رواية

 

 

مُخبر الشيخ

 

1

 

اخترق سرب صغير من النوارس شارع الأمير ألبرت باثاً الزعيق الحاد فيه وممزقاً الحديث الجاري بين جيفري إسبن والنادل فرانك حول أقوى الرهانات على مباراة فريقي يونايتد مانشستر وليفربول هذا المساء.

- إذا لم تكن جراح روني قد التأمت لتسمح له باللعب، ستكون الهزيمة مكتوبة لمانشستر يونايتد بلا نقاش. ختم فرانك رأيه الذي شقته الطيور بقصفها المفاجئ وذرت نصفه الأول مع الزعيق والريح.

- ستبقى حظوظهم مرجحة، مع روني أو بدونه! قال جيفري باطمئنان شخصي متأرجح.

- لا شك أن رهانك وقع عليهم اليوم! استفسر فرانك.

- لست ممن يراهنون على شيء، قال جيفري. رفع باينت بيرته إلى الأعلى ومسح الطاولة من تحته ثم أعاده إلى مكانه ليقول. لا أحب أن يكون للحظ دور في حياتي!

 - لا ألومك على هذا، علق فرانك. على العموم الرهان بمبالغ صغيرة لا يأتي بربح كبير، أضاف قبل التوجه نحو الطاولة الأخيرة على الرصيف ليقف أمام العائلة التي احتلتها منذ قليل، يستمع ويدوّن طلباتهم على دفتره الصغير.

لم تتوقف نظرات جيف طويلاً أمام هيئة العائلة، أجنبية، ولا أفرادها، زوج وزوجة تصغره في السن، مع صبي وشقيقة أكبر منه، بل عاد إلى التفكير في أيام الأحد المملة، يبدأها المرء بتناول باينت من البيرة الإسكتلندية القوية، ثم التسكع في السوق لشراء بعض الحاجيات والعودة بها إلى البيت لتناول العشاء وانتظار المباراة.

أول الصباح سقط نثار خفيف من المطر على مدينة برايتون، لم يترك أثراً من البلل في الشوارع العليا، ولا الساحلية، إلاّ أن وجه الغبش ما زال يضرب البيوت والبحر بمسحة فضية، والسياح الإنكليز والأجانب ممن وصلوا مبكراً يهيمون على وجوههم في الأسواق، ينتظرون بزوغاً متوقعاً للشمس لم تظهر بوادره حتى اللحظات القريبة من منتصف النهار، وبقيت مطاعم وبارات الشوارع الداخلية ملاذاً للكثيرين منهم، يمضون الوقت في الكلام حول مشروب ساخن، أو بارد، قبل الذهاب إلى الكورنيش الساحلي للتمشي بمحاذاة البحر، أو الجلوس على رمال الشاطئ القريبة من المياه.

"إذن، كالعادة، سيكون للحظ والصدف دورهما الأقوى!" وضع جيف الأمر بينه وبين نفسه على هذه الصورة، وتذكر دفاع والده عن الحظ، عيناه تطوفان بلا هدف بين المتسكعين أمام محلات الملابس على الرصيف المقابل، غير متضايقين من الطقس الضبابي الذي فاجأ وصولهم، سعداء بوجودهم في برايتون، المدينة الجنوبية الهادئة، بسكانها المتمدنين، المعتزين بطباعهم الراقية، المختلفة عن طباع سكان مدن الجزيرة الباقية. ولأن الرغبة في الاسترخاء تمنح البرايتوني شجاعة على تقبل الحياة بما فيها من ملل وانتظار، فهو لا يجد أي عزاء في معرفة أصول الغرباء، ولا الأماكن التي قدموا منها. إنهم، ببساطة، هنا، وفي هذا ما يكفي. أما الحظ، بالنسبة لنتائج مباريات كرة القدم على الخصوص، فلن يختلف عليه إلا القليلون، ليشحنوا نهار الأحد بالإثارة من أوله الى نهياته.

"هل قلتَ الحظ؟" يسأل الوالد السيد إسبن متصنعاً الاستغراب أثناء تناول جيف فطوره، ثم يعاجله بسؤال لاحق: "هل تعتقد أن الإمبراطورية بناها السونكي والبارود وحدهما؟" وتروح عيناه تستعجلان، بنفاد صبر مصطنع هو الآخر، الشفتين المطبقتين لولده، المنشغلتين بمضغ قطع الخبز والبيض المقلي، على الإجابة.

"كان الحظ يشق الطريق للسونكي الإنكليزي في كل معاركنا" يقول الأب أسبن، وينخرط في حديث طويل عن الأوائل، وبينهم والده، المعلقة صورته في صدر غرفة الطعام الملحقة بالمطبخ، وكان أحد الذين قاتلوا أعداء الإمبراطورية العظمى في الجبال والأدغال بروح شجاعة.

"إنها روح شجاعة بحق يا بني، بعد أن درسوا بذكاء احتمالات الحظ في كل مواجهة"

"ليفربول، جلسي، مانشستر يونايتد والآخرون، جميعهم يركلون الكرة ببراعة، ثم يراقبون الوجهة التي يأخذها الحظ نحوها، داخل الشبكة أو خارجها بالقليل من السنتيمترات. أقسم بشرفي أن الأمور تجري على هذا المنوال، في الحرب وفي كرة القدم وفي كل هدف تسعى إليه جماعات البشر"

هكذا يضع الختامات المحبوكة لخطبه الكروية كل يوم أحد، بينما تدير الوالدة ظهرها للطباخ المشتعل، تضع يداً على حافة النضد وتسند الأخرى إلى خاصرتها، تتابع حجج زوجها بصمت، لا يعرف أحد إن كانت تؤيد أو تعارض، تنتظر بهدوء أن يطلق قسمه المعهود لترد عليه بكلمة واحدة لا تتغير، ولا تؤثر فيه:

"بوب! أنت مثل ألم في المؤخرة، لا تستطيع الحديث عنه، ولا يمكن نسيانه! فهلا جلبت لي الصلصة الحمراء من الدكان ثم العودة للكلام عن كرة القدم!"

"مريلتها تضعها خارج ملاعب الكرة" خاطب جيف نفسه "وخارج الإمبراطورية، التي لا تعرف شيئاً عن جيوشها ولا بوارجها البخارية ولا بزاتها الحمراء، بينما الوالد يتذوق، من بين أسنان جدي الاصطناعية، طعم مجدها الغابر، ويعيد الإطناب في مديحها داخل بارات الشرب ليلة السبت ويوم الأحد، رابطاً بين تكتيكات زعماء الحكومات القديمة في لندن وبين مباريات كرة القدم"

من جديد كشح سطح الطاولة النظيف بكفه ليزيل من فوقها الأحاديث والمماحكات عن مباراة كرة القدم. فكر أن أيام عطل الأحد لعينة، لأنها تمتص ما يبقي من نسغ هزيل في الإنسان، ثم رجع بفكره عائداً إلى المطبخ.

"لا شك أن صورة جديّ تلهم والدي بعض عباراته الخطابية، بينما الصدر العسكري المزين بالقليل من النياشين يمنحه الأمل بالماضي واليأس من الحاضر"

أثناء عودة فرانك من طاولة الغرباء، بعد تسجيل طلباتهم الذي لم يتم الاتفاق عليها من دون جدل طويل شارك فيه الصبي وشقيقته بحماس، ألقى جيفري نظرة جديدة على العائلة الصغيرة التي انزوت حول طاولة بعيدة، فوجد في أعماق سمرة المرأة، مع عينيها الواسعتين، جاذبية تثير الانتباه.

- الطقس رديء اليوم بالنسبة لمطلع الصيف، أليس كذلك؟ قال فرانك وهو يعود للتلكؤ أما طاولة جيفري بعد إيصال الطلبات.

- لن يبقى على هذه الحال، ردّ جيفري. ألقى نظرة إلى السماء من تحت جفنيه الشقراوين، وقال. جزء من الشمس بدأ يظهر في الأعلى.

القليل من الشمس راح يتسع ويزيل الرطوبة الكثيفة من طريقه، غير أن الهواء تابع هبوبه بعصفات قوية، متقطعة، والطيور تستخدم أجنحتها كأشرعة تتكئ بها على الريح لموازنة طيرانها الأفقي، وكان الصبي وشقيقته يتصيدان بسبابتيهما النوارس المحلقة، الزاعقة، بينما عكف الزوجان على تناول فطورهما المتأخر بشهية، غير آبهين بتسلية الصبين التي تلهيهما عن الأكل.

ظلت عصفات الريح تبعد الطيور عن البحر، تدفعها إلى الساحل الرملي وداخل الشوارع وفوق أسطح البنايات، في طيران معاكس للريح لتستطلع أرض الشارع، وغالباً ما تقصف هذه الأماكن كما لو أنها في حالة هبوط سريع للغوص في الماء وراء الأسماك، ثم تكرّ لترتفع إلى الأعلى بأجنحة بيضاء ضخمة معبأة بالريح.

كثيراً ما يفزع السياحُ من تصرفات النوارس المفاجئة، بينما سكان برايتون لا يكادون يلتفتون إلى هذا الهجوم الطيري. إنه الجوع، لأن اصطخاب اليمّ الذي تسببه الرياح القوية يجعل رؤية النوارس غير ثاقبة في تتبع حركة الأسماك قرب سطح المياه.

حين شاهد جيفري زميله في العمل (برايَن) يشق طريقه على الرصيف، شعر بالارتياح لهذا المجيء. سوف يتحرر أخيراً من ملازمة طاولات ومقاعد بار ومطعم النمر الأسود حالما يستلم الجدول الشهري الجديد لأوقات العمل.

مرّ براين بجمعية صداقة الدين تحفّ به هيبة شعبية مصدرها بدانته. تخيله جيفري مثل سوبرماركت صغير ممن يوضع على جانبي الطرق السريعة للسيارات. كان رأسه يبرز من بين الشبان والشابات المنتظرين أمام مدخل الجمعية ومن بين بقية المارّة الماشين على الرصيف، رأس مزدحم بهموم القروض الكثيرة.

- جيف! قال برايَن قبل أن يجلس. لا يوجد تغيير في مواعيد المناوبة، إلا أنهم سيضيفون ثلاث ساعات عمل بين الفرز والتوزيع.

وعندما سأل جيفري عن السبب، قال برايَن وهو يجلس:

-                     يريدون إعاقة الإضراب بأي ثمن.

-       لن أدخل طرفاً في صراعهم لأنني لست بحاجة إلى ساعات إضافية.

-       أما أنا، قال برايَن. فلسوف أعمل بالجنيهات الستة عن كل ساعة. وتهيأ ليفتح الموضوع الذي أنهكه التفكير فيه طوال الليالي الأخيرة. إنني بحاجة إلى المال!

لم يلتفت جيفري باهتمام إلى كلام برايَن، إلا أنه لاحظ الجد يتكاثف على وجه زميله. قال:

-       لن يلومك أحد إذا عملت ساعات إضافية لعدد قليل من الأيام! ردّ جيفري منشغلاً بالنظر بعيداً عن عيني زميله المعلقتين به.

 - أحتاج مالاً حقيقياً يا جيف! أوضح برايَن، كمن يحتاج ردّاً.

لم يفهم جيفري كلام زميله على وجه اليقين، ولا يعرف مقدار المال الذي قدره بالحقيقي، أو لماذا يهتم بمسألة كهذه، لذلك لزم الصمت. أحسّ أن الموضوع لا يعنيه، تذكر انتهار برايَن لنفسه عندما أخطأ في العمل قبل أيام، وعزا ذلك السخط إلى خلاف عابر مع زوجته كلارا، فهل المال سبب الخلاف؟ فكر أن هذا أيضاً لا يعنيه بأي حال. إلا أن برايَن عاد يفسر كلامه من دون طلب، قال:

- أحتاج أن تغطيني كل يوم ساعتين في العمل حتى نهاية السنة يا جيف، فهل تساعدني؟

- كيف أغطيك؟ سأل جيفري مستغرباً.

- يمكنك فعلها بسهولة، حتى نهاية السنة، وتأخذ نصيبي المدفوع عن الساعاتين.

راح جيفري يتابع بعينيه تلميحات برايَن ونظرته المتوسلة، قال هذا موضحاً دون أن يغير وضعه.

-                     أعني بطاقة تسجيل الحضور.

-                     أوو لا، قال جيفري مجفلاً، ثم. لا تطلب مني هذا!

-       لن ينتبه أحد بين المائة موظف وعامل. لقد حصلت على عمل ثان، وما أحتاج إليه هو ثغرة صغيرة في فترة الصباح، ساعتان لا أكثر حتى نهاية السنة ليمكنني أداء العملين بسلاسة، وسوف أدفع لك!

-       لن أتورط بهذا. ردّ جيفري بحسم، وبدا عليه الضيق.

يمّم جيفري أنظاره ووجهه صوب البحر، يبعدهما عن إلحاح وتوسل زميله، بينما وقف النادل فرانك أمام عائلة الغريب فترة طويلة يشرح لها، أو يجيبها على الأسئلة، وظهر جذعه الأعلى كما لو يسبح في المياه المضطربة التي تعلقت بها عينا جيفري.

ليحظى من جديد بالقليل من انتباه زميله، أعاد برايَن بناء عرض طلبه تقرباً إلى قلب جيفري، قال:

-       أريد أن أعيش كما يعيش الآخرون. الراتب الذي نتقاضاه تافه، لا يكاد يسد حاجتي وحاجة زوجتي من الأكل والضروري من الثياب! وظيفة واحدة يعني أن أعمل لكي أعيش فقط، هذا ليس عدلاً، ليس عدلاً لك أيضاً!

