طرطوف

 

عُرض هذا النص على

مسرح (مان إنذَ مون)

 Man in the Moon

في لندن من 22 يوليو

إلى 2 اوغست 1997.

قدمته فرقة (اورورا).

 

نص: مولير

إعداد: عارف علوان

ترجمه إلى الإنكليزية:

سامي رمضاني

اخراج: فاضل الجاف

 

 

 

 

الشخصيات:

دورين   - الخادمة

برنيل    - والدة السيد أورغون

داميس   - ابن أورغون

ماريان   - ابنة أورغون

أورغون  - سيد غني

طرطوف  -  رجل دين

لوبال     - مأمور الحجز

إلمير   - زوجة السيد أورغون الثانية

 

 

الصور حسب ظهورها في النص:

1- إلى اليسار، جيمس بيللورني (طرطوف) مع هيلين مِكيه (دورين).

2- أشفين كومار في دور داميس، في الوسط شاكيرا دولينك في دور ماريان، ثم هيلين ماكيه (دورين).

  3- هيلين مكيه (دورين) مع الممثل ستيوارت ويكهام في دور الأب اورغون.

4-  جيمس بيللوريني (طرطوف) مع الممثلة لورين آشلي (إلمير – زوجة طرطوف)

 

 

 

القسم الأول

 

 

المنظر الأول:

[دورين لوحدها. تجرب، بين الهزل والجد، غطاءً جديداً للرأس، تختار له أوضاعاً مختلفة، وتنظر إلى نفسها في المرآة بين فترة وأخرى]
دورين : هكذا !...لا، يصبح وجهي طويلاً، مثل وجه الحصان. هكذا...لا، يجعله مدوراً، مثل ابن عرس.
سيدي أورغون ليس لديه ذوق على الإطلاق، فرض عليّ هذا القفطان العريض، الذي جعلني مثل البرميل، والآن يريد أن ألبس هذه القبعة. (تكزّ على أسنانها وتهدد) آه طرطوف...!
يالها من مهزلة، تخلصنا من طغيان الملوك، ووقعنا في قبضة الموظفين، موظفي الدولة وموظفي الرب!
(أمام المرآة) دورين،...... إذا كان رب العائلة سعيد بهذه المهزلة، لماذا تحطمين أعصابك؟
لكن رب العائلة لا يملك نصف عقل خادمة، وطرطوف يخدعه بأساليب ماكرة، فهل أسكتُ على هذا؟
دورين!...... أنتِ تتدخلين في أمور لا تعنيك، وستجرين على نفسك المشاكل، وتفقدين عملك في النهاية.
هذا صحيح، لكن إذا تحطمت حياة العائلة، سوف أفقد عملي أيضاً، وفي هذه الحالة...على الأقل أفضح المحتال.!
دورين!..... اهتمي بواجبات الخدمة، واتركي مصير العائلة للعائلة نفسها.
أنا لم أُقصّر في واجباتي، والعائلة نفسها تتذمّر من رعونة الأب، إضافة الى ذلك... أنا أحبّ هؤلاء الناس، ولا أريد أن يلحق بهم الأذى!

[صوت ينادي من الخارج]
الصوت : دورين..!
دورين : ماذا أيضاً...؟

[تدخل إلمير]
إلمير : دورين!
دورين : (تجفل) من؟ آه....سيدتي! ظننتُ..
إلمير : هل صحيح أن كنت غاضبة وتريد أن تترك البيت؟
دورين : أعتقد. لو أردتِ رأيي، الأفضل لنا أن ترحل، ليعيش البيت في سلام.
إلمير : أين هي الآن؟
دورين : تضرب خادمتها على قفاها لتهيئ لها حقيبتها. سيدتي، أنت تضعين الشال على رقبتك، المفروض أن يغطي رأسك، إذا رأتك كنتك السيدة برنيل، سوف تغير رأيها وتبقى. أرجوك ضعيه على رأسك، على الأقل نتخلص من لسان واحد، بعدها يساعدنا الله على الباقين.
إلمير : (وهي تنقل الشال إلى رأسها) يجب أن نمنعها من الخروج يا دورين.
دورين : نمنعها، لماذا من فضلك؟

[تُسمع ضربات عصا على الأرض، ثم تدخل السيدة برنيل. ترتدي ملابس مبالغ في ورعها وتغطي رأسها بشال، تتكئ على العصا حين تمشي.]

برنيل : لن أبقى دقيقة أخرى (تتوقف وتلتفت وراءها ثم تنادى على خادمتها) فليبوت، أيتها الخادم الكسول، آتيني بحقائبي لكي أنقذ نفسي من هذا البيت، وسكانه.
إلمير : لماذا يا كنتي؟ نحن لم نقصر معك، فلماذا تسرعين في الذهاب؟
برنيل : (تنظر إلى إلمير بعدم رضى) طريقتك في المشي ليس فيها احتشام يا زوجة ابني. (تجلس) لم أعد اطيق رؤية ما يجري في هذا البيت. إدارة سيئة، عدم اهتمام بي، أغادركم وأنا مستاءةٌ جداً.
دورين : إذا كانـ....
برنيل : (تقاطعها) أنت يا صديقتي ...خادمة سليطة اللسان، وقحة، تتدخلين فيما لا يعنيك.
دورين: أوووه..
إلمير : لكن لماذا غضبكِ ؟
برنيل : آمل أن لا يزعجك قولي يا كنتي، إن مسلكك سيء في كل شيء. كان عليك أن تصبحي قدوة حسنة لأبناء زوجك، بصراحة أقول لك، إن أمهم كانت أفضل منك في سلوكها. (تنظر إليها من تحت أجفانها) انظري إلى هذا الفستان الذي ترتدينه، إنه مثل فساتين الأميرات الخليعات.
إلمير: فستاني ..!.
برنيل: ثم هذه المساحيق التي تضعينها على وجهك. المرأة التي تهتم بإرضاء زوجها وحده، لا تحتاج إلى كل هذه المساحيق.

