(في ثلاثة فصول)

In ENGLISH

 

الشخصيات: وصال    (الزوجة)

               منصور   (الزوج)

                                                           خديجة    (الخادم)

 

 

الفصل الأول:

في الصالون، وقد انقلب الأثاث وتبعثر وعمّت الفوضى كل جزء منه، على الجدار تتدلى من طرف واحد لوحة رسمت بالزيت والخيش.

      

       [وصال تجلس على مقعد كبير مقلوب]

وصال   : كل شيء انهار، كل شيء أصبح بلا فائدة (تنظر إلى الفوضى من حولها) ولكن...على الأقل كل الأشياء واضحة الآن، هذا أريح (تتنفس بارتياح) كل شيء واضح (بعد فترة من التفكير) ..لا، هذا الوضوح مخيف، من كل جهة أنظر إليه فهو مخيف. (ترفس مصباح مائدة قريب منها، ثم تتلمس وجهها وكأنها تريد التأكد من عدم وجود جروح أو خدوش على جسمها، تسمع حركة في الداخل).

ماذا تراه يفعل؟. منذ ساعة وهو يتحرك بين الغرف، يبحث عن شيء، أو يهيئ نفسه لشيء، أو يفكر بأقدامه! (تبتسم). أمي تقول الرجال يفكرون بأقدامهم، فإذا وضعتِ قشة في طريقهم تلخبط عقلهم (تضحك). ما أطرفها، أمي، ولكنها تحب والدي، تقول إنها تحملت الكثير، ولكنها تحبّه، لأنها تعرف حقيقته، في البداية لم نكن نفهم ماذا تعني، ثم لم نفهم أي حقيقة تعني، حتى الآن لا تريد أن تخبرنا.

لو أن الخادمة تأتي ساعة واحدة أبكر، لأصبح لحضورها فائدة في هذا البيت. تقول أنها توصل ابنها إلى المدرسة، كل النهار تتحدث عن اِبنها، تعليم ابنها، ملابس ابنها، وشيطنة ابنها في البيت، تظلّ تذكّرني بابنها بين كل ضربة مكنسة وأخرى، طيب، وماذا بعد؟.أحتاج قدح ماء أرطب به ريقي. تقول إن زوجها يعبدها، يعبدها؟ لا، لا أصدق هذا، أصبحت تستعمل كلماتنا (تنتبه إلى ساقها) آه، هل بدأت أسمن؟ نعم، لا... ليس كثيراً، يجب أن أنظم أكلي. في كل الأحوال لن أكون ببدانة ليلى، أو حتى مثل هناء. هناء تقول السمنة الخفيفة محبّبة للرجل، لا أحب هذا. تقول الولادة تترك أثرها على الجسد، لا أحب، ثم يخفيّن بدانتهن بالملابس العريضة.

       [صوت منصور من الداخل]

منصور  : وصال..

وصال   : نعــم

منصور  : لماذا الحمام بدون ضوء؟

وصال   :  (بودٍ مصطنع) اللمبة احترقت يا حبيبي.

منصور  : (بعد فترة) الطباخ لايشتغل أيضاً  (لا ترد عليه) قلت الطباخ لا يشتغل..

وصال   : تعرف أنني أكره الحديث من بين الغرف، فلماذا لا تقترب وتتكلم؟ ..الطباخ التهب، شبت فيه النار وتحوّل إلى رماد... كما ترى بعينك  (تفتح راديو مقلوب على الأرض فتنبعث موسيقى كلاسيكية).

منصور  : هل يمكن أن توقفي هذا الضجيج من فضلك!

                  (تغلق الراديو وتلوي وجهها تعبيراً عن الاستياء)

       [ يدخل منصور]

منصور  : لم أجد في الخزانة قميصاً واحداً يمكن ارتداؤه.

وصال   : الغسالة توقفت عن العمل.

منصور  : دائماً الغسالة متوقفة عن العمل.

وصال   : كما تعرف هذه الآلات لا تعيش طويلاً، ولا تصمد لأي رجّة، إنها مثل.. مثل.. مثل البشر يا حبيبي، تلمع وتبتسم بأشكالها الجميلة، ولكنها تغدر بك في اللحظة التي تشتهي فنجان قهوة، أو تحتاج قميصاً مكويّاً تخرج به إلى الشارع.

منصور  : (ينظر إليها بارتياب، ثم) أنت على حقّ، أصبحنا لا نستطيع القيام بأي عمل بدونها. اليوم لا أشعر برغبة في الذهاب إلى العمل، غداً أخرج مبكراً وأنجز الأعمال المتأخرة.

وصال   : كيف نمتَ ليلتك البارحة؟

منصور  : لماذا تسألين؟

وصال   :(ساخرة) تبدو روحك مشرقة.

