(رواية في فصل واحد)

 

هذه الرواية من فصل واحد، يستغرق زمنها الحقيقي 45 دقيقة، تمتـد لتغطي ثلاثين عاما من حياة امرأة. ثلاث شخصيات فقط: زوج وزوجة وعشيق، يقطعون المسافة بين مدينة بحمدون في لبنان وبلدة صليما، التي لن يصلوا إليها أبدا، كل منهم يضغط عليه الزمن بطريقة مختلفة، لكن الطرق الثلاثة تقودهم إلى النهاية الدرامية للصراع الذي يدور بينهم داخل سيارة مسرعة، تمثل بدورها العنصر الجديد، التدميري، في حياة الإنسان.

 

 

حين هبطت السيارة في نزلة حمّانا، ملّتفةً باستدارة مباغتة عن الطريق العام، أدركتْ وداد أن زوجها قرر التوجه إلى منحدر صَليما.

ارتعش قلبها، عرفت في تلك اللحظة فقط، أنه كان يبيّتُ لهما هذه الخطّة منذ الصباح، والتجوال الذي قام به على المدن والقرى في الجزء الأول من النهار، أراد به تضخيم وقع المفاجأة على قلبيهما.

جلال، المنزوي في المقعد الخلفي، المستغرق في التدخين ومتابعة البيوت والأشجار والروابي التي تمرّ مسرعة أمام عينيه، اكتفى بإلقاء نظرة استخفاف على مؤخرة رأس صبحي، وعنقه الغليظة، الملوية في تلك اللحظة تستكشف يمين السير، قال في سرّه إن ألعاب صبحي قديمة، فكّر أيضاً. أن كل رغبات هذا الرجل، تنتهي في مطعم يقدم مازات لذيذة، أو مقهى يطلّ على سفح جميل، وفي يوم جلال العادي، كما في يومه المهم، شُطّآن مفتوحة على الوقت للتمتع بنزوات صبحي الرعناء، وتخبّطه.

في زيارته السابقة كانوا عائدين من رحلة منهكة، طويلة ومشحونة بالتوتر، عندما زَحْلفت السيارة وهي تعبر بسرعة منعطفاً ضيقاً شمال مدينة صَليما، ففقد السيطرة على القيادة وكادت السيارة تهوي في منحدر صخري سحيق. اليوم، وقد تضخّمت الشكوك وضاق بها رأسه، يقودها مع عشيقها إلى نفس المكان، نفس الطريق ونفس المنحدر، ولا أحد يعرف، بمن فيهم هو ذاته، إلى أي قرار يلجأ القلب اليائس، عندما تكون حياة الثلاثة معلّقة في ذروة الهاوية، ومتوقفة على حركة عصبية حمقاء!

منذ وصوله إلى لبنان لقضاء ثلاثة أسابيع معها، توجّب عليها أن تكون الحرب ووقودها، وها هي تشعر بالتعب، بالتشويش، قبل انتهاء الأسبوع الأول.

في المرّات السابقة كانت تتحمّل في صبر، وعدم اكتراث، المضايقات القليلة التي يثيرها وجوده، تمرّ الأيام بسرعة، باستثناء الليالي التي تتحفز لديه الرغبة فيها. في هذه الزيارة جاء يمتحن آخر جسور الثقة المتهاوية، فانفجر الخلاف بينهما منذ الليلة الأولى، وقَبِل فكرة الطلاق. نعم، ننفصل في هدوء، كأصدقاء وناس متحضرين، قال حين بدا عليه اليأس من إصرارها، من تردادها أن علاقتهما تحوّلت إلى جحيم، ومن المشاحنات التي تبدأ بسبب عدم وجود المملحة على المائدة، وتنتهي في النقاش حول تنافر العواطف فوق السرير. نعم، من الأفضل أن ننفصل، أكّد، هزّ رأسه بعزم ثم أدار وجهه إلى الناحية الأخرى ونام. في اليوم التالي غيّر كل خططه.

منذ ثلاثة أعوام سمح لها بالعيش في لبنان، لتكمل دراستها، بينما بقى هو في بلده، يواصل عمله، ويقوم بزيارتها كل شهرين. وجدَ الفكرة ساحرة، مناخ لبنان الجميل، والشوق الذي يجدده الفراق ويمنع الملل من التسلّل إلى عواطفهما، ثم، عَبْر وجودها في بيروت يمكن نقل بعض أمواله بحجة مصاريف الإقامة، لكنه في الأخير شعر بأن العملية سخيفة، لا لكثرة النفقات ومتاعب السفر، إنما نتيجة التغيّر الذي طرأ عليها، وحين جلس أمامها يتذمّر من هذه الحالة، قالت له: مادمتَ وافقتَ على الفكرة منذ البداية، لماذا تتراجع عنها الآن؟ .

اندفعت السيارة في ليونة على امتداد طريق جبلي ضيق، تحفّ به أشجار الصنوبر والشربين، تظلّل فيلات للمصطافين بدأوا يفدون، هرباً من حرِّ بيروت، في قوافل صغيرة من السيارات، محمّلة بأثاث خفيف قوامه الكراسي والطاولات وألعاب الأولاد، بينما انشغل الذين سبقوهم في المجيء بتنظيف النوافذ والعتبات، وسقي الجيرانيوم والغردينيا وعروق الياسمين.

في حزيران يضيق اللبنانيون بمدنهم الساحلية، فيصعدون إلى الجبال القريبة، يستسلمون في النهار للنسمات المنعشة، ولياليهم يقضونها في المرح والسهرات العائلية الجميلة.

بين فترة وأخرى يظهر شيخان أو ثلاثة من الدروز، يتمشون بسراويلهم السوداء، ولفات الرأس البيضاء التقليدية، ثم يختفون مثل الشواهين بين فجوات الصنوبر. يستمدون المتعة من الحياة بالتأمل لمعرفة الذات، للوصول إلى الحقيقة الباطنية، ومن بعدها إلى معرفة المطلق، هائمين أبداً وراء أسرار الوجود، منشغلين بأخلاق النفس، بالحكمة الأولى للخلق، غير مكترثين بتفاهات الدنيا، وصراعات، لكن، تساءل جلال وهو يرمي أنظاره عَبر النافذ، هل يستطيع كل البشر هذا العزم البليغ؟

أحسّتْ وداد بابتسامة صبحي الماكرة، ما زالت معلّقة على حافة شفتيه، يتعمد أدامتها، شاحبة وماكرة، ينتظر التفاتةً منها ليغيظها، نصف ذهنه على الطريق والنصف الآخر مركّز عليها، بينما السيارة، رغم سرعتها، تهدر في خفوت جراء انحدار الطريق، والصنوبر يضرب في الأعلى سقفاً كثيفاً يكتم الصوت.

تعرف غرضه، يريد تهديدها، وترويع جلال، لذلك قررتْ أن تلزم الصمت، أن لا تسأل لِمَ غيّر اتجاهه، تنتظر وحسب، لا تلتفت إلى أن تموت الابتسامة، تجفّ على شفتيه، ووجود جلال خلفها يمدّها بالشجاعة، يمكّنها من مواجهة الموت في سهولة، ما داما معاً.

ودّتْ لو تمسك يده في تلك اللحظة، تلوي ذراعها لتصل المقعد الخلفي فتشبك أصابعها بأصابعه، تستمد الثقة من حرارة جلده، بَيدَ أن الآخر منتبه، عيناً على الطريق وأخرى عليها.

