حديث الأرصفة

 

كنت أجلس مع فاضل عباس هادي، نحتسي الشاي في مقهى يطل على ساحة شيبردز بوش، ننظر من مكمننا الدافئ إلى الطريق ونكاد نحس شدة البرد في الخارج بعيوننا وأطراف أصابعنا، عندما، بغتة، رشقتْ الشمس الرصيف المحاذي.

- ها هو رصيف تنبعث فيه الحياة بسبب بقعة نور قوية!

قلت هذا، وكان مجلسنا يلاصق زجاج الواجهة. تأمل فاضل النور من دون حماس، تحدوه لا مبالاة ظاهرة، وقال:

- لطيفة، لكنها عابرة.

كان يعني الشمس، فسارعت إلى القول:

- الأرصفة مكان للعابرين فحسب.

عاد إلى الكوب يمرغ ويعصر كيس الشاي فيه، ثم أوضح، إثر نظرة سريعة للخارج:

- هناك أرصفة تلازمها الشمس طوال النهار، وأرصفة تتواصل عليها الحياة في غمرة الظلام كما في غمرة النور، وحيوية كل رصيف تحدد السيل الذي فيه.

قلت، إذ شعرت أنه يضفي على الأرصفة ملامح الأنهار:

- كنت أشير إلى ظاهرة تنحي الأشياء إلى أشياء أخرى، التي تقود الذهن إلى فكرة الموت والحياة المتلازمين.

"فهمت"، قال نبرة محايدة وأردف من دون أن تتوقف أصابعه عن الحركة أمام فوهة الكوب. أما أنا فقد أحالتني الخواطر إلى الفرق بين أنسياب الأشياء وتساقطها. فتساقط الشمس في لندن يجعل رصيفها معبراً بين البيت والعمل، مثل جسر متهالك تريد أن تنتهي منه في سرعة، بينما إنسيابها في باريس يجعل من الرصيف فضاءاً مكشوفاً للحلم والمفاجأة.

- ولكن رصيف روما، رغم حصته الكبيرة من الشمس، لا يسمح لك بالحلم بسبب ضيقه وازدحامه، حيث يمنعك الانشغال لتفادي أكتاف الناس في الأعلى وأقدامهم في الأسفل عن التأمل، ويرغمك على سفاسف السوق.

- إلاّ أنه لا يخلو من المفاجأة، أجاب على الفور، مومئاً بابتسامة ثابتة، إلى مغزى بعيد لذكرى مشتركة ثم أضاف. إذا أخذنا ضيق روما بالحسبان فإن أرصفة باريس، الطويلة والعريضة، تعطي خطواتك امتداداً وحلمك انسياباً.

قلت:ُ "صحيح. بعض الأرصفة قصيرة سرعان ما تقطع الحلم الذي بدأته للتو. هكذا كان حال الرصيف في بيروت"

- رصيف بيروت هو الآخر حافل بالمفاجآت، والمغامرة تجوب في رحابه ليل نهار، كاتب عربي تقوده من يده إلى مقهى، صديق تسهر معه بقية الليل، أو امرأة تحمل في جلبة حضورها مشروع حب.

"بيروت!" هززت رأسي مؤيداً كلامه بنوع من الحسرة، بينما انهمك الذهن في استحضار صورة قديمة من الماضي، ولأن الذاكرة تدفع إلى الخاطر ظلالها العذبة والكئيبة بلا تمييز، قلت: "المفاجآت على أرصفة بغداد كلها مفزعة، أو تكاد تكون كذلك، فهل تقدم أرصفة لندن الدهشة؟"

- هذا يتوقف على ما تعنيه لك الدهشة! فقبل مدة كنت أقرأ اعلانات بخط اليد على واجهة دكان للصحف، حين عثرت على عنوان مصوّرة فوتوغرافية كنت تعرفتُ عليها في واشنطن قبل سنة، هل هناك أجمل من دهشة تحملها مفاجأة كهذه! بَيدَ أن الأرصفة الحقيقية هي التي تدهشك أحياناً، وتعزيك دائماً، لهذا السبب يخرج الناس من بيوتهم إلى الشارع.

- ... بوحدتهم، أضفت مكملاً، ثم قلتُ مفسراً. عندما يتلقي المرء نبأ سعيداً، تنتابه رغبة عارمة للخروج إلى الشارع، وهناك تحاصره حرية غامضة للبقاء أطول مدة بين المارة، يقضيها مفكراً في أسباب فرحه، مطمئناً إليها، من دون أن يشرك الآخرين في أسرار قلبه!

- لا يشركهم، لكن من مجموع هذه الأسرار، بهيجها وحزينها، تتكون حركة الحياة فوق الرصيف، فالرصيف يقبل الصحبة ولا يرفض الوحدة.