منصور  : نمتُ ما يكفي (يحرك ذراعه ويتحسّس كتفه) إلاّ أن الأرض سحقت ذراعي. كان جدي يقول، عندما تجد نفسك في وضع غريب، حاول أن تأخذ منه ما تقدر عليه، ولا تشغل         نفسك بالباقي (وصال تهزّ رأسه موافقة ولكن بتهكم) وأنتِ، كيف كان نومك؟

وصال   : الصداع أقلق نومي عند الفجر، فتركت الفراش وجئت إلى الصالون، جلست أفكر (منصور ينظر إليها كأنه ينتظر منها بوحاً) في إحدى اللحظات أردت الاتصال بالتلفون بأختي، أو أمي، أو أية صديقة لأتحدث معها، لكنني وجدت الفكرة مجنونة، لأن الوقت كان مبكراً، والجميع ينامون بهدوء، وربما في تلك اللحظة كانوا ينعمون بأحلام الصباح الأولى.

منصور  : في تلك الفترة، كنتُ يقظاً أنا الآخر، أحسّست ذراعي ملّوية تحت ظهري وظلّت تزعجني لفترة.

وصال   : سمعتك تتقلّب، وتقول بعض الكلمات.

منصور  : هذا يذكّرني بالليلة التي قضيناها في الريف، عندما تعطل الباص السياحي، وبقينا ننتظر وصول ميكانيكي الشركة فغلبنا النعاس، ونمنا على المقاعد.

وصال   : أين كان هذا؟

منصور  : في البرازيل، أثناء الإجازة التي قضيناها هناك، هل نسيتِ؟

وصال   : (تسرح بعيداً) إجازة البرازيل؟ (ثم تعود إلى الواقع وتردّ بجفاف) يوم ضيعتَ الحقائب في المطار.

منصور  : (يبتسم) صحيح، وقبل ذلك كنتِ نسيتِ تذاكر السفر في البيت، فانتظرنا عشر ساعات لنأخذ الطائرة التالية.

وصال   : هل نسيتُها حقاً؟ لا شكّ إني كنتُ مرتبكة (تسرح) يومها كنتُ سعيدة بالسفر، سعيدة بأفكار كثيرة عن الحياة كانت تملأ رأسي (تعود إلى الواقع) لكن الأيام الأخيرة من السفر تحوّلت إلى جحيم، عندما اختلفنا حول طريق العودة، هل نعود عن طريق روما، أم عن طريق باريس.كانت المرة الوحيدة التي سافرنا فيها سوية، أليس كذلك؟.

منصور  : الوحيدة. تذكرين يوم أجّرنا زورقاً بمجدافين.. وقمنا بنزهة في النهر؟ وسألتك، عندما ابتعدنا قليلاً عن الشاطئ، ماذا تفعلين لو اكتشفنا أن القعر مثقو ب والماء يتسرب إلى          الزورق؟ هل تذكرين جوابك وقتها؟

وصال   : لا..

منصور  : قلتِ "سوف تنقذني إذا غرق الزورق"..

وصال   : إمـ مـ مـ م..

منصور  : وحين قلتُ إنني لا أعرف السباحة أنتابكِ الخوف، كنت خائفاً أنا أيضاً، قم قدرنا   المسافة وقلنا في وقت واحد.. "إذا أمسك كل منا بمجداف، سنبلغ الشاطئ قبل أن يمتلئ الزورق بالماء".

وصال   : كانت سفرة البرازيل في السنة الأولى من زواجنا. لكن، لماذا تذكّرني بهذا الحادث؟

منصور  : (ينظر إليها للحظة، ثم بلهجة يتضح فيها الأمل) دعينا نرتب هذا الأثاث، بدلاً من انتظار الخادمة ، تعالي نعيد القليل من النظام إلى الصالون، نخلق جواً بسيطاً ومريحاً، ربّما يتغير        شعورنا، ثم أنا لا أثق بهذه الخادمة، أشعر أن فيها شيئاً غريباً، ولا أستبعد أنها ترتب الأشياء بطريقة، كيف أقول... تجعلها قابلة للسقوط والانهيار بسرعة، لنرتب بيتنا بأنفسنا، هذا أفضل (يبدأ بتنظيم الأثاث) أنهضي وساعديني، ما رأيك أن نوزع هذه الأضوية بشكل جديد؟ كأن نضع مصباحين في كل زاوية؟ [وصال تهزّ كتفها أن لا فرق لديها، بينما يواصل منصور الترتيب والكلام] ثم نضع الكنبة قرب النافذة، هناك، هـه؟

وصال   : لا أدري.

منصور  : لماذا ؟

وصال   : هذه الرياح ستهب غداً أو بعد غد، وتقلب الأشياء من جديد.

منصور  : هل نتركها كما هي؟ غير معقولّ تعالي، على الأقل نزيل هذه الفوضى، حتى نستطيع تحريك أقدامنا بحرّية.. ثم، ماذا نقول إذا فاجأنا صديق أو قريب بزيارة؟ لا يجوز أن تبقى حالة البيت على هذه الصورةّ.  (تنهض وصال وتساعده من دون رغبة كاملة) هل سمعتِ ما يقوله الناس هذه الأيام عن وليد؟ ابن عمي؟

وصال   : لا..

