ناي هاملت*

 

أحبُ حدائق لندن، خاصة الكبيرة منها، لانها تقدم للمرء فضاءاً واسعاً للسير والتفكير، لذلك أقضي فيها أوقاتاً طويلة. وأكره شوارعها، لأنها مكتظة، تتطلب التوتر والتزاحم مع الناس، لذلك أتجنبها.

لكن، بين كل حديقة وبيت يوجد شارع عليك أن تقطعه، مع ذلك لا يمنعني هذا من التردد على الحدائق، لأن للإنكليزي تقاليد مهذبة في الطريق، إذ يفسح لك مجالاً للمرور حتى عندما يكون أكبر منك سناً، وهذا يجعلك مطمئناً على الدوام حين يتقدم نحوط شخصان إنكليزيان على الرصيف، يتنحى أحدهما جانباً إلى أن تعبر، فتقول: "شكراً..." ليرد: "بكل سرور..." ويذهب كل في طريقه مرتاح الخاطر. إلاّ أن رجلاً إنكليزياً مسرعاً صدمني ذات يوم بكتفي، وكاد يخرجني عن الطريق، وبدل كلمة الإعتذار المنتظرة، رماني بنظرة حانقة وواصل سيره المضطرب، فوق رصيف واسع غير مزدحم.

استغربت سلوكه، فتبعته. قلت: "لقد صدمتني دون أن تعتذر!" رد بمزيج من المرارة والإستخفاف:

- ما أتعسكم، تنتبهون إلى الأشياء التافهة، وتفوتكم العميقة. حسناً، آسف... أهذا كل ما تسعى إليه؟، وعاد يتابع سيره بنفس الطريقة.

أدهشني جوابه، وأغرتني هيئته غير المتكلفة، وشخصيته الغريبة، فلحقتُ به من جديد، وكنت خلفت بيتي ورائي مسافة ليست بالقليلة.

قلت له، وأنا أساير خطواته المتعجلة: "ليس الإعتذار ما أردته، إلاّ أن عدم اكتراثك أزعجني. الآن انسَ هذا، إذا كنتَ تبحث عن مكان، أو طريق معين، ربما استطيع مساعدتك".

أجاب بنفاد صبر هذه المرة:

- لنفترض الأمر كذلك، هل أنت ملمّ بالطرق؟

قلت: "أعرف الطرق كلها، لأنني أسكن في هذه المنطقة منذ عشرين عاماً.

- حسناً، سوف آخذ الطريق إلى تلك المقبرة، قال مشيراً بيده إلى مقبرة (بُتني) الكبيرة على يميننا، وأضاف. ولكن، هل تعرف طريقاً للخروج منها؟

سكتُ، ولم أجد جواباً أرد به، فقال:

- تريد أن تهديني إلى الطريق، الطريق الذي لا تعرف عنه شيئاً، ولم تطرقه من قبل!

عاد يواصل سيره المضطرب، وبدلاً من دخول المقبرة كما قال، عرج على مستشفى بُتني المجاور وغاب فيه. شعرت بالخجل لأنني تبعته مرتين، مرة بسبب الغضب، ومرة بدافع الفضول.

 

 * يقدم هاملت إلى كلوستر، الذي يتجسس عليه ليعرف سبب جنونه، ناياً ويطلب منه أن يعزف عليه، ويجيب كلوستر أن لا يعرف العزف، فيقول هاملت: "تريد التظاهر بأنك تعرف مفاتيحي... أتحسب أن العزف عليّ أسهل من العزف على هذا الناي؟"