[يدخل داميس]
داميس : ( يسخر وهو يريهم ملابسه الجديدة) طرطوف، طرطوف، طرطوف...
دورين : (تخفي ضحكتها وهي سعيدة بسخريته)...
برنيل: (تنظر إليه بطرف عينها) ماذا به طرطوف؟
داميس : أنت هنا يا جدتي؟ ما رأيك بهذه البدلة الجديدة؟ هل تعتقدينها سترضي طرطوف؟ أنا أرى أنها تناسب ذوقه، تنطبق على القياسات التي يقترحها.
برنيل: هذا الفرخ الصغير أيضاً، يسخر من الرجل التقي.
داميس : آه يا جدتي، لو تعرفين، كم قضيت من الوقت أبحث في الكهوف، عن الخياط الذي خاطها، إنه من نفس العائلة التي كانت تخيط للنبي نوح ثيابه... طرطوف، طرطوف، طرطوف.
دورين : (تضحك بقوة)..
برنيل: أنتم تسخرون من رجل يبذل مساعيه لإصلاح أخلاقكم. وتسأل كنتي لماذا أترك هذا البيت؟
داميس : (يتغير مزاجه) إنه تقي مزوّر يا جدتي.
برنيل : حياتكم هي المزورة، وهو يريد إصلاحها.
داميس : مزوّر. منافق، يمارس على البيت سلطة جائرة من خلال تأثيره على والدي، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلاّ إذا وافق هذا الطرطوف عليه، لا نستطيع أن نمرح ونتسلى ... إلاّ إذا أعطانا الأذن بذلك. إنه واعظ دجال.
دورين : (يشجعها كلام داميس) إذا كنا نصدق كل ما يقوله من أفكار ومواعظ، فهذا يعني أن كل ما نفعله آثم، إنه يعيّب على كل شيء، كل شيء.
برنيل : يعيّب عليكم حتى يقودكم إلى طريق الصلاح، طريق الخلاص. وأنتَ (إلى داميس) بدل أن تتذمر منه، يجب أن تشجع الناس في بيتك على محبّته.
داميس : (يبدأ انفعاله) محبّته؟ لا. ليس باستطاعة أبي ولا غيره، أن يجبرني على محبّته، أو تصديق مواعظه. هذا الطرطوف تثيرني أساليبه على الدوام، وأنا أتوقع من وجوده هنا، ومن تعاليمه، عواقب وخيمة على البيت. (يتصاعد انفعاله) يوماً ما، يتولاني الغضب، وأعلِّم هذا القروي الخشن كيف يتوقف عند حدّه.
دورين : (تحتدّ هي أيضاً) حقاً. إنه مما يثير الغضب أن يدخل رجل مجهول، ويتحكم بالبيت وبأهله. (إلى إلمير) هل تذكرين يا سيدتي، لقد جاء حافي القدمين، ببدلة لا تساوي أربع بنسات، والآن يأمر ويمنع كأنه سيد البيت.
برنيل : اخرسي أنتِ. لو أن الجميع انصاعوا لأوامر طرطوف الصالحة...لسارت الأمور على خير ما يرام.
دورين : يا إلهي، السيدة برنيل تتحدث عنه كما لو أنه قديس. صدقيني، كل تصرفاته نفاق ولا شيء غير النفاق.
برنيل : أنتم تضجرون منه لأنه يصارحكم بحقيقة كل واحد منكم. إنه رجل غيور على الدين.
دورين: سيدة برنيل، جميع الناس يقولون إن ألله أعطاني لساناً أطول من بقية البشر..(تبتسم) أنا لا ألومه على ذلك.. هل يمكنني أن أسال من فضلك: لماذا يشكو طرطوف من زيارة الأصدقاء والأقرباء للبيت؟ كيف تسيء إلى السماء.. زيارة بريئة يقوم بها أصدقاء السيد داميس، أو أقرباء السيدة إلمير؟. إنه يصمّ آذاننا بالصراخ كلما دخل البيت زائر. أقول لكم ما يجول في ذهني، أعتقد أنه يحبّ سيدتي إلمير ويغار عليها.
[دهشة ساخرة بين الجميع]
برنيل : اخرسي، وفكري جيداً فيما تقولين. ليس السيد طرطوف وحده ينتقد هذه الزيارات، الناس أيضا يتقولون ويتهامسون عن حفلاتكم.
دورين: على مهلك يا سيدة برنيل، هل تحرمين عليهم زيارة الأصدقاء أيضاً!
داميس : نحن لا نكترث لكلام الناس، بعض الناس شغلهم الوحيد النميمة، والاغتياب، ونقل الأخبار.
دورين : من يكترث..!
داميس : أنا، شخصياً، لم أعد أحتمل المزيد من المواعظ والإرشادات، سخف وتفاهة. افعل هذا... لا تفعل ذاك، إلبس هذا.... لا تلبس ذاك، استعمل هذه الكملة ...لا تستعمل تلك، أصبحنا غير قادرين على التفكير، خائفين من الإقدام على أي فعل حتى لا نتعرض للتأنيب والعقاب.
دورين : معك حق يا سيدي. وليقطع الله لساني، إذا كنتُ قد سمعت يوماً عن دين، أو عبادة، تشبه في تعاليمها التعاليم التي يتحدث عنها طرطوف وسيدي أورغون.
برنيل : كنتي العزيزة، أرى إنني مضطرة للسكوت في بيتك، لأن هذه السيدة الثرثارة لا تتوقف عن الكلام لحظة واحدة.(فترة) إنني أصرّ على حقي في الكلام. أقول لكم بأمانة، إن ابني قام بشيء حسن عندما استضاف رجلاً متعبداً، ورعاً، في بيته مثل السيد طرطوف. السماء أرسلته إليكم لتقوّم اعوجاج نفوسكم وعقولكم، وعليكم أن تستمعوا لنصائحه حتى تفوزوا بالخلاص الأبدي. هذه الزيارات والحفلات هي من اختراع الشيطان. هل تعلمون ماذا يقول الناس عن هذا البيت! يقولون إنه برج بابل.
داميس : جدتي، ألم تستمتعي في شبابك بالأبراج؟ هه؟
برنيل : اخرس، أنت شاب مغرور...
داميس : حدثينا يا جدتي العزيزة، ألم ترقصي وتمرحي في شبابك؟ لِمَ هذا الورع الآن؟ (يدور حولها) لأن ساقيك متورمتان، أم لأسباب أخرى؟. جدتي..
برنيل : لا تَدُر حولي مثل الطاحونة، هذا يسبب لي الدوار.
داميس: كانت والدتي تقول، إن نصيبك من اللهو والمرح لم يكن قليلاً... عندما كنتِ شابة، وبعد الزواج أيضاً. السهر الآن صعبٌ عليكِ، وتريدين حرمان الجميع منه، أم هناك أسباب أخرى لهذا الورع والتقوى..؟
تدثرين نفسك بكل هذه الأغطية يا جدتي، لتخفين ماذا؟ (يرفع طرف شالها فتردعه بانزعاج). هل كنتِ تخفين أطرافك يا جدتي العزيزة عندما كان منظرهما يثير الرجال؟. لماذا كل هذا الورع والتقوى الآن ماذا يخيفك، الموت؟ تخافين من الحساب في الآخرة؟ (يضحك). أخذتِ نصيبك الكامل من هذه الحياة، وتريدين نصيباً في الحياة الآخرة أيضاً؟
برنيل: (تنهض) يا كنتي العزيزة، لقد سمعتُ ما يكفي من سوء الأدب، إنني أودعك. (تتجه نحو الباب وهي تنادي على خادمتها) فيلبوت...
إلمير: (تسير خلفها) إننا نبذل جهودنا لتكوني مرتاحة في هذا البيت، لا داعيَ لأن ترحلي بسبب هذه الأمور البسيطة.
برنيل: أرجو أن تكون الخادمة الخاملة قد أعدت حقائبي.