منصور  : يقولون إنه منشغل في صفقة تجارية كبيرة، غريب هذا الرجل، يوماً ما سيسقط من الإعياء، ولن تنقذه الأموال التي يجمعها، يبدو أننا سنحتاج المزيد من المصابيح، لأن هذا الركن سيظلّ معتماً، ما رأيك؟

وصال   : هذا الركن فيه ضوء أكثر من بقية الصالون!

منصور  : زيادة مصباح هنا سيكون أفضل، والديكور سيكون أجمل، نحتاج بعض الطاولات الصغيرة أيضاً (ينتبه إلى أنها توقفت عن العمل) لماذا توقفتِ؟

وصال   : أريد أن أفكر قليلاً .

منصور  : لماذا ؟

وصال   : دعني أفكر،

منصور  : أهو التفكير أم شيء آخر؟

وصال   : هناك إحساس غامض يقول لي أنْ لا فائدة من كل هذا.

منصور  : كيف؟

وصال   : أعتقد.. المشكلة في مكان آخر.

منصور  : في مكان آخر، ماذا تقصدين؟

وصال   : أعني أبعد من هذا الترتيب الذي نقوم به.

منصور  : هذا سخف؟

وصال   : أرجوك.

منصور  : أوشكنا أن ننتهي، والآن تتحدث عن مكان آخر، هل تعرفين. أنت بارعة في إيجاد التبريرات للتراجع.

وصال   : هذا غير صحيح.

منصور  : وخلق الأسباب لتدمير أي فكرة تخطر ببالي.

وصال   : لا تبالغ..

منصور  : كل ما تحلمين به هو كنبة عريضة ، تتمددين عليها وتقضين النهار في الكسل.

وصال   : أنا...؟

منصور  : وتفضلين العيش في الخيال، دائماً تركّبين اجنحة وتحلقين في الفضاء، كلما تطلب الأمر النظر إلى الأرض (يضرب الأرض بقدمه) هنــا...على الأرض.

وصال   : هذه أنا؟ (تضحك بقوة) أرجوك ...

منصور  : لا تجدين فائدة في هذا، لا تجدين فائدة في ذاك... فقط لأنني أرى العكس.

وصال   : غير صحيح، لدي إحساس أن المشكلة أبعد، هذا كل ما في الأمر.

منصور  : لا يهمك إن كانت المشكلة أبعد أو أقرب، الذي يهمك أن تقولي لا عندما أقول نعم.

وصال   : آه...  (تمسك رأسها إذ تبدأ أوجاع الصداع)

منصور  : أنهض من النوم فلا أستطيع أعداد فنجان قهوة، ألاّ يكفي هذا حتى نقوم بعمل ما؟ أن نفكر في وضع هذا البيت؟ أن نعيد ترتيب هذه الفوضى مثلا؟

وصال   : يكفي من فضلك، أعصابي لا تتحمل نوبة جديدة من الصداع.

منصور  : طبعاً، ما أن يبدأ الحديث عن مصير هذا البيت، حتى يظهر التعب على أعصابك، ما أن أسأل عن زوج جوارب نظيف حتى تعود نوبة الصداع، ما أن أطلب لقمة آكلها...حتى يحتل الصداع كل البيت... وعندما ينتابك الصداع يجب أن تتوقف القطارات والطائرات والسفن والبشر عن الحركة، يجب أن لا يفكر أحد بشيء، لا يسأل عن حاجة، لا يعترض على حالة إلى أن يختفي الصداع من رأسك، بعدها تعود الحركة إلى العالم.

[يرفع صوته] تعبت من هذه الحياة، سأمت منها (يرفس طاولة بقدمه فتتقلب على الأرض بينا تمسك وصال رأسها من جديد) إنني أعيش على المعلبات، وأنظف ملابسي في محلات الغسيل، وأعمل طوال النهار لأنفق على هذا البيت، وفي الصباح لا أجد ماءً ساخناً أحلق به ذقني (يصيح قرب رأسها فتتألم بوضوح) تعبت..

                 [يتصاعد غضبه]

لم أطلب سعادة كبيرة، بل القليل من الراحة، لم أسأل عن حياة عائلية مدهشة، بل بعض الهدوء، مع ذلك أنا مُلام، متهم بالتقصير، بعدم الفهم، بعدم الشعور بالمسؤولية  (يضحك) المسؤولية..!  (يدفع قطعة أثاث أخرى بيده ويقلبها) هل نسيتَ كم سفرة ضيعتِ علينا في البرازيل؟ كل الناس ينهضون في الصباح، يتناولون فطورهم وينتظرون سعداء أمام باب الأوتيل، بينما تنهضين من الفراش ثم تعودين إليه، ترتدين الفستان الأصفر ثم تعودين إلى الأحمر، وتمسكين الأخضر وتفكرين بالأزرق، وعندما ننزل من الغرفة نجد الباص السياحي قد رحل منذ نصف ساعة. أنت امرأة فاشلة  (يرمي إبريق من الخزف على الجدار) منفوخة بالغرور، غير قادرة على إدارة بيت بثلاث غرف، وعاجزة عن تدفئة فراش زوجك... عن تقديم قدر بسيط من العاطفة  (يشير بيده إلى اللوحة المدلاة على الجدار) وهذه الألواح التي تلطشين عليها القماش والزيت لا قيمة لها، مجرد تفاهات، مضيعة للوقت، انظري إليها، تأملي فيها جيداً، سخف فوق سخف  (يفرك سطح اللوحة بيده ثم يرميها على الأرض) بدل تلصيق الأشياء من دون معنى... كان الأفضل أن تحيكي بلوفر لزوجك من هذه الخيوط.

