الغريب

 

  ـ لا تنسَ، أننا سنتعشى الليلة في بيت أختك.

   ـ إذا لم يعقني الزحام أثناء العودة، لن أتأخر لأي سبب آخر يا عزيزتي.

   ردّ الزوج، وهو يلقي نظرة سريعة على هندامه في مرآة المدخل، ثم تناول من الصوان تفاحة كولدن (ذهبية) واندفع خارجاً.

   في الرواق. لاحظ أن الممشى وصحن السلم قد نظفا بعناية، وفي الفراغ تتكثف رائحة أليفة، رائحة تجْمّع الدفء الشتوي على الجدران، تمتزج بالهدوء الثقيل الذي يسود الممر وأبواب الشقق المغلقة، فتذكي في النفس شعوراً رخياً بالأمان.

   كان الباب القريب من السلم مشقوقا إلى النصف، في فرجته تبعثرت قطع ملابس ومقتنيات صغيرة وضاءة، وبرز من بين الفوضى رُدْن قميص امتد إلى منتصف الرواق، مثل ذراع تناشد وقار السكون المخيم على الطابق الثالث.

   أمام البناية. تفحص السيارة من الخلف، ووقف لوهلة إزاء الدعامة، ثم استقر خلف المقود بعد أن اطمأن إلى سلامة الهيكل الخارجي من عوارض الليل. حححم حم حم حم.. وانسابت الدواليب بنعومة فوق الطريق، طريق ذهابه اليومي إلى العمل، نفق حياته الأملس الذي يعرف انعطافاته مغمض العينين، وأوحت له الغيوم الدكناء أن النهار سيدهمه طقس عكر مليء بالأمطار، مع ذلك تنشق الهواء بارتياح، وقضم من التفاحة، فطوره الصباحي السريع.

   استعرض في مخيلته أجواء المكتب ومهمات العمل لهذا اليوم، كل شيء في محله.

   أنهل نفَساً رضيا، وأحسّ، مغتبطاً، رائحة المطاط المصنّع تموج به المقاعد والمساند ودواسات الكاوتشوك ولوحة المقاييس والأنوار.

   إن الدعائم التي يقوم عليها مصيره ومصير عائلته قد رسّخَت جذورها في هذه الدنيا، يدعمها وفاؤه المنتظم لمؤسسات نقابية واجتماعية وشركات تأمين ونوادٍ تسهّل، وعلى خير وجه، خطوات المرء في معترك الحياة.

   أعطى الموتور دفعة إضافية من الوقود، فانسابت الـ"أودي" بليونة ممتعة، وعبرت في خياله، بعد حين، صورة الردن الأبيض الممدود وشَقّة الباب الغريبة، إلاّ أنه، وقد توفرت أمامه كل الوسائل التي تجعل العصر الذي يعيش فيه مفسراً، ومفهوماً، وغنياً بالحِكم الميسرة، تَعوَد أن يرى ما حوله بطرف عينه، ولا يستوقفه شيء مهما عظم شأنه، لذلك همس لنفسه: "ما دام العشاء في بيت أختي. ينبغي والحالة هذه الاتصال بزوجتي للتفكير في شيء نحمله بيدنا".

   عند إشارة المرور الحمراء اخرج دفترا صغيرا ليدون عليه جملة مقتضبة "الاتصال بالبيت" ثم أعاده إلى جيبه وانطلقت الـ"الأودي" مع بقية السيارات.

   أغرته كلمة بيت بتأمل الجو العائلي الذي تركه خلفه. دأبُ زوجته، البهجة التي تشيعها حركتها وهي تتنقل من غرفة إلى أخرى، ترتب هذا وتتفقد ذاك، تهندم البنت وتنهر الصبي وتعيد "اللهاية" إلى فم الرضيع. حرارة السقف العائلي، باستثناء لحظات عنادها وهي قليلة، ونزقها "في بعض الأحيان.." ورداءة طبخها "وليس لهذا أهمية كبيرة..".

    ابتسم وهو يتذكر شغفها بأحاديث جدتها، الرمث المتهادي نحو المساقط الأخيرة. تمعّن في كل هذا برأس يميل ابتهاجاً، فهو يعرف الحياة لا تعطي الأشياء كاملة، وعلى المرء أن يتممها بالقناعة.

   كان الشارع يعجّ بحركة المرور، مع ذلك واصلت السيارات تدفقها دون عائق.

