أميرة الزنبق الأبيض والمَحار

 

  لا يتكرر الفرد مرتين.

   تلك هي الحكمة التي استخلصتها من هذه الأوراق المدعوكة، المتسخة، التي دسّها زيد في يدي.

   كنا نعتقد، نحن النفر القليل من العرب القاطنين في أكتون، إحدى ضواحي لندن الغربية، بأن هذا الشاب الدمث، المعوّل على مستقبله، اختلّ عقله، إلاّ أن الأمر يبدو لي، الآن ، أكثر تعقيداً من هذا الظنّ الذي رميناه به من الخارج، فمن داخل عشر صفحات مكتوبة بخطّ مشوّش وأسطر مائلة (ولكن عباراتها بليغة) تُقدم المحنة نفسها بشكل مختلف.

   قبل أسبوع وجدته يذرع شوارع أكتون المبتلّة، مرعوباً من وحدة طاحنة، وغير قادر على التخلّص من دور تورط فيه.

  ما إن حاولت الاقتراب منه، محمّلاً وجهي كل علامات التودد والابتسام، حتى ابتعد، لحقت به مهرولاً، فأبدى رفضاً جديداً بحركة خرقاء من يده، وفي الوقت نفسه اكتسحت وجهه موجة من ضيق عنيد حزين، وحثّ خطاه ليتخلّص مني، ثم، وبلا توقع، استدار عائداً، مثل ظبي يواجه خطراً فيغيّر اتجاه عدوه، ليدسّ في يدي صفحاته التي ابلاها التجوال، وهو يشيح بأنفه نحو فضاء مغلّق، ثم تابع مشيته الاستعراضية في الاتجاه المعاكس، بحلّة آسيوية غريبة، تقليدية ومثيرة للانتباه.

   اليوم، إذ أبسط أمامي الصفحات العشر، وقد أعدتُ قراءتها مرات ومرات، أفكر وأبحث في مصير أُحجية النار هذه، أيحق لي طيّها وإيداعها دهاليز النسيان، أم أفردها تحت ضوء الشمس ليطّلع عليها الجميع؟ فمنذ ذلك النهار اختفى زيد من شوارع أكتون وحدائقها، ومن لندن، من دون أثر، وبلا دموع من خلفه.

   المحو التام لتجارب القلب الملوّعة هو ما يزعجني في ما يتعلق بمصائر البشر، لذلك جازفت بالخيار الثاني.

   تبدأ الصفحات، وقد حرصتُ إلاّ أتدخل في الكلمات، إلاّ حيثما تقتضي سلامة اللغة، بما يأتي:

   اللعنة على هذا الصباح. والصباح الذي سبق. وكل الأصباح القادمة. فماذا تعني هذه السعادات اليومية الصغيرة التافهة. أن تصحو لتتجرع فنجان القهوة. تحرق سيجارة في رئتك. تعطي نصف أذنك لنشرة الأخبار. تترقب وصول ساعي البريد. تفكر في زيارة شخص تنتهب من رفقته مسرة عابرة. ثم تمدّ بوزك من النافذة لتتطلع إلى السماء الكالحة فترتد مدحوراً وتسيل كل متع الصباح البائسة مثل قيء خارج من الفم إذ تكتشف أنْ لا مكان لك في أفق أو برّ هذا النهار. وأن لا شيء في انتظارك إلاّ الضياع والآمال المخادعة.

   أعود إلى الفراش ولن أخرج اليوم من البيت. هذا الجحر الأمين.  المعلّق في الفراغ. المعلّق في الصمت. المعلّق في الحذر.

   لا بل سوف أخرج. أذهب بعيداً عن أكتون المليئة بالزبالة، الملطّخة بهواع الدزنتاريا. بدكاكين الهنود المقتصدة بالإنارة. بسكارى الإنكليز يقبضون علب البيرة بأيديهم ويقضون النهار في أحد المنعطفات يديرون وجوههم مع كل سيارة ذاهبة وأخرى قادمة كأنهم في انتظار أمل لا يعبر إلاّ من هذا المكان. بالمنفيين العرب ينهشون ظهور بعضهم بعضاً. بالكاريبيّين العاطلين عن العمل ... هيه كابوكو. تعال نأخذ هامبركر في هذا الفكن( ) ماكدونالد قبل أن نذهب إلى الفكن بلدية لنفهم لماذا أوقفوا راتب العطالة الفكن هذا الأسبوع.