قدرتْ المسافة بنصف الساعة، إذا لم يتوقف كثيراً في الطريق، إذا كان اليأس قد بلغ به آخر السواحل الجافة، إذا كانت قد غرزتْ في رأسه الصلب، بكل صور العناد التي أظهرتها، اليقين بعدم فائدة أي محاولة جديدة لثنيها عن عزمها، فسيبلغون منحدر صَليما بعد نصف ساعة، لتبدأ لعبة الجنون والموت.
شاهدتْ على الطريق رجالاً مسنين، يعرضون محصول الموسم، يقرفصون وراء سلال مليئة بالكرز والتفاح واللوز، يختارون فجوات صغيرة بين الأشجار، تسمح للعابرين بإيقاف سياراتهم لتذوق وشراء ثمار الجبل.
ـ القي نظرة من عندكِ، ماذا يعرضون في هذه السلال؟ سأل صبحي.
ـ المكسرات، والفواكه، ردّت بمزاج متعكر، وفكّرت "يبحث عن سبب للحديث، لأنه يعرف ما يعرضون في السلال".
ـ هل تحتاجين كمية للبيت منها؟
ـ لا، قالتها بصوت خافت، جاف، وظلت عيناها مسمرتين على الطريق والأشجار.
"صاحت عمّتي: لماذا تشحطين سلة الأكل على الأرض، تريدين تمريغ الخبز والخضار قبل أن نصل البستان؟ تعالي، ضعيها على رأسك، هكذا، وأذهبي لتجلسي مع الأولاد في الخانة الأخيرة من الباص. ليست ثقيلة، إلاّ أن عيدان الخوص راحت تتماوج على جلدة رأسي، ذراعي لا تصل مقبض السلة العلوي. "
والباص الخشبي يسير كنا نغني، نتمازح ونضحك في الخانة الأخيرة، خانة الشوادي*، وأشجار النخيل كثيفة على جانبي الطريق، ظلّت هي تمزح وتضحك مع النسوة بصوت فاجر، ثم تلتفتْ نحو خانة الشوادي تحذرني من إهمال السلة، فيدوس الصبيان والبنات وجبة الغداء بأقدامهم.
"تلصق عمّتي وفيقة ذراعها البيضاء بذراع نجوى وتضحك، ويصرخ أحد الأطفال فيمزق غناءنا المضطرب، وينهمك نصف الشوادي في إسكاته.
"لماذا يسمونها خانة الشوادي؟ ألأنهم يحشرون الصبيان والبنات فيها، أو لأنها تهتزّ وترتج أكثر من بقية السيارة حين تعبر المطبات والحفر، فيرتفع ركابها من مقاعدهم مع كل رجّة، ثم يهبطون فوق مؤخراتهم، مثل القرود!".
خبخبة الدواليب الجديدة على الإسفلت، والإحساس المكتوم بالسرعة المندفعين بها، زادا من كآبة الجو المهيمن على الثلاثة في الداخل، رغم ذلك لم يبادر أي منهم بكلمة، أو حتى همهمة تكسر الصمت الحزين، المرتجّ، فقد أمضوا النصف الأول من النهار في قول الكلمات، العابرة أو الملغّزة، المتوددة أو المتوترة، من دون أن يتغير الوجه الحقيقي للصمت الذي رافق نزهتهم .
بعد فترة انكشف الطريق عن اليمين لتظهر الأطراف الشمالية لمدينة بحمدون. قال صبحي، يمدّ ذراعه خارج النافذة:
ـ هل تعرفين ذاك البيت، هناك في الأعلى؟ كانت إصبعه تشير إلى مجموعة من الفيلاّت البعيدة طفقت تتراجع مسرعة عن يمين السيارة. تلك الربوة الصغيرة؟
ـ لا، أجابتْ.
ـ ذاك هو الفندق الذي أمضينا فيه ليلتين قبل عشر سنوات.
ـ هآ، تمتمتْ في برود، إنها تعرف هدفه، يقودها إلى أحداث وذكريات مشتركة، ليعزل الآخر، يبقيه وحيداً.
ـ كيف نسيتِه؟ قال بنبرة مزج فيها التشكي واللوم بطريقة واضحة.
ـ أذكره، ولكن كيف تستطيع تحديد المكان من هذه المسافة؟
ـ الربوة الوحيدة على حافة الوادي، انظري جيداً، عاد يشير بجميع أصابع يده هذه المرّة، وذراعه ممدودة خارج السيارة تصفعها الريح.
تتذكر الفندق، ممراته المفروشة بالسجاد الأحمر، الغرفة التي ناما فيها، الليالي المحمومة التي قضياها في الشبع والحبّ والجنس، تتذكر أيضاً دفتراً صغيراً تكتب عليه أسماء الأماكن التي يزورانها، تسأل السكان ثم تدوّن معانيها. كانت أول مرّة يصعد بها إلى الجبل، أول مرّة يأتي بها إلى لبنان، دُهشتْ من جمال القرى والمدن، الطرق التي تخترق الأحراش، أغصان الأشجار المحمّلة بالكرز تكاد تمسكها بيدها من نافذة السيارة، الريح الليلية في مطعم الفندق المكشوف، باردة لكنها مرغوبة، تقرص بعذوبة. تتذكر الفقرة التي دوّنتها عن معنى الجزء الثاني من اسم بحمدون بالآرامية والعربية والعبرية: الرغبة واللذة، فانفجرتْ ضاحكة يومذاك.
لم تُشِر إلى أيٍّ من تلك الذكريات، أزاحتها من خاطرها، لم تعد تنتمي إليها، إن سحرها ارتبط بشخص تبغضه الآن، فمات.
أخذ الطريق يضيق كلّما توغلوا في الجبل، لاحظ جلال أن جانب السيارة، في بعض الأماكن، يكاد يحتك بالسيارات القادمة من الاتجاه المعاكس، بينما قلَّ عدد البشر على السفح، وتناثرت البيوت بين الأشجار ضمن مسافات بعيدة. فكّر، أن الطبيعة، عندما تزداد وعورةً، تحوِّل الصمت المحيط بها إلى عنصر للجمال، عكس الإنسان، كلّما وعرت نفسه كثر صراخه وازداد بشاعةً، ربّما عبّر عن هذه الأفكار في قصيدة حديثة، يدهش بها كل الشعراء العرب. لكن أية ألعاب سخيفة يقوم بها هذا الغبي؟ تساءل من زاويته المريحة في الخلف، المشبعة برائحة التبغ. إنه يغص ببضعة آلاف من الدنانير لا غير، أضاف في خاطره. في أسبوع واحد أشترى لها هذه السيارة الجديدة، إضافة إلى الشقة، ولا يريد التسليم بأنها لم تعد تطيقه، بدلاً من ذلك يلجأ إلى أساليب صبيانية لتطويعها، فهل يعتقد، حقاً، أنه قادر على إعادة الحياة إلى العواطف الميتة، بهذه الطريقة السمجة، ومع امرأة مثقفة؟
كان قد لاحظ عيني صبحي تختلسان إليه النظر عَبر المرآة الداخلية العاكسة حين انعطفت السيارة فجأة بعد مدينة بحمدون، بَيدَ أنه لم يفهم نظراته، أحسّ عينيه تهربان ما إن التقت عينيه. وكان صبحي يدفع رأسه وأكتافه كثيراً إلى الأمام لكي تصل عيناه المرآة.
ظلّت وداد متماسكة، لا تسمح بأية إشارة تنم عن الضعف أو الخوف، لم تسأله حتى عن سبب تغيير طريق العودة، أبدت عدم المبالاة بالذي ينويه، وفي أعماقها ودَّتْ لو تعطي جلالاً يدها، ليمسكها، يشدَّ عليها، فيمنحها القوة. كانت تفكر وتشعر به كثيفاً خلفها، لا يفصل بينهما غير ظهر المقعد، إلاّ إن يده ظلّت بعيدة، ويدها مسيّجة بآلاف الحواجز، تلك هي لعنة الحبّ، عندما تكون المرأة متزوجة، فكرتْ أنه موجود، وهذا الوجود يطمئنها، ويعذّبها في نفس الوقت، ويريده زوجها لأسباب أخرى، فهو يبقيه معهما أوقاتاً طويلة، يدعوه ليصحبهما في السفر، في ارتياد السينمات، والسهر في المقاهي، علَّ حركة ما، كلاماً، أو تصرفاً غير حذر يفلت منهما، فتتأكد شكوكه.
ـ لم تعودي تتذكرين ..! قال بصوت خافت وصمتَ، انتظر منها تعليقاً، أو التفاتاً، في الأخير أطلق تنهدة طويلة.
تضايقتْ من صوت تنهدّه، إنه موجهٌ إليها، يتذمّر بإطلاق التنهدات ليعاقبها بصمت، واحدة من عاداته المقيتة، عندما يفشل في تحويل النقاش لمصلحته. "أووف.." يدير وجهه ويطلقها، وهو يعرف أنها تستقر على وجهها وتخترق قلبها، واحدة من عاداته التي تبعث على الجنون.
"نغرم بالأشياء الكبيرة في الإنسان، ثم تظهر الأخطاء الصغيرة، كثيرة، خشنة، عميقة الوخز، ونعرف حينئذٍ أنها الأهم" قالت تسلط عيونها على الطريق، بينما أنظارها موجهة إلى الداخل، تجول بها في الماضي، تأخذها إلى لحظات الأمل الأولى. فكّرتْ إن الطيش، بل الرغبة في التحدي كانت وراء خيارها، كان هناك حبٌّ أيضاً، متعً كبيرة وسفر وأشواق ولقاءات جسدية عارمة "لكن أنظر الآن، كيف تراجعت تلك الأشياء، وبقيت هذه التنهدة المقيتة وحدها" فكرت بأسى، برغبة حزينة في الخلاص. قال يوماً، يكفي أن تكاشفيني بأية عاطفة حبّ تجاه شخص آخر، وسأخرج من حياتك بكل هدوء، وها هي اليوم مرعوبة منذ الصباح، منساقة بلا إرادة وراء هياجه وتخبطه ورغبته الكاسرة في إيذائها. قال، ليلة البارحة، إذا كنتِ مصرة على الطلاق، سوف أتهمك بالزنى. قالت لنفسها "الكذب أيضاً.. من الأشياء الصغيرة التي لا نكترث لأهميتها في البداية، لا نتصور أن أنيابه تظل تنمو إلى آخر العمر". باغتها شعور بالكراهية تجاه السيارة، نظرت في مرارة إلى لوحة الأضواء والقياسات، جميلة، براقة، تغور أرقامها الفسفورية في باطن العين، ولكنها تشعر نحوها بالمقت، اختارها صفراء، اللون الذي تحبه. قبل أيام قادتها في شوارع بيروت بعاطفة مختلفة، صحبتها في نزهة، أحسّتْ نوعاً من الصداقة ينشأ بينهما. "سنقوم بجولات ممتعة"، قال لها وهي تلامس المقود الجديد بحنان، الآن تجدها مقيتة، مستسلمةً ليديه، تحملها، تسرع بها، بكل بلادة، إلى الموت.

