مهرجان

كانت ولادة الطفل في هذه الفترة من حياتهما أشبه بمجيء كارثة مُزينة بالأصباغ.

حين استلّت الممرضة الكتلة الصغيرة المدماة من أحشاء وداد ووضعتها فوق صدرها الرطب، تجمعت في مآقيها دمعة كبيرة، وصفتها الممرضة بأنها دمعة الفرح، أما ناصر، الواقف إلى الخلف، فقد شعر بالحزن، لأنه يعرف مادة العصارة التي ترقرقت في عيني زوجته. وهو الآن ينظر بصمت إلى الطفل، الساكن في مهده الصغير بعد ثلاثة أيام من الولادة، مخفياً عن زوجته المريضة، الجالسة بعدم ارتياح في المقعد المجاور، شعوره العميق بالانكسار.

ظل الهدوء يخيم على الغرفة المطلة على شارع عريض في قلب المدينة، إذ لم يكن أيٌ منهم قادراً على الكلام، أو الحركة، بعد أن قالت وداد  عن الرضيع، منذ حوالي نصف الساعة:

ــ أنه صاحٍ، لكن ليس لديه ما يقوله، أو يفعله بعد، ولو ظلّ كذلك لفترة طويلة من دون أن يكلمه، أو يضحك بوجهه أحد، لبقي على حقيقته الأصلية، إنسان خُلق ليتألم، ويعبس من وجوده.

كان ناصر يتألم من الكلمات القاسية، والأوصاف الحزينة التي تطلقها زوجته على ما حولهما، إلاّ أنه لا يعارضها، وغالباً يهزّ رأسه موافقاً، لأن ما تقوله ينبع مباشرةً من الألم.

قبل أشهر قليلة أخبره الطبيب إن وداد  تنتهي ببطيء. سأل ناصر أهو المرض الخبيث؟ إلاّ أن الطبيب نفى بحركة ثقيلة من رأسه، ليشير إلى نوع من التلف التدريجي في النخاع الشوكي، لا يعرف الطب أسبابه حتى الآن، بيدَ أن نصيبها من الألم سيكون كبيراً، قبل أن يقضي عليها. وحين اقترح إسقاط النطفة الصغيرة التي تنمو في رحمها، أصرّ الطبيب على بقائها، فقد يسعدها أن تخلّف وراءها حياةً أخرى.

منذ ذلك اليوم وهي تذوي، ويذوي ناصر بالقرب منها.

ترك ناصر مهنة التدريس التي كانا يمارسانها معاً لينصرف كلياً إلى رعايتها، وفاءً للحبّ، والأيام السعيدة التي منحته طوال حياتهما المشتركة، القصيرة، وعلى عكس ما تنبأ الطبيب، جاء الطفل ليدير بوجوده الصامت حواراً لا يهدأ مع عذابها.

ما زال الشارع هادئاً، وعدد قليل من المارة يعبر من دون ضجة، بينما تسطع الشمس بقوة، مبشرةً بنهار جميل، يناسب مهرجان الربيع الذي سيبدأ بين لحظة وأخرى، ومن فيض النور الذي أشعل الحياة في الخارج، لا يتسلّل إلاّ القليل من الضوء إلى الغرفة، رغم نوافذها الواسعة وستائرها الشفافة.

كانت وداد  تردد أن العبوس هو الطبيعة الأولى للإنسان، وكل ما عدا ذلك طارئ ودخيل، ولو تُرك هذا الشيء، وهي تعني الطفل، لستة أشهر من دون أن يضحك بوجهه أحد، فسيبقى في مأمن من عوارض الحياة الزائفة، سوف يجهل بقية حياته ما نسميه الضحك، أو الفرح، ولن يتعذب في البحث أو السعي وراءهما.

الألم هو الذي ينطق عندما تتكلم، أو تفكر، يعبّر عن جيشانه بتفسيرات غريبة، لذلك يجد ناصر نفسه عاجزاً عن الردّ، لأنه لا يرغب في مضايقتها، أو زيادة آلامها بأفكار معاكسة، لا يستطيع هو نفسه الاقتناع بأهميتها قياساً إلى المحنة التي تمسك بخناقها. مع ذلك، هذا الصباح اقترب من المهد، قبل أن تنهض زوجته من لحظات النوم القليلة التي تراودها عند الفجر، وابتسم بوجه ابنه، ضحك بخفوت وعاد يبتسم، كشّر وداعب الإصبع اللحمي الصغير، بيدَ أن الطفل ظلّ يبحلق بعضلات ناصر التي تتقلص وتنبسط، من دون أن يظهر على فمه الصغير المطبق أي اختلاج، ولم يتوسع ناصر في محاولته، نهض من ركعته بعد فترة، إذ شعر أنه يخون آلامها بهذا الانشغال.