   سئمتُ من هذه الفكن أكتون التي لا يتغير فيها شيء على الإطلاق. الوجوه والأماكن والدكاكين والمعتوهين والأيام تكرّ في انتظام شنيع. وهذه المخبولة. سليلة الشعوب الصفراء تخطر في فستان طويل وردي داكن تنسرح أذياله على الأرض الموحلة فترشح مياه الأمطار صاعدة حتى الرِكب.

   كم الساعة من فضلك ؟ لا تجيب.

   هل تسمحين بلحظة من وقتك؟

   تبتعد في خفر يليق بعذارى المعابد وهي ترسل ابتسامة مقتضبة شديدة الاعتزاز. وتروح أذيالها تخبّ في الوحل الذي خلفته أمطار الصباح الباكر. فستان من تفتة لمّاعة مشدود عند الصدر بخطوط مذهّبة تخرج من صلبه مثل ضلفة المحارة شملة تغطي الرأس وتنسرح على الكتف اليمنى. زيّ تقليدي ولكن كل يوم بلون جديد. الشيء الوحيد الذي يتغير في أكتون بمثابرة غريبة فيمنح نهاراتها الرمادية الكئيبة ضوءً صغيراً متجدداً يخترق الشارع الرئيسي من أوله إلى آخره.

   طالما شاهدتها بملابسها الآسيوية هذه. كرنفال للأزياء وللغرابة يتحرّك بشخص واحد: يوم أخضر. يوم وردي. أبيض. خردلي. أزرق. أصفر. أرجواني. أحمر. ليلكي. ألوان كدِرة كدر الغابات الاستوائية.

   من أي بلد حضرتكِ؟

  لا تردّ إلاّ بالابتسامة ذاتها من دون أن يتكرم طرفها بنظرة استفسار. ثم تواصل تهاديها الملكي. غير مكترثة بما حولها. فتطنّ في رأسي فكرة مجنونة. سوف أتبع هذه المخبولة.

   كل السكان يعرفونها. فهي واحدة من معالم أكتون. ولكثرة اعتيادهم على رؤيتها كل يوم في فستان بلون جديد. كل يوم تقوم بجولتها الاستعراضية. كل يوم تمرّ بالأماكن نفسها. في الأيام الصاحية أو الماطرة والعاصفة أو المثلّجة أصبح الجميع لا ينتبه إليها. وهي لا تنبس بكلمة واحدة. كأنها لا ترى الآخرين بدورها. تخفض بصرها وتمشي. لا تثنيها عن جولتها اليومية كل طوفانات التاريخ. ما أروع هذه النعمة. نعمة فصم العرى مع العالم من قلب العالم. ما أجمل هذه الحرية. حرية السير في غبش الرؤية مثل طيف لا تدركه الأبصار. إلى أي طرف من آسيا المتعبّدة تنتمي هذه المخلوقة؟

   حتى الآن لم أتعرف إلى اسمها. أو بلدها. أو سبب وجودها هنا. بعيداً عن أبخرتها وأنغام نقاراتها. غير أني قضيت أسبوعاً في مراقبتها. أصبحتْ شاغلي ومؤجج فضولي. قبل يومين لمحتها تخترق بخيلائها المسالمة حشداً من المنتظرين أمام أبرشية أكتون في الشارع الرئيسي. جاءوا لحضور صلاة جِناز على ميت.

   ما رأيكِ بكوب شاي في المقهى المواجه ؟

   ابتسمتْ وتابعت طريقها في زحام السوق. واليوم ها أنا أحظى بها في حديقة أكتون على مقعد أمام شتلات خزامى حديثة. اليوم قررتُ اقتحام حصونها. نسيت تماماً الضجر الذي كان يلتف حول عنقي منذ أيام. ولا بدّ من جرعة دائمة عميقة الأثر. هل تمانعين إذا جلستُ على الطرف الآخر من المقعد؟. ولأنها لم تحِر جواباً اعتبرتُ الصمت ترحيباً. إلاّ أن البسمة الأثيرة اختفت. أنا نفسي انتابتني رعشة خوف في تلك اللحظة. بَيدَ أنني جلست.

