الذاكرة والنسيان

 

  منذ اليوم الثاني لوصوله بدأتُ أشعر بالإرهاق من هذا الصديق، ليس بسبب كثرة أحاديثه عن الماضي، التي كشفت لي عن ذاكرة قوية يتمتع بها، ولكنني أصبحت أجد صعوبة في متابعة خياله المبحر، في كل لحظة، خلف أحداث ولقاءات وأفعال تمتُّ إلى عقود وأزمان تضاءل صداها ثم انمحى من ذاكرتي منذ وقت طويل.

   كان غداة وصوله قد حدّثني، في غمرة بهجتنا باللقاء، عن متاعب مضحكة تعرّض لها أثناء السفر، مسترجعاً، وكم كانت دهشتي كبيرة، أسماء أشخاص من أيام بعيدة للغاية، ليبرهن على تكرار المصادفات في الحياة وتماثل أخطاء البشر، وبعد نصف ساعة قضيناها في مقهى داخل المطار، اعترفتُ لنفسي بأن لهذا الصديق ذاكرة حّية، مستوفزة على الدوام، إلاّ أن سبب دهشتي لهذا الاكتشاف مردّه إلى ضعف ذاكرتي بالذات.

   كان الماضي، بوجوهه وأصواته، رهن إشارته في أية لحظة.

   قال، وكان نصيبنا في الباص الذي يقلنا إلى المدينة مقعداً مزعزع الظهر، من بين مقاعد كلها وثيرة ومتينة: "هذا يذكرني بالمقاعد الخشبية المهتزة للـباص ـ الدوج ـ الأحمر الذي اكتريناه، عندما ذهبنا نصوّر النخيّل في الجنوب" ، ثم سأل:

   ـ هل تذكّر تلك الرحلة ؟

  أجبت: "نعم" وأنا أحشر حقيبته داخل رفٍّ تحت السقف، بينما استطرد قائلاً:

   ـ يومها انفرد عدنان، وأنت تتذكر بدانته، بجلال في المقعد الذي يعتلي الدواليب الخلفية، وراح يسكب في أذنه أعاصير ثرثرته المعتادة، وهما يهتّزان وينطّان على التوالي لكل حفرة يعبرها الباص مسرعاً، فقلت لك إن عدنان وجد للحزب صيداً ثميناً في هذه الرحلة، وكان تعليقك أنه وجد رأساً فارغاً سوف يحشوه بالآمال.

   ابتسمتُ له مخفياً عدم وضوح الصورة في ذهني، لأنني أتذكر جيداً سفرتنا الطويلة إلى الجنوب، والطرق الزراعية الوعرة التي تخلّلتها، غير أني لا أكاد أتذكر شيئاً عن هذين الزميلين، ولا الحديث الذي دار حولهما، وعلى الخصوص ماركة السيارة التي أقلتنا.

   أول الأمر بدا لي، وهو يغترف بيسر من الماضي، أنه يستعيد قصصاً وذكريات كنتُ طرفاً مباشراً فيها، ممّا كلفني الكثير من الجهد للتفكير ومطاردة وجوه وأماكن كانت تطفو فوق الذاكرة مثل غلالات من دخان ثم ما تلبث أن تتلاشى، ولكني انتبهتُ في الأخير، بعد استفسارات عديدة، إلى أنني كنت، أحياناً، طرفاً في معرفة صديق أو شخص ما في وقائع لم أكن قريباً عنها في كل الأحوال، ممّا جعل التفريق بين الأمرين وحده يتطلّب، فيما بعد، مشقة كبيرة.

   في إحدى الأمسيات أثنى على ليل روما، حيث كنا نتناول العشاء في مطعم صغير قرب الكوليزيوم، ثم عرّج من فوره على ليل آخر، بعيد، ليصحب ذاكرتي الواهنة إلى سهرة قديمة انتهت بجدل منفعل، ثم بشجار، حول أهليّة السياسي في تحديد وظيفة الأديب: "كيف ؟ ياسر، إلاّ تعرفه؟" .

   ـ لا أتذكر من يكون.

   أجبتُ، وأنا أفكر وأعصر الذهن من دون جدوى، لربط هذا الاسم بواحدة من مجموعة وجوه شبحية كانت تهوّم في رأسي تلك اللحظة، فعاد يسأل وهو يحاصرني بنظرات مستحثّة، مستغّربة:

   ـ لا تعرف ياسراً ؟ كان يلازم بهاء في روحاته وغدواته، لا تقلْ لي انك نسيت بهاء أيضاً .. ؟

   وهكذا كان يحملني على الضياع، يجعلني أخبط على غير هدى، في متاهة زمن يتقهقر في سرعة عجيبة إلى خلفية الذاكرة، زمن كان يبعثر ذاته بحركة هوجاء كلما فكّر في النهوض، وما نحن إلاّ شظايا وفتات ورذاذ هوجته الأخيرة، نتقدم جحافل الضاربين في الأصقاع، الفارين من الإرهاب أو الجوع في أوطانهم، نلوذ بهذا البلد أو ذاك، بهذه الرحمة أو تلك، قبل أن نتابع المسير وظهورنا دائماً إلى الخلف، فعلامَ يحفر هذا الصديق في الرأس ؟

   قال يوماً:

   ـ إن البعض، ممّن يعزون جشعهم إلى الغرب، ينسون أنهم يأتون إليه وهم يحملون في داخلهم بذور الجشع قبل أن يتركوا بلدانهم.

