زمن الإنسان

 

كانت رسائله تنعشني، بما تتضمنه من تفاصيل يومية عن حياته، وحياة ابراهيم، الذي يوجز أخباره في نهاية المتون. الآن أصبحت تزعجني، تلوي عنقي بضغوط لا يمكن تحملها، لذلك أرسلت لهما صورة جديدة، عن ساقي التي يتفشى فيها المرض.

أقطن برلين منذ ثلاثين سنة، وهو يجوب السواحل الشرقية للقارة الأمريكية في سفينة تنقّب عن حطام البواخر، ويضرب ابراهيم في صحارى استراليا وغاباتها الحافة، بحثا عن ذرات مشعّة تقود إلى الذهب.

كنا راضين عن حياتتنا، متنعمين بما كسبناه، إلى أن إنشقت عيوننا على فكرة مجنونة، أغوتنا على خوض السباق مع الزمن، تحديد نقطة معينة ثم الركض بموازاة خطواته.

ما إن يبلغ الإنسان درجات الوعى القصوى، حتى تبدأ الحماقات.

كان أقلنا حركة، فوضع الشروط والقياسات، ثم راح يدفع الأمواج العاتية عن طريقه، ليهتك ظلمة القيعان، ويتأمل مخلّفات الأوائل، إلى الخلف، على السطح المرشوق بدورات الرذاذ، يقف أبناؤه الثلاثة، يراقبون، بسحناتهم الهندية الصامتة، الجهد الذي يتكرر كل يوم، ويواصل ابراهيم انخطافه بين قارات غير مأهولة، مثل شهاب مندفع، تحت سطوة سخونته الهائلة، نحو الأنوار الأرضية الصغيرة، بينما لازمتُ أنا مدينة عريقة، للمشاركة في السباق ذاته من مكان ثابت.

لا يجهل أيٌ منا الخصم الذي نقارعه، وبدا حماسنا أشبه بالإستسلام إلى إرادة غامضة، مشوشة، قررتْ مصائرنا ثم عادت تعبث بمسارها، لذلك لم نحدد نقطةً للوصول، بَيدَ أن الماضي، منذ بدأ البشر زحفهم الأرضي، يُحسب لصالح جهودنا.

الرهان خرافي، يقول في رسائله. غير أننا مزودون بوقود مدهش، اسمه الأمل، وما نفعله أننا نردّ العبث بعبث مثله، ثم يضيف: إنني ابحلّق في الرميم تحت ملايين الأطنان من المياه، استنطقه، وأحياناً اتمتم نيابة عنه، بينما أولادي يتعلمون الكثير، وقد أخبرني ابراهيم أنه لامسَ أطراف عرق من الفيروز الأحمر، وهو يسرع باتجاه شبكته الجذرية، فماذا عنكَ؟.

أنا بخير، فكرتُ بالقول، ثم تراجعت، لأنه يطلب تفاصيل لمعاني كلماتي، يرغب في قياسات دقيقة لما أفعل، ليستنتج على ضوئها المسافات التي قطعناها، وكلمة (خير) تعمل على ارباكه، وربما إعاقته، فانتزعتُ صورة جديدة لساقي، وبعثتها إليه.

إن الزمن وجود متوحد، مفعم بذاته، لا يتوقف، ولا يتأثر بما يجري من بدايات ونهايات أفعال، إنه توجّهٌ لن يقطعه سبب. ببقاء الكون والحياة أو بتلاشيهما، يواصل اندفاعه، لأنه حركة لا تحتاج إلى ما يكملها، فهل نؤشر إلى شيء إذا ما سبقناه، أو تأخرنا عنه بضع خطوات؟

قلتُ إن رسائله تزعجني، فقد أصبح النظر إلى صورة ساقي يهيّج في بدني الآلام، وكلما نجحتُ في تزييف أورامها باللفافات وأصباغ الزيت كلما غدا تأثيرها على نفسي محسوساً ومؤذياً.

كانت الصور تخدعهم، أي تشدّ من عزيمتهم، ثم بدأت تخدعني، فتزداد عليّ الأوجاع.

يجب إيقاف الطراد، أخيراً قلت لنفسي. وضعُ حدٍ لهذا السباق المجنون، أو المشاركة فيه عن حق، وهؤلاء الذين يتكلمون عن الزمن، لا يعرفون أية غيبوبة لعينة هو!.

حتى هذا اليوم، ظلت ساقي المعاقة الأداة الوحيدة التي أركض عبرها وراء لهاثهما، الآن يجب دعم مهمتهما.

لا يمكنني مجاراته في استعمال الآلات البحرية المعقدة للغوص وراء أشلاء الماضي، ولا اللحاق بقفزات ابراهيم الشاهقة لتحديد مواقع الفلزات المشعّة ثم الإنقضاض عليها، ولكن بمقدوري التسلل داخل أية مجموعة صغيرة من الأكواخ، ثم تحويلها في غضون نصف قرن إلى مدن كبيرة تضيق بسكانها، تشييد السدود العظيمة، تغيير وظائف النبات، تسهيل انتقال الطواعين من مكان إلى آخر، تركيز سطوة النقود، تفريخ عوامل القلق، وهذه المجترحات لا تتطلب ساقين سليمتين، بل عقلاً جموحاً، وأمعاء لا يهدأ صهيلها، يقودهما طيش منبهر بذاته. لذلك ربطت ساقي الثانية باللفافات، بعد أن افتعلت لها ثغوراً متقيحة، وأوراماً صلفة، وأسلت لهما صورة حزينة عنها.

لقد حظنّا الجرم الصغير بين أذرعنا، وراحت أقدامنا ترفس في الهواء، لتركّب، بالعرج، كما في حالتي، والصبر والمثابرة والتحمّل والأخطار، كما في حالتهما، سيقاناً للزمن على صورة البشر، لكي نحصر خطواته بالتقاويم والآلات الصغيرة التكاكة!.

إن الطبيعة تضع كل شيء في مكانه، نحرّكه ليناسب تفكيرنا، فيبدأ التهديم، وهذا هو زمن الإنسان، فلماذا يتعِبون قلبي بهذا السباق المرير؟.