   شاهد من جانب عينه، وهو يجتاز إحدى المنعطفات، صبياً يسعى للعبور إلى الرصيف المواجه، فكّر أن المكان ليس مناسباً لعبور صبي، ثم سرعان ما تلاشت هيئة الصبي من رأسه، وراح يراجع بذهن متوقد الأمور التي سيناقشها مع رئيسه إذا ما التقاه هذا الصباح، وحالما اطمأن إلى وضوح الصورة وتحفّزها في مقدمة رأسه، ترك خياله يسرح في فضاء خلي.

   العدة المدرسية على ظهر الصبي أثارت لديه مشاعر أبوة دافئة، إذ ذكّرته بابنه. خيّل إليه أن الصبي، وقد اجتازته الـ "أودي" منذ فترة، يحمل بعض ملامح ابنه، ارتفاع الجبهة، وانبساط الوجنتين على الخصوص، ثم استدرك، في خياله، أنه اكثر شبها بابن أخته، ابتسم لنفسه، إذ تذكّر أن ابن أخته يشبه ابنه بصورة تلفت الجميع، وكلاهما "ما أغرب حماقات الأثر الوراثي" مشاغب ومتخلف في الدرس.

   " بل أنه ابن أختي.." صاح في دخيلته حين عادت هيئة التلميذ الصغير تغزو خياله "ماذا كان اسمه؟.." حاول التذكّر لكن من دون جدوى، فابتسم.

   فكّر من جديد في وقفة ابن أخته فوجدها غير ملائمة، كان  الأفضل أن يؤخذ من يده إلى خطوط العبور، إلاّ أن عودته بالسيارة لنقل الصبي تتطلب دورة كاملة، فانهمك يراجع مشاويره بعد العمل. وجد أن فاتورة التأمين على البيت ضد الحريق وحدها ستتخلف إلى اليوم التالي، أو يدفعها عن طريق البريد، فما يزال موعد التسديد بعيداً.

   أقصى ما يتمناه المرء في الصباح، عشرة أقدام يركن فيها سيارته على مقربة من مكان العمل، ولكن يبدو أن البلديات إذا لم تحفر وتقلب باطن الأرض على احسن وجه، فإن السيارات تتحول إلى عبء على أصحابها في غضون ثلاث سنين لا اكثر.

   هكذا فكّر، وهو يبحث بعينين انفرجت واتسعت محاجرهما عن فسحة تأوي سيارته، إلى أن حطّت نظراته البازية الحادة على المكان المطلوب. قلب ترس "الأودي" إلى الأمام وهرع بها نحو المكان قبل ان تستولي عليه سيارة أخرى.

   حثّ خطاه، ليقطع المسافة المتبقية على الاقدام، وكانت الشوارع في تلك اللحظة تموج بالمارة، ولكن الزحام لا يعيق أحدا عن الإسراع، وحركة الناس لا تبعد النفس عن الانهماك في مشاغلها الخاصة، لأن الحياة أوجدت النظام الملائم لسيرورتها، بحيث يندفع الأفراد، في عبورهم اليومي، بمحاذاة بعضهم البعض، أو يمرون على بعضهم دون تماس، معتمدين في ذلك على حاسة خفية، منفصلة عن المدارك الأخرى، تضيء للبدن الحيز المناسب للانزلاق بسلام عبر الكتل البشرية المارة.

   إنها جدران طيفية، رسمتها الضرورة وتدربت عليها الغريزة، تحول دون الاحتكاك البشري العارض وتقلّل الحاجة إلى الانتباه، وإلاّ.. لتصادمت واشتبكت اذرع الجموع وأكتافهم وسيقانهم كل صباح، وما وصل إنسان إلى عمله في أي يوم من الأيام.

   هكذا تأمل، ولم يعد بينه وبين المكتب إلاّ بضع خطوات.

   ـ هل تعرف، من فضلك، الطريق المؤدية إلى شارع "الوشمة"؟

   ـ آسف، لا أعرف.

   تمتم من غير أن يلتفت، أو تتريث قدماه، وفي ذات الوقت عبرت، في طرف عينه، صورة رجل واقف ينتظر الردّ، غير أن السؤال لم يكن موجها إليه، وما كان اعتذاره، وإنكاره معرفة المكان إلاّ بسبب انشغاله في أفكاره، وحرصه على الوقت، ممّا جعله يجفل، فينكر.

