير النافاهو من الغرق، كلب الهيوا هْوا نقل إليك رغبة كاريّا، قال لك اصنع زورقاً من هنا إلى هناك، يرحل فيه النافاهو عندما يبدأ المطر ولا يتوقف، عندما تبلغ المياه قمم الجبال، عندما لا تبقى يابسه على الأرض. قدِّمْ أضحية أيّها الجدّ الأكبر، واسأل الهيوا هْوا عن الكلام الجديد للروح العظيمة"

"سوف أفعل" قال كَيّوت ورفع يده يحيّي الثلاثة يطلب منهم الإنصراف.

مرّ الصيادون في اليوم التالي على الزورق، قال أكبرهم في السنّ:

"أيّها الجدّ الأكبر! بارك عملنا لهذا اليوم"

كان الجدّ الأكبر يسبر المياه حول الزورق بعصا طويلة، ولم يردّ على كلامهم.

قال الصياد:

"المطر لم يتوقف، لكن المياه لا ترتفع. بارك صيدنا لهذا اليوم لأن طعام النافاهو لا يكفي للأيام القادمة"

"لتبارك الآلهة صيدكم" قال كَيّوت. قال أيضاً: "من يأتِني بأنثى لكلب الهيوا هْوا، الذي رافق أجدادنا في رحلتهم الثلجية الطويلة، سوف يجد له ولعائلته مكاناً في الزورق عندما تغرق الأرض بالمياه "

بعد ساعات جاءت زهرة الكستناء الحمراء بالعصيدة، قالت: "اليوم حصتك قليلة من الطعام أيها الجدّ الأكبر! جرابات البلوط فرغت، والذرة أيضاً قليلة"

أخذَ من يدها إناء العصيدة لتتمكن من الصعود.

"الزورق ما زال عالقاً بالأرض أيها الجدّ الأكبر! فكيف يمكنه الرحيل؟" سألت زهرة الكستناء الحمراء.

"اصعدي وخذي نصيبك من المكان الذي قرره لكِ الإله كارّيا. عندما يحين الوقت سوف يغمر الأرض بالمياه في ليلة واحدة. هكذا تفعل الآلهة لتحقيق كلامها"

مع زهرة الكستناء الحمراء، وأزواج من الحيوانات والطيور، والعجوز شينكواكونسى التي وافق كَيّوت على صعودها لأن لسانها لا يتكلم بصمت، والصياد بيداكي وعائلته بعد أن جلب انثى لكلب المراعي، إمتلأ الزورق ولم تعد فيه بقية مكان.

وقف المختارون من الروح العظيمة داخل التسيبا (الزورق)، ينظرون إلى الأمطار التي لا تتوقف، والمياه التي ترتفع ببطء، والنافاهو الذين حملوا الخيم والأغراض على ظهورهم وبدأوا الرحيل على الأقدام.

أراق كَيّوت المزيد من دم الأضاحي داخل الزورق، وعلى المياه من حوله، وهو يتمتم بالشعائر وكلمات داهنا آزكا داهوديكايكوَوَ (الصلوات المقدسة).

في اليوم الأول من شهر تآكيل (ابريل) إنقلب ركّاب الزورق إلى اليمين، ثم إلى اليسار، فهلّلوا حين شعروا الزورق يتقلّقل ثم يرتفع على سطح المياه. فرح قلب الجدّ الأكبر أن الإله العظيم كافأ صبره وتحمّله كلام النافاهو وشكوكهم. قال لمن في الزورق:

"لنشكر الروح العظيمة بالصلاة، لأنه دائماً على حقّ فيما يقول ويفعل"

غنى المختارون من قبل الإله كاريّا:

"الكلمات الجميلة التي تخرج من القلب

الشكر الذي يتكلم به اللسان

نوجهها في كل وقت من النهار والليل

إلى الإله العظيم كاريّا، وإلى أرواح أسلافنا

لأنهم يعملون على هدايتنا وحمايتنا"

رتّلَ ركّاب الزورق ، وازدادت حرارة قلوبهم في الترتيل مع تزايد سرعة الزورق في الانحدار إلى المياه الأعمق.