   لن تخيفني الفضيحة إذا وقعتْ. فهي تكبرني بعشرين سنة. ربّما أكثر. لا مجال للشكّ في سلامة نيتي. ولكن هؤلاء الإنكليز يقلبون الدنيا ولا يقعدونها إذا ضايقتَ مجنوناً. ويعتبرون الأمر إهانة لما تبقى من إنسانية في بدن مريض. طيب. إذا ناقشنا ردود الأفعال لن نصل إلى نتيجة. لقد تفكّكتُ. وعليّ أن أبحث عبر هذا الجنون عن المتاهة الداخلية التي تجعل المرء يقف على أقدامه في محيط خرب منافق يقتات على الكذب ويسوّغ الكذب بالمغالطة.

  ـ هل لديكِ نار أشعل بها سيجارتي؟. ما إن لفظتُ كلمة نار حتى أدارت نحوي لحظاً ناعساً وعادت ابتسامة بوذا إلى مكانها. على الفور أخرجتْ منديلاً مطرزاً وفكّته بحرص. ظهرت عيدان ثقاب خشنة الصنع برؤوس عجراء محفوظة في نثار زهور جافة طُحنتْ بعناية. قدمتْ لي واحدة وانتظرتْ. فانتظرتُ. كيف أشعلُه؟ ادعكه بالريح. أوضحتْ بأن خطّتْ بإبهامها وسبابتها المنطبقتين قوساً أمام وجهها. خبطتُ العود في الهواء لأجاري أوهامها فأنبثق اللهب منه. كيف حدث هذا؟ . قالت إن كبريته مستخلص من مقذوفات البراكين ويكفي حكّه في الهواء لكي يشتعل.

   عرفتُ أنها من جزيرة تامبيرا في مضيق بالباك على تخوم قوس البراكين الشرقي لآسيا. يربطها بماليزيا جسر مظفور من أوراق شجر الموز. وبالفلبين عوامات تسندها قحاف من جوز الهند هائلة الحجم. وحرية هذه الصخرة لا تُلزمها بشيء تجاه أي من البلدين. زوارقها المجنّحة تمخر عباب بحر سولو فجر كل صباح لتصطاد الأسماك الملونة حال صحوتها من الأعماق وتضع محصول شِباكها الزاهي في صوان عظيم يتولى والدها الزعيم إرساله كغذاء لموائد الملوك في الجوار. نُصِّبتْ أميرةً للزنبق الأبيض والمحار في حفل أكلت ورقصت فيه سواحل تامبيرا ومرتفعاتها الخضراء عشرة أيام بلياليها. وفي يوم زفافها هاجت الغوغاء وماجت وأطاحت بالزعيم وقتلت العريس وفرتْ الحاشية بالأميرة إلى عرض البحر حيث مدّ الحظ يد العون في اللحظة المناسبة عندما خفّتْ إحدى بواخر الهند الشرقية إلى الزورق الحائر لتستفسر عن حقيقة النيران التي تلتهم غابات وسماء الجزيرة. يومها كانت في الثانية عشرة.

   لم أصدقُ كل هرائها. مع ذلك شعرت بدوار البحر يضرب رأسي. وغبار البراكين يفغم خياشيمي.

   في اليوم التالي تناولت إلى جانبها الشاي في مقهى صغير في الشارع الرئيسي. في يوم آخر اقتادتني خطواتها الهائمة إلى ملاعب التنس والكركيت في شمال الضاحية. بعد أسبوع وافقتْ أن أدخل بيتها. وأثناء كل ذلك بقيت أفترق عنها في الأماكن المزدحمة وأعود إليها حيثما تبعثر المارة على مسافات بعيدة. كنت لا أزال متهيباً. قالت: لماذا تظلّ تلاحقني؟. ولأني هيأت نفسي لهذا السؤال أجبت على الفور: إنني أبحث من بين محارك عن واحدة أدفن فيها يأسي وملّلي. ابتسمت وكانت بين وقت وآخر تشعل واحداً من أعوادها المعطرة وتتمتع برؤية اللهب يكبر ويزرق ثم يخفت.

   قالتْ: ما شأنكَ والمحار، ثم سألتْ: هل تثق بي؟. وكذبتُ مثل أي شخص تربكه الدهشة بما لا يسع العقل تصديقه فقلت:

   ـ نعم

   ـ أتجيد السباحة؟

  أجبتُ: ولدت على ضفاف الأنهار وتعلمت مرافقة أسراب السمك في الأعماق.