  سيطر عليه شعور عميق بالارتياح، ذلك أن الاطمئنان الذي حققه لحياته يقوم في الأساس على نجاحه في العمل، مثابرته التي لا تهدأ، وهو لا يني يشحن دعائم هذا الاطمئنان بالمزيد من الثبات، أو ما تسميه التعاونيات وشركات التأمين "الضمانة الأكيدة" ثم قطع سيل تأملاته اسم الشارع الذي سأل عنه الرجل، ووجد نفسه يعرف المكان. فكّر، أن الغريب، لو بادر إلى شراء خريطة سياحية، أو سأل سائق الباص الذي اقلّه، أو أخذ سيارة أجرة، لوفر على نفسه مشقة الوقوف على الرصيف واعتراض المارة، وتذكر، أن المسافر كان محاطاً بثلاث حقائب تلوح له الآن، في الخاطر، مثل أشباح لا تستقر إحجامها على حال، وأن سحنته أرهقها سفر طويل، وانه ابتعد كثيراً عن المكان الذي كان يسأل عنه، إلاّ أنه لم يقصده بالذات، وما رأت عيناه لمن كان يوجه سؤاله، وهو بعد سؤالين ثلاثة سيعثر، لا محالة، على الشخص الذي يرشده، وكان، بالتالي، سيبدد وقته بلا معنى لو عاد إدراجه ووقف يشرح ويوضح، وفي النهاية، أن لكل إنسان ما يشغله.

   قالت زوجته يوماً: "المرء يوسع عينيه، أو يضيّقهما، على قدر مصلحته في الشيء الذي أمامه". ابتسم إذ تذكّر كلامها، فهي لا تعرف شروط الأمان الذي يتطلبه السقف العائلي، وتعجبها، فحسب، ملاحظات جدتها عن الحياة "حياة الناس الكئيبة" تطلقها من فوق أريكتها التي تبتعد بها نحو القبر.

   قال الساعي المولج بتوزيع تقارير الصباح على مكاتب العاملين:

   ـ إنني في مأزق، هل تسمح لي بكلمة أقولها على انفراد؟

   وبدا، وهو ينتظر الردّ، مرتبكا، وفي مظهر يائس، ويجاهد لمغالبة شعور ساحق بالهوان.

   ـ طبعاً، حالما انتهي من هذه الأوراق.

   انقضى نصف النهار وهو منكب على العمل، وبين فترة وأخرى كان يشعر، بطرف خفي من حدسه، عيون الساعي تطل عبر النافذة، تلقي نظرة عاجلة، آملة، متوسلة، مستفسرة، ثم تنمحي فوق الزجاج.

   كانت شبكة الأعصاب تتركز جميعها، متوفزة، على العمل الذي يتولاه، هذا الانغمار الحسّي تحوّل بمرور الأيام والساعات والدقائق، وتحت سطوة العادة، إلى نوع من التعلق، الحبّ، التفاني لهذه الجدران التي تبعث الشعور بالسلام، رائحة الأوراق والخشب وأجهزة التلفون والاستنساخ والهواء المحصور وأصواف بدلات الزملاء، كلها تمثل عطر الأمان.

   ثم اجتاحه شعور بالارتياح، إذ ظهر الرئيس بغتة، وفي لحظة مباركة، على باب الغرفة، ولم يكن الساعي وقتها يتسكع أمام النافذة.

   ـ سوف تحمل، في فرصة الغداء، التقرير السنوي إلى البنك.

   هذه الثقة لا تمحض في العادة إلاّ للشخص المنطبع في ذهن الرئيس، وهو الذي فكّر وانتظر منذ مدة هذه اللحظة، بُغت بالتقرير يُعدّ ويُحمل إليه قبل أسبوع من موعده، فكانت سعادة قلبه عارمة.

   ثم فاضت نفسه بالاعتزاز، أن الرئيس خصّه، أيضاً، بهذه الدالة إذ طلب منه التضحية بفرصة الغداء ليؤكد، في آن واحد، ثقته بإخلاصه وقيمة المهمة التي كلفه بها.

   هذه النفحات القليلة، على مدار السنة، تشقّ في سماء أيامه فتحة من نور، ضئيلة، ولكنها تبدد الرتابة، وتعزّز، وهذا أهم ما في الأمر، دعائم الاطمئنان الذي يرفرف فوق حياته وحياة عائلته. وهكذا يُكافأ القلقُ الذي عايشه منذ أسابيع، بجائزة لا يفهم قيمتها إلاّ من سلخ عشرة أعوام من عمره فوق نفس الطاولة.

   من الدكان المجاور، اختطف تفاحة كولدن من بين السلال، وأشار بها إلى البقال، ملمحا أنه سيدفع في وقت لاحق، فهو في عجلة من أمره.