من الخلف، قدمت أربع سيارات يسبقها التزمير وصياح ركابها الذين يضربون على جوانب الأبواب، يغنون ويعلنون فرحتهم في فوضى صاخبة يتردد رجعها على السفح الآخر من الوادي.
ـ عرس مسيحيين، علّق صبحي، ثم أفسح لهم طريقاً ليعبروا.
مرّت السيارة الأولى ينحشر ركاب المقعد الخلفي على بعضهم، فوق هوائي الراديو تخفق شرائط ملونة، أطلقوا صيحات الفرح والغناء المشوش ورفعوا أياديهم يحيّون الركاب الثلاثة.
ـ لكن اليوم خميس، استدرك صبحي، ثم أضاف. عرس دروز.
عبرت بقية السيارات، مخلفةً ضجة المرور السريع ممزوجاً بأصوات الركاب دون أن تظهر طرحة العروس البيضاء، اندفعت إلى الأمام في صفّ واحد متلاصق ثم اختفت بين أشجار الطريق.
ـ ينقلون العريس، أوضح صبحي، ليحرمهم من الاستهانة بتقديراته.
خفف السرعة عندما وصلوا بحمدون القرية، راح يتأمل البيوت القليلة على اليمين، يزيد تفحصه مع بطء حركة الدواليب، كما لو يبحث عن بيت معين. فكّر جلال أنه سينزل من السيارة ويشتري لها فيلاّ خلال ربع ساعة، هاك رشوة صغيرة من أجل الحبّ، يقول لها.
توقفت السيارة إلى جانب محطة صغيرة للبنزين، على رصيف ضيّق تابع للمحطة يجلس رجل في حوالي الستين، يعرض سلالاً معبأةً بثمار الجبل، اللوز والجوز والتفاح، يصفّ إلى جانبها مرطبانات صغيرة وكبيرة من دبس الخروب، من راديو داخل المحطة تصدح فيروز بأغنيتها الجديدة "حبيتك بالصيف..." التي أطلقتها أوائل هذا العام، وظلّ نقاد الصحف والمستمعون يعتبرونها أغنية 69 بلا منازع.
ترجل صبحي من غير أن يظهر أي اكتراث بالباقين، تمشى على الرصيف وتأمل علب الزيوت في واجهة المحطة، بينما وقف شاب خلف المضخة يراقب وينتظر رغبة الزبون.
ـ هل يوجد مقهى أو مطعم في الضيعة؟ سأل أخيراً.
ـ لا، ردّ الشاب مع بسمة خفيفة، يعتذر بها لعجز المكان عن توفير هذا الأمر، هزّ صبحي رأسه متفهماً، يقبض على جناح النظارة بأطراف أسنانه.
كان يدرك أنهما سيتكلمان داخل السيارة ما إن يوليهما ظهره، يخفضان صوتيهما ويتحدثان، لكن عمّ سيكون الحديث؟
ـ ستجدون مقهى في ضيعة الشبانية، أوضح بائع البنزين وهو يشبك يديه خلف ظهره، متهيئاً لخدمة أخرى يمكنه تقديمها، إلاّ أن الزبون شكر، وتوجه نحو سلال اللوز.
ـ ماذا يفعل؟ سأل جلال بضيق.
ـ لا أدري، قالت بصوت هامس.
أحاديث صبحي تبلغ مسامعهما بوضوح، إلاّ أنهما لا يفهمان غايته النهائية.
ـ ولماذا دخل هذا الطريق، بعد أن قرر العودة إلى بيروت؟ عاد جلال يسأل، بازدراء هذه المرّة.
ـ هذا طريق فالوغا !
ـ وماذا يعني هذا ؟
ـ طريق فالوغا الذي يؤدي إلى مدينة صَليما !
ـ لا أفهم ...
ـ يا إلهي ! ردّت في نفاد صبر من جهله بالطرق والمدن وما تحمله من معانٍ في حياتها. صَليما، ألا تذكرها؟ عندما انحرفت السيارة بين يديه، وكدنا نسقط في المنحدر، ألا تذكّر هذا أيضاً؟
ارتسم الفهم على وجه جلال مصحوباً بالقلق. الآن فهم نظرات صبحي، اطلالة عيونه الغامضة في المرآة، كانت، إذن، نظرات كراهية، أو تبحث عن الحقيقة، تتجسّس على عينيه لتعرف ردّة أفعاله.
ـ هل البيع بالوزن، أم بالقفة؟ سأل صبحي بائع اللوز.
ردّ الرجل وهو يبتسم:
ـ كما تشاء.
ـ ماذا عن الكيلو ..؟
ـ خمس عشرة ليرة.
ـ ما قولك بعشر ليرات؟
ـ لا . هذا محصول الموسم، خذ تذوقه، قبض حفنة من اللوز المقشر وقدم يده نحو الزبون.
ـ واحدة فقط، قال صبحي، أخذ حبة وطحنها بين أسنانه، بينما الرجل يتطلع. ممتاز، سوف نتوقف هنا أثناء العودة لنأخذ كمية منه.
حيّا الرجل وعاد إلى السيارة، عندما فتح الباب رفع يده مودعاً الشاب عند المضخة، ثم جلس خلف المقود، وانطلقت السيارة من جديد.
نظر جلال إلى المرآة، وجدها ممسوحة بالوميض، لا أثر لعيون فيها، ثم أبعد أنظاره بسرعة. تذكّر وقوف صبحي أمام السلال، كان يختطف نحوهما نظرات سريعة أثناء حديثه مع الرجل، يراقبهما، وإذا صحّ ما تقوله وداد، فإنه يتّجه بهم إلى المنحدر القديم، ليخاطر هناك بحياته وحياتهما!
"قلتُ له أعطيك حفنة ملبْس، لكنه رفض بعناد غبي. التفتتْ إلى خانة الشوادي وصاحت: أكيد أن سلة الأكل تمرغت بين الأقدام، لماذا تلتزّين بالصبي، هل تريدين أن تكفشيه*؟ قهقهت النسوة اللواتي سمعن كلامها فانكمشتُ من الخجل، السلة مثبتة بين سيقاني، أحاول إقناعه للتخلي عن مرآة صغيرة في جيبه، مقابل حفنة من الملبْس.
"على سقف الطابق الثاني من بناء لم يكتمل بعد جلستُ بين أعمدة الكونكريت الجرداء، أضع حزمة الكتب المدرسية بين سيقاني، أنتظر خروج شهاب من بناية الإذاعة، قلبي يضرب بسرعة من اللهفة، لهفة لذيذة لم اعهدها من قبل، يتخدر لها بدني وتنسرب إلى ما بين فخذيّ، شهاب الأشقر، أنت فتاة جريئة، يقول ويداعب صدري برقة، أنظر بحبّ كبير إلى عينيه، أنتِ فتاة لا تصلحين لشيء، تقول عمّتي، دون اكتراث كبير بما تقول، إذا لم تكوني في المدرسة، أين قضيتِ النهار إذن؟ ما إن تدخل صديقتها نجوى حتى تهمل كل شيء، فأتحرّر من الاستجواب والتأنيب، تتذكرني فقط عندما تحتاج غرضاً من السوق، أو حاجة من داخل البيت".
ـ سوف نتعشى في زحلة، قال صبحي بغتة. أعرف مطعماً في مكان جميل داخل المدينة.
لم ينتظر رأياً من أحد على عرضه، إلاّ أن الأعصاب تحلّلت قليلاً من توترها، بما فيها أعصابه هو، وكان أثر استدارة السيارة باتجاه صليما، والطريقة النزقة التي أتّبعها في ذلك، مازالا يتفاعلان في أعماق الجميع. فكّر أن خيال زوجته سوف يذهب، لا محالة، إلى طرق فرعية تصعد شرقاً باتجاه زحلة، وهذا شيء جميل، سوف تتحرّر أعصابهما من الخوف، فتلوم نفسها على سوء الظن به. وهذا الكسلان الذي تفوح من ثيابه رائحة المطابع، سوف يطمئن أيضاً، فهو يتذكّر بلا شك منحدر صليما، والحادث الذي كاد يودي بنا جميعاً، وقد أدعى، وكل هذا كذب، أنه لم يخَفْ، وأنه لو وقع في الوادي لما أسف، وكل هذا كذب وادعاء.. أكّد لنفسه في احتقار.
دفع رأسه وكتفيه إلى الأمام لاتخاذ الوضع المناسب للقيادة، وألقى نظرة سريعة في المرآة. كانت عينا جلال تنتظران هناك، متسائلتين، مشوشتين، ثم هربتا، في نفس اللحظة التي هربت فيها عيناه من المرآة.
تابع أفكاره، مأخوذاً بالمتعة التي تمنحها قيادة السيارة الجديدة. تذكّر أنه حين أخذها من يدها إلى النافذة، وقال: هذه السيارة لكِ، لم تستطع إخفاء فرحها، مع ذلك تشكو أن العلاقة تحوّلت إلى جحيم! فجأة اخترق قلبه إحساس حزين بالخيبة، بعد كل تلك السعادة، وعواطف الحبّ التي كانت تعلنها، ويحسّها، في عينيها وداخل جسدها! لا شكّ أن وراء هذا التغيّر علاقةً ما، حبّاً، رغم أنها تنكر، فمن يكون وراء جنونها؟ تذكّر بمرارة أنها كانت تمتدح جلالاً أمامه، تثني على أخلاقه، وتُعجب بثقافته، فمن عساه لعب بعقلها، وحوّلها عن حبها غير جلال! أحسَّ بالضيق من الصمت المحيط به، خُيّلَ إليه أنهما يتحاوران، يرسلان الكلمات الصامتة كل منهما إلى الآخر، يفكّران سوية ويتبادلان نفس المشاعر. مسكينات النساء.. تمتم في سره. ينخدعن بهذه التفاهات، إلى أن يكتشفن أنها لا تسدد إيجار شقة. ومثل أغلب النساء اللواتي يجدن أنفسهن في حبٍّ جديد، تقول لنفسها إنها خُدعتْ. كنت في التاسعة عشرة، وهو يكبرني بعشرين سنة. وكل ما تفعله الآن أنها ترمي شِباكها على شاب، عاطل، يكاد يصغرها في السن، قال لنفسه في حنق، وضاعف شعوره بالمرارة أنها تعرف، قبل غيرها، خطورة الضغط على شرايينه، الذي يزيده التوتر ارتفاعاً، فيرهق قلبه.
"قفزنا إلى الأرض قبل أن تلمّلم النسوة عباءاتهنّ وثيابهنّ لينزلن من الباص، انتشرنا بين النخيل، تركتُ السلة على الأرض وركضتُ إلى النهر مع عدد من الأولاد والبنات، المياه تطفح على الجانبين، حمراء كثيفة، مثل الحليب الطيني. لا تقتربوا من الجرف، صاح السائق من الخلف، تراجعنا خطوتين صغيرتين، ثم عدنا إلى الحافة، الماء بارد على يدي وحركة الأمواج الصغيرة تخيفني، عاد السائق يصيح، النسوة منهمكات في المزاح وترتيب البُسط فوق العشب وتقريبها من ظلال النخيل، غرفتُ حفنة من الماء البارد وقدمتها بين راحتي للصبي، خُذ، قلت له، تحسّسْ الماء، كان يقف إلى الوراء خائفاً، لم يأخذ الماء الذي راح يتسرب من بين أصابعي بسرعة، في الأخير كوّر يديه، كرهت سمنتهما، لم تنزل فيهما غير قطرات، ضحك بغباء ما إن لامسته القطرات، وأنا افكّر بالمرآة".