وصال   : يكفي ..أرجوك

                 (يشتد صداع رأسها، بينما يزداد منصور قسوة وغطرسة ويرفس           قطع الأثاث أثناء تحرّكه)

منصور  : تعبثين بالفلوس، تلهين بالوقت، بينما لا أجد دقيقة واحدة للاهتمام بنفسي، وها أنا بسبب المشاكل والفوضى إنسان عاطل... لم يحقق جزءً بسيطاً من طموحاته. لقد حُرمت من الفرص وانشغلت في هموم البيت الصغيرة، وفي مساعدة أهلك.. مرة أحل مصاعب أخيك، مرة أعالج مشاكل أختك، وفوق ذلك يجب أن أهتم بصحة والدك، أو تحمّل   نوبات الجنون التي تصيب أمكِ.

كان يمكن أن أصبح وزيراً، أو طبيباً يحقق ثورة في أسلوب العلاج، أو رجل قانون يغيّر كل مبادئ العلاقات الدولية، مهندساً يبني مدناً عظيمة... فقط لو توفرت لي الفرصة وراحة البال، لكن كيف تدخل راحة البال إلى بيت ليس فيه عاطفة، لا توجد فيه حرارة، ولا يعثر المرء فيه علىمن يفهم حاجاته.

       [ما زالت وصال تمسك رأسها]

خذي مثلاً ابن عمّي وليد، شخص بسيط، يكاد يكون عادياً في ذكائه، مع ذلك توسعت أعماله في مكتب الاستيراد، وجمع ثروة طائلة خلال سنوات، وحده الأوتيل الذي اشتراه في       الجبل يدرّ عليه أرباحاً تكفيه بقية عمره... هل تعرفين سبب نجاحه؟ راحة البال، راحة البال التي يجدها في بيته  (يصرخ قرب أذنها) راحة البال.

       [تنكمش على نفسها فزعاً من صراخه، ثم تنهض وتبحث عن علبة حبوب الصداع، تعثر على الحبوب ولكنها تجد إبريق الماء فارغاً، فتذهب إلى المطبخ]

       [منصور يواصل كلامه أثناء غياب وصال]

كان جدي يقول عني، هذا الصبي سيحقق شيئاً مهماً، والجميع يشاركونه هذا الشعور، في البيت، في الشارع، في المدرسة. لم أعرف صورة هذا الشيء المهم، لكنني كنت أحس نفسي جديراً بكلامه، وهيأت حالي لذلك الشيء المهم، جربت كل الصعاب، وعملت مع كل الأجناس، سلكت كل الطرق، السهلة والشائكة، وفي النهاية  قادتني قدماي وسوء حظي إلى هذا البيت، إلى هذه الفوضى، إلى هذا البئر الجاف  (فترة) أصعب شيء على الإنسان، أن لا يجد من يفهمه.

       [تدخل وصال وتقف في الباب، ضعيفة وحزينة، تتوجه نحو اللوحة وترفعها           عن الأرض، تتلمس التلف الذي أصاب مادتها، ثم تعيدها إلى الجدار كما     كانت في وضعها الأول]

وصال   : لا يمكن الاستمرار على هذه الحال، لقد فكرت، فكرت طويلاً وتوصلت إلى أن الحلّ... الحلّ هو أن ننفصل.

منصور  :  (باستخفاف ) ننفصل..!

وصال   : نحن لا نستطيع الاتفاق على شيء، ولا يمكننا التفاهم، أصبحت الحالة لا تطاق.. من الأفضل أن ننفصل.

منصور  : افعلي ما تشائين.

وصال   : نعم، إذ لا يوجد أي أمل.

منصور  : سيكون مثل قراراتك الأخرى في الحياة.

وصال   : ليس في هذه المسألة.

منصور  : بعد يومين تغيّرين رأيك، وتكون الفرص قد ضاعت للتراجع.

وصال   : فكرت جيداً، حسبت كل شيء  (فترة) قبل أسبوع شاورت أهلي، وقال الجميع الأمر يعود لك في النهاية  (ينتفض منصور قليلاً) لم أحدثك وقتها لكي أترك فرصة أخيرة، محاولة جديدة، الآن أصبحت مقتنعة إن المزيد من الفرص يعني المزيد من اليأس، المزيد من الأذى... ولا شيء آخر  (وهي تهمّ بالخروج) أنا ذاهبة لأعدّ حقائبي.

منصور  : لستِ جادة فيما تقولين!

وصال   :  (تتوقف عند الباب) كل الجد...

منصور  :  (يبدأ عليه الارتباك) هل من حقك اتخاذ هذا القرار لوحدك؟

وصال   : ما أقرره يعنيني أولاً، وها أنا أعلنه لك: علينا أن نبدأ إجراءات الطلاق منذ اليوم.