- أنا راضِ بهذا، قال جيفري يعيد إلى برايَن وجهاً باسماً، ساخراً من الموضوع المشحون بأسى لا يستحقه من وجهة نظره.

- أعرف، أعرف أنك راض كما كنتُ أنا راضياً بهذه المعيشة المحدودة، وهذا بسبب كسلنا، بسبب افتقارنا إلى الطموح. شجعت ابتسامة جيفري الساخرة برايَن على الغور أعمق في قضيته، ولاح أنه يأمل في جرّ زميله إلى ميدان جديد من الحياة لم يألفه من قبل، ولم يفكر فيه حتى، بينما شغله وأرقه منذ فترة، أضاف. كل الذين يأتون إلى هذه الحفرة المتعفنة من أكوام الأغلفة وأكياس الخيش ينقصهم الطموح، أنت تعرف هذه الحقيقة يا جيف، لكنك تهزأ بمن يتطرق إليها، ولا يهمك أننا عندما نموت تتبرع البلدية بدفننا في مقابرها المهجورة.

إنه بلا طموح، جيفري إسبن، تركته زوجته منذ سنتين لأنه راض عن نصيبه القليل من الحياة. بلا تسليات ومتع كبيرة، بلا سعي ولا تطلع للفخامة، ولا حب للتقرب ممن يستمتعون بلذاتها. إنه خروف كما نعتته زوجته لدى رحيلها، لا يلتفت إلى ما في الحياة من إثارات، والآن يبتسم، وهو يفكر بهذا، مستهيناً بكلمات برايَن، ليقول بمزيج من البرود والشفقة.

- بصراحة، ظننتك مدان بمبلغ كبير تتوقف حياتك على سداده!

تلوى برايَن تعبيراً عن اليأس من ضيق أفكار زميله.

- أووه يا جيف! كل ما أريده هو شراء سيارة ذات دفع رباعي، وربما زورق مسقوف أيضاً نعبر به إلى الشاطئ الفرنسي في فترات الصيف. ألا تؤمن بحقي في امتلاك أشياء كهذه؟ أليس من العدل أن أساوي البقية في متعهم؟

لا يعرف جيفري إن كان من العدل مساواة الآخرين في متعهم، لا يعرف أكثر لماذا سيارة رباعية الدفع "بحق السماء!" لبرايَن الذي يسكن في المدينة، بينما هذه السيارات صنعت لتستخدم في المزارع الموحلة أو في الصحارى! وأكثر ما أدهشه في الطلب أن زمالته لـ برايَن لا ترقى بعد إلى مستوى الصداقة، ومعرفته بكلير، الزوجة، جرت في الطريق، يوم شاهدها مع زوجها في أحد الأسواق، لذلك أزعجته جرأة زميله في العرض كما لو أنه، جيفري، اعتاد التورط في أمور كهذه، ثم لام نفسه قليلاًُ لأنه غير منتبه للكثير مما يجري حوله.

برحيل برايَن المعتم، العابس، وتأمين جميع طلبات الزبائن الذين امتلأت بهم المقاعد على الرصيف، تشجع النادل فرانك على الاقتراب من طاولة جيفري الذي بدأ يتململ للنهوض.

قال "ربما تستطيع مساعدة ذاك الشيخ الجالس مع عائلته على الطاولة الأخيرة!"

سأل جيفري، يلقي نظرة سريعة بطرف عينه إلى الطاولة المقصودة: "أهو شيخ؟"

"الكثير من شيوخ أفريقيا يأتون هنا بعد أن يخلعوا ملابسهم العربية" قدم فرانك بيانه الخاص بالشيوخ. "إنه يسأل عن شخص اسمه جوليان سمث، هل تعرفه؟"

"لم أسمع بهذا الاسم" أجاب جيفري بعد أن امتحن ذاكرته، ثم قال "إذا كان يملك عنوانه لن يحتاج إلى مساعدة للوصول إليه!"

"لا يبدو أنه يعرف العنوان"

"كيف لي أن أعرف أنا نفسي؟" سأل جيفري.

"لأنك تعمل في البريد. فكرت أن العثور عليه لن يكون صعباً عليك، وقد تحصل على شيء ما من مساعدته، هذا ما خطر ببالي"

قال جيفري "إنه سمث! كيف يمكن العثور على سمث؟" أطلق ضحكة مرحة على أثر كلامه، يغلق بها أي حديث إضافي عن جدوى البحث الذي يقوم به الشيخ، أو أي موزع بريد.

ابتسم النادل بدوره، لأنه يعرف أن هناك أكثر من مائتي ألف سمث في إنكلترا، عدد كبير منهم في مدينة برايتون، لذلك ترك الأمر في النهاية إلى جيفري.

نهض جيفري ليذهب في سبيله. شعر أن لا فائدة من التفكير أبعد في موضوع الشيخ، ومع نهوضه هبط إلى الأرض سرب كبير من النوارس، مصحوباً بزعيق شرس، فنهض الصبي وشقيقته فزعاً وتراجعا بعيداً عن مقعديهما، وأحنت المرأة رأسها وهي تخفيه بين كفيها، واختضّ عدد كبير من المارة من صوت تلاحم أجنحة الطيور واصطفاقها ببلاط الرصيف، ثم ردّوا بالصياح والضحك، فبلغ الضجيج أقصاه.

كان القصف يستهدف براميل القمامة، في نزاع صاخب على قطعة لحم بائتة تدحرجت من أعلى البرميل إلى الأرض.

 

 

 

 

 

 

2

 

خرج جيفري من الباب الخلفي لقسم الفرز والتوزيع في بناية مكتب البريد في شارع السفينة منطلقاً، متهللاً ومشحوناً بالحماس بعد أن أنهى ساعات عمله الست، وارتقى السلالم القليلة بنشاط متقد.

حيا بإشارة صغيرة عدد من العمال الذين يواصلون إضرابهم تحت شمس جميلة أمام المدخل، وتلقى، باسماً، صفارات العتاب والعار التي يطلقونها لدى خروج غير المتضامنين، ثم قطع إلى الجانب المظلّ من الشارع ليبتعد عن الجانب المزدحم بالشمس، وبالمارة، سياحاً ومتسوقين. هناك ملأه الشعور بالرضا لتخلصه من الملل والارتخاء اللذين يصاحبان نهايات ساعات عمله. اليوم رأسه معبأ بالأفكار والتساؤلات، مهتم بفحص السبل التي تقوده للعثور على من يدعي أنه "جوليان سميث" من دون أن يترك عنواناً لمكان وجوده!

الشمس، نعمة السماء في الصيف، يلاحقها المصطافون بوجوه وأذرع وصدور مكشوفة أينما ظهرت، ليتمرغوا بنورها ودفئها. غير أن جيفري مهتم بالوصول إلى موعده، وبالنشاط الذي يشتعل في داخله.

أمس انضم إلى طاولة الشيخ واستمع إلى الغرض من زيارته لبرايتون. لم يأت للسياحة، إنما بحثاً عن ولده الذي فقد أثره منذ سنتين بين موانئ أوربا، وقبل ذلك العثور على سميث هذا، المخبر الإنكليزي الذي تلقى دفعات من المال للبحث عن الابن المفقود، ثم اختفى هو الآخر، مع خيوط شحيحة كادت تساعد على تحديد المكان الذي استقر فيه. على الأقل هذا ما ادعاه، واعتبرها الشيخ خيوطاً مزينة بالأمل.

يعرف جيفري أن تسعين بالمائة من السميثات  كانوا يحملون ألقاباً أخرى، تخلصوا منها ليبدءوا حياة جديدة، سعياً وراء الإصلاح أو الاحتيال، وجميعهم يلجئون، استكمالاً لهذه الخطوة، إلى تغيير الأماكن التي عاشوا فيها سابقاً، لأنها عرفت صورتهم وصورة ماضيهم. هذا الاسم الذي اقتصر في الأيام السالفة على الحدادين في المدن والقرى الإنكليزية، يستخدم الآن للتخلص من الأخطاء، أو التستر على أخطاء جديدة. مع ذلك سأل عدداً كبيراً من موزعي البريد هذا الصباح عن المدعو جوليان سمث، قال الجميع إنهم لا يعرفونه!

من زجاج واجهة محل جاك وِل للثياب النسائية في شارع الأمير ألبرت، صفع عينيه انعكاس حاد لوهج الشمس أعتم النظر فيهما لثانية، ثم استرجع الرؤية حيث شاهد ظلال البائعة تفرد أمام الزبونات ثوب سهرة أبيض.

لعله شخص غامض! فكّر وهو يمر بمدخل جمعية أصدقاء الدين في شارع الأمير ألبرت، لم ير إلا القليل من المتجمعين أمامها. الشمس، استدعت الجميع اليوم.

رفض إعطاء عنوانه الصريح للشيخ، اكتفى بمراسلته عن طريق البريد الإلكتروني، وتسلم منه المبالغ على حساب في بنك باركليز "هذا ما أتقصى عنه غداً" والرجل الغريب ليس شيخاً، بل رجل أعمال أرسل ولده إلى الأكاديمية البحرية في فلينسبورغ بألمانيا ليتعلم فيها، إلا أنه ترك التعليم وراح يتنقل بين مدن الموانئ الأوربية، يؤدي أعمالاً تافهة ليعيش منها بعد أن قطع الوالد عنه المساعدة حين علم بهربه. الآن هو نادم على تصرفه، لأن العقاب أدى إلى انقطاع الاتصال به، ثم اختفائه، كان خطأ من أساسه "هذا ما كنت سأفعله حين يتعلق الأمر بالتعليم" قال في دخيلته.

"هالو فرانك!" أرسل التحية إلى الطرف الآخر من الشارع، إلاّ أن النادل لم يسمع. كان شارع الأمير ألبرت يضج بالمارة على الرصيفين، وفرانك منشغل برفع الصحون عن إحدى الطاولات التي تركها زبائنها، وتصاعدت حركة الناس وكلامهم على شكل دوي مكتوم.

النوارس وحدها هجرت إلى المياه، ابتعدت داخل البحر الرائق، تنتشل قوْتها بمخالب كبيرة ومناقير جارحة. وبراميل القمامة غير معرضة للهجمات، تقف مستسلمة للنور وتراكم الدفء، تنبعث عنها روائح نفايات الليل الفائت من عظام السمك واللحوم وبقايا ثريد الصلصات الحارة.

لم يكرر النداء، بل واصل سيره ليعرّج على منعطف شارع بلاك ليون، فأصبح وجهاً لوجه مع قطعة مشتعلة من البحر.

"أنت لا تساعد أحداً!" هل حضّه كلام زميله الأخير، برايَن، حين تمتم به أثناء رحيله اليائس، على الانضمام إلى طاولة الشيخ ليقدم النصيحة كمساعدة؟

جيفري إسبن بطيء في حركته اليومية، ليست له حياة مشبوبة، يرتاح إلى قدر محسوب من العلاقات، لا يؤمن بشيء لأنه غير مقتنع بشيء. ينظر إليه البعض كثلاثيني بلا هدف "ما الهدف الذي يستحق العناء؟" وهو يكره الصراع، اكتشف، قليلاً بعد فوات الأوان، أن الجنس لا يتطلب مسؤوليات الزواج ولا الارتباط بامرأة مدى الحياة. لهذا لم يحرك ساكناً لإقناع زوجته بالعدول عن قرارها عندما رحلت.

قصير، شارع بلاك ليون، ينتظر فيه طابور من السيارات أمام مدخل مرآب بتسعيرة رخيصة. كل شيء رخيص تتجمع أمامه الطوابير، المرائب ومخازن الأكل أو الثياب. إنكلترا تشتعل فيها الأسعار، والناس يرمون أنفسهم في الحريق بلا تحسب. برايَن قال أنت لا تريد مساعدة أحد. مدّ لي حبلاً يا جيف! أنا في قعر الحفرة وأريد شراء سيارة بأربعة دواليب هائلة في قوة الدفع!

ياله من حلم سفيه!

على امتداد خمسمائة متر داخل البحر، شاهد الجسر المؤدي إلى رصيف برايتون مكتظ بالعابرين، قاصدين مجمّع المقاهي والمطاعم وملاعب الأطفال داخل اللسان البحري. تحت الأعمدة الرافعة تتلامع المويجات برؤوس فضية، ما إن تعبر الظل حتى تذوب في النور الساطع للشمس.

أمس قال له الشيخ: "الصحراء علمتنا البخل، والنفط جعلنا نبذر بلا حساب. سوف أعاملك بكرم إذا ساعدتني! غير أن جيفري أكد أنه لا يطلب شيئاً، ولم يوضح السبب لأنه لا يعرف لماذا يساعد من دون مقابل! عندما انتهى اللقاء، خاف أن يشك الشيخ بنواياه. أن يفكر بانجذابه نحو زوجته. شابة جميلة، لنظرتها سحر مغوي، تكلمت قليلاً أثناء جلسة التعارف، ونعتت الابن المفقود بـ "ولدنا"

لعله فكر أن جيفري يريد سرقته كما فعل المدعو سميث، الذي بقي موضوع الحديث بينهما، بيدَ أنه لم يفكر بأي من هذه الأمور "أردت المساعدة فقط" قال، ربما يردّ بها، دون أن يقصد، على الكلام الذي أطلقه زميله براين، أو يشغل نفسه بالحياة وحركتها من خلال قضية لن تمسّه بضرر مهما جاءت نهايتها.