[تخرج السيدة برنيل ومعها إلمير]
داميس: يوماً ما، سألهب ظهر هذا الطرطوف الدعي بالعصا.

[يخرج داميس. دورين وحدها ثم تدخل ماريان]
ماريان : ماذا جرى؟.. شاهدت جدتي غاضبة، بينما إلمير تحاول تهدئتها، ماذا حصل؟ دورين: كالعادة، الشغب الذي يسببه طرطوف. جدتك تعرف أن والدك سيعود من السفر اليوم، لذلك تعمل هذه المشاكل. لكن، هل تتصورين أنها ترحل؟ لا، كل مرة تحزم خادمتها الحقائب ثم تفتحها.
ماريان : هل قلتِ أن والدي سيعود اليوم من السفر؟
دورين: نعم، وسوف نسمع الكثير من الأوامر والنصائح.
ماريان : هذا بسبب تأثير السيد طرطوف عليه.
دورين : ها أنتِ قد عرفتِ.
ماريان : دورين، أشعر إن والدي يعترض على زواجي من فالير.
دورين : لماذا يا حبيبتي؟
ماريان: لأنه يؤخر موافقته كلما حدَّثه فالير، رغم أنه وافق على الزواج منذ السنة الماضية.
دورين: (تفكر) وافق في البداية، والآن يماطل ! لا شكّ إن طرطوف وراء الأمر.
ماريان : ما شأن السيد طرطوف بهذا؟
دورين: نعم يا حبيبتي، لا شكّ أنها نصائح طرطوف، ونفاقه. تعالي (تأخذها من يدها وتخرج بها).