فهِمَ جلال أنه وحده يعرف متى تتراشق النظرات في المرآة، إنّ وصول عيني صبحي إليها يتطلب منه التقدم إلى الأمام، يتململ في جلسته ثم يدفع جذعه إلى الأمام لتدخل عيناه سطحها اللامع، أو يمدّ ذراعه إلى علبة المحارم فوق التابلوه، حيث تنزلق، مع علبة سجائر وداد وولاعتها، كلّما مالت السيارة ثم عادت إلى وضعها الأول. ارتاح لهذا الاكتشاف، قرّر، بناء عليه، مجابهة نظراته بقوة، عندما يحسّ فيها نيران كراهية، أو يلاحظ أي شَزْرٍ يقصد به ترويّعه، أو تحديّه، إلاّ أن نقل الحرب بينهما إلى المرآة عمل سخيف، إضافة إلى خطورته، إذ ربّما ينشغل صبحي فتخرج السيارة عن الطريق، أو تصدم سيارة قادمة.
تضيق طرق الجبل كلّما ابتعدتْ عن المدن الكبيرة، وقد ظهر التوتر على صبحي بسبب حاجته إلى القهوة، راح يرفع يده الطليقة إلى أسنانه ويقضم أظافره، انعكس التوتر على قيادته، خاصة عندما يواجه سيارة مقبلة من الاتجاه الآخر. منذ منعه الطبيب عن التدخين تحوّلت شراهته إلى القهوة، حين يواجه عنادها تتوتر أعصابه وتغدو الحاجة إليها مثل الحاجة إلى المورفين. اندفعت إلى خياله أجزاء من النقاش الذي دار بينهما ليلة البارحة، لياليهما الجميلة، خلواتهما المفعمة بالأشواق والسعادة والاطمئنان التي تحوّلت إلى مجتلد للصراع والتوتر وتبادل الاتهامات، لذلك راح يقضم ويزيد السرعة، حتى غدا اندفاع السيارة وتأرجحها يتواتران مع هياج قواطعه.
رغم الجمود الملازم لملامحها، إلاّ أنه يستطيع الغور وراء خوفها، يتذكّر الرعب الذي ينتابها حين تتأرجح السيارة قليلاً بين يديه وهو يتجاوز السيارات الأخرى في الطرق الضيقة، أو يعبر منعطفاً ضيّقاً من غير تخفيف السرعة، فلن يمكنها التستر على خوفها الآن وراء قناع صامت.
فكّر أن يده المحشورة بين أسنانه تقلقها، تتابعها بطرف عينها، وهو ينزل بها هذا العقاب الصامت ليهزّ قناعاتها الجديدة، ليهدّم عواطفها التي زاغت عنه، تحوّلت هكذا، في غفلة منه، ونتيجة سعيه وراء راحتها، رضوخه لمطالبها. راحت أسنانه تنهش بقسوة، إذ شعر بعدم جدوى كل ما يقوم به لاستردادها، الأشياء تضيع مرّة واحدة، الحبّ، السعادة، السنوات الجميلة، الإخلاص، الإخلاص بالذات، حين ينكسر، لن تلحمه أية قوة في الأرض، ينكسر مرّة واحدة وإلى الأبد، حتى لو نجح في إعادتها، لن تعود وداد الأولى، وداد التي تعلقتْ به إلى حدّ الجنون، وكان له أن يتركها بين حشد من الرجال، دون أن تهتزّ ثقته بها مقدار شعرة، العواطف تنكسر مرّة واحدة، ثم يتحوّل الكسر، مهما كان صغيراً، إلى دملة تتفسخ وتتلف ما حولها.
على الرغم من وجه الشمس الساطع على الأحراش وبساتين الكرز والتفاح الممتدة من أعلى السفح المقابل إلى الوادي، أظلمت السماء في عينيه، وداد القديمة، المتمردة، الهائمة وراء الرجال، وراء رائحة الرجال وحبّهم، نهضتْ من جديد في زوجته، أيقظها جلال بوريقاته التافهة، ولن تعيدها إليه أية معجزة، لن تعيدها كاملة، فقد يهدأ سعارها العاطفي الحالي، نتيجة الملل من جلال، بَيدَ أنها ستعود إليه بجسدها، ليس بعاطفتها المشبوبة، وهو الملام، هذا الكسر ثمرة خطأه، نتيجة رغبة متهورة جاءت في زمان ومكان غير مناسبين.
في بلده، ومن مركزه السياسي المرموق، يستطيع، حين يشاء، أن يربط كل عشرين رجلاً في حبل واحد. الآن، ينفعل ويحزن ويخاف ويخطط للتخلص من شاب واحد، شاب فاشل، ينام في المكاتب، يحمل الورق إلى المطابع، ويوزع بيانات الآخرين على الناس.
ـ آخـ.. خ، طفرت منه صرخة مكتومة، فتح يده أمام عينيه، كانت أطراف أصابعه حمراء، مسلوخة، والدم ينبجس من إبهامه. سحبتْ وداد ورقة من علبة المحارم وأخذت يده، لفّتْ الإبهام وضغطت لتوقف النزف. قالت:
ـ يجب أن تتوقف عن هذه العادة السخيفة.
أطلق حسرة عميقة، شفقة على نفسه، حزناً على خساراته، وفي ذات الوقت زاد من سرعة السيارة. تخففتْ روحه من الضيق الذي هيّجته الأفكار، حين شعر ولمس انزعاجها، خوفها، وقطرات الإثم التي ستتخلف في ضميرها، أما جلال، فراقب ما يجري بانزعاج وشعور بالغربة.
ضايقه وجوده المتطفل بينهما، تمثيليات صبحي المكشوفة، تأففه الصاخب وتوتراته المفتعلة، المعركة المنتهية التي يخوضها لتغيير وجهة عواطف زوجته. لو كان الآن في أحد مقاهي السان جورج يرمي النرد، أو يحرك أحجار الدومينو ويتبادل المزاح مع أصحابه، لما تعرّض لهذه المواقف المحرجة!
كان عليه الابتعاد عن حياتهما المشتركة، جولاتهما وسهراتهما وانفعالاتهما، يبقى بعيداً، لتخوض المعركة بطريقتها إلى أن تحصل على الطلاق، أو يرحل زوجها، كما يفعل دائما ليعيد الخلاف إلى الثلاجة، ويتخلصان من وجوده.
لم يكن ليهتم كثيراً بما يجري بين وداد وزوجها، ترك لها مهمة المجابهة، قال لها مرّة واحدة إنه يستطيع، إذا طلبتْ منه، أن يواجه صبحي، ليعترف له بحبّهما، فرفضتْ بإصرار جعله يشعر بالراحة، أقنعه أيضاً بقدرته على مواجهة الأمور الصعبة، ما دام هذا يرضيها. بَيدَ أنه الآن يرتعش من مجرد تذكّر ذلك العرض.
تقول إن وجوده قربها يشدّ من عزمها، ربّما يسندها حضوره، إلاّ أن توترهما المبطن، المخفي وراء الابتسامات، وراء الأحاديث العادية، وراء التلذّذ بالأكل والشراب، ينعكس عليه ويضايقه، فهي تعرف، وهو يعرف، وزوجها يعرف أيضاً، أن وجوده يشركه في الصراع العنيف الصامت، ضمن لعبة تستوجب الطِعان، الشدّ والجذب الداخليين، لكنها لا تسمح بكلمة واحدة غير محسوبة، والآن أصبح يشركه في ألعابهما الخطرة، فكيف ستكون النتيجة، إذا دفع هذا الأحمق نفسه، وهما معه، إلى هاوية صخرية عميقة؟
عكف على نفسه يلومها لانشغاله عن الكتابة، هو الذي جذبته بيروت بأضوائها الثقافية المبهرة، أسماء شعرائها وكتّابها الذين تنتقل أخبارهم وصورهم بين الصحف انتقال النجوم في سماء المنطقة العربية، بينما يبدد الوقت في مصاحبة وداد وزوجها، السائح الذي لا يملّ الأكل والشجار.
أحسّ في داخله طاقة كبيرة لصياغة الحياة في معانٍ وصور شعرية، لا تقلّ جودة عن النتاج الذي يشغل الأوساط الثقافية، تلمّس بين جوانحه النار التي تتطلب القليل من النبش، لتتأجج معانيها في بناء لم يسبقه إليه شاعر من قبل. إن علاقته بوداد، رغم ما تقدمه من حبّ، ومتع جنسيّة، أثّرت على همّته في مجال الإبداع، القصائد الذي أنجزها قليلة، وهو غير مستعد لتقديمها للنشر لأنّها ليست في المستوى الذي يطمح إليه، والعمل الذي يقوم به متعب، لا يكاد يسدّ الرمق، وأصدقاؤه يفهمون قدراته، إلاّ أن السهر معهم لا يسمح له بالتأمل والمثابرة على الكتابة، إذن، صاح شيء ما في أعماقه، يجب تغيير هذه الحياة، صياغة علاقاته ووقته بالطريقة التي تخدم أهدافه، بما في ذلك علاقته ولقاءاته بوداد، الشهرة ستحقق كل ما حلِم به، وعليه أن يسعى إليها وحدها، لن يكشف لوداد عن عزمه الجديد إذا سنحت الفرصة اليوم، يعلنه في يوم آخر، حتى لا تشعر بأنه ينتظر لحظات حياتها الصعبة ليتخلى عنها، ليفكر بنفسه، غداً يقولها في كلمتين موجزتين لا غير، وعليها أن تتفهم طموحه المشروع.
في تلك اللحظة كانت تنظر إلى الطريق، فتعطيه قسماً من وجهها، شطراً ضيّقاً من الجبهة تغطيها خصلة الشعر المفروق، العين، الأنف الدقيق، الطويل، والوجنة البارزة، عريضة، مسطحة مثل وجنات الصينيات، بينما تنخرط بقية الوجه إلى الأسفل وتضيق، لتتخذ الهيئة والسمات العربية المعتادة، ويبرز ذلك في الشفاه الرقيقة التي أحبّها. من يعرف كيف اختلطت عظام آسيا الرطبة بعظام الصحراء الجافة؟ أولئك الغزاة القدامى، أو الرُحل الذين يقطعون آلاف الأميال على أقدامهم بحثاً عن العشب، برائحة زيت الأغنام على ملابسهم وفي أيديهم، وبخار المهود الباردة من أفواههم، زرعوا النبت البشري بين الوديان وعلى تخوم الرمال.
تذكّر الأنفاس التي تبعثها على وجهه أثناء الغفوة القصيرة قبل أن تتركه إلى الغرفة الأخرى، يحبّ تلك الأنفاس أيضاً، عوضتْ له سنوات الحرمان القديمة، الكبت وخطط والده لتزويجه من إحدى القريبات.