   قالت : ليس فيك ممّا تدّعي.

   صحتُ : كيف تقولين؟ وهاجت رياح الصحراء في دمائي.

   قالت : أقعدْ ليس هناك من داعٍ للوقوف عندما تريد أن تصرخ. تراجعتُ إذ بدا من وراءها وقار الشرق البعيد وحكمته البليغة.

   من أين تأتي جارة البراكين بهذا الهدوء؟ دائماً تبقى رائقة النفس تزيّن عباراتها بالابتسام. لا اكاد أفهم غضبها من رضاها. بينما تغلي مراجل روحي كلما صادفتني عقبة.

   سألتْ : ممَّ ضجركَ؟

   قلتُ : الحزن الخيبة والألم.

   قالت : ماذا أعطيتَ حتى تتذمّر؟

   صرختُ : أنا ؟

   بوذا يفيض لطفاً على الدوام غير أنه لا يُحتمل عندما يكون متطلّبا. فقلتُ: ألاّ يكفي أن صحوي يجعل الأشياء تأتلق في عيني فيرهقني وضوحها الشديد؟. ردّتْ بالهدوء نفسه: لو أكثرتَ النظر داخل نفسك لما ضججتَ بالشكوى ممّا تتصيده عيناك.

   بدأنا نتفاهم ولكن على مضض. وبقي لُغز ثقابها يشغلني. فمن دون كل البشر توقفت عند هذه المعتوهة أثناء شعوري بالضياع. فهل كانت الصدفة وراء توقفي أم أنها لجأت إلى قوة النار لتجذبني إليها؟

   على طاولة وسط الغرفة التي نجلس فيها حجر بركاني يتّقد من ذاته فيضيء ويدفئ. أوضحتْ وقد أحسّتْ حيرتي: النار نبعد بها الحيوانات عن طريقنا.

   قلت : هنا في أكتون ؟

   ردّت : لا فرق. فالإنسان أيضاً لم يتخلص بعد من طبيعة الحيوان التي فيه.

   أتراها تملك الحكمة أم أن رأسي المحموم يضفي على كلماتها البلهاء أنواراً ساطعة؟. فتحتْ صندوقاً قديماً من الخشب الأسود وأشارت إلى حلّة بلون الفستق مطهمة بالأصداف.

   قالت : هذه بدلة ابني الذي لم يولد.

   صحتُ : الآن عرفتُ سرّ انجذابي إليك أنني ولدتُ بالتناسخ. فابتسمتْ وهي تقول: لو كنتَ أنتَ ما وُجِدتُ أنا الآن. قلت حالماً: آه من لي بحياة أخرى في زمن آخر ومكان مختلف. فكان تعليقها: ستنقل الصراخ عبر الأزمان فأبقَ حيث أنت.

   لم أستطع النيل من بقية قلاعها. وازداد إحساسي أن الخلاص مرهون بكلمة واحدة منها ولكنها تمسكت بالصمت.

   رفستُ الأرض بقدمي وهرعتُ إلى الخارج. همتُ على وجهي في الشوارع المحيطة أفكر في ما أحسّ به وما تقوله. ما الذي يخلّص القلب من أثقاله. الحكمة أم الجنون؟.

   حين عدتُ وجدت الباب مشرعاً كما تركته. وانحنيت قليلاً أمام سعفات شجرة الساغو في المدخل. وقفت تهيئ واحداً من فساتينها وتعدّ نفسها للخروج. أحسستُ البيت أشد دفئاً إلاّ أن الحجر البركاني المتّقد اختفى من على الطاولة. قلت متشبثاً بها: علميني سرّ طمأنينتك. امنحيني نعمة إلاّ أكترث للبشر من حولي. أن أسبلُ عيني وأمشي بقلب هادئ وبسمة على زاوية الفم.

   قالت من دون أن تتوقف عن طقوسها: هذا منوط بطبيعتك وليس بما تريد. فهل تعرف حقيقة كل منهما؟

   قلت لنفسي لِمَ لمْ أفكّر في هذا الأمر من قبل؟ وقلت لها: نعم أعرف الحقيقتين. تبعتها إلى الجزء الخلفي من الدار حيث صُفّت على الأرض مجموعة من أحجار البراكين جعلتْ منها ممشى من نار. صحتُ في ثقة:

  ـ الآن فهمتُ. تبلغين السكينة بقهر الجسد.