فكّر أنها لا تعني ما تقوله عن العبوس، إلاّ أن موجات الألم التي تشتعل في بدنها الهزيل تدفعها إلى التفكير على هذا النحو القاسي تجاه الطفل، ولم يخطر له أن يلومها حتى بينه وبين نفسه، بعد أن عرف طبيعتها الرقيقة، الحنون، قبل أن يستوطن حيوان المرض جسدها وروحها.

ظهرت الطلائع الأولى للمحتفلين على شكل فرق صغيرة العدد من الصبيان والصبايا، يحملون باقات تمثل كل منها نوعاً من أنواع الزهور، يرتدون قفاطين مفصصة بالوريقات، تحمل كل ورقة لوناً معيناً، فتغرق أزيائهم في خليط غير متجانس من الألوان، لكن جماعاتهم تبدو من بعيد أشبه بحدائق مزهرة تتحرك في الطريق العام. إلى الخلف من ممازحاتهم وضحكاتهم الرفيعة، يُسمع دوي الطبول والمزامير والصنوج يتقدم ببطء، كما لو يدفع  مواكب الفرح دفعاً أمامه.

حتى قبل تشخيص نوعية المرض الذي راح يهدّم وجودها، ظلّت وداد  تتصرف بشجاعة مع حرائق الآلام التي تشتعل في جسدها، وعندما نقل إليها ناصر حديث الطبيب، بعد أيام قضاها حزيناً، متردداً، استمعت إليه في هدوء، مستنهضة من محنتها قوة إرادة غريبة، حجتها في ذلك أن الألم هو الحقيقة الأصلية في حياة الإنسان، وما لحظات السعادة التي عاشاها من قبل إلاّ انفعالات وهمية، عارضة، فلن تقبل الانكسار وذله، لأن المرض جاء ليكشف زيف تلك الأوهام فحسب، ويضعها أمام الشرط الأول لوجودها، ألا وهو الألم.

لم تكن أعياد الربيع تمرّ في هدوء بالنسبة لهذا البيت، لأن موقعه يمنحه فرصة استثنائية لمعايشة الأفراح والاختلاط بزخم الاحتفال لحظةٍ بلحظة، لذلك شعر ناصر بالضيّق لدى مرور جوقة الأطفال، لأنها ذكّرته بالأيام التي كانا ينتظران فيها المهرجان بفارغ الصبر، بينما حالتهما الآن مختلفة تماماً. مع ذلك فكر أن المناسبة، بما يكتنفها من فعاليات، قد تقدم لزوجته فرصة لنسيان آلامها المحتدمة في الداخل ولو للحظات قليلة، أو تساعدها في استرجاع ذكريات وأحداث كانا يثملان لها في الماضي.

أشد ما يحرج ناصر هو وجود الطفل بينهما، هذه الكتلة الصامتة، التي تنبض بالحياة، تبعث في نفس وداد  الشعور بالإثم، تجعلها مستغرقة كل الوقت بالتفكير بحصة الإنسان من الألم، وهي التي عُرفت بين زملائها وزميلاتها في التدريس بالحيوية والمزاح، بالكلام الكثير وحبّ المعاشرة، غطست مرة واحدة إلى بئر ذاتها الموجَعة واستقرت هناك.

  عكس الترتيبات القديمة، ظهرت النسوة هذا العام في الموكب الذي يرفع حزم السنابل التي ترمز إلى الأرض والمطر والزراعة. كنَ يتمايلن في رقصة هائجة ويطلقن الزغاريد بلا كلّل، مما جعل ناصر يتساءل في دخيلته بلا رغبة كاملة: "إذن من الذي يحمل سلال الغلال هذا العام؟"، ثم لاحظ أن النسوة يصبغن شعور رؤوسهن التي تظهر من خلف العباءات والاحجبة باللون الأخضر، رمزاً للوفرة، فاستغرب التنويعات الجديدة، واقترح تغيير اتجاه المقعد الذي تجلس عليه وداد  لتستطيع مواجهة النافذة ورؤية الخارج بوضوح أكثر، بيدَ أنها رفضت، وطلبت إغلاق درفة النافذة، لأن الزغاريد تخلف أصداءاً غير مريحة في أذنيها. بعد أن فعل، طلبت أن يجلب قدحا من الماء لتتناول الوجبة الرابعة من الدواء.

   كلما جرعت حفنة من الحبوب، يشعر ناصر معدته تنقبض على كتلة ثقيلة من التراب والجفصين، ويلازمه هذا الشعور إلى أن تأخذ الوجبة التالية، فلا يكون قد تخلّص بعد من الأثر الأول، لذلك تظلّ أمعاؤه تصارع طوال النهار، لأن غبار الأسبرين والمورفين يتراكم على أطراف فمها مع مرور الساعات ، ليشحن المعدة المجاورة بالمزيد من الأثقال.

