الهدف

 

كانوا يتقدمون في دروب شائكة، والليل يتراجع أمامهم، فيتمتم عبد الجبار أن أيام الصيف لا تناسب المهمة التي جاءوا لتنفيذها، لكن الذي يسبقه بضع خطوات يطلب منه أن يلزم الصمت، ويكتفي الثالث بنظرة لائمة، محذّرة، يرسمها بين عينيه الصغيرتين، الملتفتتين في الظلام.

<br>  لم تكن سرعة انزياح الليل لتثنيهم عن عزمهم، إنهم من طينة الرجال الأشداء، يقدرون أهمية سمعتهم بين الآخرين، وشعورهم بكل هذا يحملهم على توسيع خطاهم، على الرغم من التعثر الذي يخلّفه عبد الجبار في دواخلهم بأسئلته الغريبة

<br>  لم يغمض ذهن أحمد منذ ليلتين، ولا هدأت أطرافه من الحركة فوق الفراش، لأنه يتوقع وصولهم بين خفقة جفن وأخرى. كان يتذوق على رشفات صغيرة، شديدة المرارة، طعم الموت القادم، فيحسّ أحشاءه تتقطع، ويكاد يفقد السيطرة على هياج معدته، وفي كل مرّة يقتحم دورة المياه، متهالكاً، يدرك أن أمعاءه تتقلص على خواء، وأن الخوف يلعب بطبيعة وظائفها، كما يلعب، وبصورة مريعة، ببقية أحاسيسه المنهكة من السهر والترقب.

<br>  ـ لماذا ننتظر منه البقاء في بيته، بدلاً من الاختباء في مكان آخر؟

<br>  سأل عبد الجبار، من المسافة الكبيرة التي أصبحت تفصله عن زميليه، وعن الهدف الذي يتوجه إليه الفريق، فردّ الثاني، وهو يتحسّس عقدة حزامه، ليتأكد من وجود الكتلة المعدنية الثقيلة في مكانها:

<br>  ـ إذا أردتَ التراجع، يمكنك التراجع الآن، أو كفَّ عن الثرثرة التي لا تنفع في شيء!.

ليس التفكير بهذا النوع من العار وراء أسئلة عبد الجبار، وهو يعترض مرّةً على هذه المسألة ومرّةً على تلك، إنّما الشعور بالرغبة في الحديث يجعله ينطق بكل ما يدور في رأسه من هواجس وأفكار، بدا أن الثاني لا يحتمل سماعها كلما اقتربوا من هدفهم، فعاد الضيق يرتسم على وجه الثالث، الملتفت في الظلام.

<br>  مع كل لحظة من لحظات الفزع، التي تبعثها صور الخيال المُتعب أكثر ممّا تفعله هسهسة الأشياء التي تحركها الريح في الطريق، يدسّ أحمد يده تحت الفراش، يتفقد ويراجع سلاحه. قضيب مثلّم وسكين وعصا، كلما لامس أطرافها الباردة ازداد الرعب في قلبه، لأنها تذكّره بالغدارات الضخمة التي ستفتح نيران الجحيم، من غير أن تعيقها هذه الأدوات البسيطة في شيء.

<br>  ـ ألا يمكن لواحدٍ منا تنفيذ هذه المهمة، بدلاً من كتيبة عسكرية بحالها؟.

<br>  تناهى صوت عبد الجبار إليهما من موقعه المتخلّف، فلمس الثاني وسطه بحركة مباغتة، ثم عاد إليه الهدوء ليتمتم بعد قليل:

<br>  ـ الخوف هو الذي يتكلم في رأس أخينا!.

<br>  تأفف الثالث بصوتٍ مرتفع، لينقل سخطه إلى عبد الجبار، وإلى الآخر، الذي تجعله الأصوات في الليل يتوتر، فتثور أعصابه، بسبب اشتراكه للمرّة الأولى في هذه النوع من المهام.