كالمعتاد سوف يتناول فطوره من البيض المقلي مع الشاي، ويؤدي عمله في البريد بإخلاص، ويتناول باينت البيرة مساءاً داخل البيت، ولن يتعرض هذا الروتين للاهتزاز إذا أمضى ساعة من كل نهار في البحث عن عنوان سميث، أو مكان الولد الذي يتوقع الأب وصوله إلى برايتون. إنها مسألة بارات ومطاعم وبيوت سكن كهدف للتقصي، وهو يشعر بمفاصله قد لانت واسترخت بما يكفي بعد ليلة أمس على فراش (ليندا) لذلك لن يبدد همته في تحريك ساكن واحد، عاطفياً أو عضلياً، للتقرب من زوجة الشيخ.

عندما أنهى شارع بلاك ليون عَبرَ إلى الرصيف الآخر. سار قليلاً وهو يظلّل عينيه بيده لحمايتهما من الوهج، ولدى التفافه على كورنيش كنجز رود الساحلي وجد نفسه محاصراً بمجموعة من السياح، محتشدين أمام أوتيل باركلين الضخم، يتبادلون الأحاديث وحقائبهم بين سيقانهم على الرصيف العريض، ينتظرون، مستسلمين للضوء والدفء، إدخالهم وتوزيعهم على الغرف.

ظلّل عينيه من جديد وعبر إلى الرصيف المقابل ليسير بمحاذاة البحر. هناك انكشف له الشاطئ المفروش بالحصى يعجّ بالمصطافين، ممددين بمايوهات السباحة، يعرضون أبدانهم البيضاء للشمس، بينما صغارهم يلعبون عند حافة المياه، ينتظرون وصول الأمواج الصغيرة ليهربوا منها في كرّ وفرّ مفعم بالصياح والمرح.

شمس بعد الظهيرة تنحدر قليلاً إلى الغرب، وسكون الريح شجع العراة على احتمال برودة أول الصيف. إنه يوم مجيد كما يصفه مذيعو النشرات الجوية في العادة، يحمل آلاف الإنكليز على التوجه إلى مدينة برايتون للتمتع بالشمس والبحر.

بضع خطوات وأصبح في مدخل الجسر المؤدي إلى مقاه ومطاعم الرصيف، بماكينات الألعاب الإلكترونية، الضاجة بالأولاد والكبار.

مشى وسط الجموع، ساطعاً بنور الشمس "لن نحتاج إلى الشموع" قال رئيس الجلسة "سوف نعتمد أضواء الكواكب المشتعلة، ومصابيح الكهرباء" ثم ضغط على زر مجاور فانتشر النور الباهر على الوجوه بقوة ألف وات "الشموع تعود لأفكار الماضي البدائية" أحسّ أنه ينتمي فعلاً إلى الكون، بحقائقه التي يرتاح إليها العقل. إنه الجزء الضئيل الذي تشتعل فيه الحياة ثم تنطفئ ضمن قانون يشمل الجميع. اشتعالات وانطفاءات على امتداد الزمن.

بدا الشيخ مستمتعاً بحزمة الضوء الساقط عليه من النافذة، تنير جانباً من وجهه وتترك الثاني في ظل عميق، يرسم ملامحه بخطوط قوية تبرز سمرته من خلال شعر مفلفل، مرتب بعناية، تحيط به، أو تتدلى فوقه آلات موسيقية قديمة، أبواق وكمنجات وطبول وجيللو ضخم هي جزء ملازم لتاريخ وهيئة قاعة (البار الفيكتوري) التي يتوزع على موائدها في هذه اللحظة القليل من الزبائن.

"اسعدت مساءاً" حيا جيفري.

ردّ الشيخ على التحية وأفسح للقادم مجالاً على كنبة الجلد المريحة، إلاّ أن الإنكليزي اختار الكرسي القريب من اليمين، عندئذ فقط لاحظ الزوجة تقف في الزاوية المقابلة، المعتمة قليلاً، مع البنت والولد المنهمكان في اللعب على ماكينتين إلكترونيتين تتشاعل الأضواء على سطحهيما. كانت ترتدي بنطلوناً ناعما، يضيق عند ردفيها الصغيرين ويسمح لهما بارتجاجات جميلة أثناء الحركة.

"أرجو أن يكون المكان أعجبكم!" سأل جيفري بعد أن استقر في جلسته.

"إنه جميل وهادئ" قال الشيخ وأشار بيده إلى نادلة شابة تجول في القاعة.

"عندما يكون النهار مشمساً، تغدو كل الأماكن جميلة حتى بوجود القليل من الريح" قال جيفري.

"ماذا تشرب؟" سأل الشيخ حال وصول النادلة.

"قهوة بالحليب من فضلك" قال جيفري موجهاً كلامه إلى الشابة.

رفع الشيخ مظروفاً يرقد على المائدة وقدمه للإنكليزي بحركة آلية من دون أن يرفع نظره إليه.

"آمل أن تهديك هذه الوثائق والصور إلى المخبر، أو إلى الولد!" قال بنوع من اليأس.

من العبث البحث عن شاب متمرد يتنقل بين العواصم والمدن الساحلية الأوربية التي تنتشر فيها ملايين المطاعم والمقاهي، إذا افترضنا أنه لم يجد مهنة أخرى يعيش منها. فكر جيفري والصور تنتقل بين يديه، يظهر فيها وجه الشاب بملامح جميلة، أكثر سمرة من والده مع شبه قليل، يرتدي بزة طلبة البحرية، كان يرسلها أثناء فترة الدراسة. وجه لا يختلف عن وجوه آلاف الشرقيين والأفارقة المارين أو المقيمين بإنكلترا من دون ملابس البحرية الزرقاء.

قد تكون أعمال الليل المرهقة والسهر قد أذبلت الآن الإشراقة البادية على الوجه، إلاّ أنه سيحتفظ بواحدة من الصور، لأن الحظ الذي يتحكم بوجهة كرة القدم، كما يعتقد والده، قد يضع هذا الابن الضائع في طريقه يوما ما.

تفحص بعدئذ رسائل التحويلات البنكية إلى المدعو (جوليان سميث) ثم الدفعات التي تسلمها عن طريق الإنترنت.

سميث هذا سيكون جزءاً من الأمل بالنسبة للشيخ، قال جيفري في دخيلته، بَيدَ أنه الأمل الأكثر خداعاً، الزئبق الذي لن تلمسه أنامل! مع ذلك، من نظرة واحدة إلى العنوان عرف المنطقة والشارع الذي يقيم فيه سميث ويتلقى الحوالات. لم يسبق له توزيع الرسائل في هذا الجزء من برايتون، إلاّ أنه يعرف خريطة المدينة غيباً، كما يعرف منظار (غوغل) كل شبر من الكرة الأرضية.

"ما اسم ولدك، إذا سمحت لي؟" سأل جيفري من غير أن يتوقف عن تدقيق الأوراق.

"ناصر!" رددها جيفري بصاد خفيفة.

"ناصر إبراهيم، الاسم الكامل" كتبها الوالد على ورقة صغيرة ثم قدمها للإنكليزي.

خلف الوثائق البنكية لاحظ جيفري وجود أربع وريقات من فئة الخمسين باوند، ومن دون أن يرفع نظره إلى الشيخ، أخذ صورة للابن ووضع جميع الأوراق داخل المظروف ثم أعاده إلى الجانب المقابل من المائدة ليكون أمام صاحبه.

"سوف آخذ هذه الصورة فقط، مع تحويل بنكي واحد" قال جيفري "لن احتاج بقية الأوراق لأنني عرفت عنوان سميث"

"حسناً، ولكن!" أخرج السيد إبراهيم المبلغ من المظروف ووضعه أمام الإنكليزي.

"هذا لنفقات النقل!"

""ساعي البريد لا يستخدم غير ساقيه" قال جيفري باسماً وهو يعيد المبلغ من جديد إلى الجانب الآخر من المائدة.

رغم أن جيفري ينتظر هذه اللحظة الشائكة، إلاّ أنه كان يتوقعها في وقت لاحق وليس الآن.

"الأفضل أن نكون واضحين منذ البداية" قال السيد إبراهيم "يجب أن تأخذ مقابل أتعابك، ولن أقبل بدون هذا!"

أكد جيفري أنه سيكون جاداً، سيبذل كل جهد مطلوب في البحث عن الولد والمخبر، ولأن الجهد لن يكون هائلاً، فإنه لن يطلب مالاً.

"لن يحتاج الأمر أكثر من بضعة أيام لنصل إلى نتيجة" أكد جيفري في النهاية يطمئن الوالد بابتسامة ودود، صادقة النية.

"أخشى أن الموضوع ليس كما تتصور!" ردّ الوالد بهدوئه العميق، الواثق، المبني على تجربة بدأت صغيرة وما لبثت أن تراكمت أحداثها وخيباتها طوال سنتين من دون أن ترسو على نتيجة.

فهم جيفري بسرعة مقصد الشيخ، لذلك عاد يؤكد أنه سوف يخصص كل الوقت اللازم للبحث بعد الانتهاء من عمله في البريد، أي كل ساعات المساء والليل.

"لماذا تساعدنا من دون مقابل؟"

السؤال الذي انتظره جيفري بالقليل من القلق المشوب بالضيق جاء أخيراً على لسان الشيخ.

لماذا يساعده من دون مقابل؟ القضية ليست سهلة كما يعرف صاحبها على ضوء تجربته، وهو يريد أكثر من إلقاء نظرة من أبواب المطاعم والملاهي والبارات هذا المساء والمساء التالي!

فهم جيفري أن المساعدة لن تكفي إذا جاءت على صورة العمل التطوعي في المؤسسات الخيرية الإنكليزية، لذلك عليه أن يقرر الآن: تقديم إجابة مقنعة على السؤال، أو الانسحاب من الأمر كله!

"أردتُ المساعدة من أجل المساعدة فحسب" قال جيفري، ثم بدا عليه ارتباك المغلوب على أمره حين شعر أن الشيخ لم يستوعب شيئاً من الإجابة، بل وجدها غامضة، بعيدة عن الحياة والمنطق اللذين يعرفهما. ماذا يعني أن يساعد المرء من أجل المساعدة ذاتها؟ واصل الوالد النظر في عيني الإنكليزي بانتظار تفسير آخر، بينما اشتعل الدم في وجه جيفري حرجاً.

ليس إبراهيم بالرجل الشكاك في نظرته إلى الناس، إنه يكتفي بالقليل الذي يعرفه عن الشخص ثم يتعامل معه في أصغر القضايا أو أكبرها. لقد علمته خبرته في الأعمال أن يأخذ الجزء الصغير الواضح في الإنسان ليتفاهم معه، ويترك له الكثير الباقي ليخصّه وحده، وفي بحثه عن ابنه ناصر قدم الهبات للعديد من العرب الذين التقى بهم في مدن أوربا وأبدوا الرغبة في مساعدته، لأن القليل من المال يبعث الحلم في الحصول على المزيد منه، وعلى هذا الأساس يقوم الالتزام. أما الفشل أو الخداع، وكذلك الادعاء، فهي بمثابة الحطام المتبقي بعد الانتهاء من كل عمل! وعليه، تساءل في دخيلته: لماذا يرفض الإنكليزي المكافأة؟

"أقول لك بأمانة، وقد فهمت الآن أنك تتوقع بحثاً طويلاً عن ولدك، إنني وجدت موضوعاً أتحرك وراءه، أنشغل به في وقت فراغي الكثير" أضاف جيفري، "فيما يخصني أعتبر هذا سبباً كافياً للمساعدة، بعد ذلك يكفي عشاءً نحتفل فيه بالنتيجة إذا جاءت مرضية لك"

هذه المرّة أيضاً لم تكن الإجابة وافية، بل إنها أكثر تعقيداً.

لقد عرف السيد إبراهيم بعض عادات الغربيين أثناء زياراته لأوربا، أو خلال تعامله معهم في بلده. كلهم قدموا أنفسهم لأهداف ومهمات حرصوا على الاستفادة منها، وكان المخبر الإنكليزي "سميث" واضحاً في تقدير المبلغ الذي يتطلبه البحث والتدقيق، كما حدّد مواعيد الدفعات بصراحة، لكنه يعرف أيضاً أن العديد من المؤسسات تدخل بلدان العالم الثالث لمعالجة المرضى، أو مساعدة الفقراء باسم الإنسانية، للتغطية على نشاطات سياسية تخدم الدول التي تأتي منها. فلماذا يقحم هذا الإنكليزي نفسه في قضية لا يجني منها شيئاً؟ "هل أجلس مع محتال كبير يسعى لفرض نفسه عليّ؟"

ظلّ يقلّب ملعقة الشاي الصغيرة بلا صوت، مطرقاً، غير عابئ بصمت الإنكليزي، يفكر بالكلمة المناسبة لإنهاء الموضوع الذي لم يعد يهتم به، وكانت الزوجة شاهدت وجود الضيف في أكثر من التفاته، سريعة وغير مبالية، عندما قال جيفري:

"أعرف أن الأمر يبدو غريباً، إلا أنه عادي جداً بالنسبة لي، أعني أن أساعد من أجل المساعدة" ثم "لا أقول إنني ساعدت الكثيرين من قبل، بالعكس، أنا لا أكترث بمشاكل الآخرين، ولا أجدها تعنيني، أو تثير اهتمامي، لكن لي أخلاقي التي تختلف عن أخلاق أغلب البشر. أمس فكرت، ما فائدة هذه الأخلاق إذا لم تخفف آلام أو أحزان إنسان ما؟"

"هذه نظرة مسيحية للأمور!" علّق إبراهيم وقد لان تصلّب موقفه قليلاً.

