إحتلال العراق "الورطة المفيدة"

أذا تعيّن علينا الاختيار بين التحضَر والتخلف، فيجب الإنحياز إلى التحضَر من دون تردد. وبالنسبة للوجود الامريكي الحالي في العراق يمكن نعته بمئات الصفات الذميمة استجابة للرطانة التي اعتاد عليها الإعلام العربي، لكن من مصلحة العراقيين أن ينظروا إليه كواقع، ويفكروا في إمكانية التعامل معه لبناء مستقبل وطنهم قبل أي شيء آخر.

كبلد خرج من محنة طويلة، سادت الفوضى أفكار ورغبات الناس في العراق عندما تحررت نفوسهم من الخوف والضغوط، إلاّ أن الأيام القادمة ستشهد الهدوء ليستطيع العراقي التفكير أولاً مع ذاته بتجربتها القاسية، وثانياً مع العراقي الآخر ليبحثا، بعيداً عن الشعارات المضلّلة، عن الصورة الجديدة لبلدهما ضمن صيغة للتعايش لا تسمح بآلام إضافية.

النقطة الأساسية، إن تحرر العراق جاء في لحظة بلغ فيها الخراب السياسي والاقتصادي والثقافي في الدول العربية درجة اليأس، الدرجة التي أصبحت فيها المجتمعات العربية والأنظمة يتبادلان الكراهية، وكل منهما يتخبط في بحثه عن الخلاص، فإذا إريد للعراق الجديد أن يكون نموذجاً متقدماً للتأثير الإيجابي على محيطه الخَرب، ستكون أمام شعبه فرصة ممتازة ليملكوا اليد الطولى في هذا المجال، بدل أن تتولى الأمر السياسة الامريكية وحدها. إن الحديث عن كثرة الطوائف والأعراق والأديان في العراق لا يعني شيئاً، إذا عرف كل طرف حدوده، أي قدراته على العطاء ضمن دور وطني عام، وقد أفرزت أحداث القرن المنصرم حقائق كثيرة، وثمينة، منها إن التعصب لفكرة واحدة، أو التمسك بوجه واحد للحياة، لا ينتجان غير الفقر، وطغيان يؤدي إلى الدمار.

وفيما يخصّ الوجود الأمريكي، يجوز النظر إلى بعض النقاط المترتبة عليه من عدة زوايا: شرط أن لا يكون بينها الزاوية التي تقف أمامها الأنظمة العربية وهي ترتعب لإقتراب عناصر التغيير من كياناتها المهزوزة. كذلك أن لا تكون الزاوية التي تنظر إليها الأحزاب السلفية (الدينية أو العلمانية) وجميعها يكره فكرة الديمقراطية ويضيق بهوائها الرحب. ولا الزاوية الوحدوية للقوميين، الذين فشلوا، تاريخياً، في النظر أبعد من أنوفهم المخلّلة بنقيع جزمة صلاح الدين الأيوبي.

الزاوية التي تعني العراقيين الآن أكثر من غيرها، إنهم إزاء معطى جديد، يشكّل، مهما احيط بالشبهات، فرصة نادرة لخلق شمسهم الخاصة في مجال الاستقرار، والتطور، والحرية.

عندما يقف المرء إزاء مجموعة من المرايا المقعّرة، يبحث قبل كل شيء عن الصورة الأقرب إلى حقيقته، ثم يعود إلى إنعكاسات الصور الأخرى، وكلها فكاهية، أو بشعة. وقد كان العراقيون دائماً قساة مع أنفسهم، ومع بعضهم، ودائماً بسبب الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي تحملها الشعارات من الخارج، أي مرايا الأوهام المقعّرة التي لم تفعل إلاّ على تشويه ذاتهم. فالعراقيون شغوفون بالأفكار الجديدة، لكن من سوء حظهم أن المخاضات التي حبلت بها المنطقة العربية، والمجاورة، خلال القرن الماضي كانت إما متخبطة، وإما قائمة على الطغيان وعبادة الزعيم القائد، وفي هذا المجال أصبح للعراقيين زعماء أصيلين في طغيانهم، وفي استعمال الرشوة أو العصي الغليظة لتحويل الأذهان عن بشاعة زعامتهم.