منصور  :  (يبتسم) لا شكّ إنك تمزحين..

وصال   : لا أمزح حينما يتعلق الموضوع بمصيري.

        (تهم بالخروج مرة أخرى ثم يعيدها الحوار بالتدريج إلى الصالون).

منصور  : يجب أن نعطي أنفسنا فكرة للتفكير.

وصال   : فرصة؟  (تضحك) أعطيت الكثير من الفرص.

منصور  :  (في حيرة كبيرة، ثم يصيح) هذا جنون..

وصال   :  (بصوت أعلى من صوته) لا تصرخ، الجنون أن نستمر.

       [تزداد عناداً وقوة، بينما يظهر الضعف والارتباك على منصور]

منصور  : يمكننا إصلاح الأمور  (تلزم وصال الصمت) أعترف أن بعض الأخطاء حدثت..

وصال   : بعض..!

منصور  : طيب، حدث الكثير من الأخطاء، شارك كل واحد منا بنصيبه فيها، ولكن، هذا لا يعني أن نحطم زواجنا.

وصال   : زواجنا تحطم، وانتهى الأمر.

منصور  : كل الناس يمرّون بظروف صعبة، أو يتعرضون إلى المشاكل لفترة، ثم تستقر أحوالهم...

وصال   :  (تقاطعه) ليست الظروف، ولا المشاكل، حياتنا ذاتها مضطربة.

منصور  : لا تبالغي.

       [يزداد موقفها قوة]

وصال   : انظر حولك.

منصور  : هذه الفوضى! إنها خارج إرادتنا، نحن غير مسؤولين عنها.

وصال   : أنا أتكلم عن حياتنا التي تغوص يوماً بعد يوم في الاضطراب.

منصور  :  (يمسك يدها) يمكننا أن نبدأ من جديد، ليس من الصعب تنظيف حياتنا من الشوائب، يمكننا صنع جنتنا الخاصة، يمكننا تحقيق سعادتنا الجميلة.

وصال   :  (تزفر بيأس عميق) كم سمعتُ من هذا الكلام..!

منصور  : ضعي ثقتك بي.

وصال   : لا أستطيع.

منصور  : تستطيعين، إذا أردتِ.

وصال   : لا أستطيع..

منصور  : سبق أن وضعتِ ثقتك بي.

وصال   :  (نظرة مليئة بعدم الثقة) الآن لا أستطيع.

منصور  :  (بشيء من المرارة) لماذا ؟ حياتي لا تختلف عن حياة أي رجل آخرّ

وصال   :  (تبتعد عنه) بأي معنى؟ وأي جانب من جوانبها؟!

منصور  : بكل جوانبها.

وصال   : لا، أنا لا أكاد أعرف من أنت، أنا أعيش معك تحت سقف واحد، وننام على نفس السرير، نأكل على نفس المائدة، ولكنني لا أعرف بالضبط من أنت. لا أعرف لك وجهاً حقيقياً حتى أتعلم كيف أعيش معك.

منصور  :  (باستنكار) أووووه..

وصال   : تقول إنني زوجة فاشلة، وأتلفتَ لوحتي  (تتلمس سطح اللوحة) إنها بسيطة، ربّما لا تكون قيمتها كبيرة، لكنني عملت فيها شهراً بكامله، قضيت أمامها لحظات جميلة، كانت تسليني... حينما تكون أنت مشغولاً في التلصص على حياة ابن عمّك وليد، ماذا أشترى وليد! أين سافر! متى يعود! الغيرة منه تأكل قلبك، والحسد، تحقد عليه بسبب فشلك.

منصور  : أنــا..؟

وصال   :  (بهدوء ولكن بتحدٍ، وتشعر أنها سيطرت على الموقف بأكمله) أنت..

منصور  : إنني أدير معملاً بموظفين وعمال وعلاقات مع السوق..

وصال   : معمل صنع الفطائر؟

منصور  : نعم.. معمل الفطائر، صحيح إنه صغير، لكننا نعيش منه برفاه، ولا ينقصنا شيء .

وصال   : هذا المعمل شيدتَه بأموال أهلي، ارتضيت أن تكون خادماً لهم، تنافق لهذا وتمتدح ذاك، إلى أن أغريتهم بفكرة المعمل، وفي الأخير أصبحت تغشهم في الحسابات التي تقدمها، أنا اكتشفت هذا وسكتُ عليه ..

       [منصور يتهالك على نفس المقعد الذي كانت تجلس عليه، بينما تستمر     وصال في كلامها]

أنا أعرف الطريقة التي تتلاعب بها في الحسابات  دور حوله) عرفتُ كل شيء ، منذ بدأت تجلب الأوراق إلى البيت، تنتظر أن أغفو... ثم تتسلّل إلى للصالون، هنا، لتمارس لعبتك الذكية مع الأرقام والأسماء... ولكنني أعرف الطريقة  (قرب أذنه) أعرفها بحذافيرها..  (تصيح) أنا أعرف...  (ثم تدفع كرسياً بيدها وتقلبه على الأرض).