المنظر الثاني :

[يدخل أورغون]
أورغون : (ينادي) إلمير، ماريان.... أين ذهبوا؟ داميس...دورين!
[يخرج]

المنظر الثالث :

[يدخل داميس ودورين]
دورين: اسمع يا سيد داميس. والدك سيعود في أي لحظة، وعليك أن تحدثه عن زواج ماريان.
داميس : ماذا بشأن الزواج؟
دورين: يبدو أنه يؤخر الزواج لأسباب لا يعرفها أحد، إلاّ أنني أشكّ أن طرطوف وراء هذا.
داميس : طرطوف أيضاً؟
دورين: وأيضاً، وأيضاً، وأيضاً. تعرف إننا بذلنا جهوداً كبيرة لكي يتخلص والدك من أفكاره القديمة، وعاداته المتخلفة، لكن...منذ دخل طرطوف البيت ، تحوّل والدك، بل أصبح أسوأ مما كان. كل الوقت وهو مشغول براحة طرطوفه، وطلباته، ومواعظه، إنه يدعوه أخاه، ويحبّه، يحبّه أكثر مما يحبّ زوجته، أكثر مما يحبّكم أيضاً.
داميس : سوف أرفسه على قفاه...
دورين: اهدأ، ما هكذا تُعالج المشاكل. تكلم إلى والدك أولاً، حاول إقناعه بالموافقة نهائياً على زواج أختك، ثم حدثه عن وجود هذا الطرطوف في البيت.
داميس : سأفعل..
دورين: إنه يقرّبه إليه أكثر مما يجب، أصبح يستشيره في أعماله، ويسمع نصائحه، ويلاطفه ويعانقه، حتى يُخيّل لمن يراه كأنه عشيقته.
داميس: لا أدري ماذا فعل هذا الصعلوك لأبي!
دورين: (وهما يخرجان) بصراحة أنه لا يملّ من الإعجاب به، يعتبر أي عمل تافه يقوم به طرطوف كما لو أنه معجزة. من يدري...ربّما يكون قد سحره!

المنظر الرابع :

[يدخل أورغون. ما زال يبحث عن سكان البيت]
أورغون: (ينادي) إلمير... داميس! لكن أين السيد طرطوف ! (ثم يصيح بصوت أعلى) دورين!.. أين أنتم؟
[يخرج]

المنظر الخامس :

[تدخل السيدة برنيل، خلفها إلمير. ما زالت تحاول إقناعها]
برنيل: لا. لا. لن أبقى.
إلمير : صحتك لا تتحمل الانتقال من بيت إلى بيت.
برنيل: أفضّلُ الموت، على أن أرى ما يجري هنا. الكل لا ينفذون تعاليم الدين، هذا كثير عليّ.

[تدخل ماريان]
ماريان: كيف حالك يا جدتي؟ (تقبّلها).
برنيل: تعالي هنا أيتها الصبية.
ماريان: (مازحة) لست صبية يا جدتي، بعد شهر أصبح في العشرين.
برنيل: أنت تغطين رأسك، وتتركين رقبتك مكشوفة هكذا، ماذا لو دخل أحد الضيوف وشاهد هذا العري!
ماريان: عُري؟ تسمين هذا عرياً؟
برنيل: نعم، الدين يأمر أن نغطي كل جزء من أجسادنا، نحن النساء.
ماريان: أرجو عفوك يا جدتي، هذا كلام طرطوف وليس كلام الدين.
برنيل: (إلى إلمير) هل سمعتِ؟

[تخرج السيدة برنيل، خلفها إلمير. تخرج ماريان من الجهة الأخرى]

المنظر السادس :

[يدخل أورغون]
أورغون: (ينادي) إلمير..! وصلت منذ نصف ساعة، ولا أحد يأتي ليسأل ماذا أريد!.. هل أخذتهم صاعقة؟ لا شكّ أن الصاعقة استثنت التقي السيد طرطوف، لكن أين هو الآخر؟
[يخرج]

المنظر السابع :

[تدخل إلمير ودورين]
إلمير: نعم. يبدو أن زوجي وصل، لأنني سمعت حركة في الخارج. سوف أصعد لأرتاح قليلاً ، وبذلك سيأتي إلى غرفتي ليراني.
دورين: هذا ما كنت أفعله، لو كنتُ مكانك.
إلمير: أنا واثقة أنه مشتاق لرؤيتي.
دورين: (لوحدها) هذا مما لا أستطيع الجزم فيه.
إلمير: أخبريه أنني متوعكة، ليشتاق لي أكثر.
دورين: كلِّميه يا سيدتي، عن المشاكل التي يسببها طرطوف في البيت، عندما يبدأ اشتياقه يسخن.
إلمير: تعبت من هذه المسائل السخيفة.
دورين: لا يا سيدتي، أرجوك، لا تبقي غير مكترثة، لأن طرطوف يعرف الجوانب الضعيفة لدى السيد أورغون، ويستغلها على أحسن وجه. إنه يملك وجهين، ومئات الحيل، وآلاف المظاهر، يوظفها كلها للسيطرة على زوجك . ماذا نفعل نحن في البيت حتى ينتقدنا، ويصوِّرنا له كأننا مذنبون وكفرة! سيدتي، ألم تلاحظي كيف يراقبنا بعينين قاسيتين، ويرمي مناديلنا وأحمر شفاهنا في التواليت؟ أرجوك ، لا تترددي من فضحه أمام زوجك.
[تخرجان]

المنظر الثامن :

[يدخل أورغون]
أورغون: (يصرخ من الباب) دورين....!