جاء موكب السلال مصحوباً بالتهليل والموسيقى الصادحة والهتاف، ليردّ على تساؤل ناصر، إذ ظهر الرجال، أشداء، بهيئة صارمة، يحملون فوق رؤوسهم السلال، مليئة بالعطاء، أو هذا ما يُفترض أن ترمز إليه الأغصان اليابسة التي تطلّ من الحواف.

كانت وداد  تتخيّل أشكال المواكب من خلال الأصوات، لأن جلستها الجانبية تجعل الحركة في الشارع تمرّ عبر طرف عينها بهيئة شبح ممتد، مثل عظاية هائلة تزحف ولا تريد أن تنتهي. إلاّ أنها ظلّت تبحث، أكثر الوقت، عن سبيل تقنع فيه زوجها بفكرة الاستعجال بموتها، من غير أن يُفجع ويرفض مساعدتها.

إلى جانب الرجال، القابضون على أطراف سلالهم بعزم، يركض عدد من الصبيان بباقات من سنابل القمح، يوزعونها، كما تقضي التقاليد على البيوت تدليلاً على إشاعة الخير، يدفعونها خلل الأبواب والنوافذ المشرعة، فيستقبلها الناس بالتهليل. حين قرع الصبي الزجاج بظاهر إصبعه المعقوف، لم يتحرك أحد من الموجودين في الغرفة، فوضع الباقة على حافة النافذة، ثم اختفى.

قالت وداد  إن تحريك وجهة المقعد نحو الجدار سيريحها أكثر، وطلبت أن يساعدها على الوقوف لتستند إلى الدولاب، بينما يغيّر اتجاه المقعد. يعرف ناصر أن العملية ستؤجج حرائق الأوجاع في كيانها، مع ذلك رضخ لرغبتها، وتذكّر على الفور حديثها عن رغبات الإنسان المصحوبة دائماً بالمعاناة والألم.

بعد مرور موكب الخياطين، ظهرت طلائع الخبازين وأصحاب الأفران مصحوبة بالكثير من الأغاني والرقص والأناشيد، حتى ليكاد ضجيج بهجتهم يطغي على دمدمة الطبول الكبيرة والمزامير، القادمة من بعيد. أثناء ذلك تكدست على زجاج النافذة أغصان الياسمين والقطيفة وزهور النرجس والقرنفل والخزامى البرية والخطمي والأقحوان الأصفر وربطات من العشب الطري.

لم يكن الضعف، ولا انهيار القدرة على التحمّل، وراء قرار وداد بوضع نهاية لحياتها، إنما شعور بافتقار هذا التحمل إلى معنى، بعبثيته. إن التحرر من وجود يحكمه مسار لثباته قوة الطغيان، يعني الإنتصار عليه، وليس الاندحار أمامه. هذه الأفكار ظلت تسيطر عليها في الفترة الأخيرة، وهي اليوم تنتظر الفرصة لتنقل رغبتها في الموت إلى زوجها، وتتوقع أن يفهم، ويفهم الطفل أيضاً، عندما يكتشف القانون الصارم الذي يحكم وجوده، لذلك عزمت على حسم الأمر هذا اليوم، وظلت تنتظر فترة هدوء بين موكبين لتفاتح زوجها.

تكبر المواكب في العاد وتزداد أفراحها مع تأخر دورها في المسير، لأن المهرجان يؤخر فعالياته المهمة لكي يبقي المتفرجين وسكان البيوت في بهجة يقظة، متصاعدة، تنتهي بموكب الطبالين ونافخو الأبواق الذين يؤججون الحماس وعواطف الجمهور إلى ذراه القصوى.

كانت وداد، التي تواجه الجدار وتعطي ظهرها للنافذة، تشعر بالتوتر لإلحاح فكرة الموت عليها، خاصة وهي تشعر منذ الصباح بتراجع مفعول الدواء أمام أوجاعها المبرحة، وكانت تحسّ بتراكم الزهور على النافذة من خلال العتمة التي تغزو الجدار مع كل باقة جديدة، بينما يلزم ناصر والطفل الصمت، وتزداد وطأة الوجوم عليهما مع تلاشي النور التدريجي من مساحات جديدة في الغرفة، بينما تفاقم الصخب في الشارع يوحي أن مهرجان الربيع يبدأ، الآن، مرحلته الجادة، الخاصة بالأغاني والرقصات الشعبية، ومن بعيد تقترب دمدمة طبول وصنوج الختام، بطيئة، كأنها تتحرك في آخر الدنيا.

بدأت تشعر بالرغبة في الصراخ، لتنقل إلى ناصر مشروع الموت الذي يضج في أعماقها، إلاّ أن الأمر سيغدو مضحكاً، وتبدو الرغبة في الخلاص بلا حشمة، بلا وقار يستر وجهها المأساوي، لذلك تراجعت نيتها في الكلام، وعادت تنتظر فترة من الهدوء بين موكبين من الابتهاج، بينما راحت الدموع تنسكب، خفيةً، من عينيها.