إذن ما هي المرايا التي مزقت شخصية العراقييين، وعملت على تشويه علاقتهم بوطنهم، وإفساد نظرتهم إلى المواطن الآخر حين يختلف معهم؟ وما هي حقيقة الأفكار التي صنعت الوميض الخادع للنصف الثاني من القرن الماضي؟

ثقافياً، توجد ثلاث قضايا تربط أكثرية العراقيين بمحيطهم: 1- أمجاد العرب. 2- وحدتهم. 3- مشكلة فلسطين.

هذه القضايا نُفخ فيها إلى أن اُتخمت بالريح الفاسدة والكذب والتزوير، لتتخذ من ثمَّ صلابة الاسمنت لدى ترسبها في الوجدان العربي. ففي حين تتكلم الشعوب عن حاضرها، تعلّل الذات العربية وجودها بماضيها المندثر، ويستنجد خيالها الديني والقومي بذاك الماضي كلما شعرت بالعجز عن حلّ مشاكل العطالة والفقر والتدهور الاقتصادي المستمر، وإذا كان الفكر القومي ربط تقدم العرب (الغامض) بتوحيد الكيانات السياسية، فإن الفكر الديني الاصولي وجد أن مساواة المسلمين للشعوب المتقدمة لا يتم إلاّ بتدمير حضارة تلك الشعوب، وفي أضعف الإيمان الحطّ من قيمتها الإنسانية، سلاحها في ذلك استلهمام ثقافة المحطة التعبدية الخاملة من تاريخ الإسلام، التي لا تنتمي إلى فترة الرسالة المعروفة بحيويتها الذهنية في معالجة التخلف الإجتماعي، ولا الفترة العباسية التي سمح فيها تراخي قبضة الاصولية الدينية بظهور نهضة فكرية واقتصادية وعلمية وثقافية كانت الأبرز في تاريخ العرب.

بالنسبة للمشكلة الفلسطينية، وبعد إعتراف أبنائها من كبار السنّ الغير مسيّسين، ومحاولات الأكاديميين الشبّان لإعادة قراءة تاريخ النكبة، لا توجد قضية في العالم احيطت بالأكاذيب وتزوير الحقائق مثل القضية الفلسطينية! فمنذ تولتها الجامعة العربية (1948) إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (  ) برئاسة الشقيري، ثم استيلاء ياسر عرفات عليها (    ) ظلت هذه المشكلة لا تلقى اهتمام العالم ولا اعترافه بسبب الدعاوى الزائفة والتهويل اللذين رافقا بداياتها، مقابل دعاية اسرائيلية تختار ما يناسبها من وقائع تطرحها بصدق على شعوب العالم، بينما أتخمت أكاذيب الجامعة العربية وإعلامها في الخمسينات الوجدان العربي وحده بالعلّل، حتى بروز أطفال الحجارة، عندما جذبوا إنتباه الشعوب وتعاطفها مع عصيانهم المدني، لكن هذا العصيان الذي كاد يطهّر القضية الفلسطينية مما لحق بها، وجرد اسرائيل من فاعلية تفوقها العسكري،  سرعان ما إلتفّت عليه حركة حماس، وتبعها عرفات بإنتهاج اسلوب استدراج العنف بالعنف، ثم إطلاق الصراخ بالشكوى على عادة الجامعة، لأن حجارة الأطفال سرقت منهما الأضواء، وقبل ذلك سرقت القوة البلاغية لبياناتهم الطنانة، التي تدرّ عليهم المساعدات النقدية من الحكومات العربية، ضمن مشروع إبتزاز طويل الأمد باسم معاناة الفلسطينيين، الذين لم يذوقوا يوما طعم تلك الأموال وهي تذهب بانتظام إلى القطط المسمّنة في الأجهزة العسكرية والاعلامية لحماس والسلطة الفلسطينية!