في تلك اللحظة قطع رجل سيره في الخارج، وقف ليعطي الشارع من خلفه نصف استدارة، كمن يراقب انطلاق الباص من الموقف السابق، أو كأنه يستحم في الشمس لبرهة، ثم تحرك ليواصل طريقه، إلاّ أنه غير وقفته ونظره، فاستحوذ تربصه على انتباهنا، ثم بدا أنه يستجمع شجاعته ليبتسم، حينها وصلت امرأة ابطأت مترددة ثم توقفت حياله، فقال شيئاً ما، ربما ليذكرها بمعرفة قديمة، او يعرض رفقة ودود، وكان ظهر المرأة يحجب عنا تعابيرها، وما لبثا أن تابعا السير، فلاح على وجهها شبح ابتسامة قبل أن ينصفق مختفياً.

قال معلقاً:

- بعض الناس تبدأ حياتهم فوق الرصيف. وعاد يرتشف من الكوب ويدخن، ملتذاً، بين رشفة واخرى.

قلتُ: هل تعلم! في الخرطوم لا تؤخذ الأرصفة مأخذ الجد، قال: "أتوقع هذا" قلتُ: وفي أبو ظبي الرصيف حيثما تمد الجدران ظلاً على الأرض، قال: "جميل..." قلت: وفي القاهرة الرصيف كرسي وطاولة وكأس شاي، تجلس لتراقب المارة، ثم تذهب إلى بيتك ليراقبك الجالسون، قال: "لا تهمني هذه الرتابة!" قلت: وفي عدن لا توجد أرصفة، حيث الطرق تأخذ مداها إلى حافة الدور، نظر إليّ مسغرباً، ثم قال: "يبدو أن الذين ينهمكون في تشديد العبودية على البشر، في الغالب ينسون حريات صغيرة تفلت من تحت عيونهم"، فقلت: إن الخوف لا يسمح للإنسان بالنظر إلى ما بين أقدامه.

كانت الشمس بدأت تذوي على الرصيف، وتفقد وهجها الأول.

أومأ برأسه إلى الخارج، ثم واجهني بعينين يشع منهما بريق التهكم، قبل أن يطلق ضحكة صغيرة جذبت انتباه الطاولات القليلة المشغولة حولنا.

قال، بعد أن استرجع هيئته الجادة:

- الذي يهمني في الرصيف سخاؤه، ففي مدريد يندلق الناس في الرصيف، بينما في لندن ينسحبون منه إلى البيت، وفي برلين مقاه يتسامر فيها الزبائن حتى الساعات الأولى من الصباح، وساحات يتجه نحوها القادمون من الأحياء ومن خارج المدينة، ليتسوقوا ويتعارفوا ويشاهدوا رقصاً وألعاباً يقدمها المهرجون.

- ليست هناك من ساحة جمعت بين خصائص السوق وغرائب المهرجان مثل ساحة جامع الفنا في مراكش. هناك يمكنك الذهاب لتشتري الخضار والأرز، وتشاهد في طريقك السحرة والحواة ونافخي النار والبهلوانات وبائعي الأعشاب الطبية. ساحة الفنا عيد يومي لا تنضب أسباب الإغراء فيه.

- في باريس، الشارع والركن جزء من الحياة الفرنسية، وكل رصيف يمكن أن يتحول في أية لحظة إلى عرض مسرحي مرتجل أو أداء موسيقي يتجمع حوله المارة، فتتحاور الأحاسيس بصمت، وتتآلف في لحظة عابرة.

- هذا يذكرني، ولو من زاوية أخرى، بأرصفة المرافئ، وأرصفة القطارات وأرصفة المطارات، وكلها محط عابر لرعشات القلوب، آمالها عندما تغادر وأفراحها عندما تصل، ولكن قل لي، ما شعور الإنسان في اللحظة الأولى التي يكون فيها على الرصيف؟

أخرج سيجارة من العلبة، وبدلاً من اشعالها أطرق يتأملها بنظرة غائمة وهي تتحرك بين أصابعه بدون هدف، ثم قال:

- الخروج إلى الشارع، بحد ذاته، ينطوي على مواجهة شرسة مع العالم، وعناصر الشارع العمرانية والبشرية تحدد نمط تلك المواجهة. الأرصفة في واشنطن، على سبيل المثال، صممت على الطريقة الرومانية، فهي تشعرك بالضآلة بسبب نصبها وبناياتها الضخمة، وما يبنيه الإنسان أعظم من الإنسان، وهذه لعنته، بينما في بغداد، كما تعرف يؤم الأرصفة ناس يغلب على مزاجهم التوتر، لذلك، وفي كلتا الحالتين، يلجأ الإنسان إلى المقهى للتضامن.

- آه...! صحتُ مازحاً. كلما أخرج بك إلى الرصيف، تعود بي إلى المقهى!

أجاب باسماً، وعلى الفور:

- لا تنسَ، المقهى وصالة السينما جزء من الرصيف.