سكتُ شفقةً عليك، أو أملاً في أن يصحو ضميرك يوماً ما، كنتُ دائماً أحاول إصلاح الأمور، إنقاذ هذا البيت، إسناد جدرانه لتقف بوجه العواصف، بينما أنت لا تفكر إلاّ بنفسك، لا تحلم إلاّ بمجدك، تركض من أجل هذا المجد، تخبط هنا وتخبط هناك، تركض... ولا تريد أن تتوقف لحظة واحدة لرؤية الدمار الذي يصيب بيتك، لا تلتفت لتعرف الأذى الذي تُلحِقُه بي، تركض مثل قطار ياباني... (قرب أذنه) جو، جو، جوووو       جوجوجو..

منصور  :  (يغلق أذنيه ويصيح) كل ما أفعله أفعله من أجلنا، من أجل هذا البيت.

وصال   : هذا البيت الذي لا تستقر فيه الأشياء على حال!  (نفس الصوت السابق) جو، جو، جوووووو. كل زاوية فيه تذكّرني بلحظة يأس عشتها، كل غرفة تذكّرني بساعات حزن قضيتها، وكل قطعة أثاث تذكّرني بشجار..  (ترفس مصباحاً بقدمها فيتهاوى هو وقاعدته على الأرض).

منصور  :  (ينزعج لما حدث للمصباح، ينهض ويحاول إعادته إلى وضعه الصحيح)...

وصال   : سفرة البرازيل، التي تتكلم عنها كل يوم وتفتح لي جروحاً عميقة، أتعرف لماذا سيطر عليّ الخوف في القارب؟ خفتُ منك وليس من وجود ثقب في القعر. خفتُ أن تغرقني بيديك، لأني  قبل يوم واحد رأيت عنوان ليلى على الطاولة الصغيرة في غرفتنا، في الأوتيل، هل تذكر؟ لقد نسيتَها.. أو سقطت منك، لكنني عرفتُ أنك كتبت لها. نعم، فقد سمعت بعض الأقاويل عن عواطفٍ قديمة كانت بينك وبين ليلى، لذلك أصابني الفزع حين كلمتني عن احتمال وجود ثقب، بدت لي فكرة النزهة النهرية كلها مدبّرة، فخفتُ، بل بقيت أرتعش في داخلي إلى أن اقتربنا من الشاطئ والناس  (تضحك) لكنني أخفيت عنك شيئاً لا تعرفه حتى الآن، أنا أعرف السباحة أجيدُها بشكل ممتاز، وكذبت عليك، كان هذا سلاحي الوحيد في تلك اللحظة...إذا ما كنتَ تنوي دفعي إلى الماء.

منصور  : كيف يخطر لك هذا؟

وصال   : لِمَ لا ؟  بالمناسبة... سمعتهم يقولون، في بيت أهلي، إن والدي يفكر في بيع معمل الفطائر، وكانوا يردّدون اسم ابن عمّك وليد. يقولون إن خسائر المعمل صارت كثيرة، وأرباحه القليلة تُصف على المُتع والسهرات. أنا ذاهبة لأعدّ حقائبي .

       [تهم بالخروج ثم تتوقف حين يصيح خلفها]

منصور  : لا ... (ينهض ويدور حولها من بعيد، وكأنه يخشى أن تهرب إن اقترب منها) لقد أخطأتُ، أخطأتُ، أخطأتُ، أهذا ما تريدين سماعه؟ ارتكبت الكثير من الأخطاء، كنت أسعى لأضيف طابقاً ثانياً إلى هذا البيت، لألحق به حديقة أوسع، لأجعل باحاته أكثر، وكنت أركض لتكون لنا منزلة مهمّة بين الناس، ليصبح لنا شأن كبير في المجتمع، اليوم تأكد لي... إن الأخطاء كانت تنخر في جدران بيتي ذاته، تحفر، مثل فئران شرسة، في أساساته..

       [يبدأ يقترب منها]

                 لقد تعلمت، وجاء الدرس قاسياً، لن تحدث المزيد من الأخطاء بعد الآن، معكِ حق، ما فائدة طابق ثاني فوق جدران متهاوية  (يمسك يدها) ماذا أفعل بحديقة أكبر بدونك.. سببت     لك الكثير من الألم، والحزن، لو تعرفين كم يعذبني هذا.

       [يضع يده على كتفها]

كنتُ في غفلة عمّا يحدث لنا، غفلة مريعة، لم أفكر في الضباب الذي يلف حياتنا، لم أنتبه إلى الأشواك التي نمشي فوقها، وكنتِ وحدِك تتحمّلين المصاعب. آه... ما أقساني  (يضع           رأسه على كتفها). ماذا أفعل؟ أحاول السيطرة على غضبي ولكنني لا أستطيع، أشعر نفسي ضعيفاً تجاه هذا الغضب، عاجزاً، بلا إرادة، وعندما أقسو عليك يعذبني الندم، يمزقني. آه يا ربّي... ماذا أفعل؟  (تتأثر بكلامه فتستدير له) قولي لي .. ماذا أفعل؟ لم أنصفكِ .. وهذا بسبب غبائي، ولكني أحبك.