   ضيّق محجريه، وانسحبت ذاته إلى غمدها، ومضى نحو وجهته بخطوات طروبة. فكّر في عشه العائلي، في أهمية ثقة الرؤساء، حسد الزملاء ومكائدهم، دور العلاقات العامة في دعم المركز الوظيفي، مزاحمة الآلة (الوحش الجديد) للإنسان في العمل، ثم تذكّر قولاُ، وهو دائماً يرنّ في ذاكرته مثل جرس، لأستاذ جامعي مؤداه: "كلما اتسعت بحبوحة العيش، كلما رقت حاشيتها وتطلب الدفاع عنها تحصينات إضافية" وظل يكتشف بمرور الأيام عمق هذا الكلام، وعذابه، فعلى الرغم من جدران الأمان التي تسوّر حياته، إلاّ أن الاطمئنان الذي يسعى إليه لم تتحدد معالمه بوضوح، إنه مثل شبح، يوقّع، حتى في لحظات صفائه اليومي، ضربات مشوشة لقلق موجع، ينبض في أغوار مظلمة من نفسه، فأي قلعة محصنة يحتاج الإنسان لنعمة العيش الصغيرة؟ تساءل في دخيلته، وأحسّ خطواته تتقارب، تضطرب، ثم تتعثر مسافةً ما قبل أن تستعيد انتظامها.

  أمام مدخل البنك بحلق وأجال نظرة هنا وهناك، لعله يصادف شخصاً يعرفه، أو مسؤولاً يتعرف عليه، ثم عبر الباب الدوار وبدلا من متابعة طريقه الذي يعرفه جيدا، توقف لوهلة، شخص بعينيه إلى الفناء الكبير بسقفه الشاهق، المتين، ونوافذه المشرعة على السماء، صفوف الحواجز وأفاريز الألمنيوم والأضلاع، حيث يتوزع العاملون في خانات زجاجية مكشوفة الغطاء أشبه بخلية نحل هائلة، فانتابه إحساس غريب، كأنه يرى المكان للمرة الأولى.

   هنا يمّر وينظّم ويتشعّب نسغ الحياة العصرية، فمنذ أن أصبحت الحاجة إلى إخفاء المعدن الأصفر عن الأنظار اكثر قيمة من المعدن نفسه، وهو ما فتِئ يبعث، من مكمنه الحصين وجدرانه المصفحة، قيمة غير مرئية، قوة أثيرية، تكتفي بالتعبير عن سلطانها فوق الورق من دون أن تظهر للعيان، تضخ وتوزع الطاقة المغذية، القوت السحري، على المصانع والمنشآت والمكاتب فتدير الآلات وحركة البشر والحقول والأنهار والسفن والطائرات والقطارات.

   أحدّ النظر في هذا الهيكل العظيم، حيث لرائحة الأشياء نفاذ مسكّر، ولنشاط الموظفين والزبائن دوى خافت ولكنه مهيب، وذو سطوة لا تقهر على الحواس.

   شعر بالخوف ولم يكن خوفاً، بالدهشة وليست بدهشة، بالرهبة، نعم رهبة تبعث صليلاً مكتوما في النفس.

   فكّر أن الوقار المخيم يفرض نفسه على القادم، وهو الذي سمّر قدميه في المدخل. لاحظ مشاعر التوقير على وجوه الزوار الداخلين، فتعزز يقينه بهذا الشعور.

   رنا إلى الضوء المشع الذي توزعه ثريات كبيرة مدلاة، فيضفي جلالاً خاصا على البناء.

   تفرّس في شعائر العمل وهي تجري في انسياب ناعم، تصاحبها، مثل تراتيل خفيضة، همهمة البشر والماكينات الحاسبة وآلات الاستنساخ.

   رائحة خاصة، نوع من عطر ثقيل يخترق الرأس، مثل ذلك الذي تنشره غلالات تتصاعد من أعواد البخور بين جدران الصروح القديمة.

   بدل أن يحثّ قدميه على التوجه إلى مهمته، سيطرت عليه رغبة قوية في الجلوس، ومن غير أن يتنبه قاده خشوعه إلى واحدة من الأرائك المخصصة للزوار، وهناك جلس، ملاصقاً الجدار، ومواجهاً الفناء. لقد عثرت روحه، العطشى إلى الاطمئنان، على سحرٍ ما في تكوين، أو في أجواء هذا البناء، فانجذبت وارتاحت إليه، وهبط عليها شعور عميق بالامتنان.