كان يهتم بفتاة لبنانية تأتي بشغلها إلى المكتب في نهاية كل شهر، تجلس معه فترات طويلة، تحدّثه عن أهلها في الجنوب، تكلمه عن الفقر والتخلف المقيمان هناك، لكن الغزاة ظهروا فجأة في حياته من الشرق، صاحوا صيحة الحبّ عَبر أسلاك التلفون: تعالَ، فأنساق وراء نداءهم.
لاحظ التعب الذي يثقل هذه الملامح الآن، الحزن الذي يهدم الحياة فيها، تساءل: في هذه اللحظة، أترى عيناها الأشجار والبيوت والفلاحين الذين يعملون في المزارع، أم أنهما مقلوبتان إلى الداخل، تفكران بمأزق حياتها مع صبحي؟
" قالت عمّتي يا خايبة شوفي كيف إنجعص* البيض المسلوق. رفعتْ البيضات المرضوضة أمام صديقتها نجوى تُشهدها على صحة حذرها من بلاهتي، لن تصلحي لشيء في أي يوم من الأيام، قالت، وكان عدد من الفلاحين قد تجمعوا، يتفرجون علينا من مسافة، ومدّتْ نجوى ذراعها العارية في السلة تبحث عن كيس الملح، فشعرتُ بالقلق من انحلال الكيس وانفراط الملح، لكن ذراعها خرجت به وقالت: الملح بخير يا حبيبتي، وكنت أحبّ هذه الكلمة التي تقولها كل واحدة إلى الأخرى حين تكونان وحدهما...
"أول ما شاهدتُ من ثقب الباب ذراعها، نور المصباح يزيد بياضها، كفها الصغرى الناعمة ارتفعت من الفراش الذي تستقر عليه إلى رقبة عمّتي، مسحتها برقة، تصورتُها تزيل شيئاً عالقاً عليها، لكنها نزلتْ على الثدي، ثدي عمّتي الكبير، راحت تداعبه وعمتي تبتسم صاغرة، قربتُ عيني أكثر فرأيت فخذها الضخم عارياً مندساً بين فخذيّ صديقتها، همستْ عمّتي بشيء ما، فضحكتْ نجوى ثم قبلتها من فمها، الأفخاذ تزداد التصاقاً، ملساء مع حمرة خفيفة في بعض المواضع، اكتشفتُ انهما عاريتان حين رأيت شعر عمّتي الأسود من خلف أردافها، خفتُ أن تتنبها لوجودي، مع الخوف داخلني إحساس غريب بالفرح، ثم اكتشفتُ أنه نوع من المتعة جديد عليّ، متعة لذيذة راحت تغزو كل أنحاء جسدي عندما تعانقتا وبدأتا تتبادلان القبّل بقوة وسيقانهما تتصارعان بحميّة أكبر، أصبح خوفي أكبر، أصبح خوفي أكثر لذة، تمنيت أن لا تأتي أيٍ منهما إلى الباب، بقية النهار، ثم لأيام معدودة بقيت أفكّر بما حدث لي، أشعر بالمتعة كلّما أسترجعه في خيالي، أصبحتُ أحبّ العطر الذي يفوح من ثياب عمّتي، أو ثياب صديقتها عندما أقترب منهما، في الحمّام الشعبي كنت أشاهد عريهما الكامل، الشعر الأسود بين فخذيهما، إلاّ أنه لم يثر في داخلي أي إحساس غريب. وداد، تقول عمّتي، أوصلي الغداءْ إلى والدك، حين تكون نجوى في البيت أعرف انهما ستوصدان باب الغرفة عليهما. حين فتحتُ باب الشقة لم أوصده ورائي، خلعتُ حذائي في الباب من التعب وذهبت أتخلص من الأكياس في غرفة النوم لأعود إليه، فوجدتُ هناء تسحب التنورة فوق عجيزتها، وصبحي عارياً يفتش عن لباسه الداخلي".
بدت ضيعة (قبيع) أكثر حياةً من الضيعة السابقة، بيوتها تصطفّ على الطريق، إلاّ أنها، مثلما أوضح الشاب في محطة البنزين، لا تقدم، هي أيضاً، خدمات للمارين، تمهلتْ السيارة قليلاً وهي تعبر الضيعة، انشغل الثلاثة في مشاهدة البيوت الصغيرة الجميلة، تتدلى من نوافذها وشرفاتها أعناق الجيرانيوم والأقحوان الأصفر وفم السبع والغردينيا، بعض رجالها المسنين يجلسون على مقاعد صغيرة في أبواب دكاكينهم، يراقبون السيارات المارة، أو يتجمعون حول طاولة داما، والفتيات يتمشين على الطريق العام في جماعات صغيرة، يزهينَ في ملابس جميلة، خدودهن موردة، يتكلمن ويتنادين بقلوب مرحة تتفجر بالثقة وبالآمال، فيما يسير الشبان في جماعات أخرى، يتمازحون ويتلفتون نحو الوجوه المشرقة والضحك المحمّل بالنداءات الخفية وراءهم، أو على الرصيف الآخر من الطريق.
الثقة المشرقة على وجوه الفتيات أعادت الغمّ إلى صبحي، أظلمت السماء في عينيه من جديد، ذكّرته بوداد، حين التقى بها أول مرّة في شقة سلمان، فتاة في السابعة عشرة، مرحة، جريئة، تتصرف بثقة كبيرة في النفس، وحين غمزه سلمان بعينه فهِمَ أنها تأتى للمرة الأولى. ليست جميلة، جسدها النحيف لم ينضج بعد، تقحم نفسها في كل الأحاديث لإظهار ثقافتها، وتعتبر وجودها في هذا الوكر الليلي للعزاب والمتزوجين ضرباً من التحدي، النموذج الحديث للمرأة المتحرّرة. مع ذلك سيطرتْ على خياله، حرّكتْ في داخله شهوة غامضة لكسر هذه الثقة التهريجية، التي تعتقدها حاسمة وأكيدة بالنسبة لقوة الشخصية.
منذ تلك الجلسة راح يخطط لجذبها إليه، في الليالي التالية أصبح يخوض صراعاً خفياً مع سلمان لانتزاعها. القدرة على الحديث كانت السلاح الذي يتفوق به على صديقه، خوض النقاشات في السياسة، الفكر، الثقافة العامة، وكانت معرفة القليل من كل منها تكفي لإلهاب الجلسات بالنقاش، فالآخر لا تشغله هذه الأمور كثيراً، بل انه لا يهتم إن كان ما يردده صبحي يستند إلى الحقائق أم لا. وداد وحدها تخوض، بوعيها الوليد، معارك الكلام لإثبات وجودها، لفرض حيّز أكبر لشخصيتها داخل الشقة، وعندما يحضر رجال آخرون يتردد صبحي في إثارة مواضيع تسمح بالنقاش، في أحيان كثيرة يغريهم بالانصراف إلى المرح. كانت معركته مع سلمان، ورغبته المضمرة إبعادها عن الشقة وأجوائها. لاحظ أن وداد نفسها تنكمش لدى حضور الآخرين. عرف أنها ليست ثرثارة، بل فتاة غرّ، هدفها طفولي، مقتصرٌ على إبهار الرجال من حولها.
بعد أسابيع قليلة بدأت تسعى لإبهاره، فشعر أن المرحلة الأولى من خطته نجحت، الفتاة دخلت فم المصيدة.
أول مرّة وافقت على اللقاء به خارج شقة سلمان اكتشف إنه ذاته كان داخل المصيدة، دوخته السعادة طوال النهار، ظلّ يخطط في فرح غامر لأشكال اللقاءات القادمة، أماكنها، نوع تصرفاته الأولى، في الأخير اكتشف انه يخطط لحياة كاملة مع هذه الفتاة المراهقة، أكثر من ذلك، انه متعلق بها، ناسياً تماماً واجباته تجاه أولاده وزوجته، ثم طمأن عقله أنه ليس بالرجل الذي يمكن تهديم حياته، تكفي ليلة، ليلتان في الفراش، ليشبع منها، وتجعل من رغبته في تحدي ثقتها بالنفس أشبه بمزحة تقال في ليلة سُكْر، ويلفّها النسيان في اليوم التالي، إلاّ انه اليوم، وبحساب النتائج النهائية، هو الخاسر الكبير في الرهان، وأن الحبّ، وعشر سنوات من الزواج، كانت امتداداً للّعبة ذاتها، اللعبة القديمة التي ابتدأت في شقة سلمان، مستورد الآلات الزراعية، فلا العيش في بيروت، ولا أخطاء الحياة اليومية الصغيرة تمثل السبب الحقيقي لهذه الخاتمة، إنّما الرهان كان المرأة، المرأة التي أنقذها من حياة تشرد كانت على وشك الانغمار فيها من دون رجعة.
لم يساوره الشكّ بزوجته الكبيرة، قبل أن تنجب له الأولاد، أو بعد إنجابهم وتربيتم، ابنه الكبير أصبح الآن على أعتاب الزواج. أغلب العطل السنوية يقضيها صبحي في سفرات طويلة، هو وأصحابه يذهبون بالسيارة إلى تركيا، يزورون بلدان أوربا، يمرحون ويسكرون ويرتادون بيوت الدعارة، لم يساوره الشكّ فيها حتى للحظة واحدة، طباعها ونفسيتها يمنحانه الاطمئنان التام، مشكلته تكمن في برودتها الطينية، جهلها بحاجته إلى عواطف مشبوبة، إلى قدحة من نار تنبعث من جسدها الأبيض، الرخص، النظيف دائماً، ينفتح وينغلق في رتابة تمزّق الأعصاب. لكلّ شيء ثمنه، همس لنفسه. شريعة الحياة، شريعة بليدة، وأطلق زفرة طويلة.
وهو يسلّم أصابعه من جديد إلى قواطعه الحانقة، فكّر أن وداد نفسها اقترحت مجيء هناء إلى بيروت، لاستضافتها فترة الصيف بشقتهما، وهي تعرف أنه لم يخنها في أي يوم، تعرف أنه ترك زوجته وأولاده ليكرّس حبّه لها، وقد اعترف بخطئه، بضعفه في لحظة إغواء لم يتوقعها، فلماذا لا تغفر له وقد غفر لها كل ماضيها؟
تبحثُ عن ذريعة لتستجيب إلى طبيعة تتملّمل خلف قشرة رقيقة، تنتظر الأداة التي تحكّها، من الداخل أو الخارج، لتنفث قيحها المخزون، ثأرها.
خسرتُ الكثير، تمتمتْ أعماقه في غضب مفاجئ. خسرتُ الماضي، وأخسر الآن الحاضر، كأن نصيبي من الخسائر الكبيرة، هو الثمن الذي يناسب فترات الحبّ والسعادة التي عرفتها مع هذه المرأة. إذن، ما جدوى محاولاتي الآن، على أي شيء أراهن، بينما المستقبل سيكون مليئاً بالخوف والشكوك؟
ـ لن نذهب إلى زحلة، قال فجأة، فارتجت السيارة من الداخل، تكهرب الصمت من جديد، أضاف. سوف نتعشى في بلدة صَليما، أو بكفيا.
لم يردّ أحد على برميل البارود الذي دحرجه داخل رؤوسهم، فاستطرد موضحاً:
ـ نحتاج وقتاً طويلاً لوصول زحلة.