   قلت:

   ـ لا عليك من هؤلاء، ففي كل موكب عذاب يوجد وضعاء ولصوص، ولكن ما الذي أردتَ قوله عن الوقت، عندما قاطعتنا السيارات أثناء العبور؟

   فقال:

   ـ نعم، الوقت، من الواضح أن نمط الحياة هنا جعل للوقت سطوة كبيرة على الإنسان، وبالتالي أصبحتْ أهمية المسافة تكمن في ذاتها.

   أنهى عبارته، ثم أشار إلى تدفق الحركة في الشارع وعلى الرصيف، وكنا نتجول في الأحياء القديمة للمدينة، كلما تقدمني قليلاً بفعل الزحام، أوحت لي خطواته الواثقة وقامته الصلبة بمحارب قديم مُزَرّد.

   ـ أنت تذكّر أن المسافة بين الشقة التي كنا نقطنها سوية وبين المكتب، هي ضعف المسافة التي قطعناها منذ قليل، مع ذلك كنا نذهب إلى العمل سيراً على الأقدام، من دون الشعور بوجود إلحاح غامض يطاردنا، كما يطارد الأوربي حين يلجأ إلى وسائط النقل من أجل نصف ميل داخل المدينة.

   فكّرت لوهلة في كلامه، ثم رددت عليه في سرعة:

   ـ ولكن المسافة بين منطقة السعدون التي تقصدها ونهاية شارع الرشيد، ثم أزقة الميدان القصيرة، لا تعادل، جميعها، نصف المسافة التي قطعناها منذ حين.

   وبهذا العرض المترابط، وأسماء الأماكن البارزة، استرجعت الثقة بذاكرتي، ولكنه ما إن بدأ يقدّر المسافة، مقطّعاً المشوار، في تفصيل دقيق، بين جسور وبنايات وساحات ودور سينما ومقاهٍٍ كنا نمرّ بها في رحلتنا اليومية القديمة، حتى ارتجّت الصورة في مخيلتي، وعادت الذاكرة إلى العصيان.

   منذ ذلك النهار قررت أن أكتفي بالإصغاء، أفضيت إليه بأن ذاكرتي لا تجاري ذاكرته، وقد ألزمني هذا الاعتراف، بيني وبين نفسي، بعدم التشكيك في خياله، وأصبح، من جانبه، يهوّن الأمر بسرد الذكريات متفكهاً، وفي الأجمال ظلّت أحاديثه عن الماضي تثيرني، بل وتسعدني في بعض الأحيان، رغم تشوش ذهني، ثم انتبهتُ، وهذا ما لا أستطيع الجزم بصحته حتى هذه اللحظة، أنه في بعض المرات كان يستعيد واقعة معينة، ثم يبحث في الماضي عن مكان ما يضعها فيه، أو يقدّم ويؤخر في الأدوار، ممّا جعل الأفعال تسبح في فضاء مفتوح على الزمن، فهل كان يُحبِكْ، وهو يقوم بغزواته المنتظمة على الماضي، نسيج ذكرياته؟

   "أنت تعرف حكاية النقابة، عندما عزمنا على خوض الانتخابات بقائمة مستقلة، قضينا الليل في بيت إبراهيم نُعدّ اللائحة، يا إلهي..." وأطلق ضحكة فيها رنّة من سعادة قديمة، قبل أن يضيف: "وفي اليوم التالي، هُبْ، قررنا عدم الذهاب إلى النقابة، لأن الحكومة حسمتْ النتيجة سلفاً". وسكتْ لوهلة، كأنه يصغي إلى أصداء تتوارد على خاطره من بعيد، ثم قال: "فعل عبثي حقيقي" وعاد يضحك من جديد إذ تذكّر: "المرحوم مهدي ظلّ يدور على البيوت منذ الصباح، بدراجته الهوائية، ليبلغ الآخرين بالقرار قبل خروجهم".

   انقبض قلبي بحزن لذكرى هذا الاسم، الذي مات صاحبه وهو في ذروة الشباب، وشخصتُ ببصري، عبر النافذة، إلى الليل في الخارج، تكسّر هدوءه بين فترة وأخرى أصوات وضحكات خافتة تأتي من البيوت المقابلة.