"ليست لها علاقة بالمسيحية، ولا بأي دين آخر" ردّ جيفري بسرعة، ليضيف، "يمكنني القول إنها معرفة قسوة الصراع الذي تعيشه المخلوقات في الكون قبل انقراضها"

"بما فيهم البشر!" سأل الشيخ باهتمام.

"وعلى رأسها البشر. أرجو أن لا تكون كلمة انقراض مزعجة، إلا أنني أردت تفسير أسبابي"

لا عليك!" قال الشيخ، "للموت أسماء كثيرة"

رغم انحدارها الصيفي البطيء، ما زالت الشمس تذوي ذاتها من مسافة عشرة ملايين ميل ليحتفظ البحر والمدينة وقاعة البار بسطوعها الناري.

إلى الخلف، تبعث آلات اللعب من بين أيادي الصبية وأخيها جلبة خفيفة لا تزعج أحداً.

"الآن أقبل مساعدتك" قال السيد إبراهيم وقد رَحِبَ صدره لتفسير الإنكليزي.

سوف يعطيه فرصة لن تكلفه مالاً. قال لنفسه، وإذا تكاسل يبحث عن شخص آخر. عليه الاعتراف أنه غير ملم بكل عادات الغربيين، ولا يعرف أفكارهم عن الكون والخلق والبشر، لأن كل فرد منهم يبحر لوحده. المهم أنه ابن هذه المدينة التي يكثر فيها الأجانب، حيث شاهد بينهم أمس المئات من الأفارقة والعرب.

 

 

 

 

 

 

3

 

"من يملك عنواناً، يصبح وجوده مكشوفاً"

سحب جيفري الحقيبة الحمراء المعبأة بالرسائل وعلّقها على كتفه، أومأ إلى الموظف المسؤول معلناً وجوده ثم خرج.

"إلا أن تأكيد الوجود يتم أيضاً بإشارة صغيرة" قال مستدركا، مواصلاً فكرته السابقة عن دور العناوين في حياة البشر، متجهاً، بدل القطاع الجنوبي من المدينة المولج بتوزيع الرسائل فيه، إلى شارع جولدستون ستريت في الغرب وطرق الباب على ساكني الرقم 210، برقة أولاً، ثم بقوة عندما لم يسمع حركة في الداخل، فانشق الباب على سعته وظهرت امرأة على شيء من البدانة.

- آسف للإزعاج! عاجل إلى القول، بينما وقفت المرأة صامتة بانتظار ما يريده ساعي البريد الجديد.

- أردت التحدث إلى السيد سميث، إذا لم يكن هناك ما يمنع!

- لا يوجد ما يمنع! أجابت المرأة، ثم. لكن لا يوجد بين المستأجرين من يحمل هذا الاسم.

ألقى جيفري نظرة على ورقة كانت بيده ليقول: "جوليان سميث يا سيدتي!"

اكتفت المرأة بهزة من رأسها تؤكد بها ما أعلنته من قبل.

- المفروض أنه يسكن في هذا العنوان، الرقم 210!

- أنتَ أمام الرقم الصحيح، لا مجال للشك في هذا، قالت بصرامة وعادت إلى الصمت.

- العنوان الذي معي موجود على ورقة استلام من البنك، أليس غريباً؟

- كيف هو سميث هذا؟ سألت المرأة، التي يبدو نفاد الصبر جزء من شخصيتها المحبة للسيطرة.

- على الأغلب أنه في منتصف العمر، قال جيفري.

- كان بين المستأجرين سميث، باسم أول مختلف، لكنه ترك منذ سنتين على ما أذكر.

- هل ترك لديكم عنوانه الجديد؟

- لا يتركون عناوينهم الجديدة في العادة، بعضهم يعود للسؤال عن بريده بعد فترة، ثم لا أرى وجوههم مرة أخرى.

- فهمتُ! قال جيفري. هل تذكرين بعض صفاته من فضلك؟ سأل لمعرفة بعض من سمات تدل على سميث.

- إنه في منتصف العمر، كما ذكرتَ.

- إنني ممتن لك، سيدتي، قال محيياً بيده ثم استدار ليذهب، غير أن المرأة لحقت به بالسؤال:

- ماذا، ألم يصلنا بريد اليوم؟

- عفواً سيدتي، أنا أوزع في منطقة أخرى، ردّ على السؤال ثم واصل طريقه.

في جابل ستريت دسّ حزمة صغيرة من الرسائل والإعلانات من فتحة الباب رقم (1)، وقال في سريرته" ليس بالضرورة أن تقودك العناوين إلى شيء!"

على يمين الباب رقم (3) ضغط على الزر، فسمع صراخ الجرس في الداخل، ثم سرعان ما ظهر شاب بشّت ملامحه عندما عرف ساعي البريد.

- وقّع هنا من فضلك. بادر جيفري، يمدّ إلى الساكن ورقة استلام الطرود والرسائل المسجلة، شخط عليها الشاب اسمه ثم تناول الرسالة. قال: "شكراً" في نفس اللحظة التي نطق بها جيف كلمته "شكراً" وقطع الشارع باتجاه الأرقام الزوجية.

قال، "لكل عنوان اسم جديد، مستر سمث!" دسّ رسالتين من فتحة البريد في الباب رقم (2) للسيدة جيرفان. "في الأصل عنوان الإنسان غير ثابت، لأنه يُشطب بموته، بعدها يتولى الزمن محو شاهدته وقبره"

فكر في حزن الشيخ على ولده الضال، قال إن الزمن يمحو أثر الأحزان أيضاً، إلا أن الشيخ يعمل على إنهاء حزنه بنفسه، لأن الزمن لا يتوقف عند الساعات والأيام، ولا السنين، إنه يخطف بسرعة هائلة لا يلحق بها زمن الإنسان، الذي يسير ببطء ثقيل في رأسه، لذلك يتوجب العثور على المستر سميث علّه عرف شيئاً عن مكان الولد!

- أيها السيد ساعي البريد! نادى رجل مسن، توقف جيفري وسط الشارع مصغياً إلى ساكن العنوان (25) الذي فتح الباب أثر مروره.

- هل أنت متأكد من عدم وجود بريد لي اليوم؟ سأل الرجل.

- لو كان لك بريد ما كنت أغفل بابك، قال جيف.

- المفروض وصول ردّ من البلدية أمس أو اليوم! قال المسن بنبرة متشكية.

- هكذا شأن البلدية، لا تكترث بمن يحتاجها إلا في فترة الانتخابات، قال جيف، ثم مواسياً. ربما غداً، ثم دفع ببضع رسائل في فتحة العنوان (27)

أخرج من الحقيبة الحمراء حزمة جديدة من الرسائل ونظّم تسلسلها فوق ساعده.

فكر: "هناك عناوين لا يغذيها الأمل بجواب، وعناوين لا يتذكرها أحد، والسيدة براون في العنوان (35) تأخذ الرسائل وتدفع نحوي بالإعلانات وهي تقول هذه الزبالة لكم، رغم أنها تعرف أن الزبالة تتبعثر على دكة باباها لتبقى هناك"

دفع برسالة في العنوان (29) قال: "لكن أبأس العناوين تلك التي تنتظر منذ أمد طويل رسالة تؤجل وصولها يوماً بعد يوم".

تذكر أن الوصل البنكي الذي قدمه الشيخ يحمل تاريخاً قديماً، ربما يكون سميث غيّر عنوانه لأسباب شخصية، إذا لم يكن يغيّر أماكن سكنه عن عمد.

لا يعرف جيفري الكثير عن حياة المخبرين، ولا المحيط الذي يتواجدون فيه. حسب الروايات والأفلام يعيش المخبرون في بيوت متوسطة الأهمية، بعضهم يملكون مكاتب صغيرة حيث يقصدهم الزبائن. خيال الروائيين وضع لهؤلاء المخبرين قدرات خارقة، جعل من بعضهم اسطورة، أما مستر سميث فقد وضع إعلاناً عن نفسه في الإنترنت، والتلفون الذي كان الشيخ يستخدمه للاتصال به ماتت الحرارة فيه منذ ستة أشهر، لذلك يتعين عليه البحث في أكثر من مكان.

كل يوم تمرّ الأرقام والأسماء أمام ناظري جيف، علمته العادة معرفة الساكنين، ألوان وتصاميم بيوتهم وأبوابها، الجهات التي تراسلهم، والقليل من المعلومات عن حياتهم. الشوارع التي يتولى التوزيع فيها مرتبطة بالمناطق الشعبية، ذات البيوت المتراصة، التي يتدفأ بعضها ببعض، وهو الطراز الإنجليزي القديم الذي يعود إلى فترة استخدام الفحم، ولا يوجد بين قاطنيها سميث واحد.

ابتسم عندما خطر له هذا الأمر. دفع بحزمة صغيرة، رسائل وإعلانات، في الباب (68) مسز ومستر تايلور، فانتقلت الابتسامة إلى داخله وهو يتذكر ردّ والده ليلة الأمس: "مخبرون؟" قطب حاجبيه مفكراً، ثم قال: "ابحث عنهم في أوساط الأثرياء، هؤلاء الكلاب ابتدعوا خدمات كثيرة لحياتهم، من بينها مهنة المخبر الخاص" وبعد فترة قال: "المسألة تتعلق بالزوجات الجميلات!" ثم، "في زماننا لم نكن بحاجة إلى المخبر الخاص" وأدار وجهه عن نظرات زوجته المسلطة عليه باستنكار.

قبل أن يدسّ البريد في العنوان (109) انفتح الباب وظهرت السيدة هايوود، تشرق على وجهها ابتسامة عريضة، مرحّبة، يكشف قميص نومها الشفاف عن مفاتن صدرها العامر، "متى تتفضل لتأخذ مشروباً في الداخل؟" قالت، يفيض صوتها المبحوح بالإغراء.

- في وقت آخر، مسز هايوود، ردّ جيف، يده ترفع الرسائل قريباً من وجهها.

- دائماً في عجلة! علّقت مسز هايوود، من غير أن يهدم الرفض الابتسامة على وجهها.

"قل لي عنوان، أقول لك أين تسكن!" همس جيف لنفسه، ووضع ورقتي إعلان في الباب (111) ليعبر من ثم إلى الجانب المقابل.

أكثر من مرّة دعته السيدة هايوود للدخول، يشمخ ثدياها من وراء القمصان الشفافة، أكثر من مرّة شاهد البقعة الشقراء لعانتها الكثة، وأحسّ الرغبة تشتعل بين فخذيها المكتنزتين، إلا أن هذا النوع من العلاقات ينفره. إنه يكتفي بما يحققه له الاعتياد على جسد امرأة واحدة من متع. تناوب على خياله الإحساس بخلفية صديقته (ليندا) في حضنه بقية الليل، والتشكيل الجميل لردفي زودة الشيخ، صغيرتين، ممتلئتين، ورخوتين في البنطلون الضيق.

انتهى جابل ستريت بالعنوان (135) ما برحت السيدة هايوود تدفع بنصف جسدها وكامل ابتسامتها خارج العنوان (109) دون أن تفقد الأمل في تغيير ساعي البريد رأيه وأولوياته.

وضع في العنوان (1) رسالتين، وانتقل إلى الجانب الآخر إذ لم يكن من نصيب العنوان (3) أي بريد اليوم، هناك لمع في ذاكرته (كريس) أحد أقربائه الذي يعمل في بنك (براكليز) شعر بالارتياح لورود الاسم على ذهنه. سوف يزوره بحثاً عن آخر المعلومات عن المستر سميث. كريس موريل، من الأقرباء البعيدين والقريبين في نفس الوقت، لأنه قضى معه سنتين في الثانوية، ولعبا كثيراً في المنطقة المحيطة بالبيت، وظلا يلتقيان على فترات طويلة.

إن الاسم (كروسلي) في العنوان (2) هو الذي وضع هيئة وملامح وصوت القريب والصديق القديم أمام أنظار ذاكرته، بعد أن ابتعدا عن بعضهما عدة سنين. عليه الاتصال للسؤال عنه أولاً، إذ قد يكون انتقل إلى وظيفة أخرى، أو ترك برايتون، فكر، وضغط على جرس العنوان (7)

"أرجوك أن لا تصدع رأسي بهذا الرنين الملعون. كل يوم أقول لك لا يوجد أحد في البيت!" صاحت السيدة فليتشر من خلف الباب.

ابتسم جيفري وقال: "أعرف، سيدة فليتشر، لكن من واجبي القيام بضغطة خفيفة على الجرس ثم أرحل. آسف جداً"

هكذا يجري الحوار، تقريباً كل يوم، بين السيدة فليتشر في العنوان (7) وبين جيفري. إنها ترفض استلام إنذارات مسجلة من جمعية سكنية تطالبها بإخلاء البيت لعدم سداد الإيجار، وجيف يتفهم مشكلتها، وهي تعرف هذا، إلا أن القضية تركت في أعماقها حساسية شديدة من صوت الجرس.

يمضي جيفري الساعات الثلاث في التوزيع برضا نفسي تام، وبقية الدوام يقضيه في مكتب الفرز بين زملاء طيبين، متعاونين، يحبون المزاح،  ولا تنتابه حالات الضيق القديمة إلا في أوقات متباعدة. وهو يتضامن مع السيدة فليتشر في أزمتها كونه يعرف أن الإمبراطورية البريطانية، التي يثني والده على تاريخها بتأثير من جده، دمرتها البيروقراطية وغطرسة الموظفين الذين حكموا الشعوب المستعمرة، وأن نفس الأسباب انكفأت إلى الداخل، فأصبح الإنكليز يعانون من بشاعة البيروقراطية والغطرسة يضاف إليهما الفساد. ثم رؤساء حكومات مراهقون لا يخجلون من الكذب والتضليل.