[تدخل دورين راكضة]
دورين: سيدي سيد أورغون..!
أورغون: أين أنتم؟
دورين: شكراً لله على عودتك من السفر، سالماً، وفي مزاج طيب!
أورغون: أريد أعرف أخبار الدار، ماذا جرى خلال اليومين التي غبت فيهما، ماذا يعملون هنا؟ كيف أحوالهم؟
دورين: سيدتي، يا سيدي، لازمتها الحمى منذ الأمس، وهي تعاني صداعاً غريباً لا يتصوره العقل.
أورغون: وطرطوف؟
دورين: طرطوف؟ ممتاز جداً، بدين، معافى، يمضغ بشكل جيد.
أورغون: مسكين..
دورين: لم تتناول عشاءها أمس، لشدة الصداع الذي يؤلم رأسها.
أورغون: وطرطوف؟
دورين: تعشى أمامها، وتناول، بورعٍ كبير، بطتين، ونصف فخذ من اللحم المقدد.
أورغون: مسكين..
دورين: وفي الليل لم تتمكن من النوم لحظة واحدة، لأن الحرارة اشتدت عليها، فكان علينا أن نسهر قرب فراشها حتى الصباح.

[يدخل داميس ليسلم على والده ــ أورغون يظل منشغلاً في الحديث مع دورين]
أورغون: وطرطوف؟
دورين: نعس بعد العشاء، فانتقل من مائدة الأكل إلى غرفة النوم، واندس في فراشه الدافئ، حيث نام نوماً هادئاً حتى اليوم التالي.
أورغون: مسكين..
دورين: وأخيراً أقنعناها بفائدة الفَصد، فارتاحت قليلاً ونعمت بالهدوء.
أورغون: وطرطوف؟
دورين: نهض من النوم متأخراً كالعادة، فشرب على الفطور أربع جرعات كبيرة من الخمر، ليعوِّض ما فقدت السيدة إلمير من دمائها.
أورغون: مسكين..
دورين: وفي النهاية، سأبلغ سيدتي عن انشغالك الكبير بصحتها، واهتمامك العظيم بشفائها.

[تخرج دورين]
داميس: إنها تهزأ بك يا والدي. أقول لك بصراحة، من دون قصد في إغضابك، إن سحر طرطوف عليك جعلك تنسى كل شيء، وتفكر به وحده...
أورغون: مهلاً يا ولدي، أنت لا تعرف هذا الرجل الذي تتكلم عنه.
داميس: لا أعرفه لأنك تريد أن لا أعرفه.
أورغون: لا. لو عرفته حقاً لأعجبك كثيراً، ولسيطرَ على مشاعرك، إنه رجل حقيقي، من يأخذ بإرشاداته ينعم بسلام عميق، وتصبح الدنيا في عينيه أصغر من قلامة ظفر.
داميس: أبي...
أورغون: لقد حوّلتني أحاديثه إلى رجل آخر، متبصّر، عملني أن لا أكنّ الودّ لأحد، صرفني عن لقاء الأصدقاء، قد أرى الموت يأخذ أعزّ الناس إليّ، من دون أن تهتزّ عواطفي.
داميس: لكن... يا أبي...
[اورغون لا يسمع كلام داميس، يواصل الحديث وكأنه يطلق الأصوات الموجودة في رأسه]
أورغون: لو تعرف كيف قابلته، لفهمت سبب اعتزازي به. كان يأتي إلى الكنيسة، كل يوم، يجلس على ركبتيه أمامي في دماثة ولطف، يصلي في خشوع. كان يلفت أنظار جميع المصلّين بحرارة صلواته. لأنه يصلّي عن إيمان صادق، ينتحب ويتملكه الوجد، كل لحظة يقبّل الأرض في ورع، وإذا ما خرجتُ يسبقني إلى الباب ليقدم لي الماء المقدس، وهو يمتدح تردّدي على الكنيسة. وعندما أقدم له العطايا، يردّها، يردَّها بإصرار، يقول: "هذا كثير، نصفه يكفي ويزيد". فإذا رفضتُ أن أسترد المال، يروح يوزعه على الفقراء أمام عيني.
داميس: أرجو المعذرة يا والدي، هذا...
أورغون: لقد أنعمت عليّ السماء حين جذبَتْه إلى بيتي، فبدأ كل شيء في سهولة، إنه يتدخل وينتقد تصرفاتكم رحمةً بكم، وشفقةً عليكم، وهو يعتني بزوجتي عناية كبيرة، حرصاً منه على شرفي، كما يحذرني من الرجال الذين يغازلونها بعيونهم، ويغار عليها أكثر مما أغار أنا.
داميس: أرجوك يا سيدي، يجب أن نميّز بين الحق والباطل، بين الخبيث والطيب، لا أن نأخذ الأمور بهذه البساطة..
أورغون: (ينتبه فجأة إلى كلام ووجود داميس) ماذا تعني؟
داميس: أعني أن الكثير من الدجّالين يتسترون بالورع، وبالدين، ليخدعوا الناس، ويسيطروا على مشاعرهم، وعلى حياتهم...
أورغون: هذا الرجل يختلف. أنا أثق به، لا تشغل نفسك بهذه الأمور، دعها لي.
داميس: (غير مرتاح) إذن، هل تسمح لي يا سيدي بالحديث إليك عن مسألة تتعلق بأختي ماريان؟
أورغون : ماذا بشأن ماريان؟
داميس: تذكر أنك وعدت فالير بالزواج منها.
أورغون: أذكرُ.
داميس: وقد وافقتَ على موعداً للزواج.
أورغون: صحيح.
داميس: لماذا تؤجل الاحتفال إذن.
أورغون: لا أدري.
داميس: إن فالير، وهو شاب محترم وذو منزلة، يلحّ على معرفة الجواب، فماذا أخبره؟
أورغون: قل له، إن الله هو الذي يقرر.
داميس: يقرر ماذا ؟
أورغون: (بشيء من الانزعاج) يقرر ما يريد لماريان. (يخرج).

