ظلال المسافات

 

  كان القطار  الذاهب إلى انفيلد في شمال لندن، يعدّ نفسه للانطلاق بين لحظة وأخرى، ولكن غسان فضّل تذكرة في القطار الذي يتوقف في كل المحطات، لكي يشعل سيجارة ويدخّنها على مهل. لقد تأخرت هذه الزيارة ثلاثة أشهر، فلا ضير من وراء ساعة تأخير.

( هل تريد القطار الذي يطوي المسافات يا سيدي؟ سأل بائع التذاكر)

   ـ تذكرة في القطار البطيء من فضلك.

   ـ أتريدها للذهاب والعودة يا سيدي؟

   تبلبل إذ باغته السؤال. لم يحسب لهذا الأمر حسابه. بعد ثلاثين سنة، أو أكثر، هل ستدعوه لقضاء الليل في بيتها؟ (لدينا غرفة وسرير في الطابق الثاني، أفضل من العودة في وقت متأخر إلى لندن) تخيّلها تقول بصوت مجهد من فوق أريكة تملأها الوسائد لإراحة جانبيها، فيردّ وهو يتخلّص من وقفة المزمع على الرحيل: إذا كان المبيت لا يسبب لكم الإزعاج.

   إن عجلات الصُلب الثقيلة هذه ، الراكدة، إذا دارت فوق القضبان فسوف تطوي الزمن وليس المسافات كما قال بائع التذاكر الإنكليزي مازحاً، وهو الذي ما تريث يوماً مُذ قطع المسافة قبل ثلاثين عاماً من "ميدان السَبق" إلى مطار بيروت سيراً على الأقدام، ليلحق بطائرة الفجر الأولى، ويطوف حول المدن والقارات بحثاً عن الرزق، تصرعه الرغبة الآن لإشعال سيجارة، قبل التوجه إلى شمال لندن لزيارة المرأة التي أوقدت الجذوة الأولى لمغامرته الكبرى في الحياة.

   كان يجلس لوحده، على مقعد في فناء المحطة، يدخن وينظر إلى مقدّم القطار ويفكّر.

   قبل ثلاثة أشهر قادته الأعمال إلى لندن، وكان مستغرقاً في أحاديث مرحة مع أبناء وأحفاد أخيه حين قالت زوجة الأخ إن ماجدة على التلفون وتودّ أن تسلم عليه.

   "ماجدة..!" سأل وهو ينظر بدهشة إلى سماعة التلفون في يد زوجة أخيه.

   ـ ولو.. شو بَيك يا غسان، هل نسيتها، ماجدة؟

   حينها استيقظت شعلة باردة من بين ضرام انطفأ وترسب في الأعماق منذ أمد طويل. قال: "ماجدة هنا؟" ثم تناول السماعة بيد انتابتها رعشة خفيفة وتعرّف على صوتها يأتي من بعيد.

  منذ ذلك اليوم وهو يؤجل السفر، والزيارة.

   قالت، لترفع عن الزيارة أي إلزام: "إن كان وقتك يسمح بذلك"

   ـ الأشغال يا ماجدة..كما تعرفين، تعال هنا، روح هناك، وتنقضي الأيام من دون أن يشعر بها الإنسان!

   ظلّ خياله يعدّ صورةً للقاء، فيما الذاكرة تستنهض أشكالاً غائمة لملامح وجهها، ويطفو بجلاء لون عينيها الشهلاوين واستدارة فمها لدى الابتسام، لأنهما يقاومان السنين.

  دارت العجلات الثقيلة ببطء، ثم انساب قطار المسافات بليونة فوق القضبان ليبتعد. خلال لحظات وصل القطار الآخر ليربض في نفس المكان، ولا يبدو أنه مستعجل في شيء.

   قالت زوجة الأخ إن ماجدة تعالج كبدها منذ سنة، وصحتها تتدهور باستمرار، وقالت هي في التلفون: "أوجاع الروماتيزم تعاودني بين حين وآخر"

   ـ هل صحيح أن الروماتيزم يضايقك يا ماجدة؟، إنه الطقس، فلا تقلقي، والدواء تطوّر كثيراً في أوربا.

   أشعل سيجارة ثانية، متوقعاً أن يشتدّ عليه السعال بعد فترة، وطاف بنظره في أرجاء المحطة، الركاب يحثون الخطى في كل الاتجاهات، منغلقين على خفايا قلوبهم. عادت إلى خياله ظلمة الطريق الذي قطعه في بيروت، وفي هذه اللحظة، أحسّ لذعة البرد تخترق أكتافه للمرة الثانية منذ ثلاثين سنة. بلا هدف، وبلا رُوية، حزم قمصانه وسراويله.

   لم يكن الرزق ما زعزع رقاده تلك الليلة، إنّما نيران العذاب التي  اتّقدت في صدره، بعد أن اكتشف أن الأكاذيب الصغيرة التي ظلّت عاطفته تقابلها في تسامح، باعتبارها جزءاً من ميل النساء البريء إلى الزهو، كانت تنمو في ثناياها كذبة كبيرة، أعمق وأشدّ إيلاماً. لقد اعترفت له بغتة، وهي تبعد عينيها عن نظراته، أنها وجدت الانتظار لا يناسبها، ما دامت ظروفه لا تسمح بالزواج الآن.

   أي جنون، وأية أقدار تبعثها اندفاعات القلب الأولى!

   مات الحبّ منذ أمد طويل، فماذا تبقى اليوم من ذلك الضرام غير التشوّش والظلال والأسئلة التي فقدت جدواها؟.