   فكّرت، أن أسماءنا بدورها، سرعان ما سَتُذكر بعد عشر سنين أو عشرين سنة من قِبَل الأحياء، وليست هذي هي المسألة، ولكن كيف تأتى لمهدي الطواف على البيوت في ذلك الصباح، وكان حادث السير الغامض الذي أودى بحياته قد وقع قبل الانتخابات بمدة طويلة؟

-    حادث السير يا عزيزي وقع بعد زواجه من وفاء بسنة، وهو تعرّفَ عليها أثناء الإعداد للانتخابات.

   مع العبارات الأخيرة بدأ النعاس يثقل جفنيه، وفي النهاية أطبقهما في دعة وأخلد إلى النوم. عبرتْ وجهه مسحة من تعب حزين، فتخيلتُ درعاً ورمحاً قد رُكنا إلى الجدار.

   أطفأتُ النور لأغفو بدوري، غير أني بقيت أتابع صوت تنفسه، وتمثّلتُه، عبر الظلام، ينسحب بوعيه إلى أغوار بعيدة من الزمن، زمننا، وزمنه الخاص، المضطرب وغير الرحيم، وهو الذي ظلّ في صحوِه، أبداً، يتقلد الجَلَد ويسخر من الرثاء، لاح لي في تلك اللحظة يرثي، في أنفاسه الصاعدة والهابطة، كل الأزمان.

   صبيحة يوم رحيله، ترجلنا من الباص واتجهنا نحو مدخل المطار مع عدد من الركاب، يعرو هيئة المسافرين منهم ارتباك خفيف لا تخطئه العين، وإذ تلكأنا قليلاً ننتظر دورنا في الدخول قلت له:

   - ما هي حكاية السيدة التي ظلت ترمي لك الرسائل المُغفَلة من الاسم عبر النافذة؟

  أدار  نحوي عينين مندهشتين، ليتفحص تعبير وجهي الذي رافق السؤال، بعدها أجاب في هدوء:

-    لم تكن سيدة، وصمتَ بضع لحظات قبل أن يضيف. كانت فتاة تسكن البناية المقابلة لمكتب العمل الذي اشتغلتُ فيه، بعد أن فصلونا من المكتب القديم. بسبب الحسد، أو الغيرة، أو بدافع مزحة وحشية أعادوا إحدى الرسائل إلى أهلها ليوشوا بها، فسقطت من الطابق الثاني، أثناء شجار حدث بينها وبين اخوتها في البراندة.

  حين بلغنا مكتب تأشير التذاكر، قدّم تذكرته وجوازه إلى الموظفة، واستدار نحوي ليقول، مشدّداً على مقاطع الكلمات:

   - الغريب أنني كنت موضع تهامس وتشهير لمدة أسبوع، قبل أن أعرف شيئاً عمّا حدث، أسبوعاً بأكمله.

   زفرَ، ليتخلّص من غضب مفاجئ احتدم في صدره، ثم وبالتدريج ارتخت ملامحه المشدودة، لتطوف على وجهه ابتسامة ودود وهو يقول:

  - لماذا سألتَ، وأنت تعرف تفاصيل الحكاية؟

  - لم تكن كلها واضحة في خيالي.

   فقال، بعد أن استرجع أوراقه من الموظفة واحتفظ بها في يده:

   - الجرح الذي لا يفنى، أنني لم أرها، ولا عرفت شكل وجهها، حتى اليوم ما زلت أبحث، في صحوي وفي نومي، عن ملمح واحد يوصلني بتلك الضحية.

   عندما اتجه إلى باب الرحيل، متقلداً حقيبة صغيرة للسفر تتدلى من كتفه، وقفتُ على مبعدة، أتابع خطواته، وانتظر التفاتةً منه كي ألوّح له بتحية الوداع الأخيرة، فتخيّلتُ على كتفه الآخر حقيبة ثانية، تصطخب  فيها الذكريات.

   لم تُتح لي رؤيته، من بين رؤوس عديدة محتشدة، مائجة قليلاً، ظلّت تدلف وتغيب في سرعة خلف حاجز شاهق مغلق، إلى أن انتهى الطابور بأكلمه، وبقي رجل البوليس الذي ينظم الدخول لوحده في عتمة الباب.

   تُبْ، تُبْ، تُبْ..

   تناهى إلى خيالي وقع خطواته، تجلّجل عبر القاعات الكبيرة والمماشي المنخفضة، رتيبة وتائهة. تُبْ، تُبْ، تُبْ.. ترتجل مفازاتها لتجول فيها.

   عدت أدراجي، مع شعور بالراحة، واهن وغامض، إذ كان للأيام القليلة التي أمضيناها معاً، وطأة غريبة لا يمكن تفسيرها. ربّما لأنني أدركت، بعد كل شيء، أن النفخ في رماد قديم لن يوقد ناراً، ولا طائل منه، فقد كان هذا الصديق يعيد ترتيب الماضي، يصلح خرابه، يرمم الثُلمات الخبيثة فيه، وباختصار يثأر منه بتفتيته وإعادة صياغته بذاكرة شرسة، أما أنا.. فبالنسيان.

*  *  *