الشكّ

 

- شولي...! إذا لم تنزل عن سطح الخزانة حطمتُ فكك!

بعيون براقة، صافية، لا يطرف لها جفن ظل القط يحدق ويراقب، من مجثمه العالي، وجهاً اكتسحه الغضب والوعيد، ويداً تقبض بلا هوادة على مطرقة ثقيلة.

- شولي...! أعادها الشاب منذراً ثم انتظر، وهو مستسلم كلياً للغضب، حركةُ ما تشير إلى الإستجابة، ولكن دون جدوى ، فقد إزداد القط ثباتاً في وقفته، واكتفى بأن شدد من مراقبته، فقال:

- حين ينفد صبري، ستنال الضربة المناسبة وفيها، هذه المرة، نهايتك.

- لزم كل منهما وقفته الحرون لفترة طويلة، ثم لوى القط رأسه مقدار نأمة، جعلت نظرته الحذرة تكتسي بطابع الإستغراب، فصاح الشاب:

- "شولي... إياك والألآعيب!" ثم تقدم من الخزانة خطوة واحدة، وعرض مطرقته للعيان، فتابعت عينا القط نظرتهما المشعة، المتفحصة، المنتظرة عن كثب، ثم بغتةً أدار رأسه بليونة وألقى نظرة هادئة من فوق الخزانة ليقيس المسافة، بعدها قفز من مكمنه فتلقته الأرض بخبة مكتومة، مثل لفيفة صوف ترتطم بالأرض.

بذات الهدوء،، وبخطوات مرنة، آمنة، غير مكترثة لوجود الآخر، قطع المسافة من عمق الغرفة إلى فسحة الباب ليبرك هناك على قائمتيه الخلفيتين، ثم يتمدد على الأرض محتفظاً برأسه مرفوعاً، وتاركاً ذيله الأسود الكثيف ينبسط على مداه في تيهٍ يقطع الأنفاس.

- ما أنت إلا تافه، لقيط، نكرة، خامل، تعشعش البراغيث في مؤخرتك، وليس لوجودك في الحياة قيمة.

نفث الشاب عباراته بحنق، وقذف المطرقة لترتطم بالجدار المقابل لشولي، بينما لزم هذا مربضه، واكتفى بأن منح الأداة المرتعشة، الرانّة، نظرة قصيرة مستطلعة، ثم عاد يرنو إلى مضيفه بصمت.

إرتد الشاب إلى مكتبه، وبدلاً من العمل جلس يفكر بأمر هذا الحيوان البليد، الذي أصبح يبدد جزءاً كبيراً من وقته، بين متابعة ورعاية ومراقبة وتنظيف وإعادة ترتيب الأشياء التي يقلبها سهواً أو عن قصد، وها هو، في النهاية، ينجر إلى نوبات من المشاحنة، سخيفة ومثيرة للأعصاب.

الأمر الذي لا يجد له تفسيراً منطقياً، هو بقاء هذا الهر المشاكس في بيته. أثناء ذلك ظل شولي يحدق، بلا كلل، في الوجه العابس أمامه.

قبل ثلاثة أيام اتصل بها، صديقته التي أودعت القط لديه، شرح لها المضايقات التي يسببها، إهدار الوقت في متابعة نزواته، وإصلاح ما يُفسد، وإصراره على نوع بعينه من الطعام.

"يومان آخران ثم أحضر لآخذه" قالت له. "شولي لطيف وغير مزعج، ولكنك لم تعتد على الحيوانات، هذه هي المسألة. يومان فقط، وكيف حالك أنتَ؟"

هكذا انتهى الحديث في التلفون، ولكنها لم تظهر، لا أمس ولا اليوم، وشولي :اللطيف!" يلعق في تلك اللحظة براثنه ويشبعها لعاباً ويروح ينظف بها أنفه وشدقيه ومآقي عينيه، ثم يعود إلى البحلقة في وجه مضيفه، فيزداد هذا سخطاً.

الخميس الماضي أقفل عليه الحمام لأربع ساعات من دون أن يسمع له صوتاً، ثم، ولكي لا تضعف عزيمته ترك البيت ليقضي بقية النهار في الخارج، وحين عاد وضع اذنه على الباب: لا حركة، لا شكوى، وبعد ساعة من الترقب والصمت ضايقته الحاجة إلى الحمام، ففتح. كان شولي يلزم، برأس مشرئبة، نفس ضجعته المعتادة، وما إن رأى الباب يفتح حتى وقف وتمطى ثم انسلّ بكل هدوء إلى الخارج.

لحظتها اكتشف الشاب أن حاجته إلى الحمام لم تكن هي التي دفعته إلى فتح الباب، بل الرغبة في رؤية القط منكسراً وذليلاً، فثارت أعصابه وصرخت نفسه: أية حرب غبية هذه!

صباح الجمعة قال لها:

- ولكنني لا أستطيع تضييع الوقت في رعاية قط!

- لا تبالغ كثيراً في رعايته، اتركه وانصرف إلى عملك، فهو يدبر أمره بنفسه.