   قالت زوجة الأخ: إنها تعيش في الشمال القصي من لندن، مع ابنتها من زوجها الثاني.

   ـ ولماذا حططتِ في هذا المكان النائي يا ماجدة؟، على كل حال ما زال وجهكِ يحتفظ ببشاشته الأولى، فلا تقولي المزيد عن متاعب الصحة.

   بحث عن مكان يطفئ فيه بقية السيجارة، فلاحظ أن المحطة مليئة بالأعقاب. سحقها تحت حذائه وتوجه إلى العربات ليختار مقعداً ملائماً.

  قالت (في التلفون أيضاً): أنت هنا منذ أسبوع ولم تسأل عني؟.

   ـ كيف لم أسأل! سألتُ عنك كثيراً، مرّةً قالوا إنك في اليونان، ومرة علمت أنك في أفريقيا، ومرة قالوا في كندا!

   ـ إيه... التنقل والمدن والمناخ تركت آثارها القاسية علينا، وها أنتَ ترى..

   ـ لا يا ماجدة، ليست الأماكن من يغيّر ويجرح الإنسان بآثاره، ولكن الزمن هو الذي يهدمه ويفنيه، ثم يطويه النسيان.

   كانت بيوت لندن القرميدية بأشجارها الخريفية الجرداء تتراجع إلى الخلف مثل السحب الشاردة، والعجلات ما تني تضرب بسرعتها الرتيبة فوق القضبان.

   الفكرة التي لمعت في ذهنه أمس وقادته إلى الشمال، كانت الرغبة في معرفة تفاصيل حياتها، ثم البحث من خلال ذلك عن إجابة لهذا السؤال: "لو كانت تعرف، لو كانت تعرف أن تسرّعَها ذاك، سوف يرسم هيكل حياتيهما المتشظي على هذا النحو، فهل كانت تنصلت؟".

   فكّر، وكان نظره يستقر على يده المبسوطة إلى جانبه على فراش المقعد: "مرّت علينا الحياة بدون أن نمسك منها شيئاً، ركض وعراك وثراء ومُتع، لكن لا شيء يلازم هذه اليد إلى النهاية".

   ـ العذابات والبهجات هي الأخرى تنمحي يا ماجدة، ويغمرها النسيان. فلو كنتِ تدرين أن بؤس البشر يتمثل في صياغة الأحلام، وليس في تحقيقها، هل كنتِ تسرعتِ؟

   حين ترك المحطة، بقي عليه أن يسلك طريقاً منحرفاً ضعيف الإنارة، ثم يغرق في الظلام مسافة طويلة، قبل أن يبلغ البيت.

   بدت نوافذ الطابق الأرضي جميعها مضاءة (كان البيت من طابق واحد وليس من طابقين) والداخل يموج بالحركة.

   فتح الباب شاب في مقتبل العمر، من هيئته تعرّف غسان على واحد من أبناء بلده، فقال متشجعاً:

  ـ أنا  غسان..

   لم يُظهر الشاب أية معرفة، ولاحت لغسان حركة الداخل غريبة بسبب الصمت الذي يلفّها.

   ـ جئتُ لزيارة السيدة ماجدة،

   أفسح الشاب للطارق كي يدخل، ثم همهم وهو يخفض بصره:

   ـ ليرحم الله الجميع، لقد وافاها الأجل منذ ثلاث ساعات.

وقف لفترة بين ناس لا يعرفهم، في باحة خيم عليها صمت ورع، ولاحت له من بين النسوة فتاة شابة يلوي وجهها الحزن، ذكّرته ملامحها بماجدة. شعر كم هو غريب في هذا المكان، ومعنيٌ، فقط، بالموت الذي فيه، الموت الذي قلب كل حساباته، فعلى الرغم من الأفكار التي هيمنت على مشاعره طوال النهار، إلاّ أن موتها بدا له مؤسياً وغير قابل للتصديق، ترك في رأسه حيّزاً كبيراً يدمدم فيه الفراغ، فما معنى بقائه، بعد كل شيء، في هذا المكان؟

   لاحظ أن الفتاة ترنو إليه كلما رفعت وجهها المطرق، فأدرك أنها عرفته، أو هكذا أحسّ. ودّ لو يسأل كيف تعرفت عليه، كيف ميّزته، هل شمّتْ رائحة ذلك القادم؟. ثم أحسّ، في شعاع تلك النظرات، يداً أليفة تمتد إليه، من أعماق الماضي، لتبدّد الأسى والوحدة التي تجمعت في قلبه.

  ما إن فُتح الباب لقادم جديد حتى انسحب بصمت من بين الواقفين، وخطى نحوه، يداخله فرح خفي، نوع من عزاء، إذ شعر أن موتها ليس حقيقة كاملة، ولن يكون فناءاً قاطعاً، وكان حينها ينظر خلسة، وهو يتراجع نحو الطريق الذي قدم منه، إلى وجه ابنتها الشابة، فيرى وراء هذه الملامح المثقلة بالأسى، تعابير أخرى، يعرفها جيداً، مخزونة في ذاكرته، في مستودع زمنه القديم،  ويستطيع الآن، إذا شاء، أن يفجر في تلك الملامح، بنداءٍ منه، تعبيراً آخر غير الحزن، فيسترد ضحكة قديمة أو ابتسامة أو نظرة اندهاش لماجدة، أو حتى صوتاً فيه خيط رقيق من نبرة محبّبة طالما زخر بها جانب من ماضيه البعيد.