كلما تذكر جيف فترة الضيق تلك، يطردها من ذهنه بامتداح القرار الذي اتخذه بالهرب من وظائف الحكومة والمؤسسات الخاصة، تلك الوظائف كادت تقضي على حياته، بالجنون أو بالموت البطيء.

أثناء عواصف الشتاء القاسية، في أيام الأمطار الطويلة، لن يظهر من يقف في طريق تفكيره أو قناعاته، وهؤلاء الذين يحمل إليهم الرسائل، بلطفهم أو فظاظاتهم، بأحزانهم أو أفراحهم، كل منهم مشغول بأموره الخاصة، ليس بينهم من يعرقل واجب موزع البريد، أو يحارب ضميره الشخصي.

- صباح الخير، يوم جيد للعمل في الحديقة!

- يوم جميل بحق، بعد أمطار الاسبوع الفائت، قالت السيدة هيلز، تردّ على جيفري بابتسامة سعيدة بعد أن توقفت عن نبش التربة في حديقتها الصغيرة، لا تزيد عن المتر الواحد عرضاً على امتداد واجهة العنوان (3) في شارع كارلتون هيل الذي عرّج عليه. إنها الحديقة الوحيدة في هذه الشوارع الضيقة، إذا اعتبرها المرء حديقة.

السيدة هيل تعد نفسها محظوظة بهذه المساحة الصغيرة، لذلك تراكم فيها الشتلات القصيرة، الموسمية، التي تزهر وتذبل خلال أيام قليلة.

"ليس لها زمن يّذكر" هجس جيفري في دخيلته، "عيون زرقاء وسط وجه وردي، عيون فيروزية ووجه قرنفلي، شهلاء وبشرة بيضاء، عيون سود وخدود سمراء. كل بذرة تحمل سرّ حياتها وألوانها، رقتها أو وحشيتها، وفوق ذلك وقبله موتها! حتى الكواكب التي تعيش مليارات السنين تموت أيضاً، فما هي خططك للغد القادم لا محالة، والميت لا محالة؟"

من بعيد شاهد السيدة بتروفيسكي تنتظر على الرصيف المقابل لبيتها (28) المهجور. كلما اقتربت العناوين منها تبين له أكثر القلق الذي يسود انتظارها، نظراتها تتنقل بين البيت والطريق كما لو أن شيئاً ما يهددها.

تأتي السيدة بتروفيسكي إلى البيت، المهجور منذ سنتين، لتلمّ الرسائل ثم تذهب. أخيراً لاحظ أنها تزداد لهفة على اقترابه. ما إن بلغ العنوان (23) حتى تحركت إلى وسط الشارع.

- مستر ساعي البريد، يوجد شخص ما داخل البيت، أرجوك ساعدني لتقصي الأمر، قالت، وظل اصبعها مرفوعاً باتجاه البيت، بينما دسّ جيفري الرسائل من فتحة الباب (23) واتجه نحوها.

خمسينية، ما زالت تحتفظ بقوام رشيق، وملامح دقيقة تشهد لها بجمال قديم. تذكر وقفه مشابهة، قديمة، للسيدة بتروفيسكي في الجهة المقابلة للدار، ترتجف من الخوف وتردّ على زوجها ردوداً قصيرة، بينما يقف بتروفيسكي وسط الباب يرعد ويهدد بذراع غليظة كثيفة الشعر.

- أي شخص تعنين مسز بتروفيسكي؟

"- لا أعرف، قد يكون لصاً! أجابت البولندية وأضافت. سوف أدفع لك ما تطلب من تقود إذا دخلت البيت وتقصيت!

بعد أن التهمت النيران البيت وصاحبه قبل سنتين، لم تبق منه غير جدران عارية، محروقة، نوافذه الأرضية مغلقة بألواح الخشب، والعليا أشبه بفجوات سوداء بأطر متفحمة، ولظهور شكوك متضاربة حول أسباب الحادث، من بينها دور للزوجة، أو عشيق لها، تأخر البت في مصير هذا الركام إلى ما قبل شهرين، عندما عزت المحكمة الأسباب إلى الإهمال والسكر الشديد الذي داوم عليه الضحية بعد انفصال زوجته، ثم أقرت للابن الوحيد وراثة المُلك.

- حسناً مسز بيتروفيسكي، دعينا نرى من في الداخل! أومأ برأسه، فتقدمت المرأة وأدارت المفتاح ثم تراجعت متهيبة.

فوضى، لا توجد سوى الفوضى في المدخل المعتم. بعض الأبواب مخلعة، صناديق الكرتون مبعثرة هنا وهناك، فارغة، وبعضها معبأ بالصحون والكتب البالية، ولم يبق غير القليل من المصابيح.

- هل يوجد أحد هنا؟ صاح جيف يرفع صياحه إلى الطابق الثاني.

لا جواب. الصمت والغبار وحدهما يشغلان البيت. تفقدت البولندية الصالون علّها تنتبه إلى شيء مسروق مما فيه من أثاث متعفن أو أغرض تافهة أخرى. إنها تعرف ما كان بيتها يوماً ما. دخلت المطبخ الذي أصبح مثل حفرة من حفر المجاري. شدّت صليب الحنفية بقوة ليتوقف انسياب خيط من الماء يملأ المغسلة ويفيض منها على الأرض.

- أرجوك لنصعد إلى الطابق الثاني. ناشدت جيف وهي تقف خلفه.

- بأمانة، لا يوجد ما يُسرق في البيت! علّق جيف وهو يرتقي بحذر درجات السلم، وهي وراءه.

- سرقوا الكثير.

- من؟ استفسر جيفري.

- المشردون يأتون ليناموا هنا، قريبي أغلق إطار باب الحديقة بالخشب عدة مرات من دون فائدة، لأنهم يعودون ويخلعوه. ليتهم يكتفون بالنوم فيه، إنهم يعبثون به أيضاً. إنني انتظر استلام قرار تسجيله باسم ولدي لأبيعه بأسرع وقت.

الطابق الأول، الذي شبّ فيه الحريق، بنفس الفوضى، وهياكل الأثاث ركنت فوق بعضها في الزوايا، والجدران مصهورة من جديد بفعل حرارة النيران. على الأرض في كل الغرف ثياب وأغطية رثة أكدت لجيفري أن عدد من المشردين يأوون هنا في فترات الشتاء القارسة.

- الأسبوع القادم يأتي ولدي من أمريكا لتوقيع الوثائق، إنه يعيش مع زوجته في كاليفورنيا. بعد أن اطمأنت، راحت السيدة بيتروفيسكي تتفحص الغرف والحمام وكل زاوية من الطابق الأعلى من دون أن تتوقف عن الكلام.

- كما ترين، لا يوجد أحد! قال جيفري.

- شكراً لك، ردّت البولندية. سوف أدفع لك مقابل مساعدتك.

- لماذا تدفعين لي؟ لم أقم بأي عمل!

- كنت خائفة. سمعت حركة في الداخل، ربما فرّ من باب الحديقة، سوف أطلب من قريبي وضع ألواح إضافية من الخشب.

ألقى نظرة من النافذة إلى الحديقة في الخلف، صغيرة ومهملة، ثم قال:

- لا يوجد أحد في الحديقة. أنا متأكد أنك في أمان، الآن يجب عليّ العودة إلى عملي!

- أنا ممتنة لك. كم أدفع لك؟ قالت، وأخرجت محفظة صغيرة من حقيبة يدها.

- لن تدفعي شيئاً على الإطلاق، أجاب، وبدأ يهبط السلم المعتم بحذر.

- أرجوك، دعني أدفع! قالت وهي تنزل خلفه.

- لا تهتمي بهذا، أنتم أروع شعب يا سيدتي، لقد دمرتم أكبر إمبراطورية للقمع بالإضرابات! قال حين أنهى آخر درجات السلم.

- تقصد البولنديين! أنت لا تعرف كم هم سيئون! قالت.

لم يعلّق على الكلام، وعادت المرأة تلح على الدفع مقابل المساعدة.

- لا يوجد ما يستوجب الدفع، أتركك بخير، قال جيف عند الباب، بينما انحنت بيتروفيسكي تبحث بين كومة من الإعلانات عن رسائل جديدة.

- أشكرك جداً على مساعدتي. لكن كان علي أن أدفع! قالت، رغم عبوره إلى الجهة الأخرى من الطريق ليواصل التوزيع.

دفع بحزمة البريد في العنوان (26) وقال لنفسه: "الخوف من الأموات. ربما يكون خوفها من شبح زوجها السابق أكثر من خوفها من اللصوص والمشردين!"

اندفع إلى بقية البيوت يدسّ البريد في فتحات أبوابها، وعاد إلى تفكيره جوليان سميث، وهمس لنفسه أن عليه أن يتوخى الحذر في التعامل مع عنوانه، ثم ابتسم، ابتسم أكثر، وبدأ يضحك لأنه هو الآخر لا يملك عنوان خاص به، بعد أن انتقل ليقيم في بيت والده منذ طلاقه من زوجته!

 

 

 

 

 

 

4

 

في غضون ثلاثين دقيقة، أنهى العنكبوت نسج أربعة قطاعات متساوية الحجم من الخيوط الدقيقة بين غصن شجيرة الورد وأحد الأفرع المتدلي منه، فاتضح الشكل الهندسي الخارجي لشبكة القنص، وحدودها، وبدا النسج الآن أقل تعقيداً، والحركة بين نقاط التثبيت أسرع، بينما الدهشة والقلق يغزلان شبكتهما السوداء داخل عقل السيد إبراهيم ووجدانه.

- هل ترغب في فنجان قهوة عربية؟ سألت الزوجة الشابة.

- نعم من فضلك! قال دون أن يرفع عينيه عن النشاط الجاري تحت أنظاره.

كان يجلس في الشمس الدافئة، داخل الحديقة الخلفية للفيلاّ التي استأجرها منذ وصوله مدينة برايتون، مذهولاً ومتحفزاً لما يقوم به هذا المخلوق الضئيل من جهد لبناء مصيدته الرقيقة، منتظراً، بحيرة كبيرة، النتائج الأخيرة التي قد تقلب حياته وأفكاره ومعتقداته.

إنه يراقب في لهفة خيوط بيضاء، أرق من خيوط الحرير اللامعة، تكبر وتنفرش على مساحة قدمان، تكفيان لاقتناص الحشرات، الداخلة أو الخارجة، من باب مغارة يتسع لمرور رجل مربوع القامة إلى الداخل.

أخذ العنكبوت يحبك دائرة صغيرة، كمركز، عند ملتقى الفرع بغصنه، تلتها دوائر راح قطرها يكبر كلما ابتعدت عن المركز، وخلال خمسة عشر دقيقة أنهى السَدَى الداخلية للشبكة، فغدت الفتحات بين الخيوط أضيق، غير أنه لم يكتف بهذا، إذ ضاعف من دورانه وهو يفرز من ثلاثة مغازل أسفل البطن اشعاعات خيطية أكثر دقة، غشاءاً شفافاً لتمتين السَدَى بحيث لا تفلت منها أصغر الهوام حجماً.

إن الزمن الذي يسجله العنكبوت يفتح عيني إبراهيم على آخر اتساعهما، ويعميهما في ذات الوقت، لأنهما انقلبتا إلى الداخل ضمن شرود عميق، سطعت في ظلامه العديد من الأفكار والذكريات والصور تمثل، بمجموعها، أبرز أدوات الوعي في تركيب عاطفته.

- ماذا عسانا نفعل الآن؟ تساءل فيما يشبه الهمس، متراجعاً بكامل جذعه إلى ظهر الكرسي.

- نذهب إلى المدينة! قالت الزوجة، المبحلقة في الفنجان الصغير، بقهوته الباردة التي لم تمسّها شفة.

- عفواً؟ سأل عمّا تعنيه زوجته بكلام صدم شروده البعيد من دون أن يخترق جدرانه السميكة.

- نذهب إلى المدينة، كررت الزوجة.

- أممم! نعم، سنذهب، قال بزفرة طويلة يغمرها الشعور بالضياع.

- لكنك لم تشرب القهوة، هل أصب لك فنجاناً ساخناً؟ قالت، تحاول سبر أغوار أفكاره بنظرات متسائلة.

- لا داعي لهذا، ردّ، وقد انتزع نفسه من بعض غيابه، ثم طلب منها إعداد الأولاد للخروج. سأل. أين هما الآن؟

- يلعبون في الحديقة الأمامية، أجابت، وبينت أنها ذاهبة لتنادي عليهم، وذهبت، فغرق من جديد في أفكاره التي عادت إليه، مصحوبة هذه المرة بالحنق.

"لقد غرفنا من ينابيع ملؤها الخداع!" تمتم بصوت خافت.

من عتبة الباب، نادت على الصبية وأخيها، طلبت منهما الدخول، لكنهما واصلا اللعب المنهمكان فيه، وحين قالت إنهم سيذهبون إلى المدينة جاءا يتراكضان إلى الداخل.