من الجانب الشرقي، تتمثل عناصر التأثير السيء على الذهنية العراقية في الاصولية الدينية لشيعة إيران، وأبعد من ذلك قليلاً ايديولوجية دولة السوفييت القديمة. بالنسبة لإيران، إنشغلت الدولة في عهد الخميني بتصدير الثورة الإسلامية إلى العالم، وفي العهد التالي ركزت طهران على الدول المجاورة من الغرب والمنطقة العربية لتوسيع نفوذها باستخدام المشاكل المحلية في بعض البلدان (اقتصادية أو عرقية أو حريات) لإيجاد مايشبه البؤر الطائفية، تجذبها في البداية إعلامياً بالتحريض ثم تدعمها بالمال وتمدها أخيراً بالسلاح، لتصبح خلال عشر سنوات مرتهنة كلياً في تفكيرها وتحركها لتوجيه الملالي الإيرانيين، مثال ذلك إفغانستان – العراق – لبنان.

وعندما يطوف شيعة العراق اليوم مطالبين بدولة إسلامية، فأنت تسمع لسان إيران الصريح وأحلام ملاليه الطائفية، لأن الشيعي العراقي، الوطني، لا يحلم بطغيان بديل حتى لو جاء لصالح طائفته، إلاّ إذا  كان الخارج شوّه وطنيته ومسخ أحلامه. ولن ينكر الشيعة الذين لجأوا إلى إيران بعد 1980 و1991 الإذلال الذي عوملوا به في معسكرات إيران (إيران التي غطت نصف لبنان بالحجاب، وهو أكثر الدول العربية تحضّرا، مقابل دعمها للجنوبين في مقاومتهم الوجود الإسرائيلي) مثلما لن ينكر السنّة ما تعرضوا له على يد مخابرات الدول العربية أثناء بحثهم عن ملاذ، ومثلهم المسيحيون، والأكراد، مما يعني أن الطائفة أو القومية، سواء كانت أغلبية أو أقلية، لا تساوي حفنة من القشّ بدون الوطن الذي نشأت فيه، على أن يكون حرّاً من أي إرتهان للخارج.

وفيما يتعلق بتأثير موسكو القديم، لن نعيد الحديث عن دوافع تأسيس الحزب الشيوعي في العراق، ودور المخابرات السوفييتية في توجيه سياساته منذ البداية إلى النهاية، لكن الجميع يعرف أن الحزب الشيوعي العراقي الذي وضع مصلحة سياسات الكرملين قبل مصلحة العراق، وسخّر إعلامه لدعم طغيان الأنظمة الشمولية في السابق، لم يتخلص حتى هذه اللحظة من شعاراته وتكتيكه القديمين، ولا عن تحالفاته مع الأنظمة التعسفية، رغم أحاديثه الكاذبة عن الديمقراطية!

وقبل إضافة ما يحمله القادمون الجدد من المنفى، فإن عناصر التأثير الخارجي تركت بصمات بشعة وثقيلة على عواطف وسلوك عدد كبير من العراقيين خلال نصف القرن الماضي، فأشاعت الفوضى السياسية، ونـزعة التسلط، والإنقلابات، والعنف بين الجماعية الحزبية، وإرهاب الرأي المخالف، وكل أنواع النعرات، وإنتهت بسيطرة البعث الطويلة على الحكم، هذا الحزب الملعون الذي يشبه الطاعون في شهيته للقتل، ومثله يعتمد في البقاء على إزدهار المقابر الجماعية. لذلك، عندما تبدد الظلام الوحشي من سماء العراق، عبّر أغلبية الناس عن فرحتهم لأنهم أدركوا بعواطفهم البسيطة قيمة ما حدث، بينما أصيبت الجماعات المرتهنة إلى المؤثرات الخارجية بالذهول والإضطراب رغم فهمهم لأهمية الحادث، لأن سلطان ولائهم للخارج أقوى من إلتزامهم تجاه وطنهم!