   لدى عودته إلى المكتب توقف عند بائع الفواكه وألقى بقطعة نقد صغيرة على صندوق الدفع، ليسدد ثمن ما اختطفه قبل ساعتين من السلال، وأحس شهيته قد انغلقت دون وجبة الغداء، ووجد أن التفاحة التي تعوض الفطور، يمكنها أن تقوم مقام الغداء أيضاً بالنسبة لبهجات الشخص المتفاني في وظيفته. صعد السلالم القليلة وما برحت نفسه مفعمة بانفعالاتها.

   كان زملاؤه قد تركوا مكاتبهم وتجمعوا قرب الباب، وتوزع آخرون في أماكن مختلفة من المكتب. شعر أن حدثاً ما، شيئاً غير اعتيادي قد زلّزلَ صفاء العمل، وعلى الفور اُعلم أن الساعي   انتحر، ثم أضاف الشخص الذي نقل إليه النبأ:

   ـ سوف يترتب على هذا أن نتأخر ساعة أو ساعتين بعد الدوام، لإكمال عمل اليوم.

   فكّر، وهو يلهب الأرض بدواليب سيارته ليعوض التأخير، أن الإحساس الذي استولى عليه في البنك لم يكن بسبب فخامة البناء، بل بسبب ما يوحي به، إذ يشعر المرء أنه بالقرب من القوة التي تنظم حركة حياتنا، حاجاتنا، وأسباب اطمئناننا إلى أن ما نملكه ونقدر على اقتنائه مضمون السلامة، ومحمي من معاكسات الحظ، التي قد تقوض كل شيء في لحظة واحدة.

   ابتسم في شيء من الغرور لسذاجة زوجته، حين تذكّرها تقول: "إننا نسدد الفواتير لشركات التأمين، ليصبح الخوف على ما نملك، اكبر من قيمة ما نملك"، فهي لا تعرف، وهذا ما يزعجه في اعتراضاتها، أن أية قطعة أثاث في البيت محفوفة بعدد من المخاطر، يتطلب التفكير فيها قلقاً يساوي في قيمته النفسية عشرة أضعاف ما ندفعه مقابل التأمين عليها. "وما رأيك، عزيزتي، في فقدان المرء عمله؟" قال يخاطب تقاطيع وجهها التي برزت فجأة في خياله. "ولكن لماذا أناقش كلامها" قاطع نفسه مستدركا.. "هي التي تقضي الساعات أمام الأريكة تصغي وتتأمل فيما تقوله جدتها؟" ثم أضاف باستخفاف، ملقياً نظرة بعيدة عبر نافذة (الأودي) المسرعة: "الأرائك الآيلة إلى الزوال..".

   ـ هل كان يجب أن تتوقف في السوق، وقد أخّركَ حادث المكتب كل هذا التأخير؟

   ـ ينبغي أن نحمل معنا هدية ما، هل انتم مستعدون؟

   ـ نعم، ردت الزوجة، ثم سألت وهي ترتب حقيبة يدها. ولكن ما الذي حدث في المكتب؟

   ـ انتحر الساعي.

   ـ آه..

   شهقت الزوجة، وانكمشت تقاطيع وجهها على حزن مريع. راحت تتفرس في وجهه، مذهولة، تنتظر تفسيراً ما، فأضاف:

   ـ في غرفة المحفوظات، ثم سأل ليضع حدا لإصرار عينيها. هل نذهب؟

   دهشتها من إهماله للحادث طغت على الحزن الذي سحق وجهها. قالت:

   ـ إنني غير قادرة على مغادرة البيت الآن، وتراجعت بظهرها إلى الخلف، ثم تهاوت على مقعد صغير في الرواق. شعرتْ، وهي تحملق أمامها في الجدار، بأنها تنظر في وجه الموت.

   استغرقت وقتا طويلاً في هوة شرودها الحزين، وتناهت إليها كلمات متقاطعة، بعضها غير واضح، من حديث لزوجها في التلفون يؤكد انهم سيتركون البيت في غضون دقائق، ثم ارتعد كيانها لضربات البيانو المفاجئة التي أطلقها جرس الباب.

   دوت الضربات الناعمة في رأسها لفترة لاحت كأنها دهر، ثم خلّفت، وهي تتلاشى، أثراً موجعاً تغلغل عميقاً في قلبها.