   سارتْ بثبات فوق الحجر المتأجج حتى شاط الدخان من قدميها العاريتين. سألتُ: لماذا تفعلين هذا؟. أجابت: أن يكون وجعك أكبر من أوجاع الآخرين عندها فقط تنظر ببسمة إلى انفعالاتهم الصغيرة التي يسببها الغرور والحسد والغضب. قلتُ واعداً: سوف أضاعف الوجع حتى تبلغ لسعة الجمر شغاف القلب.

   ومشيتُ فوق الحمم الملتهبة بجنان ثابت ولم أشعر بحرقة النار. أحسّستُ جلدي يقاوم السعير فحميتْ وجنتاي اعتزازاً بالنفس. إلاّ أنها صرخت من ورائي: لقد أطفأتَ ناري. واتسعت عيناها من الدهشة.

   قلت: كيف حدث هذا. إن نارك لزائفة.

   قالت: بل إن انفعالاتكَ أقوى من النار ذاتها.

   صحتُ متضايقاً: كيف تساويني بالآخرين أنا الساخط على وضاعة البشر وتفاهة الحياة؟. قالت: أنت لا تعرف طبيعتك وهذا سبب بؤسك. قلتُ وقد احتدم غضبي: لن أصدق كلامك. قالت: ولكن النار لا تكذب وقد علمتنا البراكين أن باطن الإنسان مثل باطن الأرض يمكن لعاطفة ما إن تشعل النار فيه وعاطفة أخرى أن تخمدها. رددتُ بعزم أخرق: سوف أثبت لك أنني من دون شعوذة وبلا نار أستطيع القيام بما تقومين به.

   انتزعتُ حلّة وليدها الموهوم من الصندوق وارتديت صديرتها الفستقية وبنطلوناً ضيقاً ينتهي عند ربلة الساقين. وعصبة صفراء للرأس وخرجت إلى العالم بهيئة جديدة صارخة وغير معهودة تشعّ ببريق الصَدف والمحار. أرخيت ابتسامة صغيرة على زاوية الفم وسرت مترعاً بالهدوء فلم أكن لأرى الناس أو أحسّ بوجودهم وداخلني الفرح لانتصاري. ولكنني بدأت أسمع وشوشاتهم وتعليقاتهم ثم وجدت نظراتهم تنصب عليّ بشدة وضحكاتهم تسحقني. صلّبتُ إرادتي واخترقت زحامهم وتجمعاتهم فازداد صخبهم وهزءوهم من حولي. قلّدت خيلاءها وهدوءها ولامبالاتها وثبات خطواتها إلاّ أن انتباههم ظلّ يحاصرني وعيونهم تقشّرني بلا رأفة حتى غدا وضعي لا يطاق.

   قالت لي يوماً: يكفي أن نتشبّه بالآخر حتى نقضي عليه ونمسخ ذاتنا في الوقت عينه. غير أني لم أفهم كلامها حينذاك. دائماً أسمع نصف الكلام.  نصف الحقيقة. ويصعب على نفسي تصديق الآخر فأدرك المعاني بعد فوات الأوان.

   هربتُ من السوق وغمزات المارة وعدتُ أدراجي إلى شارع كرافتون. وقد عزمتُ على التخلّص من ورطة لا رجاء فيها. إلاّ أنني لم أعثر على بيتها. أعرفه جيداً هذا الشارع اللعين غير أن بيتها اختفى. نخلة الساغو الوحيدة في كرافتون وفي أكتون وفي لندن كلها اختفت أيضاً. أرقام البيوت تطّرد في تسلسل دقيق ولكن بيتها الذي أعرف حديقته وتفاصيل واجهته ولون جدرانه لا أثر له. رحت أطوف في شوارع الضاحية من أدناها إلى أقصاها فلا أجد بيتها. وأضع الأمل على اليوم التالي فأجد كل معالم وبيوت وأشجار أكتون في مكانها باستثناء بيتها ونخلة الساغو. علِقتُ في وضع لا أجرؤ على الاستمرار فيه وغير قادر على العودة إلى وضعي السابق. إلاّ أنني وفي أوج تيهي ويأسي عثرت في زاوية مخفية من الشارع على باقة من الزنبق الأبيض وحفنة زاهية من المحار.

*  *  *