أدركت وداد أن حديثه عن العشاء في زحلة كان جزءاً من المخادعة ولعبة الأعصاب. التفتتْ إليه بحدة، فوجدته يثبّت نظره باستقامة على الطريق، ويرسم على طرف فمه ابتسامة ماكرة، يحسُّ نظرتها الغاضبة ولكنه يتجاهلها، وتبقى الابتسامة على فمه، تنطق بالكثير. لأول مرّة تشعر بكراهية عميقة نحوه، برغبة في أن تسحق هذه الابتسامة بشيء ما، ثم هدأتْ، استسلمت لاقتناع مريح، مطمئِن، أن الانفصال هو الخيار الوحيد، العادل، المتبقي أمامها.
في تلك اللحظة تعرّت أمامها حقيقة روحه، قاسية، أنانية، لا تعرف الرحمة، ظلّت متخفية وراء تعلّقه بها، وبذخه على رغباتها ومتطلبات حياتها "ماذا يريد الآن؟" تساءلت في صمتها القلق. "يدفعنا، ويدفع نفسه معنا بالسيارة من أعلى الجبل؟ ليفعل، أتخلّص من هذه المشاكل" وعندما قدرتْ المسافة المتبقية بينهم وبين صليما، فالمنحدر، عاودها الخوف، وألحَّت عليها الحاجة إلى الإمساك بيد جلال، أو في الأقل مسِّها بشكل عابر، بيد أن أية حركة من هذا القبيل كفيلة بتدمير كل شيء، فاكتفتْ بالاطمئنان الذي يبعثه وجوده معها، ثم سرعان ما بدا لها هذا الاطمئنان غامضاً، إنها تعرف عمق هدوئه، ولكنها لا تعرف شيئاً عن صلابة شجاعته، وحين أخبرته قبل ثلاثة أيام أن صبحي أشترى مسدساً صغيراً يحتفظ به قرب رأسه في درج الكومدينو، قال لها لا تخافيه، فهو ليس بالرجل الذي يطلق النار. في هذه الساعة، حيث يقترب الجميع من اللعبة المفزعة، يبدو هذا مجرد كلام، فقد بادلته الحبّ والحياة عشر سنوات، من دون أن تسأل نفسها إن كان بالرجل الذي يطلق النار، ولكنها تعرف جيداً أن من السهل عليه أن يدفع الآخرين، أو يدفع لهم، لكي يفعلوا ذلك. "الإنسان لا يطرح الأسئلة المهمّة إلاّ في اللحظات الأخيرة" قالت لنفسها في النهاية.
"عندما حملتُ صفرطاس* الغداء إلى أبي وجدته يذرع القماش ويتحدث إلى زبونتين في باب الدكان، ذهبت إلى المخزن الصغير في الخلف لأجلب المناشف الوسخة، قالت عمّتي وفيقة لا تنسي المناشف هذه المرّة، رأيتُ امرأة تنام على السرير الصغير، تحمل سيجارة بين أصابعها وتسند يدها على جبهتها، ماذا تفعل المرأة هنا؟ جرّني من يدي وأعادني إلى الدكان ثم عاد يتحدث إلى المرأتين. ماذا تفعل على السرير الصغير الذي يضعه في المخزن لفترات القيلولة؟
"تقول عمّتي إن أمّي نحيفة مثلي، لكنها عصبية، دائماً معلولة، دائماً أتخيّل أشكالاً مختلفة لوجهها، لقامتها النحيفة، سمير وحده رآها، كان في العاشرة حين ماتت، يصفها لي وعيناه على الأرض، ثم رحل إلى أمريكا، لم أرَه إلاّ مرتين منذ رحل قبل عشرين سنة، المرأة على السرير لا تشبه أمّي، ممتلئة، ملامحها مسترخية، تدخن وتنتظر في صمت. بقيت أتساءل ماذا كانت تفعل هناك؟ وعندما رجعتُ إلى البيت وجدت باب الدار مفتوحاً، بينما غرفة عمّتي وفيقة موصدة، سمعت ضحكتها فتوجهت إلى الباب، كان موصداً، فعرفتُ أنها تحتضن صديقتها نجوى على السرير، شممّتُ رائحتها تفوح من شقّ الباب، وضعت عيني وراء الثقب، كانتا تسترخيان وأرداف نجوى الكبيرة عارية حتى بطنها، أبيض، منتفخ قليلاً، سرته عريضة منخسفة، شعرها بين الفخذين فاحم، كثّ، فصنعتُ متعتي بنفسي، داخل الحمّام".
توقفت السيارة في ضيعة شبانية، أول من ترجل صبحي، ثم نزلت وداد وجلال. كان الجلوس لفترات طويلة أنهك الثلاثة، خدر سيقانهم وخلف على ثيابهم الفوضى.
نفضتْ تنورتها، تنحني إلى الخلف تبحث عن مواقع الطيّات، فالتقت عيناها عيني جلال، كان بدوره يرتب فوضاه، ويشعر بالحاجة إلى نظرتها، كأنها رحمة سماوية يقدمها كلٌّ منهما إلى الآخر، بينما سبقهما صبحي إلى المقهى، قصيراً، ممتلئاً، مع انحناء خفيف، يتعثر قليلاً في مشيته كما يتعثر كل الرجال الذين تتحطم رهاناتهم على البشر.
بنظرة أخرى، قدّرتْ المسافة بينهما وبينه، بعدها قالت لجلال، تخفض صوتها قدر ما تستطيع:
ـ ماذا نفعل؟
أربكه السؤال، شعر كأنها تطلب أن يستل سيفه، أن يعالج الجنون الذي يقربهما من الموت خطوات سريعة، يقطع رأس الحماقة التي تهدد حياتهما وحبّهما، فهل يمكنه الاستجابة للنداء؟ قال:
ـ ماذا نفعل؟ ردّ سؤالها إليها، ثم وقف يواجه نظراتها الحائرة تصطبغ بالحيرة والخيبة.
ـ قبل أن نصل المكان، سوف أجبره على إيقاف السيارة، وأطلب منه أن ينحدر بها إلى الوادي لوحده، هذا ما يمكن عمله.
اختفى التشويش الذي اكتسح عينيها منذ لحظة، انفرج وجهها عن ابتسامة خفيفة، حنون، تقول له، همساً: أحبّك.
شعر جلال بثقل كبير ينزاح عن قلبه، ارتاح، بضع كلمات خلّصته من الحرج الآن، إلاّ أنها ستقذف به إلى مأزق حقيقي في الفترة القادمة. هل يستطيع، فعلاً، منعه؟ يخرج وداد من السيارة ليصيح بوجهه: افعل ما تشاء بحياتك، أما نحن فسنعود إلى بيروت. ماذا يفعل إذا قال صبحي: إنها زوجتي وستبقى معي، اذهب وحدك إلى بيروت!
ظهر له الآن أن علاقته بوداد تقوم على أسس خاطئة، أنه تورط في هذا الحبّ، قالت له في التلفون: تعال، بصوتها المبحوح ظلّ يلتقي بها في مقاهي بيروت، يذهب معها إلى السينما، ولم يكن يشعر نحوها بعاطفة، متزوجة، وليست جميلة، الشيء المثير فيها تناسق جسدها، لم تخطر له فكرة الوقوع في حبّها. تعال، قالت في التلفون من بيتها، صوت يتحشرج بالود الحار، بالاشتهاء، هو يعلم أن زوجها في بغداد، والدقائق الأولى تعبر الثامنة مساءً، وكان افترق عنها في الخامسة فقط، قضيا نهاراً ممتعاً، كأصدقاء، مزحا كثيراً، زارا صديقاً في بيته استرجعوا معه ذكريات مشتركة عن أحداث وشخصيات ودموعهم تسيل من الضحك. تعال، مشروخة، يفيض منها الدفء والوحدة، لم تقل أي كلام آخر، تعال، كأنها تتوقع منه أن يفهم النداء، يستوعب الجحيم وأقرب المسالك إليه.
في الطريق، بين مكتب التصميم، الذي يعمل وينام فيه، وبين شقتها، اكتظّت مسافة الذهاب بالأفكار، بالتأويلات، الأحلام، الرغبات، وعندما فتحتْ الباب، وقف كلٌّ منهما أمام الآخر، معبأً بالاشتهاء، ومهيأً للجنون.
بَيدَ أن الجنون اللذيذ، يقترح الآن مطالبَ كاسرة.
المقهى الذي نصح به الشاب مقفل، وطرق ضيعة الشبانية هادئة، تكاد تخلو من البشر، باستثناء بضعة دكاكين على الطريق العام تستقبل زبائن معدودين. لم يصل المصطافون البيروتيون بعد، ولا أبناؤها الذين يعملون في مدن الساحل، أو أولئك الذين عبروا البحار والمحيطات وأسسوا لهم حياة جديدة في الخارج، ويعودون أحياناً إلى قراهم الأصلية ليقضوا الصيف فيها، ثم يرحلون ليغيبوا فترة طويلة من الزمن، أو بقية الزمن، في المهجر.