ردت عليه، في التلفون أيضاً، فشعر وقتها أن تقديم تفصيلات إضافية ستكون محرجة لكرامته. سألها ليظهر عدم اكتراثه بأمر شولي:

- كيف تجري الأمور مع خطيبك؟

- الأمور جيدة، سوف أمر عليك في أقرب فرصة لأخذ شولي.

وقف خلف المكتب يفكر، وقد تخلى نهائياً عن فكرة العمل، ثم ذهب إلى المطبخ ليعد شاياً، فتابع القط مروره بنصف دورة وقور من رأسه، ثم نهض بتثاقل ليلحق به بخطوات ناعمة، رزينة، وذيل منفوش.

إنهمك في غلي الماء وتحضير الأدوات وتسخين شطيرتي خبز، بينما شولي يتابع، من وقفته الأرضية، هذا الإنهمالك.

خالٍ من الروائح والشياط، فلأي سبب تراه يحرك يديه؟

ثم وثب على الطاولة وتفحص، عن بعد، كوباً وطاساً للسكر وإبريقاً ينفث البخار.

فكر الشاب، وهو ينظر من طرف عين هادئة إلى القط، في القدرات العقلية لهذا الحيوان، والتي سرعان ما تتحول إلى قوة شيطانية ماكرة إذا ما تركزت على واحدة من حالتين: الخطر والجوع.

كان شولي بدوره يرد على نظرة مضيفه بعينين هادئتين، فمد إليه كسرة خبز محمصة، تشممها القط بانفه الوردي، الرطب، ثم تراجع عنها في إباء.

قال:

- أعرف أنك سترفضها.

وتذكر في الحال الليلة الأولى التي جلبت فيها صديقته القط. "ما أجمله، إنه محبوب، أليس كذلك؟" قالت يومها وهي تمسد فروة رأسه الناعمة، بينما يرقد شولي في حضنها الدافئ يغمض عينيه ويفتحهما على التوالي، مستأنساً بهذا الحنان، وفي الهزيع الأول من الليل أصر أن يقف على كوميدينو قريب، وظل يهر وينفخ وهو يصب نظرات غريبة على ما كان يجري في السرير.

كان ينقل صحن الخبز والزبدة إلى المكتب، حين سمع صوت تكسّر خلفه، وعندما عاد أدراجه إلى المطبخ وجد كوب الشاي، الذي ملأه منذ حين، قد انقلب على الطاولة أولاً ثم تدحرج ليهوي من بعد على الأرض.

ظل شولي ينقل نظراته، بدهشة طفل، بين الشاي المسكوب على الأرض ووجه مضيفه المنقبض، وظلت يده مرفوعة في موازاة رأسه تحمل، من دون أن تعي امارات الإثم.

 إذا لم تحضر اليوم لتأخذك، سوف أرميك في عرض الطريق.

مرت على حياته مروراً وجيزاً، مثل نيزك سريع الإنخطاف، لقاء عابر في اليوم الأول، ثم عشاء في اليوم التالي، وفي اليوم الثالث نزهة قصيرة إنتهت بهما إلى بيته. وها هي، ما إن أوشكت العاطفة على بناء عشها، حتى رحلت، مخلفة القميص الوحيد الذي جلبته معها. "لقد آن لحياتي أن تستقر" قالت له. "أنت لطيف غير أن شكوكك تقلقني"، ولكي يؤكد بطلان ظنونها تقبل الأمر بروح سمحة، وتصرف كرجل عصري، إذ لا يليق برجل شرقي أن يكون نهباً للشكوك.

كانت الفكرة التي تعذبه هي أن يظهر بمظهر الغيور، أو المحزون لذهابها، غير أن خطوات شولي المفعمة بالتيه، لا تعمل الآن إلاّ على تكثيف وحدته، ولو أنها حملته معها يوم رحيلها، فلربما دفن رأسه في حمأة العمل ونسي دفئها ولياليها.

كأن هذا الحيوان الصغير خُلق وتكوّن، ووجد عبر كل الأزمان، فقط من أجل أن يحك بمخلبه سطح أعماقه.

لا يختلف كثيراً عن بقية القطط في حبها للعب، والألفة، والجلوس لفترات طويلة في مكان واحد، باستثناء شحنة من الخيلاء تمزق الأعصاب.

مع خيوط الظلام الأولى بدأ شولي يتقرب من مضيفه، يحوم على مسافة منه، مسافة ثابتة، حازمة، مرصودة للكبرياء.

"ماذا يفعل قط بالكبرياء، في شقة مكيفة الهواء؟ إن سليل ذلك الوحش الأرقط ذي الوثبة الكاسرة، يمضي الأيام متنقلاً بين الغرف والأوروقة مثل طاووس مزهو،خلخلته الحراة في الشتاء، والبرودة في ذروة الصيف!"

فكر أيضاً في مجافاة شولي للمواء، لا يتذكر أنه سمعه يموء طوال فترة وجوده معه، وهو حين يتلقى دفعة مرفق زاجرة، أو رفسة غاضبة، يهرّ وينخر ويكشر عن أنياب بيضاء دقيقة من غير أن يموء.