وصال   : أنا أيضاً أحبك  (يحضنها) أنتَ ترتعش.!

منصور  : أشعر بالخوف.

وصال   : مِمَ تخاف؟

منصور  : أخاف أن أفقدك، أن تضيعي مني يوماً، أنا لا أستطيع العيش بدونك.

وصال   : ولا أنا.

       [يحضنان بعضهما بعاطفة كبيرة]

منصور  : لن أسبب لك أي عذاب.

وصال          : ولا أنا.

منصور  : سوف أعوضك عن الكثير، سوف نبدأ حياةً جديدة، نقوم بسفرة طويلة إلى البرازيل، ما رأيك؟

وصال   :  (سعيدة) نعـم. ولن تكون أيامنا هناك كئيبة ومليئة بالضجر.

منصور  : لماذا تكون كئيبة؟

وصال   : لأنك تختار المطاعم الرخيصة والساندويتشات والمقاهي، فنبقى نتسكع في نفس الشوارع.

منصور  : سوف تكون سفرة ممتعة هذه المرة، أعدُكِ بهذا، ولكن... يجب أن ننتقل من هذا البيت.

وصال   : لماذا ؟

منصور  : إلى أي مكان آخر..

وصال   : لكن لماذا ؟

منصور  : لأننا واجهنا الكثير من المشاكل هنا.

وصال   : نفس المشاكل سنجدها في الأماكن الأخرى.

منصور  :  (ينسحب منها بلطف) لماذا لا أعتقد. هذا المكان يبدو لي منحوساً، أو تنجذب إليه المصائب قبل غيره.

وصال   : لن نجد مكاناً أفضل.

منصور  : بلى، سنعثر على مكان مناسب.

وصال   :  (قرب النافذة) تعال أنظر. في كل مكان خراب، في كل زاوية دُخان، أينمّا تدير نظرك ترى حُطاماً.

منصور  : نذهب أبعد..

وصال   : أبعد ؟  (تمدّ نظرها بعيداً) نفس الشيء،

منصور  : أبعد كثيراً..

وصال   :  (تهزّ رأسها أنْ لا فائدة)  الدخان على مدّ البصر.

منصور  : نجد بيتاً في ظلّ مرتفع، هذا ما أفكر به.

وصال   : وتعتقد البيت سيكون بمأمن عندما تهب هذه الرياح العنيفة؟. لا أظن. أحياناً تبلغ سرعة الريح مائة ميل في الساعة، وتحدث انهيارات ضخمة في الجبال، يا إلهي... كلما أسمع الراديو يذيع التفصيلات عمّا يحدث لنا حين تهب هذه العاصفة... أحسُّ بشيء ما يهتزّ داخلي، ثم يسقط.. بُووووم.

ليتهم لا يُذكّروننا بما يحدث، لو ينذروننا فقط قبل مدة كافية، لقدموا لنا خدمة أكثر فائدة من الحديث عن الصورة البشعة لحالتنا.

عندما تندفع الرياح فجأةً نحو البيوت، وتتطاير الأشياء فوق رؤوسنا، فتنخطف وجوهنا من الفزع، ولا يعود الإنسان يفكر إلاّ في الخلاص بجلده.

منصور  : هذا ما قصدته. هذا المكان يذكّرنا بالكثير من الآلام، والأوقات العصيبة. إذا أردنا أن نبدأ حياةً جديدة.. الأفضل أن نبدأ بداية كاملة، أن نتخلص من الأسباب التي تثير لنا   المتاعب، وننسى الأحزان القديمة.

وصال   : أنت تضع أهمية كبيرة على المسألة.

منصور  : طبعاً. تغيير المكان سيكون له اثر كبير على نفسيتنا، وعلى حياتنا القادمة.

وصال   : هنا أو هنا:، يمكننا أن نبدأ حياةً جديدة.. دعنا ننعم بالراحة أولاً. هل أعدُّ لك فنجان قهوة؟

منصور  : لكن الطباخ لا يعمل..‍‍!

وصال   : أعرف طريقة أُغلي فيها القليل من الماء.

منصور  : إذا كنتِ تقدرين.

وصال   : هل تريد شيئاً آخر؟

منصور  : ماذا؟

وصال   : شيء تفتح به الريق قبل الفطور.

منصور  : لا. سوف أكتفي بالقهوة.

وصال   :  (تجلس) قهوة إذن؟

منصور  : نعم.

وصال   :  (تضغط على قدمها عند الكاحل) أشعر بألم هنا، في الأسفل. أتعتقد الأعصاب هي السبب؟

منصور  : ألم قوي..؟

وصال   : لا ، خفيف.

منصور  : هذا شيء عابر، لا تخافي  (يجلس إلى جانبها).

وصال   : تكشف عن ساقها) هل تعتقد وزني زاد قليلاً ؟

منصور  : لا أظن..

وصال   : إذن كيف يبدو لك؟  (يرن جرس الباب)

منصور  : من؟

وزني..