لم يجذب انتباهها شيء غريب في شجيرات الورد، كما تعرف عدم اهتمام زوجها بالحدائق والنباتات، ولم تعتد التدخل في مسار الأعمال التي تشغله، بيدَ أن استغراقه في انحنائه الطويل، ونسيانه القهوة تبرد بين يديه، عزز لديها الظن أن الإنكليزي نقل إليه بالموبايل أخباراً غير مريحة عن ولده ناصر، أو أنه تلقى مكالمة من الخارج عرقلة تواجهها أحد أعماله.

الكل سعيد بهذه المدينة الإنكليزية التي يفدون إليها للمرة الأولى، وخلال أيام سيظهر البحث فيما إذا كان ناصر موجوداً فيها أم لا، فتتقرر وجهتم القادمة، لكن خروج إبراهيم، للمرة الثانية، عن الخط (52) وانحداره بالسيارة في طريق جانبي قادهم إلى الساحل، أكد للزوجة أن وراء استغراق زوجها في الحديقة أمر ما.

- أنت سارح الفكر اليوم، هل يوجد ما يقلقك؟ سألت أخيراً، لأن السيارة التي استأجرها مزودة بجهاز إرشاد ناطق يحدد له وجهة السير في كل خطوة، والطريق من منطقة (سالتدين) التي يقيمون فيها يذهب إلى برايتون في خط مستقيم، سبق لهم استخدامه أكثر من مرّة.

- لا شيء على وجه التحديد، قال إبراهيم.

نفس العبارة التي أبعدها بها عن مشاغله الكبيرة، وقد أزعجتها اليوم كما لم تفعل من قبل، إذ شعرت أنها كبرتْ في لحظة واحدة عشر سنوات، وأصبحت تساويه في العمر، فلا يجوز إنكار حقّها في مشاركته همومه. إذا كان الموضوع يتعلّق بناصر، فقد ساهمت بتربيته ورعت نشأته، وكان زواج إبراهيم منها لهذا الغرض الذي أدته كأحسن ما يؤدى، مثلما تفعل أمّ حقيقية، وحرصها على حياته ومستقبله لا يقلّ عن حرص والده، وإلاّ عفتْ نفسها وابنتها وولدها من متاعب السفر، متاعب النوم في غرف السفن، وتركته يبحث عن ناصر لوحده، بينما تبقى بين أهلها وصاحباتها أيام العطل الصيفية، التي ما إن تبدأ تباشيرها حتى يكون قد حجز وبرمج لهم ثلاثة أشهر من التنقل في بحار لا تهدأ رياحها وأمواجها.

لم تعلّق على ردّه المقتضب، الذي بدا اليوم ثقيلاً على النفس. اكتفت بالصمت، إلاّ أن انفعالاتها الداخلية انعكست على ملامحها، وبالتدريج اكتسح التجهم كل تعبير على وجهها.

توقعت يوماً كئيباً، يزيد من وطأته واجبها في إخفاء مظاهره عن الأولاد.

في سريرتها، تفاقمت مشاعر الرغبة في إثارة الخصام، وإذ بقي إبراهيم على صمته وهم يدخلون المدينة، ترسب في نفسها الشعور بالإساءة.

ركن إبراهيم السيارة قرب الرصيف المجاور للشاطئ، ورمى في آلة التذاكر كل ما وجد في جيوبه من قطع نقدية، لأنه عزم على البقاء في المدينة بقية المساء وأكبر جزء من الليل. سوف يترك الأولاد وزوجته في قاعة الألعاب الإلكترونية ليهيم، وحده، على الشاطئ.

- سوف أبقى معك بعد أن نتركهما هناك، قالت بلهجة قاطعة.

لم يفهم سبب كلامها المتسم بالجفاف، ولا ربط ذلك بجوابه في السيارة، لذلك سأل إن كانت زعلانه من شيء ما!

فاجأها السؤال. لم تكن هيأت الكلام لشرح أسبابها، وخانها التعبير عن المشاعر التي تعتمل في نفسها، فأشاحت عنه بوجهها كآخر سلاح لمعاقبته. إلا أن البنت تدخلت فانتقذتها في اللحظة الأخيرة. 

- نريد الذهاب إلى السينما.

- فيلم كارتون! أوضح الصبي.

- سوف آخذهما إلى السينما، قالت، بعد أن أنقذها الطلب من الإرباك. ولتسرح وحدك مع مشاكلك! أضافت، متحررة قليلاً من سخطها، لأن الغموض سيشغله أكثر بأسباب الزعل.

أمسكت الصبية وأخيها كل من يد لتعبر بهما الشارع، متعمدة أن لا تحييه بكلمات الوداع القصيرة المعتادة. هذه الإشارة ستحمله على التفكير جدياً في سبب غضبها.

- نلتقي في البار الفيكتوري داخل الرصيف البحري! صاح إبراهيم وراءها، وتلقى هزّة بمؤخرة رأسها.

كثيراً ما تعامَل بحب، وتسامح، مع غضب وانفعالات زوجته نورا، وهي انفعالات صغيرة. يكفي مشاهدتها تخطر أمامه بثيابها الأنيقة، التي تجيد اختيارها، وعقصات شعرها الجميل، وجسدها الشاب، حتى يشعر بالسعادة أنها، مع طفليه، جزء من حياته، بل الجزء الأهم، غير أن هذه السعادة تتعرض للتشوش، للتشوش وربما التزعزع، منذ انتهى العنكبوت من وضع شِباكه السوداء فوق عينيه.

لعل الأجداد، فكر أيضاً، وضعوا ما يطمئنون به أنفسهم من أفكار عن الحياة والموت، معتمدين منطقاً ساذجاً يمكن لعنكبوت صغير أن يكشف ضعفه، لذلك لجئوا أخيراً إلى القوة لفرضه!

لكن، تساءل، ما الذي شغلنا عن فحص السرعة التي تبني بها العناكب شِباكها؟ أهو الكسل؟ ام الثقة العمياء بهم، أجدادنا المخادعين؟

إن شبكة متينة الحبك، التصقت بعينيه منذ قاد السيارة من منطقة (سالتدين) حتى مدينة برايتون، وما برحت غشاوتها الكثيفة تخيّم على بصره.

الموت بدا مخيفاً، والبحر، هذه الكمية الهائلة من المياه، خارج حيّز تفكيره، بينما قدماه توقعان خطواتهما بآلية على إسفلت الكورنيش الطويل، المتجه نحو أطراف المدينة، المفروش بالشمس والريح الخفيفة، وبالخطوات الأخرى، مئات الخطوات، الغريبة، المتلاقية والمتفاوتة، المبتهجة بالطقس الجميل.

لم يفكر من قبل بالموت بهذا الإلحاح والانزعاج. ظلت الأعمال وحركتها السريعة أو البطيئة، شاغله الأول منذ ورث عن والده مكتبه التجاري الصغير قبل خمسة وعشرين عاماً، مطمئناً إلى قوة وثبات الأعمدة التي يقوم عليها الدين في تصريف شؤون الجسد والروح، ومصيرهما، غير أن هذا الاطمئنان تعرّض للمساءلة قبل أسابيع قليلة، حين نما إليه، وهم في أوربا، أن الجزائريين قطعوا رؤوس ثمانية وعشرين شخصاً، بينهم أربعة أطفال، باسم الله!

الصورة التي ترتاد خياله، منذ ذلك اليوم، في النوم أو اليقظة، هي صورة ابنته وابنه الصغير وقد جُزَّ عنقاهما بأداة حادة، وتركا غارقين في الدم!

منذ ذلك اليوم، والسؤال الذي راح يشعّ في تلافيف دماغه، هو: لماذا يصنع الإيمان هذا النوع من العقول؟

ومنذ ذلك اليوم، وهو يسترجع بوعي لجوج، الإشارات والأقوال والحكايات التي سمعها من أبيه وأمّه وأقربائه وأصدقائه في فترات مختلفة من حياته عن الله والدين، ثم جاء العنكبوت هذا الصباح، بحجمه الضئيل، ليفتح بصيرته، التي أرهقها الارتياب، على ظلال الخرافة في أساس تلك الأصوات.

كانت الجنّة، كمفهوم، واحداً من أسباب الشعور بالدعة طوال حياته الماضية، بيدَ أن الأسئلة التي حامت عنها في ذهنه مؤخراً عطلت هذا الشعور، زعزعته بالشكوك، وأكثر من هذا بصورة الرعب المحدقة بعنقي ابنته وابنه الصغيرين.

"من هم الأخيار الذين بوسعهم الردّ على أسئلتنا الكبيرة؟" تمتم بصوت خفيض.

"وفي أي القبور سأجد الكلام الفصل؟ ومن أي أماكن العبادة أعود بالجواب الشافي؟"

قلّب الأمر طويلاً مع نفسه، إلاّ أنه لا يعرف من أين يبدأ، ولا كيف سينتهي، ولم يكن من عشاق الكتب ليبحث فيها عمّا تقول بهذا الخصوص. وجد أنه داخل شِباك لعينة، ملتفة على ذاتها، لن يخرج منها إلاّ بالضياع، وكدر النفس، ومن جديد عاوده الشعور بالخوف من الموت.

لم يراوده هذا الشعور من قبل، ولا فكر بالموت، أمضى خمسة وأربعين عاماً مستغرقاُ بالحياة. أكثر من ذلك، لاح له أن ما امتلأت به حياته من أفراح ومتع وأرباح وزيجات وولادات قد مرّت بسرعة هائلة، خاطفة، لم يعد لها وزن حفنة من القشّ في خياله.

لم يصدق أنه عاش خمسة وأربعين سنة في الحياة! ولو عاش سنوات جديدة، عشر، أو عشرين، وحتى ثلاثين سنة أخرى، لن تملأ، بعد انقضائها، أكثر من لحظة قصيرة.

كانت خطاه الشاردة تأخذه بعيداً، والبرد يلسعه من وراء القميص، والخطوات الغريبة في سبيلها إلى الاختفاء، والموت، شبكة غليظة الحبال، تمطر قلبه خوفاً.

أحسّ رطوبة الرمل تتسرب إلى قدميه عبر الحذاء، فعاد أدراجه مرتقياً من جديد رصيف الكورنيش، وبينما ظل البحر ساطعاً بلون الفضة المجلوة، انحنى الليل على المدينة، ومن خلفها غرقت التلال في الظلام.

 

 

 

 

 

 

5

 

في غرفة مخصصة للزوار، قعد جيفري بين عدد من مراجعي البنك، يمسح عن عينيه الرذاذ المتجمع عليهما بمنديل، منتظراً خروج صديقه وقريبه كريس موريل من مكتبه لملاقاته.

السماء اكتسحتها منذ الصباح غيوم منخفضة، سريعة، تبزغ الشمس من بين فرجاتها أحياناً، فيهطل الرذاذ برتقالي اللون، ما يلبث أن يصبح ببياض نثار الزجاج الناعم على الوجوه حالما تختفي الشمس.

أمس، اتصل بكريس طالباً منه خدمة صغيرة تتعلّق بالعنوان لواحد من زبائن البنك الخمسة ملايين، هو جوليان سمث.

أمس، أيضاً، دخل أحد البارات القائم على الشاطئ قرب المياه، يرتاده الكثير من العرب والأفارقة والأوربيين الشرقيين، وسأل، بصوت مرتفع بعض الشيء: "هل بينكم من عرف شخصاً اسمه ناصر إبراهيم" فاشرأبت الأعناق للحظة، ثم فرّ نصف الزبائن هاربين.

قال صاحب البار، يجيب على نظرات جيفري المستغربة: "لاجئون غير قانونيين!"

أقبل كريس، بنفس شقرة جيفري وصفاء وجهه، وابتسم ما إن عرف زائره من بين المنتظرين، فنهض  جيف ليتحاظنا بالأذرع، وبدت السعادة على الأثنين لهذا اللقاء.

"بدنتَ قليلاً، كريس!"

"مطبخ الزواج" ردّ كريس مازحاً فضحكا، أضاف: "أنتَ ذلك الجيفري!"

"مطبخ الأمّ!" قال جيف، وارتفع صوت ضحكهما.

"يجب أن نلتقي على مشروب" اقترح كريس.

"بالتأكيد" أجاب جيف.

قرّب كريس ورقة بيان عناوين جاء يحملها معه، قال، يشير باصبعه إلى أحد الأسطر:

"بالنسبة للمستر جوليان سميث، هذا عنوانه الأخير لدينا"

قرأ جيفري العنوان بصوت مسموع: "شارع رويال، إنه يختلف عن العنوان الذي معي"

"العنوان مسجّل منذ ثلاثة أشهر، على الأرجح أنه يغيّر عنوانه بكثرة!"

"قطعاً يفعل. لكن كيف يسمح له البنك؟" سأل جيفري.

"البنك ليس أمامه غير قبول بياناتهم الجديدة عن العناوين" أضاف، "لا تنس أن آلاف الزبائن يعيشون في زوارق داخل الأنهر، أو في كرفانات يتنقلون بها من منطقة إلى أخرى، ولأن البنك يعرف الحاجة إلى الاطلاع على حساباتهم شهرياً، لا يجبرهم على تسجيل عنوان ثابت"

فهم جيف قوانين البنك في شأن العناوين، ثم تذكر ليقول إن سمث هذا يتنقل بين بيوت للسكن، فكان جواب كريس أن الأمر واحد، ليكشف أنه لم يضع أو يسحب مالاً منذ سجل عنوانه الأخير، وفي رصيده بضعة باوندات لا غير!

فكر جيفري بسرعة أن سمث لا يقوم بأي عمل، ثم قال:

"هذا لأن الشيخ أوقف الدفع منذ ستة أشهر كما أخبرتك"

"يحتمل هذا!" قال كريس، "لكنه يستطيع فتح حسابات في أربعة بنوك، ويداور المال بينها!"