المنظر التاسع:

[ أورغون ــ ماريان]
أورغون: ماريان.
ماريان : نعم يا أبي.
أورغون: اقتربي، لدي أخبار مفرحة لك. (ينظر حوله) أريد التأكد من عدم وجود من يسمعنا، لأن هذا المكان الصغير قد يعرضنا للمفاجآت. حسنا، نحن في أمان. أنت عزيزة عليّ يا ماريان، وأحبّ روحك الوديعة.
ماريان: أنا مدينة لحبّك بالكثير يا أبي.
أورغون: كلام جميل. ولكي تكوني جديرة بهذا الحبّ، يجب أن لا تهتمي بغير رضاي.
ماريان: هذا كل ما أطمح إليه.
أورغون: حسنٌ جداً. ما رأيك في ضيفنا العزيز طرطوف؟
ماريان: أنا..؟
أورغون: نعم، أنتِ. فكري جيداً كيف تجيبين.
ماريان: آسفة! أعني، سأقول عنه كل ما تريد.
أورغون: هذا هو المنطق السليم. قولي لي إذن يا ابنتي إنه رجل فاضل، تتجسد في شخصيته الأخلاق الكريمة.
ماريان: إنه كذلك..
أورغون: قولي أيضاً إنه يجد في قلبك موقعاً حسناً، وإنه ليسعدك أن تريه زوجاً لك.
ماريان: (تتراجع مذعورة) ماذا ؟
أورغون: ماذا دهاكِ؟
ماريان: ماذا تقول؟
أورغون: ماذا ؟
ماريان: هل أخطأتُ في فهمك! أبي، عمن تريد أن أقول إنه يسرني أن تختاره زوجاً لي؟
أورغون: طرطوف .
ماريان: لا. لا شيء من هذا، أقسمُ لك. لماذا تُنطقني بهذا الكذب والخداع؟
أورغون: هذا ليس كذباً، لأنني أريده، لأنني قررته، لذلك فهو حقيقة.
ماريان: عجباً، أتريد يا أبي أن أكون زوجةً له.
أورغون: نعم، لقد عزمت يا ابنتي وصممت، على أن أربط أسرتي بطرطوف من خلال هذا الزواج
دورين: في الحقيقة يا سيدي، كدت أفقد عقلي.
أورغون :(يفاجأ) لماذا ؟
دورين: لأنني سمعتك تنطق بهذا الكلام.
أورغون: وهل ما قلته يدعو إلى الجنون.
دورين: لا. لكن آذاني لا تصدق ما سمعتْهُ.
أورغون: وماذا سمعت..آذانُكِ؟
دورين: زواج ماريان من طرطوف .
أورغون: لماذا ؟ لماذا لا يُصدق هذا الأمر ؟
دورين: لأنني لا أصدقك وأنت تقوله.
أورغون: (مهدداً) أعرف كيف أجعلكِ تصدقين.
دورين: أصدق، أصدق. لكنك تقص علينا حكاية مُسلية. مثل قصص الخرافات.
أورغون: (يتجاهل دورين) ما أقوله يا ابنتي ليس لعباً، ليس هزلاً.
دورين: (تخاطب ماريان) هيا، لا تصدقي السيد أباكِ أبداً. إنه يُنكت.
أورغون: إن غيظي أخيراً...
دورين: (تتراجع) حسناً، سنصدقك، أنت حرٌّ. لكن، هل يمكن يا سيدي، مع كل عقلك، وكل ما لك من لحية عريضة، أن يبلغ بك الجنون فتريد...
أورغون: (محتداً) اسمعي...لقد تجاوزتِ حدك في هذا البيت، وأصبحتْ تصرفاتكِ لا ترضيني، فاحذري يا صديقتي...
دورين: في هذه الحالة، لنتحدث بدون غضب يا سيدي، مع قليل من الصبر أجمل. إن ابنتك يا سيدي، لا تصلح لناسك متعبد، إن لديه مشاغل أخرى عليه أن ينصرف إليها. ثم...ماذا ينفعك مثل هذا الزواج؟ لأي سبب تختار، مع كل ما تملك من ثروة، صهراً صعلوكاً...
أورغون: (يحتد من جديد) اخرسي..
دورين: عفوا، لم أقصد.
أورغون : يجب أن نحترمه أيتها الحمقاء، لأنه لا يملك شيئاً. إن فقره هو فقر شريف، يرفعه فوق منزلة الآخرين. هل تعلمين لماذا حُرِم من المال؟
دورين: لماذا ؟
أورغون: لأنه أهمل شؤون الدنيا، وتعلقَ بأمور الحياة الأبدية.
دورين: هذا ما يقوله هو.
أورغون: إنه إنسان نبيل.
دورين: نبيل ربّما، لكن إنسان ... لا أظن.
أورغون: إنه يضحي من أجل خلاص البشرية، ولا يريد شيئاً من الحياة.
دورين: إنه يتحدث كثيراً عن التضحية، وهذا الزهو، يا سيدي، ليس من أخلاق الزُهاد الحقيقيين. بجانب هذا، إذا كان يكرِّس نفسه للنبل والعبادة، كما يدعي، لماذا يتزوج من فتاة صغيرة، ويرهقها بشيخوخته؟ ألا ينبغي لك أن تفكر، يا سيدي، فيما يخلفه هذا الزواج من عواقب؟
أورغون: لقد أثرتي غضبي من جديد..
دورين: من دون غضب يا سيدي، إنني أتراجع عن كل ما قلته.
أورغون: هذا حسن...
دورين: لكن، ألا تعتقد إن من الصعوبة على النساء، أن يبقين وفيات لأزواج من هذا الطراز؟
أورغون: آه...
دورين: لا أعني هذا يا سيدي، أردت القول : ألا تعتقد أن الرجل الذي يرغم ابنته على زواج تكرهه، سوف يُسأل أمام الله عما يقترفه من ذنوب؟
أورغون: (في غضب) دورين...!
دورين: سيد!
أورغون: (ثم إلى ماريان بعد أن ييأس من الخادمة) ينبغي أن لا نستمع يا ابنتي إلى هذا الهذر، إنني أبوك وأعرف مصلحتك. أعني أن الله سيغمر زواجكما بالخيرات، وستعيشان في سعادة، ستعيشان مع أشواقكما الوفية، مثل طفلين حقيقيين...
دورين: آه يا إلهي. سيدي يقول شعراً..!
أورغون: مثل طيرين يخلص كل منهما للآخر.
دورين: بالعكس، ستجعل منه ديوثاً...إذا كانت ذكية.
أورغون: ماذا قلتِ؟
دورين: لا شيء، كنتُ صامتة يا سيدي.
أورغون: آمل أن تبقين كذلك...
دورين: سوف أفعل، لكن تأثير طرطوف على ابنتك سيكون سيئاً..
أورغون: اخرسي من فضلك.
دورين: لو لم أكن أحبّك يا سيدي، لما قلت هذا الكلام.
أورغون: لا أريد أن يحبني أحد.
دورين: أما أنا، فأريد أن أحبّك يا سيدي بالرغم منك.
أورغون: آه...ألا تسكتي؟
دورين: ضميري لا يطاوعني..
أورغون: أيتها الأفعى الوقحة..
دورين: آه، تقي وسريع الغضب!
أورغون: نعم، إن صبري ينفذ أمام هذا اللغو. أريد جازماً أن تخرسي.
دورين: ليكن....لكن إذا سكتُ لن أكون أقل تفكيراً.
أورغون : فكري إذا شئتِ، واسكتي..
دورين: لكن..
أورغون: (مهدداً) ماذا أيضاً؟
دورين : لا شيء.
أورغون: (إلى ابنته) إنني كرجل حكيم، نظرت في الأمر يا ابنتي جدياً، قلّبته على جميع وجوهه، ووجدتُ أن هذا الزواج لفائدتك، وليس لفائدة أي شخص آخر..
دورين: كيف تريدني أن أسكت يا سيدي على كلام مثل هذا؟ سوف أنفجر لا محالة إذا لزمت الصمت.
أورغون: ماذا تريدين هذه المرة؟
دورين: لا شيء . لكنك تخدع الفتاة الصغيرة.
أورغون: وأنتِ! أنتِ لن تستطيعي أن تخدعيني بهذا الأسلوب. أنت معي أو ضدي؟
دورين: معك يا سيدي، لكن ليس مع ما تقول.
أورغون: (في غاية الغضب ) آه... أنا خارج لأتنفس بعض الهواء المنعش، وإلا فقدت أعصابي.