اللبنانيون يهاجرون ليساهموا في تأسيس الممالك والثروات في كل بقاع الأرض، ويغذون من غربتهم البعيدة من تبقى خلفهم في الضياع والمدن بالأموال والآمال.
بعد أن تحدّث إلى البقالين، وقف صبحي على الرصيف، يسند يده اليسرى إلى خاصرته، يتطلع إلى السيارة وركابها على الجانب الآخر، يسحقهم بنظرة ثابتة، تحَمِّل غدرهم وشهواتهم الهوجاء مسؤولية الظلم الذي يلحق به الآن، منذ الصباح يطوف بالسيارة، يخوض صراعاً مجهداً، يقطع الأنفاس، لاسترداد عواطفها وحبّها اللذين أنضجهما على يديه، ولحظات اليأس التي تمرّ أحياناً وتكاد تُخرس قلبه من التعب..
في هذه اللحظة تأكد أن وراء عنادها، جفوتها، برودها الجنسي، وإصرارها على الطلاق، حبّ أغراها به جلال. هي تنكر، تتنصّل وتتذرّع بالصداقة البريئة، إلاّ أن عينيه ينكشف أمامهما الآن وضوحٌ كاملُ. إنها تتعمّد تعذيّبه لكي ييأس منها، تخدعه، لكنها نفسها مخدوعة، ولولا هذا الإنسان الفاشل، لكانت غفرتْ غلطته الصغيرة مع هناء، الغلطة التي أقسم أنها لم تكتمل، وأن دخولها أنقذه من إغواء صديقتها.
ـ لن نجد مقهىً إلاّ في حمانا، أعلن في ضيق، ودخل وراء المقود، فصعد الآخران، أدار المحرك ثم أضاف. ما إن يشبع اللبنانيون حتى يتبطّروا، قال كأنه يخصّ نفسه وحدها بالحديث.
المرآة تعكس جزءاً من الطريق والأشجار، لذلك انتابت جلال رغبة متهورة في الردّ، في اختبار حجم عدوانية خصمه، أو كسر الصمت بينهما، قال:
ـ من حقّهم أن يفعلوا هذا، إنهم فنانون في كل شيء. نظر صبحي في المرآة، فوجد عيني جلال في انتظاره، الشعاع المنبعث منهما لا ينمّ عن العداء، قال:
ـ فنانون في أن يمتصّوا نقودك، قال جلال:
ـ طيب، لا يوجد بين العرب من يقدم الخدمة مجاناً، حتى الرديئة منها.
وداد، التي بقيت صامته، اكتسحها شعور بالارتياح من ردود جلال، تحبّ تصدّيه لأفكار زوجها، يسخِّف أقواله بحجج قوية، وغالباً ما تذكّرتْ في ذلّ، وقوفها في الماضي إلى جانب كل ما يقوله صبحي، حماسها ودفاعها عن مغالطاته، سكوتها حتى على أكاذيبه، ثم بدأتْ تكتشف حماقتها عندما راح يستخدم معها ذات الأسلحة أثناء شجارهم ومعاركهم اليومية، التي تنشب لأتفه الأسباب.
قال صبحي بما يشبه التحدي، في لهجته وفي نظراته:
ـ أكره هذه الطريقة في الخدمة.
ثبّت جلال نظرته في العيون المطلّة من المرآة، ليقول: ـ إذا ناقشنا هذه المسألة بقليل من العدل، فإن غالبية العرب يمدّون أيديهم كلّما حانت الفرصة، باستثناء سكان الصحراء، الذين جعلتهم الحياة القاسية، وشظف العيش، في غنى عن الحاجات التي استعبدت أبناء المدن، خاصة ذوي الأصول الفلاحيّة منهم.
انفكّت النظرات، هربت من بعضها واحتلّت الأشجار والطريق مكانها.
أجاب صبحي بضحكة قوية، فجة:
ـ انظر إلى مدن النفط، إلى الفسق والبذخ، إلى الجشع الذي انقلّب إليه البدو، بعد أن انهالت عليهم الثروة!
ـ سكان الصحراء لم يذهبوا كلهم إلى المدن، وأنا أعني هؤلاء بكلامي، في الحاضر كما في الماضي.
ضحك صبحي من جديد، هذه المرّة باستهزاء واضح، بتحدٍ سافر جعل وداد تشعر بالخوف من أن يتوتر الحوار بينهما، مما يدفع زوجها إلى ارتكاب الحماقة التي تدور في رأسه، الآن، وليس في صَليما.
توقف صبحي عن الضحك ليسأل في المرآة:
ـ قل لي من فضلك، هل العراقي يمدّ يده أيضاً؟
ـ يمدّها لغرض أكثر قبحاً، أعني القسوة والعنف.
التقتْ العيون للحظة، ثم انفكّ الاشتباك بينهما، وانطلقت السيارة من جديد، بعد أن عاد الصمت الثقيل إلى الداخل، انكمش كلٌ وراء قوقعة سميكة، ليؤجج نيرانه بمعزل عن العالم القريب، والبعيد عنه.
الرغبة في معارضة صبحي، وتسخيف آرائه، كانت وراء حماس جلال في الحديث الأخير. لا يهمه موقع الحقيقة في ما يقول غريمه، إنّما تعنيه الأفكار المعاكسة التي ترد على خاطره في اللحظة نفسها، ودائماً يستطيع ابتكار الحجج لدفع خصمه إلى زاوية ضيقة، والآخر مكشوف، في مناوراته وفي الشِراك التي يضعها في طريقه، حتى عندما يجري التلميح، من مسافات بعيدة، إلى وداد.
قال صبحي أكثر النساء إمتاعاً هي التي تصرخ أثناء الجماع، تُمتِع أكثر من المرأة التي تتأوه. كانا يجلسان في مقهى، في انتظار خروج وداد من الجامعة. عرف جلال غرضه على الفور، فقد أراد استدراجه للإيقاع به، مهزئاً نفسه في سبيل ذلك، أو يغامر بأن يفعل ذلك، فأشفق عليه.
الآن يتذكّر المرّة الثالثة التي نام فيها معها. في المرّات الأولى ظلّت خجلة، رغم حرارة اشتياقها، رغم مغامراتها الجريئة قبل الزواج التي حدثته عنها، خجلة من عريها، من فتح جسدها له، أدرْ وجهك إلى الجهة الأخرى، كانت تقول حين تنزل من السرير لارتداء ثيابها، في الليلة الثالثة صرختْ وهي تتلوى تحته، شهقت بصوتها المبحوح، ثم صرخت وظلّت تصرخ، بلسانها وجسدها، مع وتيرة حركاته.
النافذة الطولية في الغرفة الخلفية التي تنام فيها، تطلّ على حرش صغير، أوراق الليمون والبرتقال ما زالت مبلّلة بعد أن توقف المطر منذ فترة طويلة، والقطرات تتلألأ من انعكاس ضوء القمر، شعر صدره يهتزّ تحت ضربات قلبه، كان يخفق بقوة كبيرة غير معتادة، اللذّة التي خلفتها العملية ظلّت تُرجف بدنه، تخضّه من الأعلى إلى الأسفل، لم يشهد نساءً كثيرات في حياته، فأرعبه الخفقان، الضربات تدوّي في صدره، لم يسمع صراخ الأجساد من قبل، فأذهلته العاطفة التي تفجرت داخل شرايينه وأوردته.
بعد أشهر، ضعف ارتعاش الصدر، بَيدَ أن الصراخ ظلّ يبحّ في غرفة البرتقال، كما كان يسميها، أو في رأسه، عندما يصبح وحيداً.
بعد أن يخلو مكتب التصميم من العاملين والزبائن، تضغط عليه وحشة الليل، فتتأجّج الرغبة إلى رؤية وداد، احتضانها، تقبيلها، سماع صرخاتها، النوم على صدرها الصغير إلى أن يشعران بالنعاس. تسأل: هل تنام الليلة هنا، أم تعود إلى فراشك في المكتب؟
ـ يدكَ تنزف، قالت بلهجة تحتمل التأنيب والحرص. لماذا رميت المحرمة؟
ـ دعيها تنزف، ردّ صبحي بشيء من الحنق، بينما عيناه مسمرتان على الطريق.
يعلم صبحي أن النزف يقلقها، أن أدويته تسيّل الدم، وتحفز القلب لتنشيط الدورة الدموية بقوة أكثر من المعتاد، لذلك يصعب إيقاف النزف مهما كان الجرح صغيراً، وكثيراً ما جعلته حلاقة الوجه ينتظر ساعات طويلة في البيت، لكي يتوقف انسياب الدم من خدش طفيف تخلّفه الشفرة نتيجة حركة مفاجئة، أو سحجة شديدة.
ضغط إبهامه على المِقود. كانت أنظارها معلّقة بصفحة وجهه، يراها بطرف عينه، فزاد ضغط الإبهام لينبجس المزيد من الدم، ليسيل على المقود وينزل إلى بنطاله إذا اقتضى الأمر، لأنه فكّر في امتحان عواطفها، صِدق حرصها على سلامته، هل تُظهر قلقها من قطرة الدم، وتخفي رغبة أعمق في الخلاص منه، في ابتعاد قد يقضي عليه؟