تذكر إحدى مزحات شولي، حين وثب فوق ظهره العاري، الناضح، في لحظة لم تكن مناسبة على الاطلاق للمزاح، إذ كان يغشى للمرة الأولى صديقته.

إذن، فإن قناص الظلام منشغل في هموم لا تمت إلى طبيعته بصلة!

تواردت على خاطره سلسلة من تصرفات غريبة وروح عدوانية لدى القط، عندما كان يلاطف صاحبته، "فهل تغار أيها الأرنب؟" خاطب القط ببسمة متشفية، إلاّ أنه استبعد الغيرة لدى الحيوان كشعور يقود إلى الحقد، ثم ما لبث أن انتفض في جلسته كما لو أن تياراً خفيفاً صعق أحشاءه فهتف: "آه... القميص!".

تذكر الفترة الطويلة التي يقضيها شولي فوق خزانة الملابس، صوت مخالبه في الليل تخربش وتدعك السطح فتمنعه من النوم، المرات التي وجده فيها، من دون أن يفهم السبب، يصارع الخشب ليفتح باب الخزانة.

ذهب إلى الخزانة، أخرج قميص نومها ولوّح به في الهواء، فما عتم شولي أن أن تحفز في وقفته، ظل يرنو إلى القميص لفترة ثم ركض نحوهما وقد استخفه مرح طائش، فوثب عليهما.

تراجع الشاب متفادياً الوثبة، وقال:

- إذن كنت تقضي الوقت متعبداً فوق الخزانة أيها الجرذ، تستنشق رائحتها، وتغار عليها، وهي تعرف وتستمتع بغيرتك، أما إذا سألتُ أنا عن الأشخاص الذين تعمل معهم، عن الأصدقاء الذين تلتقيهم، فإنني أغدو شكاكاً في نظرها.

كان يلوح بالقميص الشفاف، بينما شولي ينط ويسعى لبلوغ أذياله الطائرة.

- صاحبتك، أيها الأرنب، تزرع الغيرة بين براثن الحيوان، وتتحذر من ضرامات البشر!

كان الاثنان قد إنغمرا منذ ساعتين في لعبة تصاعد فيها الهياج، ثم سيطرت عليها الروح العدوانية، فمع كل تلويحة للقميص، مصحوبة بضحكة هستيرية، يقفز القط بشراسة ويخبط ما تصادفه مخالبه وأنيابه، وعندما انتصف الليل كان الأعياء أخذ من كل منهما، وبدأ جلداهما ينضحان بالعرق، مع ذلك ظلا يتجاذبان القميص وقد تمزع من عدة جهات.

في احدى لحظات إلتقاط الأنفاس، قفز شولي على سطح الخزانة.

"ماذا تفعل هناك؟" نادى الشاب بصوت لاهث، مستغرباً عودة القط إلى الخزانة ما دام القميص بين يديه، لكنه ضحك في النهاية، وإمعاناً في الصراع ارتقى مقعداً صغيراً ليطاول غريمه في مجثمه، فتراجع شولي مبتعداً ثم قفز إلى الأرض من جديد إذ أحس الخطر يلاحقه، بينما بقي الآخر معلقاً بحوافي السطح، ينظر بدهشة ممزوجة بالإشمئزاز إلى بقايا متيبسة من جلود ووبر فئران، كان القط يحملها أعلى الخزانة ويفترسها هناك منذ جيء به إلى الشقة.

قال الشاب بصوت مخنوق أشبه بالعويل: "إذن لم يكن القميص هو السبب!" وفي نفس الوقت تدهور من الأعلى ليرتطم بالأرض.

كانت المطرقة تحت الخزانة وفي متناول يده، بينما وقف شولي عند الباب يرنو بصمت إلى هذا السقوط المريع. قذفها بكل ما اوتي من قوة، وعلم أن الضربة لم تطش، إذ رأى وسمع الحيوان يقفز ويهوي على قفاه ثم يستعيد توازنه ويلملم جراحه لوهلة قبل أن يعبر بشكل أهوج ومضطرب المكتب والأريكة ليلوذ بالطرف الآخر من الغرفة جاراً في طريقه كل ما يعترضه من أقلام ومساطر وأسلاك، فتهاوى المصباح بمسنده الثقيل ولم يتهشم فحسب بل تماس التياران الكهربائيان أيضاً مما ترتب عليه انصعاق وامض غرق البيت على أثره في الظلام.

قال، كل من زاويته المعتمة: لقد آن للضراب أن يكون سجالاً.

وبدأت جولة جديدة من المطاردة والزعيق وقذفْ الأدوات وضرب المخالب وتحطمْ الأشياء وسط ظلام مطبق.

في الصباح رن الجرس ثلاث مرات، ثم انفتح الباب لوحده، إذ نسي الجميع إحكام اغلاقه، فوقفت الصديقة وسط البيت تنظر، غير مصدقة، إلى الفوضى السائدة. كان شولي يهجع في مكان، وهو يبسط يده الدامية أمامه، بينما يتمدد الآخر في مكان ثانٍ وقد غطت الخدوش وجهه وذراعيه.

كان يفصل بين الاثنين، ومن مسافة متساوية، القميص الأحمر وقد تحوّل إلى مزق وأشلاء.