قلتُ: ما دام الأمر كذلك، ما الذي يجعل المقاهي في برلين أكثر حميمية من مقاهي لندن في نظرك؟

- المقهى دائماً يتضمن مشروع مغامرة، فهو مكان دافئ، وشراب ساخن، وفتاة باسمة على البار، قد ينتهي الحديث معها إلى سهرة ممتعة.

أشرتُ برأسي، متحدياً، إلى النضد في الخلف، حيث تلبي فتاة شابة طلبات الزبائن، وقلتُ:

- مشروع المغامرة يتحرك هنا أيضاً، فما الذي يجعله قصياً، الحياء أم الكبر؟

- لا أدري، تمتم باسماً، ثم شمل المكان بنظرة تعمد أن تكون مخيفة ليضيف. ولكن ألا ترى هذا البرود الذي يلف الأشياء هنا!

- المقهى، كالرصيف، يحمل وجه مدينته هو الآخر، غير أن ما يشلغني هو المسافة بين البيت والمقهى، ويلوح لي أن الإنسان غير قادر على ملئها إلاّ بوحدته.

قال:

- سبق أن أشرتُ إلى الصحبة.

قلتُ:

- أنا مع آخر سنكون أيضاً وحيدين فوق رصيف يعج بالناس. دائماً يوجد للوحدة اطار ما، تكمن ضمنه دون أن تمحي فيه، لهذا تشغلني وحدة الإنسان دون غيرها.

قال:

- يبدو أن ما ما يشغلك، قبل هذا وذاك، هو أن تقلب الأرصفة والمقاهي فوق رأسي، ثم تابع كلامه بعد أن تفحص بطرف عينه وقع مزحته على نفسي: العلاقات بين البشر يعمها الالتباس على الدوام، وهذه واحدة من أكثر أزمات الإنسان استعصاءاً، مع ذلك، دعنا نضع، لوهلة، صورة واحدة منها في الشارع، فأنت، منذ اللحظة الأولى التي تضع فيها قدمك على الرصيف، تضمر البحث عن الصدفة الجميلة، مثل لقاء عابر يؤدي إلى كشف مهم، حديث مع غريب يشاركك الاهتمامات، أو مساءلة عن مكان ما تؤدي إلى صداقة جديدة، إلى آخر ما تتوقعه من رصيف يضج بالبشر، إلاّ أنك في الغالب، ما إن تكسر الحاجز النفسي للوصول إلى الآخر حتى تُحبط بسرعة، لأن الناس في الطريق اعتادوا على سوء الظن، أو لأن الآخر منهمك في مشاغله اليومية وأقصى ما يسمح به وقته ابتسامة عاجلة وتحية ثم وداع، فينقطع الحوار ولا يتم التواصل، ويعود حاجزك إلى وضعه السابق. لذلك، أعتقد أن أعمال الكتاب العظام تعتبر مجيدة، كونهم استطاعوا، من وحدتهم الحصينة، اختراق حواجز الآخرين، فالقارئ قد لا يحتمل أطوار وعادات دوستويفسكي أو همنغواي، ولكنه لا يستطيع أن يرفض صداقة أفكارهم.

- ما دمنا بصدد المبدعين، فإن الأرصفة ألهمت شارلي شابلن أروع قصص أفلامه، وسارتر ودو بوفوار كتبا الجزء الأكبر من أعمالهما في مقهى يطل على رصيف، وإديث بياف بدأت حياتها الفنية فوق الأرصفة، وكان فوكنر في شبابه يترع معدته ثم يختار زاوية في رصيف يقرأ ويراقب المارة منها. ومن بين الناس العاديين في كل مدينة شحاذون وجوابوا أرصفة لهم شهرة الكتاب ونجوم السينما، لكثرة ما يشاهدهم الناس على الشارع.

- آه...! في هذا المجال لن يبلغ أحد شهرة الكونت بيرو!

- من يكون هذا؟

- الكونت بيرو؟! رد مستغرباً، ثم قال بنبرة مهيبة. الكونت بيرو جواب أرصفة لا يبارى، وأضاف، بعد لحظة جليلة من الصمت. كنت أجده أمامي حيثما توجهت في باريس.

وتخيلت، بمهابة، صورة هذا الجواب الكبير، ذارعاً ارصفة باريس من أدناها إلى أقصاها بملابس غريبة، يطلق عليه الناس لقب كونت بسبب رثاثتها، ثم واجهتُ نظرة صاحبي، التي ظلت تراقب، بلا كلل، تعابير وجهي وأنا أكبح جاهداً، إبتسامة صعدت فجأة من أعماق صدري، وما لبثت أن هزت كياني، فأمتلأت عيناه بالدهشة لما تولاني، ثم أخفاهما براحته، مبتسماً هو الآخر، إذ فهم مغزى ابتسامتي، حينها أفلتت مني الأمور وأطلقت، وهو في أثري، ضحكة مجلجلة زعزعت كل الهدوء الثقيل الذي كان يخيم على المقهى.

*  *  *