"أوه..!" قال جيف باسماً، أضاف، "راهنت أنه لن يكون ساذجا!"

" بالتأكيد!" أيد كريس، ليضيف أن سمث طلب استلام بياناته برسائل مسجّلة، كما تفعل الشركات والأثرياء لضمان عدم وصول أرقامهم المالية إلى أياد غريبة عن طريق الخطأ.

نقّر جيفري صدغه بسبابته عدة مرّأت، بعد فترة أطلق ضحكة قصيرة، مندهشة، ليقول إن للرجل ألاعيبه الذكية، لأن الرسائل المسجّلة تعود من العناوين الخطأ إلى مكاتب المسترجعات، وهناك يستلمها بكل أمان.

خرج جيفري من البنك بعد الاتفاق مع كريس على لقاء للدردشة عندما تسنح الفرصة.

ما فتأ الرذاذ ينهمر في زهو بالألوان التي ينتحلها، فيغيّرها لتتنوع بها ذاته، وهو الآن يعود ليتخذ من شقرة جيف سمتاً له.

"الأسهل صيد الثعلب في جحره" قال لنفسه، واتجه إلى شارع رويال في الغرب. فكر أن سميث يغيّر عناوينه داخل نفس القطاع، لأن ِشارع رويال قريب من (جولدستون) الذي سأل فيه مؤجرة الغرف قبل يومين.

" جيفري!" قالت صديقته (ليندا) وكانت مقبله نحوه، يضمهما رصيف خال من المارة، مع ذلك لم يرها إلاّ بعد سماع صوتها ووقوفها أمامه وجهاً لوجه.

"ما الذي أبعد عقلك عن رأسك!" قالت.

"أوه! آسف لعدم الانتباه" أجاب وقبلها على خدها.

"ماذا تفعل هنا؟" سألت.

"ذاهب للبحث عن عنوان أحد الأشخاص" قال. ثم، "وماذا عنك، ما الذي جاء بك هنا؟"

"قمت بزيارة عمتي"

"لم أكن أعلم بوجود عمة لك في برايتون!"

"جيفريّ تعال إلى بيتي اليوم أو غداً، لدي ما أقوله لك"

"خير أم شرّ؟" سأل مازحاً.

"في الحقيقة لا أدري، أنا بحاجة إلى رأيك" قالت.

"حسناً، ربما اليوم" أجاب.

"إذن لن أؤخرك، أراك فيما بعد"

تابع كل منهما وجهته. لم يلاحظ عليها القلق أو الانزعاج، لذلك عاد يفكر في الطرق التي يلجأ إليها سميث للابتعاد عمّن يريدونه! وانتهى إلى التفكير أنه لا يقدم العون للشيخ بحثاً عن ولده، إنما يتلبس له دور المخبر، وهو عمل لا يجيده، ولا يعرف أساليبه الصحيحة، وكان الأفضل أن ينصح الشيخ بتأجير مخبر جديد يبحث له عن المخبر القديم.

توصل إلى أنه ليس من اللائق النصح بهذا الآن، فقد عرض المساعدة، وعليه الاستمرار فيها، على الأقلقلأقل في هذه المرحلة.

فكر، "أن سميث قال بوجود دلائل تشير إلى إقامة الولد في المدينة، فقط ليتلقى من الشيخ المزيد من المال، وإلاّ لماذا اختفى حالما علم بنية الشيخ القدوم إلى برايتون"

الشيخ، من جانبه، ليس ساذجاً ليظل يدفع من دون قرائن ملموسة، لهذا وعد سميث بجميع النفقات لدى مجيئه بنفسه. عند هذه النقطة ضاعت الحلقة التي تربط الأمور ببعضها.

فكر أيضاً، أن الشيخ ليس ساذجاً، لكنه ليس ذكياً بما يكفي. وحين تساءل ماذا كان سيفعل لو كان مكانه؟ فوجد نفسه لا تعرف.

"هل يعيش المستر جوليان سميث هنا؟" سأل امرأة متوسطة العمر، فتحت له الباب بعد عدة ضغطات على زرّ الجرس.

"لا، لا نعرف شخصاً بهذا الاسم" قالت المرأة.

"إذن أنتم تؤجرون الغرف فقط" عاد يسأل.

"لدينا غرفة واحدة تحت السقف، إنها شاغرة الآن"

لم يزد على أن شكرها، وعاد أدراجه وهو يمسح الرذاذ المتكاثف على جبهته.

ذهب إلى البريد، إذ يتعين قضاء ثلاث ساعات بعد التوزيع، هناك سجّل وقت عودته من التوزيع، ثم قصد مكتب المسترجعات الصغير.

"جاك! هل يتردد عليك شخص باسم جوليان سميث؟"

"كلا!" أضاف "لو أنه أعزب وموظف لا يبقى أحد في بيته، لكان أحد زبائني!"

ابتسم جيفري للمعنى المزدوج في المزحة، وتوجه إلى العمل المنوط به.

بعد انتهاء دوامه، ذهب إلى المطاعم الرخيصة على الشاطئ. قيل له عن مكان يقدم طبخات شمال أفريقية.

حلّت عتمة خفيفة بالمدينة. تماسكت الغيوم بكثافة، مواصلة لعبتها في الرذّ من غير أن يؤثر هذا على تزاحم المارة فوق الأرصفة وأمام المطاعم والمقاهي، ولأن الكثير من المصابيح نوّرت في آن واحد، تلألأ الرذاذ وهو يتساقط مثل البلور المشتعل.

على باب المطعم الأفريقي، أخرج صورة ابن الشيخ، درس ملامح الوجه تحت ضوء خافت، ثم أعادها إلى حقيبة البريد الحمراء ودلف إلى الداخل.

إنها للتستر، حقيبة العمل الحمراء، ولن يرفع صوته هذه المرّة لدى السؤال. جاء كواحد ممن يعيشون على الوجبات الرخيصة. كان المطعم الصغير يعجّ بالزبائن، الكل يرطن بصوت مرتفع، باستثناء مجموعتين من السياح الغربيين الباحثين عن مغامرة الأكلات اللاذعة والغريبة، تسحق كلامهم موسيقى طبول تتنافس على العنف. أغلب الموجودين يتشابهون في ثلاثة نقاط، وجوه نحيلة، خدود مخسوفة، والشوارب الرفيعة، إلا أن بعض الوجوه تحمل آثار ندوب قديمة.

لم يجد مائدة ينفرد بها، مما شجعه في النهاية على استئذان ثلاثة شباب لينضم إلى مائدتهم. تشاور الثلاثة فيما بينهم، ثم وافقوا.

"من أين أنت؟" سأل أحدهم وقد بدت عليهم الأريحية لوجوده بينهم.

"من إنكلترا" قال جيف، وفكر أن لا قيمة تذكر لحقيبة البريد التي جاء يتخفى بها.

"أنت على الرحب، أنت على الرحب" قال الثلاثة في صوت مرتفع وبآن واحد، مع ابتسامات صبيانية كما لو أنهم عثروا على شيء يسليهم.

"هل تحب طعام شمال أفريقيا" سأل آخر.

"أحب أن اجربه" ردّ جيفري.

"إنه جيد!" قال أحدهم.

"جداً جيد" قال ثاني، وكانوا يتكلمون إنكليزية بسيطة يفهمها جيفري.

"هل أكلت الكسكسي؟" سأل الأول.

"لا، ما هو؟"

"إنه جداً جداً جيد!" قال الأول.

"ربما يريد الأكل اللاذع!" اعترض الثالث بالعربية، ثم وجه كلامه إلى الإنكليزي: "تحب اللاذع؟"

"افضل المعتدل. أعني نصف إلى نصف!" أجاب جيفري.

"كلْ الشخشوخة!" اقترح الثالث.

"ما هي؟" سأل جيفري.

"الشخشوخة يا رجل تذبح ذبحاً!" انبرى الأول لرفيقه، ثم قال للإنكليزي: "خذْ الكمونية"

"ما هي الكمونية؟" استفسر جيفري.

"الكمونية لحم و.." فكر قليلاً ثم سأل رفيقيه بالعربية: "ماذا يسمون الكبدة بالإنكليزية؟"

قال الثاني: "ليفر"

عاد الأول يوضح: "لحم وليفر"

سأل جيفري عن اللغة التي يتكلمونها، قال الثاني العربية.

"العربية!" أدرك جيفري أنه اختار المكان الصحيح، إذ ستكون مهمته سهلة مع العرب.

"ماذا طلبتم أنتم؟" سأل جيفري.

"كباب بالبصل" قال الثاني.

"هامبركر" قال الثالث.

"لحم بالصلصة مع الهِريسة" قال الأول، ثم سأل رفيقيه: "ماذا يسمون الهريسة بالإنكليزية؟"

"اللاذع" ترجم له الثاني.

"اللاذع!" أعرف هذه الكلمة.

فكر جيفري ليختار، فأدار الأول رأسه بعيداً وقال ساخراً:

"خلوه يطلب فراسن البعير بالحمص"

انطلق الثلاثة بالضحك، شاركهم الإنكليزي ضحكهم بالابتسام لأنه لم يفهم كلام الأول، ولا سبب الضحك الذي انتابهم.

"سوف آخذ كباباً" قال جيفري أخيراً.

نادى الأول على صاحب المطعم بصوت عال: "العيوشي! هات كباب للخواجه، وعجّل يرحم الوالدين"

الكباب اسم مألوف لجيفري، في محلات الأكلات السريعة يطلقون عليه دونر كباب، ولا يعرف إن كان الأمر واحداً، وهو لن يهتم كثيراً، ثم علم من الثاني أن المطعم لا يقدم غير طبخة واحدة من أكل الشمال الأفريقي، تعتمد الصلصة اللاذعة.

ظلت الطبول تجعجع في كل الأغاني الصادرة عن جهاز التسجيل، وانتهز جيفري حديث الثاني عن الأكلات ليسأله عن بلده الأصلي. قال إنه من الجزائر، اسمه بوسعيد، يدرس في جامعة برايتون، والأول جزائري أيضاً، اسمه بوريش، والثاني ليبي اسمه عمر، والاثنان يؤديان أعمالاً مختلفة لعيشا عليها.

"أنا اسمي جيفري"

"هالو مستر جيفري" قال بوسعيد.

"أنت على الرحب!" قال عمر، ولم يكترث بوريش للأمر.

"هل يوجد الكثير من العرب في برايتون؟" سأل جيفري.

"قليل" أجاب بوسعيد.

سأل بوريش عمّا قاله الإنكليزي، فقيل له إنه يسأل عن العرب في المدينة. عندما همّ بالسؤال عن ابن الشيخ، جاءت أطباق الأكل ورميت وسط المائدة ليسحب كل منهم عشاءه.

فاحت رائحة البهارات فوق ما هي فائحة في جو المطعم، وكان الزبائن الداخلين ينفضون الرذاذ عن أكتافهم المبتلة عند الباب، عيونهم تبحث عن أماكن شاغرة.

هلّل الثلاثة لوصول الأكل، تبادلوا التعليقات الساخرة بلغتهم، فجأة مدّ بوريش صحنه إلى جيفري عارضاً تذوق طعامه الأصفر اللون، المكلل بأصابع الفلفل الأخضر.

قال: "إنها جداً جداً جداً لاذعة!"

"شكراً" قال الإنكليزي وأخذ لقمة من الأكل، قال بعد تذوقها:

"لذيذة فعلاً، ولاذعة!" قال جيفري باسماً.

افتتحوا عشاءهم ببضع لقمات، همس بوريش بعدها لبوسعيد: "قل له، قل له على المسألة دي!"

"مستر جيفري، ما هو عملك؟" سأل بوسعيد.

رفع الإنكليزي الحقيبة الحمراء أمام أنظارهم، قال: "موزع بريد"

"آسف، لم انتبه إلى هذا" قال بوسعيد باسماً، ثم عاد يسأل متهيباً، "هل تعرف ناس يحتاجون عمالاً للتنظيف؟"

"أنا؟ للأسف لا. هل تعيشون هنا بدون عمل؟"

"في الحقيقة بوريش هو الذي يحتاج عملاً" ردّ بوسعيد يشير برأسه نحو رفيقه.

"إذا سمعت عن حاجة أحدهم إلى عامل تنظيف سوف أخبركم لا محالة" قال جيفري.

نقل بوسعيد المعنى لبوريش بكلمات قليلة، ففغر هذا فمه علامة الاستخفاف بالجهد الذي بُذل، ثم كشر وهو يتمتم ببعض الكلمات.

لفترة، ساد الجلسة المضغ وقرع الطبول، تمنى جيفري خلالها لو يمكنه مساعدتهم. شعر أخيراً أن فرصة السؤال عن ابن الشيخ ذهبت بلا رجعة، بيدَ أن التفكير أسعفه ليقول:

"لماذا لا يسأل عن عمل في مكتب التشغيل؟ المكتب يساعد الجميع"

رغم علمه بلا جدوى إخبار بوريش، نقل إليه كلام الإنكليزي.

"قل للحلوف يبلع لسانه" ردّ بوريش، ينحني بقوة على طعامه ليخفي كلامه العربي عن الإنكليزي.

بلا أمل راحت أنظار جيفري تتابع وجوههم ليعرف الردّ، لكن الثلاثة عادوا يأكلون بصمت، وبأفواه مفتوحة على سعتها.

"لدي سؤال إذا لم تمانعوا!" تشجع الإنكليزي ليبدد الصمت.