منصور  : أقصد الباب، من يكون؟

وصال   : خديجة، من يكون غيرها !  (تنهض) إذن قهوة؟

منصور  : نعم  (يتبعها) أنا قادم معك..  (تبتسم له) إذا توفر القليل من ا لماء الساخن، سوف أحلق ذقني.

       [يخرجان. بعد فترة تدخل الخادمة، بيدها المكنسة والجردل التقليدين، تبدأ   العمل مباشرة، تكنس الأرض من بين قطع     الأثاث المقلوب والشظايا المبعثرة         من دون أن تعيد ترتيب أي شيء.]

الخادمة  : دائماً نفس الشيء. من بين كل البيوت...كل يوم هذا البيت أثاثه مقلوب وزجاجه مكسّر. غريب، وتقول لي، الست وصال، لماذا تكنسين زكزاك وتتركي الأغراض مقلوبة؟

                 طيب يا ستي، ما فائدة أن أرتبها ما دامت كل يوم تنقلب. أحسن تبقى على حالها، وأنا أنظف الغبرة ما بينها.

وإذا تكلمنا بصراحة، ومن دون لف ودوران، هذا البيت لا يمكن تنظيفه، لأن العَفْش لا يستقر بمكان، والأشياء لا تقف على أقدامها. أسحب الطاولة هنا... أجدها في اليوم الثاني هناك، مقلوبة على ظهرها وسيقانها مرفوعة. أضع الكنبة تحت النافذة... أجدها قرب الباب ووجهها إلى الحائط. إذا أردتم كل شيء مرتب ونظيف... اتركوني أتصرف لوحدي، وإلاّ لن يكون بيتكم مثل بقية بيوت الخلق. بصراحة... لا أعرف ماذا يريد هؤلاء الناس!

       [يدخل منصور]

الخادمة  : صباح الخير أستاذ منصور.

منصور  : أهلاً  (فترة). أمس وجدت المصباح البلاتين قرب الباب، بينما مكانه المعتاد هنا، على يمين الكنبة.

الخادمة  : لم أحرّكه من مكانه.

منصور  : كيف غيّر مكانه.

الخادمة  : أنا لا ألمس الأشياء بيدي، كن على ثقة استاذ منصور. أنظفُ الأرض فقط، ولم أجد حتى الفرصة لأعرف الأماكن الحقيقية للأثاث، في الصالون أو في بقية الغرف.

منصور  : لو تتأخرين كل يوم ساعة واحدة، لأمكنك تنظيم الصالون، ومعرفة مكان كل قطعة فيه. ولكنك تأتين بسرعة وتخرجين بسرعة.

الخادمة  : لا يمكن أن أتأخر، عليّ أن أهيْ الأكل لزوجي، والأركيله، لأنه يحبّ يأخذ رأسين تنبّك بعد العشاء، وأهتم بملابسه وأنظف أدوات عمله، حتى تكون جاهزة لليوم التالي.

منصور  : لا شكّ إنكم تقضون أغلب أمسياتكم في البيت .

وصال   :نعم. نتحدث ونشرب الشاي ونشاهد أفلام السهرة.

منصور  : جميل. وهل تستمعون إلى الموسيقى؟

الخادمة  : الموسيقى؟ طبعاً، كل أفلام السهرة رقص وموسيقى.

منصور  : لا ، أعني الموسيقى الكلاسيكية.

الخادمة  : فريد الأطرش؟ لا، لا نحبّه.

منصور  : الموسيقى الكلاسيكية، بيتهوفن مثلاً، موتسارت، فاغنر.

الخادمة  : لا نحبّهم أيضاً.

منصور  : هذا ما ينقص حياتكم، الموسيقى، أعني الموسيقى الكلاسيكية. يجب أن تستمعي إلى           الموسيقى الكلاسيكية، ويجب أن تتعلمي كيف تفهمينها. لأن الموسيقى شيء ضروري لحياة الإنسان، إنها مثل غذاء روحي، وهي علاج مهم للاضطرابات التي يعاني منها الناس.

الحياة العصرية، كما تعرفين، تضغط على أعصاب الإنسان وتسبب له توترات كثيرة، فمن الموسيقى... ماذا نفعل لتخفيف هذه التوترات والاضطرابات ؟

الخادمة  : نعمل حجاب.

منصور  : ماذا ؟

الخادمة  : حجاب. مرّة واحدة اضطربت أحوال زوجي، فعملتُ له حجاب، من يومها ما عادت أحواله تضطرب. يوجد حجاب للعصبية، وحجاب للحسد، وحجاب للضغينة، وحجاب للأحلام الوحشة، كل شيء له كتاب؟

منصور  : كتاب..؟

الخادمة  : الكتاب يعني الحجاب استاذ منصور.

منصور  :  (يضحك)..

الخادمة  :  (تضحك هي أيضا) الست وصال تضحك أيضاً، عندما أقول لها أجلب لكِ حجاب يريحك من الصداع.

       [صوت وصال من الداخل]

وصال   : منصور.. الماء يغلي.

       [يخرج وما زال يضحك. الخادمة تضحك هي الأخرى)

 

 

                

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*   *   *