[يخرج أورغون]
دورين: لن ينعش الهواء شيئاً ، هذا الرجل فقد عقله. (تتذكر، وتلحق بأورغون) سيدي، شيء آخر يجب أن أقوله لك... [تخرج]

المنظر العاشر:

[ماريان لوحدها]
ماريان: ماذا افعل مع أب مستبد؟ أنا أحب فالير، ولا أستطيع قول هذا الكلام أمام أبي، والآن يقرر لي زواجاً ظالماً. سوف يدمر حياتي بهذا الزواج. تحطمت كل آمالي، انسدت الأبواب بوجه مستقبلي. إن زوجة أبي لا تشغل نفسها بما يجري في البيت من فوضى، بينما أخي مشغول باللهو مع أصدقائه، وعندما يغضب يروح يسب الكبير والصغير من دون تمييز. ماذا يمكنني أن أفعل وحدي؟ لو كانت أمي على قيد الحياة...ربّما ساعدتني للخلاص من هذه المحنة. (تبكي)
[بعد فترة]
ماذا أفعل يا ربّي؟ دورين المسكينة لا تستطيع شيئاً حيال عناد أبي، وتأثير السيد طرطوف عليه. هل أعلن رأيي، أرفض السيد طرطوف بجرأة، وباحتقار كبير؟.. هذا يعرضني لسخط والدي، وجدتي أيضاً. أهرب من البيت، وأعيش مع فالير وليحدث ما يحدث!.. هذا أيضاً يسيء إلى سمعتي، وأفقد أهلي. لقد فرضوا عليّ حياة سخيفة، وعادات سخيفة، منعوني من زيارة صديقاتي، وحرموني من تزيين وجهي كما تفعل بقية البنات، حتى في البيت يراقبون تصرفاتي، أحذري... دائماً كلمة أحذري تطاردني ....الشيطان وراءك، الشيطان أمامكِ، الشيطان في ثيابكِ، في مشيتكِ، في تفكيركِ....هذه الجنة التي يتحدثون عنها، ما هي إلاّ جحيم لعين. (تبكي من جديد) لا أستطيع مجرد تخيّل السيد طرطوف زوجاً لي.
[يدخل داميس]
داميس: لِمَ تبكين؟
ماريان: طرطوف...أعني أبي...لا، طرطوف ...آه، إنني عاجزة عن السيطرة على تفكيري.
داميس: طرطوف من جديد؟ خبريني ماذا حدث؟
ماريان: أبي يريد تزويجي من السيد طرطوف.
داميس: لا. مستحيل..!
ماريان: نعم، هذه هي الحقيقة.
داميس: لتأخذني السماء في الحال، لأُعامل معاملة النذل في كل مكان، إذا منعني أي شيء من القيام بعمل جنوني، أضع فيه حدّاً لهذه المهزلة. لم أصدق دورين حين ذكرت لي نفس الخبر، آه.
ماريان: لكن.. لا تغضب يا أخي.
داميس: بالغضب، وبالغضب وحده...يجب وضع حدٍّ لمؤامرات هذا الدعي الأحمق، بأن ألقي في أذنه كلمتين على الأقل. اذهبي أنت إلى غرفتك، سمعت دورين تقول إن زوجة أبينا تريد مقابلة طرطوف هنا، لنفس السبب، سوف أحسم أمري معه قبل وصولها.