لو يعرف فقط، هل تهمها حياته، أو تأمل في موته! لو يشقّ صدرها في هذه اللحظة، ليفهم أسرار الشرنقة التي تحيط قلبها، يصل مركز العاطفة فيه، إلى من يبعث إشاراته الآن؟ هل تبَقى له في هذا القلب من الحبّ ما يكفي للقلق على جرح إبهامه الصغير، أم أنها تمثل دور الزوجة فحسب؟
منذ اليوم الأول الذي أبعدها فيه عن شقة سلمان، قصّتْ عليه أهم أحداث حياتها، داخل بيت أبيها وخارجه، قالت له كل شيء، فردّ عليها إنه يتشرف بكل ماضيها، ومنذ اليوم يبدآن حياة جديدة، أساسها الحبّ، لا شيء غير الحبّ، وبإمكانها أن تتركه في اللحظة التي تشعر بانتهاء هذا الحبّ، أو خفوته. صارحيني، قال لها، ولن أقف بوجه حريتك، الصراحة ستكون عقد الزواج الحقيقي بيننا، وسألتزم هذا العهد من جانبي أيضاً، فلماذا ينغلق وجهها الآن؟
صارحها بدوره، حكى لها عن زوجته، قال إنها لا تفهم معنى الحبّ، ولا العاطفة التي يحتاجها، أمّ بيت لا أكثر، وعندما شعر بضآلة ما حكاه قياساً إلى غَمْرَة أحداث حياتها وهي لم تبلغ العشرين بعد، سرد تفاصيل عمله الوظيفي والحزبي، تفانيه، إخلاصه والتضحيات التي قدمها، اشتراكه في صياغة قرارات على جانب كبير من الأهمية، لاحظ اهتمامها بكلامه فحدثها عن أعمال الخير التي قام بها، الأشخاص الذين أنقذهم من عقاب يبلغ درجة الموت أحياناً. بعد تلك المكاشفة، غدتْ تحدّثه بما تصادفه في حياتها اليومية، القضايا الصغيرة والكبيرة، المهمة والتافهة. فكم من المشاعر، من النوايا، والأمور التي تفجع القلب، تخفي الآن وراء صمتها الحالي؟
خفّف من اندفاع السيارة، فهدأت أشجار الصنوبر من الركض إلى الوراء. ظهرت من المنعطف شاحنة كبيرة، جاءت تسير ببطء، محمّلة بأسلاك التلفونات مطوية على بكرات هائلة، ثقيلة. فكّر صبحي أن اللبنانيين يبنون بلدهم في سلام، بينما ينشغل بلده في مواجهة المخططات الأجنبية. اخترق جوف السيارة دوي يصم الآذان حين عبرت الشاحنة عن يسارهم، فاندفع بسرعة كبيرة ما إن خَلا له الطريق، وراح يقدّر في دخيلته المسافة المتبقية بينهم وبين بلدة صَليما.
من بين كل الأشجار، يوحي الصنوبر لوداد بالوحدة، جذوعها المتباعدة، الواقفة بثبات، بصمت، بعيداً عن أكماتها الإبريّة الخضراء، بعيداً عن البيوت والبشر، كل هذا يجعلها وحيدة.
تذكّرت وحدتها، الحرية الموحشة التي قدّمها البيت، مخيفة بالنسبة لصبية تنشغل عمّتها في صداقاتها وعزوبيتها الطليقة، ويعود والدها من عمله وسهراته في آخر الليل، فراحتْ تتعلّم الحياة، تكتشف ألغازها لوحدها، بالأحاسيس ولا شيء آخر. لم تكره عمّتها، لم تحبّها أيضاً، ذلك الحبّ الذي أخذت تبحث في الخارج عمّن تعطيه له.
كانت ترتاح إليها، فهي دائماً منشغلة بنفسها، ذلك الانشغال الذي يمتعها، تراقبه وتشارك فيه من مسافة صغيرة، إضافة إلى أنه يقدم لها حرية كاملة، تسرقها في سهولة، الحرية بالنسبة لها أن تفعل ما تقودها غرائزها إليه، مع الحرص أن يكون بعيداً عن أنظار البيت، لتتجنب زجرات عمّتها، إذ لم يكن أحد ليهتم بعقابها. كانت تحمّل تلك الزجرات، الباردة، المائعة، أسباباً كبيرة للخوف، تحوّلها في ذهنها إلى عقاب شديد، قاسٍ، خالٍ من الرحمة، فتحدّث التلميذات في المدرسة عن الخوف من عمّتها، وقدرتها الرهيبة على العقاب، تهديدها بالعقاب يُنفذ لا محالة. "يا خيبة أمّك، كيف مزقتي الزي المدرسي الجديد، روحي جيبي الخبز والكفُته من المطبخ، حتى أعملِك لفّة تتغدّين بيها".
كانت تتمنى أن تُعاقب، أن تتلقى ضربة على يدها، أو صفعة على وجهها، كانت تشعر بالحاجة إلى قسوة صغيرة، غضب حقيقي يترك أثراً واضحاً ولفترة على ذراعها أو وجهها، أو أي مكان آخر من جسدها، يمكنها أن تكشفه بعدئذٍ لتظهره لنفسها، أو للفتيات، ولم تكن تفهم سبب هذه الحاجة إلى العقاب، تتمناه بقوة، تشعر به ينقص طفولتها وصباها، وعندما بلغت الثامنة عشرة تذكّرتْ ذاك الشعور القديم، فجأة انبثق من أعماقها وهي في ذروة طيشها، في ذروة شهوانيتها وتحديها واقتحامها عالم الرجال المخيف، فبكتْ، بكتْ بحرارة، انسكبت من عيونها الجافة دموع غزيرة، إذ شعرتْ بالوحدة، وحدة مظلمة، موحشة، وظلّ هذا الشعور ينتابها بين فترة وأخرى، يغيب سنة أو سنتين ثم يظهر ليغزوها، فتهطل الدموع من قلبها، وبنفس الغزارة، من دون أن يكون للواقع، أو اللحظة التي تعيشها في تلك الفترة أي علاقة بهذه الحالة. إنها أمطار حياتها، تنهض من أعماق ذاتها بلا إنذار، لتغرقها بالدموع ثم ترحل.
الحبّ تعرفت عليه من خلال الإثارة وليس العاطفة، لا عاطفة الأمّ، ولا الأب، ولا عاطفة أخت الأب، بحثت عنه في الخارج، عثرتْ عليه من دون أن تكتشف حقيقته إلاّ بظهور صبحي، والآن هذه الحقيقة نفسها تهتزّ، تتحطم بين يديها وتنقلب إلى جحيم، بينما يتقدم حب آخر، يكتسح الهشيم المتبقي من العواطف القديمة، ليشيّد هيكله الجديد.
لكن، ماذا يعني الحبّ، تساءلت: "أن تتخلّص من شخص بشخص آخر، أم تتخلّص من مكان قديم بمكان جديد؟".
ألقتْ نظرة سريعة على يد صبحي، سقطتْ اللفافة عن إبهامه لكن الدم توقف، وهو صامتْ على غير عادته، سيل الدماء الذي تدفعه الأدوية إلى رأسه يحرّك خيالاته، يجعله يتكلم بلا توقف، يؤلف عشرين قصة في اليوم الواحد ويخوض النقاش فيها، لكنها حكايات مضطربة، مشوشة، لا يربط بينها رابط، مع ذلك يظل في حالة تشبه حالة الهذيان. لكنه اليوم صامت، بدا مثل بركان منطفئ، جامد الفم، وصمته يخيفها. في تلك اللحظة تحوّل إلى كتلة من الغموض.
شردت عيون جلال وراء بقع الشمس المعلّقة بحوافِ القرميد العليا للبيوت، من دون أن ينتبه إلى اسم البلدة التي توغلت السيارة فيها. بقع صفراء، ضعيفة، يعكس خفوتها بدايات الغروب. منذ أخبرته وداد بنوايا زوجها، ظلّ يراقب علامات المرور ولوحات الطرق بحثاً عن إشارة تحدد اتجاه صَليما والمسافة المتبقية بينهم وبينها.
انبساط الشوارع لا يوحي بالمنحدرات الخطيرة، ولا بالبلدة الشاهقة الارتفاع التي يهددهم بها، وعلى ضوء القلق الذي يلازم وجه وداد، وتوترها أثناء حديثهما القصير، فمن الأرجح أن يبقى بينهم وبين البلدة، التي توفر لصبحي موقعاً نموذجياً للانتقام، عشر دقائق، أو ربع ساعة في الأكثر، لكن هل يعقل أن تصرع زوجها الرغبة في القهوة، قبل ربع ساعة من الموت؟ لا شكّ أنه يريد ترويعها فقط، لا أكثر من ذلك، هذا يعني أنه لم يتأكد من شكوكه حيال علاقتهما، وأنه لم يعد يرتاح إلى جلال في الفترة الأخيرة، إنه يعزو التغيّر الذي طرأ عليها إلى تأثرها بأفكاره عن الثقافة والشعر والحرية والعلاقات العصرية بين الرجل والمرأة.

التالي