"طبعاً!" أجاب بوسعيد.

"هل يعرف أحدكم عن شاب اسمه ناصر إبراهيم؟"

فكر بوسعيد وهو يتمتم بالاسم لكنه هزّ رأسه نافياً.

"إنه من تونس" أضاف الإنكليزي.

"هل تعرفون تونسي اسمه ناصر إبراهيم؟" سأل بوسعيد رفيقيه بالعربية.

لوى الأول بوزه علامة النفي.

"لم نسمع بهذا الاسم" أجاب بوسعيد، ملخصاً موقف الجميع.

"قل له لماذا يسأل عنه؟" طلب بوريش.

"لسنا بحاجة إلى هذه القباحة!" ردّ بوسعيد ليسكته.

"تعرفت على والده مؤخراً، وهو يريد معرفة عنوانه" سارع جيفري إلى القول ليبدد الشكوك التي علت الوجوه حول الغرض من سؤاله.

واصل الثلاثة انكبابهم على العشاء من دون اهتمام بتفسير الإنكليزي. عاد هو الآخر يلتقط شرائح اللحم الدسمة ويأكلها في بطئ.

"آ.. بوريش، وصلني كلام أنك لا تنوي دفع اجرة الغرفة التي سكنت فيها معي!؟

بوغت الثلاثة بوقوف شاب فوق رؤوسهم، فتوقفت فكوكهم عن الحركة وشاع على وجوههم التوتر.

لم يفهم جيفري سبب التوتر. لاحظ أن القادم يشارك مضيفيه ملامحهم وطريقتهم في الكلام. انتبه أيضاً أنه احتفظ بيده اليمنى في الجيب الخلفي لسرواله بطريقة مهددة.

"الكلام غير صحيح، لكن كلامك لا يخيفني" ردّ بوريش، محاولاً الحفاظ على هدوئه، في نفس الوقت ذهبت أصابعه لتحط على فتحة الجيب الخلفي.

"ومتى ترد لي فلوسي؟" قال الواقف.

"حين أجد الشغل، أرد لك فلوسك القبيحة" أجاب بوريش من دون أن يبعد عينيه عن نظرات الواقف المتحدية.

بقي جيفري يلوك في هدوء، أنظاره تراقب الوجوه المتحفزة، عندما ظهر صاحب المطعم.

"آ.. المسعودي! إذا جئت تضرب بالموسى، أطلبُ البوليس في الحال، أما إذا أردت تتعشى، ابحث عن مكان آخر تجلس فيه!"

"ما جيت أتعشى عندك، جيت أردّ فلوسي!" قال المسعودي بتحدٍ، وشدّد من قبضته على جيبه الخلفي.

شدّد بوريش هو الأخر على جيبه، واتخذ هيئة الجاهز للقتال. حينها حسم صاحب المطبخ أمره، قال: "إذن نحتكم إلى البوليس!"

تراجع المسعودي بعض الشئ، ثم ارتخت يده على الجيب، قال: "البركة فيك هذه المرّة!"

انحلّ التوتر قليلاً، وتركت الأيادي الجيوب الخلفية، وحدها نظرات صاحب المطعم بقيت على غضبها. عندما انسحب الواقف، دون أن يهدئ من نظراته إلى الجالس، نطق صاحب المطعم ببعض كلمات ثم انصرف إلى عمله وهو يهدد.

في الخارج، شعر جيفري أنه نفد بجلده من توتر كاد يتحوّل إلى شجار لا يعرف مدى خطورته، ولا دواعيه، لأن النظرات بقيت تتجابه بتحد رغم جلوس القادم في مكان بعيد.

لم يعرف أيضاً إن كانت الجيوب تخفي مسدسات أم سكاكين، بيدّ أن الشرّ حوّم فوق الرؤوس بجدية لا تخطئها العين.

فكر في هؤلاء الناس وطباعهم، أنهم على الهامش، قليلون، لكن الحياة تضج بهم، ينامون وأياديهم على جيوبهم الخلفية، يحرسون بها أيامهم الباقية، ينقلون عطيتهم من الربّ حزمة من الضوء تربطهم باليوم السابق، خطرون، لا يعرفون معنى آخر، شوووب، وتلمع السكين ثم تضرب، وبلمح البصر تطفح الدماء، حارة ثم باردة على الأرض، واحد للقبر والثاني للسجن! هل تراهم أبصروا عطية الربّ على حقيقتها؟ أتجدهم تمعنوا في أنها تخصّ الجميع وقبل أن يصنع كل منهم إلهاً؟ سوف يفنون كما تفنى الدابة وتتعفن، ولا ربّ يقف ورائهم! منذ عشرة ألاف سنة وهم يتعفنون ويتوهمون أن عنصراً ما، يجمّلونه ويضفون عليه معرفتهم ويصورونه بهيئتهم يسمى الله أو المسيح، سيقول لهم انهضوا فينهضوا واقفين، ويمنحهم ملكوته، فيبدءوا حياة جديدة، تعوض لهم أيام الشر هذه.

عندما أنهى الشاطئ ليصبح وسط المدينة، تذكر وعده لليندا، فاتجه نحو بيتها في الشمال.

كان الرذاذ يختفي في الظلمة، ليتراقص مثل الفراشات حول مصابيح الشوارع، والليل يكتنفه البرد، وبعيداً عن وسط برايتون خلت الطرق، أو كادت، من العابرين، وبعد أن تعشّت ليندا وأسلمت جسدها طويلاً لمياه الدوش الفاترة، جلست على الكنبة العريضة تراقب التلفزيون، مزيحة عن فخذها طرف الروب القطني الأبيض لتتخفف من الحرارة، فشعر جيفري، لدى دخوله، أن الدفء بانتظاره.

نادراً ما التقيا في أيام الأسبوع العادية، لأن ليندا تعمل في صيدلية، وتدخل دورات دراسية للحصول على راتب أرقى، وهي مطلقة، تأمل في الزواج من جيفري، لكن فيما بعد. يومهم المفضل هو الأحد، وقد يخرجان السبت للعشاء أو السهر.

"لقد تأخرتَ!" قالت، يظهر ثديها من فتحة الروب. جسدها مرتاح في جلسته، وعلى وجهها انشغال غامض.

"ذهبت أتعشى في مطعم أفريقي على البحر" ردّ جيف، مشتهياً العري الجزئي الذي تعوّد عليه، خاصة بعد حمامها الليلي.

"ليست من عاداتك!" قالت.

"إنني أتقصى أخبار شاب عربي التقيت بوالده"

أوضح كل الموضوع في هذه الكلمات، فلم تهتم بالباقي، بل رمت شعرها ثم رأسها أعلى الكنبة تلملم أفكارها. لكنه سأل:

"ما الأمر الذي تريدين مشاورتي فيه؟"

"عمتي اقترحت بيع البيت وتقسيم ثمنه بيننا نحن الثلاثة، أعني هي وأنا وبيلي كما جاء في الوصية.

"وأين تسكن؟" سأل جيفري.

"تستأجر بيتاً صغيرا" قالت.

"أين المشكلة في الأمر؟"

"جيف! أشعر بالذنب من أخذ مال يعود لأبي"

"لماذا؟" عاد يسأل.

"هناك قصة لم أحدثك عنها" قالت، واضعة يديها بين ركبتيها بحثاً عن المدخل المناسب لما تريد شرحه.

انتقل جيف إلى الكنبة لتشعر أنه إلى جانبها في أي أمر يقلقها، قال:

"هيا! قولي لي أين المشكلة؟"

"جيف! عندما كان والدي يحتضر في المستشفى، طلب رؤيتي، إلاّ أنني لم أذهب. كنت في السابعة عشرة"

"لا بد من وجود شيء منعك، أليس كذلك؟"

"لا. رفضت الذهاب لزيارته" قالت، تنظر إلى الأرض وقد تولاها حزن خفيف.

أضافت: "والدي أدمن على السكر في آخر حياته. كان يشرب وتنتابه نوبات من القسوة، وكنا نتعذب من هذا، أنا وأمّي وأخي الأكبر بيلي. أمّي على الخصوص تحملت الكثير قبل أن تتركه. أحد الأيام قالت: يكفي يعني يكفي! ثم اتخذت إجراءات الطلاق لننتقل بعدها إلى بيت خالتي. كان يتحوّل إلى ما يشبه الحيوان في لحظات سكره!"

سحبها جيفري إليه وحضنها بذراعه من كتفها لتخفيف الأسى الذي بدا واضحاً عليها. قال:

"لا يلومك أحد على رفض زيارته قبل موته، لأن فتاة السابعة عشرة تجرحها ذكرى القسوة أكثر من الأطفال"

ليس هذا يا جيف! ربما سأزوره تلبية لرغبته وهو على فراش الموت، لأنه يبقى والدي في كل الأحوال، غير أنني كنت في طريقي إلى المطار للاشتراك مع صديقاتي في أول سفرة لنا إلى الخارج. كنت أمام خيارين، إلغاء السفر من أجل زيارته، أو اللحاق بالطائرة!"

راحت تواجه نظرات جيف الحائرة بنظرات منكسرة قبل أن تقول: "دفعت ثمن القرار سبعة عشر عاماً أخرى من حياتي!" أضافت: "لأنني لا أدري أي القرارين هو الصحيح!"

بعد صمت ثقيل، لم يجد جيفري خلاله ما يواسيها به من رأي، قال:

"في كل الأحوال، يبقى نصيبك من الإرث حقّاً لك، لا أجد مبرراً لرفضه!"

"بعد أن خذلته في لحظاته الأخيرة! لا أرى من العدل التمتع بماله، أليس كذلك؟"

"أنا واثق من أنه لو عرف السبب في حينه، لغفر لك خيارك، أليس هذا شأن الوالدين في النهاية!"

"ليس من هذا النوع!" قالت تهرباً من ثقته برأيه.

كان الصمت يضرب، فتزداد مآخذ القلب.

حزم جيفري أمره في النهاية، قال:

"لنكن صريحين يا لندا، لا أعرف إن كانت قيمة البيت كبيرة أو صغيرة لتندمي على ما فعلتيه، غير أن الشيء المؤكد أن حياة الإنسان، حياتنا، كلها تقوم على العذاب، عذاب أبداننا وهي تصارع مع الخارج ومع الداخل لتبقى على قيد الحياة، وعذاب نفوسنا مما يلحق بها من أذى وخيبات من الناس الذين يدبون، مثلنا، على هذه الأرض، والموت هو الخلاص الوحيد من هذه المعركة التافهة، والقاسية، التي فرضت علينا، إذ فيه، وحده، تبدأ راحتنا الأبدية، بعد أن يمسح في لحظة واحدة على كل الندوب والجروح التي تركتها سنوات العيش، وهذا ما حدث لوالدك، فقد امحت جميع أحاسيسه، الجميلة والسيئة منذ لحظة وفاته، ولم يعد يحزنه، إذا كان قد أحزنه، رفضك زيارته في المستشفى. بكلمات أخرى، انظري إلى تركيبنا الداخلي، أعني أجسادنا، إنها مجرد ماكينات معقدة، نعلفها طوال النهار لتبقى ملايين الخلايا والكريات والجينات والومضات الكهربائية تعمل يوماً آخر، ويكفي تسلل بكتريا أو فيروس ضئيل لتدميرها كلها في غضون أيام أو أسابيع! إذن، كيف نميّز، حقاً، بين الصحيح والخطأ فيما يتعلّق بالحياة؟" 

أحسّت ليندا بانفراج، بارتياح نفسي انتشلها من غيوم الندم التي أطبقت عليها طوال المساء. قررت، بينها وبين نفسها، تسوية تحرّرها من بقية آثار الموضوع، ذلك بالتنازل عن حصتها من البيت إلى عمّتها وأخيها بيلي يتقاسمانها بينهما، عندئذ نهضت تقول وهي تتجه إلى المطبخ:

"أنا بحاجة إلى كأس صغيرة من النبيذ قبل النوم، أأنت كذلك؟"

"لِمَ لا!" أجاب جيفري.

جاءت بقنينة نبيذ نصف فارغة مع قدحين وضعتهما أمامهما، وصبّتْ.

"لم أسمع من قبل أفكارك هذه عن الحياة والموت!" سألت.

"إنها مزعجة، لا تقال من دون مناسبة تستدعيها!"

شربا متمهلين في الصمت، صمتها، وصمت التلفزيون الذي ظل يبث الصور والألوان بلا صوت.

بعد منتصف الليل بقليل، اندست في الفراش بعريها الكامل، ومثلها دخل جيفري. وقبل أن تطفئ النور بقيت لفترة تنظر إلى السقف، ثم ألقت تحية النوم واستدارت على جانبها الأيمن، كاشفة له ظهرها الرخض، فالتصق به، مطوقاً كتفها بذراعه، ولفترة أخرى غرقا في الصمت الذي يسبق النوم، إلاّ أن الشهوة راحت تدبّ في جسده ويتصلب قضيبه بين أعلى فخذيها.

شعرت ليندا بالحركة، وتابعت بارتياح تنامي الانتصاب أسفل ظهرها، في اللحظة التالية قالت:

"آسفة جيف، لا أرغب في ممارسة الحبّ!"

لكنها نقلت ذراعها اليسرى إلى الخلف وتناولته بيدها، فملأت شقرته خيالها، واستلذّتْ يدها بصلابته، ثم أغفيا على القليل من الانتعاش الرحيم، الهادئ، والقليل من القطرات الصغيرة التي ذُرفتْ بعد نومهما.

القسم الثاني