   وقف الزوج يخاطب صوتاً هادئاً، رزيناً، ومن خلفه تجمّع الأولاد يتفحصون السائل برقاب رفيعة متلعة، وشاهدتْ الزوجة، عندما حملت نفسها على الالتفات، شخصاً بملابس مدنية يتحدث من فرجة الباب، والى جانبه رجل بوليس. نهضت وسارت بخطوات آلية لتنضم إلى الجمع.

   ـ ربّما يكون لدى السيدة ما تطلعنا عليه.

   قال الشخص بمزيج من التهذيب والاعتذار، بعد أن حوّل نظره إلى الزوجة.

ـ يقصد المرأة المسنة في الشقة المجاورة، قال الزوج موضحاً، ثم أردف. يسألون إن كنا شاهدنا، أو سمعنا شيئاً غريباً يصدر عن شقتها ليلة أمس.

  نفت بحركة من رأسها وسألت، من غير أن تعيّن أحداً في السؤال:

   ـ ماذا حصل لها؟

   ـ اللصوص داهموا شقتها أمس، أجاب الشخص الذي يحقق، وما زال يتولى الحديث لوحده، ثم استفسر. هل لكم معرفة بها؟

   ـ نلتقي بها في فترات متباعدة، في مدخل البناية، أو في الممر، هل أصابها مكروه؟

   ردّ المحقق:

   ـ اعتدوا عليها، بقسوة.

  ـ المسكينة، شهقت الزوجة من جديد.

   ـ هل سرقوا منها أشياءً مهمة؟ سأل الزوج.

   ـ ليست مهمة كثيراً، أجاب المحقق.

   ـ شاهدتُ الباب، باب شقتها مفتوحا هذا الصباح، بعض الملابس مبعثرة في مدخله، غير أني لم ألاحظ ما يريب فيما رأيت، قال الزوج.

   ـ ربّما، ولكنك لو أخبرت عمّا رأيت، لاختصرت الكثير من أوجاعها، لأنها بقيت تتألم من جروحها إلى أن عثر عليها حارس البناية، علّق المحقق.

   ـ ولكنكم تأخرتم من جديد، حتى بعد أن أخبرتمونا عن التأخير الأول، قالت أخته، تستطلع الوجوه بقلق لدى استقبالهم على الباب.

   كانت الزوجة تطبق فكيها على عويل مرير طوال الرحلة في السيارة، فتولى الزوج الإشارة إلى "بعض أحداث عابرة" سبّبت تأخيرهم.

   انفرجت الأسارير، ببطء ولكنها انفرجت في النهاية، حول المائدة العامرة التي أعِدتْ بعناية فائقة وسُمح للأولاد بالتحلّق لفترة حول التلفزيون قبل الانضمام إلى الكبار.

   قال النسيب: "بعد العشاء ننتقل إلى دفيئتي الصغيرة، لأريكم نبتاتي الاستوائية الجديدة"، ارتاح الزوج لهذه الفكرة: "سوف التقط بعض الصور الليلية هناك"، وأثنت الزوجة على جودة الطبخ، وأشار أحد الأولاد بإصبعه قائلا إنه شاهد خاله يمرّ بسيارته هذا الصباح، وبعد فترة عاد ليقول، ببسمته البلهاء، ومستعيناً بذات الإصبع: "شاهدتك تمرّ بالسيارة" فأوضحت أخت الزوج أن ابنها تعرض لحادث كاد يودي بحياته وهو يعبر الشارع، فاعترف الزوج أنه رآه، ولكنه تعرف عليه بعد أن تجاوزه بالسيارة.

   قال، يجادل نفسه ويسترد  لها اطمئنانها اثر ارتباك طفيف سبّبه الإصبع الصغير المرفوع، إنه في حالات مرّت عليه اليوم، كان قد ابتعد مسافة تعفيه من العودة للتقصي أو تقديم يد العون، وان على القوانين أن تبلغ مستوىً رفيعاً في أدائها، بحيث تفكر بدل الناس في جانب كبير من حياتهم.

   سرح بعيدا في تأملاته، غاضّاً الطرف عن أسرار عيون زوجته المتعثرة بالصحون والملاعق والسكاكين. قال في سريرته إن المجتمع قد تخلّص من الغيب، من الخرافة، وتقاربت أحلامه، وهذا يتطلب نظاماً عصرياً دقيقا، النظام الذي يمنع عبور تلميذ من أن يودي بحياته، أو جارة مسنّة من أن تطول فترة أوجاعها، أو ساعي مكتب من أن ينتحر بسبب مأزق، حينئذ لن تتعرض مشاعر الإنسان إلى الحرج، بسبب محنة تقع على مقربة.

*  *  *