"ساعدنا أيها الإله العظيم

نحن والحيوانات والطيور التي داخل الزورق

لنخلق البداية الجديدة للعالم

العالم الذي أغرقته لأنه أدار ظهره لكَ ولبقية الآلهة

مثلما أهمل واجبه نحو الأسلاف،

سوف نفعل ما تقوله

سوف نفكّر كثيراً لتأتي البداية الجديدة أفضل

وتبقى إلى نهاية الزمن"

واصل الزورق إبحاره نهارين وليلتين، مرّ بين أشجار عملاقة لاذت بجذوعها الحيوانات، ومرتفعات يمشي على حوافيها بقايا من رجال ونساء النافاهو. في النهار الثالث توقف المطر وجنح الزورق في مكان ما.

قال ركّابه المختارون من الإله كاريّا: "لماذا توقف الزورق؟"

نـزل الصياد بيداكي من الزورق ليسبح ويكتشف عمق المياه، فوجد نفسه يقف في مياه لا تغمر أكثر من قدميه. صاح من الماء:

"هذا ليس بالطوفان الذي تحدثت عنه أيها الجدّ كيّوت؟

قال كَيّوت:

"لن نتدخل في تدابير الروح العظيمة. إذا توقف الزورق هنا، فهذه علامة على أن الخلق الجديد سيبدأ من هذا المكان"

حصل ما تنبأ به الجدّ الأكبر، وأراده الإله العظيم كاريّا. في اليوم الخامس من شهر تآكيل انسحبت المياه وظهرت اليابسة. نـزل القوم من الزورق وغنّوا:

"دينَ أت أي يتس أ تسينآ أَأَي" (عندما انجرف بنا الزورق بعيداً عن أرض النافاهو المقدّسة)

وظلّ من جاء بعدهم يردّد نفس الأغنية ليحكي قصة الطوفان الذي تعرضت له أراضي النافاهو.

 

* * *

حرب الداغومبا والكورومبا حول من يتولى حراسة أبواب الجنّة.

وآوَ آ بو إيجي كوانكوَ (صاح كَواكَ زعيم قبيلة الداغومبا، ثم رفس الأرض بقدمه)

وآوَ آ بو إيجي كوانكوَ (ردّد وراءه رجال الداغومبا وإهتزت الأشجار الكبيرة حين رفسوا)

وَاوَا آ اوجو ما واي بوبَه (صاح كَواكَ من جديد، ثم رفس بقوة)

وَاوَا آ اوجو ما واي بوبَه (صاح الرجال المسلّحون بالجذوع والحجارة ورفسوا، فضجّتْ الغابة برفاسهم)

آبا نوبو إيبو اونكاي وا أو (أكد الزعيم كَواكَ بالصراخ، والتفّ على نفسه بحركة عنيفة)

آبا نوبو إيبو اونكاي وا أو (كرّر المقاتلون بعده، وأدوا نفس الحركة، فتصاعد الغبار إلى قمم الأشجار)

بوبَهَ إيجي واكدنا اوكووا (قال كَواكَ وقد تطاير الشرر من عينيه)

بوبَهَ إيجي واكدنا اوكووا (ردّد المحاربون وراءه، وأبرق الغضب من عيونهم)

آلا أأأ وَوَ إي ي ي آ آ آ (أعلن الزعيم إشارة التحرّك)

هلّلت النسوة وذبحنَ كلباً وحشياً أرقنَ دماءه على التراب ليعبر فوقه المحاربون، لأن العرّاف أوبوا كشف للزعيم كَواكَ أن الإله العظيم كومبور أنشأ فوق السماء بيوتاً وأراضي تكثر فيها الأنهار والقرع والموز والأسماك وخصّ بها موتى قبيلة الكورومبا دون غيرهم، فتحرّك محاربو الداغومبا متوجّهين نحو قرى قبيلة الكورومبا، في أدغال بوبو يآيآ ([13] )، ليكون نصيب أرواح موتاهم من القَرع والموز والأسماك أكثر من الآخرين.