لذاك أيضاً، وبدلاً من الشعارات الخيالية لكن المشحونة بالديناميت، على رجال الدين الشيعة أن يقدموا أبناءهم المتعلمين ليساهموا في بناء العراق الجديد، ويعودوا هم إلى جوامعهم وأضرحتهم للإهتمام بشؤونها. وسيكون من العدل أن لا ينسى الشيعة، المتدينيين والعلمانيين، عندما يتكلمون عن الحصص، أن السنّة أداروا الحكم في العراق طوال القرنين الماضين بسبب تحريم الفكر الشيعي أبناء الطائفة من الخدمة في مؤسسات الدولة، بناء على هذا، ولمصلحة الجميع أن يحظى السنّة بدور أكبر إلى أن تستقر الأمور ويعمّ مبدأ المساواة على أساس الكفاءة والنـزاهة والوطنية.

نعود قليلاً إلى مسألة التحضَر: إن العراق الآن محتل من قبل القوات الامريكية والبريطانية لأسباب عديدة، لكنه تخلّص أيضاً من نظام دكتاتوري عقيم،لم يستطع العراقيون إزاحته بالرغم من كل المحاولات، ولن يستطيعوا ذلك بعد ثلاثين سنة أخرى، لأن صدام كان يهيء جِراءَه لتولي السلطة بعده، على غرار أنظمة أخرى عادت بمفهوم الجمهورية إلى عهد الأمويين، وما دمنا نتمنى الخير والتقدم لكل الشعوب يمكن وصف الحالة الجديدة في العراق بـ "الورطة المفيدة"، كون الإحتلال يقدم للعراقيين فرصة ممتازة لتأسيس نظام ديمقراطي، بالتحرر أولاً من ترسبات التأثير الخارجي، السياسية والعاطفية، التي ظلت تبيعهم الأوهام والخداع بدل أن ترسل جيوشها، ولا تعاويذها السحرية (القومية والدينية واليسارية) لإنقاذهم من البطش.

وبعيداً عن طنين الإعلام العربي وكتّابه ومفكريه ممن أصبحوا يستعيرون شعارات الاصولية في تفسيرهم لما يجري، لو قارنا حتى بين السياسي الأمريكي اليميني وبين صدام حسين في مجال التفاهم، لوجدنا يمين أمريكا أكثر إستعداداً للحوار ومناقشة وجهة نظر الآخر، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين التخلّف والتحضَر، حيث يمكنك مجادلة المتنفّذ دون خوف من هاجس المشنقة أو السجن مدى الحياة بلا محاكمة علنية.

بذلك، يستطيع العراقيون إعادة بناء بلدهم وترسيخ نظام ديمقراطي عصري، ثم التفكير، عِبرَ دولة متماسكة الكيان، بأمر الوجود الأمريكي والعلاقة التي تريدها واشنطن مع بغداد، شرط أن لا يبتعدوا أثناء ذلك عن محيطهم العربي، رغم أن العرب أداروا ظهورهم لمحنة العراق وسخروا من آلام شعبه، باعتبار هذا المحيط لن يبقى إلى الأبد في تخلفه وحزازاته. وبظهور حكومات ومجتمعات عربية عصرية، يمكن حتى للأكراد ضمان حقوقهم القومية الكاملة، إذ بإستثناء العرب لا توجد جهة أخرى مستعدة لإسناد العراق بدون أطماع توسعية، وهذه حقيقة يجب أخذها بالحسبان في مواقف أي نظام عراقي جديد، خاصة موقفه من المشكلة الفلسطينية، لأن عرفات وقادة حماس الذين سيروا في أكثر من مناسبة المظاهرات لدعم طغيان صدام ليسوا كل فلسطين، وموقف العراق من المشكلة يمكن أن يدخل ضمن الموقف العربي العام لكي لا يضعف موقف رئيس أول حكومة فلسطينية وهو في طريقه للتفاوض حول: (كيان فلسطيني مقابل أمن اسرائيل) وكلاهما مشروعان لإنهاء الصراع.