حوار الأزمان

 

أيقظني من غفوة خفيفة جرس التلفون، وكأنه انتشلتي من نوم استمر عشرة قرون.

 -هل عرفتني؟

 -ارجو عفوك، إن معرفتي بالأصوات ضعيفة.

قال، وبدت حنجرته كما لو أنها تصارع ضد غبار قديم: "ما بال خاطرك، في غرة ذي القعدة تسامرنا في الكوفة، وفي مُحاق صفر تطارحنا الفكر في واسط، فكيف يغيب عنك صوتي، وبين اليوم ولقاء واسط عَبرة زمن مقدارها ستة عشر هلالاً؟"

أجبتُ، وقد حسبت وراء هذا النداء دعابة وقعت خطأ على تلفوني:

 -أعتقد أنك أخطأت في الرقم.

 -لم اخطئ وحق الله، فلن يكون بين صفر وصفر مع ربيعين إلا أربعة عشر هلالاً!

 -قصدتُ أنك تخاطب شخصاً آخر.

 -كيف؟ أنت صاحب المقابسات، والإمتاع والمؤانسة، والصداقة والصديق، ومثالب الوزيرين، و...

 -هذا أبو حيان التوحيدي، ولستُ هو.

 -ويحك، أتنكر نفسك؟

 -بل إنني أضعها في مكانها المناسب، ولا أتسلل إلى من هم أكبر مني.

فقال:

 -إذا كان الأمر كما تدعي، لماذا ترد فتقحم ذاتك على ذوات غيرك؟!

حينها سألتُ:

 -ولكن، من يتكلم؟

غير أنه أطبق السماعة في غضب.

تمعنت طويلاً، ثم نفضت يدي من الأمر كله، وقلت لنفسي: "لو كان التوحيدي يستعمل الهاتف، لقلنا إنه مجرد تداخل زمني في الخطوط".