أوأو كو باكا

لا إي ني

أوأو كو باكا

لا إي ني

أوأو كو باكا

لا إي

..

..

 

 



* يلجأ السرد في القسم الأول إلى مسار تراجعي، يبدأ من الحاضر بنظرته المتطورة إلى تراجيديا الخَلق، ويذهب إلى الماضي بتهويماته البدائية عن الخالق، التي تتساوى، جميعها، في التطمينات القائمة على خداع الذات. لذلك يقترب النصّ، أو يبتعد، عن الكلمات المكتوبة و اللهجات الشفاهية التي صِغت بها الأساطير الدينية عن معنى الوجود الإنساني، وتقلّدُ اللغة، ما أسعفني تاريخ الشعوب على ذلك، الكلمات والصراخ الذي اُطلق في زمنه الغابر. المؤلف

 

[1]- الكلمات الإنكليزية التي تُستعمل في اللغة العربية كُتبتْ كما تُنطق بلغتها الأصلية، لأن هذه هي الطريقة الأسلم.

[2] - اللابرادور، كلاب مدرّبة على قيادة العميان أثناء السير، معروفة بعدم النباح، لكنها شرسة عندما تستثار. وهذه الكلاب غالية إذ يبلغ سعر الواحد منها حوالي 40 ألف جنيه استرليني بسبب مراحل تدريبها الطويلة، لكنها تُقدم من البلديات للعميان مجاناً.

 

[3] - (Wake Up) مجلة فصلية تصدرها جماعة دينية مناوئة للفاتيكان وللبروتستانتية، تبشّر بقيامة وشيكة للمسيح.

 

[4] - بيتر فينتش مقدم برنامج الطقس في تلفزيون وإذاعة البي بي سي آنذاك.

 

* يقصد صديقه بيتر وكلبه الدليل اللابرودور الذي أسمه أيضاً بيتر.

[5] - (العمارة) مدينة جنوب العراق على نهر دجلة، بناها الباشا التركي رضا علي في القرن التاسع عشر لتكون مركزاً تجارياً لشراء وتصدير محصول الرزّ الذي يزرع بكثافة قريباً منها، قصدها آلاف المهنييّن من مدن العراق الأخرى، كل منهم يحمل، إلى جانب حرفته، عرقه وديانته الخاصة، عرب وأكراد وصابئة ويهود ويزيديين (عبدة الشيطان) وزرادشتيين (عبدة النار) ومسلمين سنّة وشيعة من القبائل العربية في المناطق المحيطة إضافة إلى سكان الأهوار، شكّلوا خليطاً بشرياً غير متجانس، يتبادل الكراهية والمنافسة على الرزق.

 

* أبو السِعد وأبو الخيبات وغيرها من الكنايات هي الأسماء التي يطلقها سعدون على نفسه للسخرية.

[6] - مفردها سيخ، وهي حديدة يُسفد فيها اللحم لشيّه.

 

* هذه الفقرات وما يليها تقترب وتبتعد في أسلوبها عن الأساطبر الهندية الآسيوية، وأساطير الهنود الحُمر.

* صبغة حمراء يضعها الهنود بين أسنانهم لنضافتها.

 

[7] - تعني (م&امّا) باللغة الهندية الشعبية.

[8] - كيَّوⴺ، الذئب ذو الشعر الأحمر بلغة هنود النافاهو الحمر.

[9] - تتكون &##1589;يغ الأفعال والأسماء في لغة النافاهو، والهنود الحمر بشكل عام، من كلمات مركّبة، مثل لا توسعي فتحة عينيك التي تعني لا تندهشي.
-

[10] - المنطⵒة التي سيطلق عليها بعد عشرة آلاف سنة اسم حوض مكنزي، وهي منطقة واسعة في الجنوب الشرقي من كندا.

[11] - المقصⵘد المكسيك التي أسسها هنود الأزتيك بعد إحدى عشر ألف و325 سنة.

[12] - powwow

[13] - المناⵇق الدغلية التي سيُطلق عليها اسم (داهوي) بعد خمسة عشر ألف سنة من الطوفان.