<br>  أعطت التفاتة الثالث الحادّة انطباعاً للباقين، أنه سوف يتصرف بطريقة حازمة، إذا تسيّبت الأمور نتيجة أي خلاف، رغم أنه يعرف أهمية عبد الجبار للعملية الحالية. عبد الجبار مصوبٌ ماهر، جريء، ومخلص للواجبات التي تضعها المبادئ على عاتقه، عيبه الوحيد يكمن في رغبته المتهورة في قول كل ما يرد على ذهنه من أفكار، من دون اعتبار لشيء، بَيدَ أن الخوف، إذا حقّ لأحد الكلام عن الخوف، كان يهزّ بدنه هو بالذات، كلما وشوشت الأسئلة وراء ظهره.

<br>  فكر أحمد أن الصراخ، إذا صرخ، لن يحميه من الرصاص الذي سيمزق جسده على الفور، وأية نجدة، إذا تخلى الجيران عن أنانيتهم وهرعوا على صراخه، لن تأتي في الوقت المناسب، وسوف يشهد أولاده وزوجته، وحدهم، لحظة عذابه القاسية وهو يتخبّط في الدماء، لذلك قرّر مواجهة موته بصمت، بعد أن وافقت زوجته، من غير أن تفهم السبب، على النوم بين أطفالها هذه الليلة، كما فعلتْ في الليالي الثلاث السابقة.

<br>  كان عبد الجبار يتأخر في سيره وكأنه يدفعهم أمامه بتأخره، إلاّ أنه ظلّ يتقدمهم، بصوته الرفيع، كما لو أنه يقودهم إلى الهدف الذي رُسم لهم بدقة وفي كل وضوح، وبقي الثالث على رأسهم، يكبت الخوف داخل أعماقه، لكي لا يؤثر في عزيمة الرجال. أمّا الثاني،، الذي ما زالت كلمات الليل تفاقم توتّره، حتى ليكاد يفقد زمام أعصابه، فقد وجد نفسه معلّقاً في الوسط، ضمن شركٍ لا أملَ في العثور على ذريعة للتملّص منه.

<br>  "لو كنتُُ أعرف موعد وصولهم، لخرجت إلى الطريق أنتظرهم فيه"، قال أحمد لنفسه، وهو غير واثقٍ ممّا يقول، فقد تحوّلتْ نداءاته الداخلية إلى ما يشبه الهلّوسة، إذ عمل الخوف واليأس واليقظة الشديدة على إنهاك عقله وجفنيه، فاستسلمت نفسه، وهي على وشك الإغماء، إلى تيارات الأفكار الغريبة، التي تنفثها دواخله المضطربة وترميها على لسانه.

<br>  كان يتمنى أن يترك عينيه تغفوان، ويترك مصيره للقدر الذي يؤمن به في هذه اللحظة أكثر من أي وقتٍ مضى. أن يترك رأسه وأطرافه تسقط في نوم عميق، فينفّذ الله مشيئته على يد شخص، أو شخصين، لا يعرف، ولن يعرف وجهيهما، لكنهما جزء من كتلة من البشر تريد عقابه. أن ينتهي كل شيء، الخوف والألم ومرارة التفكير بحياة أطفاله وزوجته، وصورة حزنهم إذا سلِموا من القتل. أن يأتي عقاب الأشرار في هذه الحياة، وليس في الحياة الأخرى، لكي يعرفوا معنى العذاب الذي تسبّبه أحقادهم وغداراتهم، فيكفّوا عن الأذى. أن يتعاون الناس فيما بَيـ....

<br>  ـ ما هذا..؟

<br>  طفرت الكلمة من أعماقه، عِبرَ لسانه، وهو يثب من الفراش، ليجلس على طرف السرير، متحفّزاً، يصغي، وقد شُلّت ساقاه من الهلع، إلى ضجّة الرصاص، ينطلق بغزارة من مكان قريب، ثم يخرس مرّةً واحدة، ليتراكم الصمت على البيت والشارع وبقية الحيّ.

<br>  لفترة طويلة ظلّ الهدوء يدوّم في أذنيه، قبل أن ترتسم على شفتيه الجافتين أول ابتسامة، جاءت متعَبة، مع ذلك تعبّر عن الفرح بالخلاص، ثم سمع الصراخ ينطلق من أحد البيوت القريبة، فلم يسعه التفكير بشيء، سوى الارتماء على السرير وإغلاق عينيه.

 

*  *  *