[تخرج ماريان منكسرة]
(يفكر) إنه يصلي فوق، هذا الدجال، وسينزل بين لحظة وأخرى. الأفضل أن أختبي في مكان ما، لأسمع ما يقوله أولاً. (يختبئ)إلمير :.

المنظر الحادي عشر:

[يدخل طرطوف]
طرطوف: ما أجمل الهدوء في البيت. هدوء يسيطر على حياة أهله، وعلى أرواحهم. (إبتسامة غامضة) كل هذا نتيجة مواعظي. [يتكلم بصوت عالٍ كما لو يأمر خادمه في غرفة أخرى]
لوران، لا تنسَ أن تؤدي صلاتك الثامنة، وأسأل الله الهداية على الدوام. إذا طلبني أحد، فإني ذاهب لأوزع الصدقات على المساكين]ين.
[يجلس وراء طاولة، يخرج نقوداً من جيبه وكيساً من عبه]
السيد أورغون يهتم كثيراً بخلاص روحه، هذا حسن، لكن الأخرين شكّاكون يجب الحذر منهم، الى أن تتطهر نفوسهم. أما السيدة برنيل...فتكفيها صلاة صغيرة لتغدو مثل النعجة العمياء.
[يوزّع كومة النقود على قسمين]
باوند للمساكين... (على جهة)، اثنان لمجد الله. (في الكيس)
باوند للمساكين...ثلاثة باوندات لمجد الله
باوند للماسكين...خمسة باوندات لمجد الله
لكن النقود تفسد أرواحهم، تبعدهم عن واجباتهم تجاه الرب. (يعيد باوندين من حصة المساكين الى الكيس) هكذا أفضل. (يسمع حركة داخل البيت فيلتفت بفزع) من!.... آه ، الخادمة اللعينة قادمة!.

[يضع جميع النقود في الكيس ويدسّه في عبّه]
دورين : سيد طرطوف ،
طرطوف: (دائماً حذر منها) ماذا تريدين؟
دورين: لماذا خبأت النقود في عبّك.. إذا كنت ذاهباً لتوزيعها على المساكين؟
طرطوف:أنت تتدخلين في شؤون الناس. الله لا يحبّ هذا يا ابنتي.
دورين : هل أخبرته، الله، أنك أخذت هذه النقود من سيدي أورغون؟
طرطوف:ماذا جئت تفعلين هنا؟ و..... لماذا قميصك مفتوح عن صدرك بهذا القدر الفاضح؟
دورين : هل يعجبك؟. (تفتح زراً آخر من قميصها، فيتراجع دون أن يحوّل أنظاره عن صدرها) هذا كفر..
دورين : لماذا ؟
طرطوف: لأن الله يُحرم على المرأة كشف جزءٍ من بدنها.
دورين:هل تعتقد، سيد طرطوف، إن الله يهتم بصدور الخادمات؟
طرطوف: (يناولها منديلاً) خذي هذا المنديل، أرجوك، وغطي به صدرك. إن هذه المناظر تؤذي النفوس، وتثير الخواطر الآثمة.
دورين : إذن، أنت سهل على الغواية، وللجسد تأثير كبير على حواسك!. بأمانة، لا أعرف نوع الحرارة التي تثيرك، أما أنا، فلست سريعة الإشتهاء، يمكنني رؤيتك عارياً، عارياً بلا ورقة التوت، مع ذلك لا تغريني فيك أية رغبك.
طرطوف: ليكن في كلامك القليل من الحشمة والاحترام، وإلاّ أنا منسحب في الحال. (يتراجع إلى الوراء)
دورين: حتى لو فتحت زراً آخر. (تكشف المزيد من صدرها)
طرطوف: (يتقدم منها بحجة منعها، ثم يتراجع إلى الوراء ليخرج، لكنه يعود ليقترب منها) أرجوك...
دورين: الحرّ يضايقني، فماذا ألهبكَ أنت، سيد طرطوف؟
طرطوف: لا أحتمل هذه المشاهد.. لشدة تديني (يهرب ثم يختفي منها وراء ظهرها، لكنه ينظر إلى صدرها من وراء كتفها).
دورين : زراً ثالثاً....؟
طرطوف: آه....لا..
دورين: (تضحك بقوة) طرطوف . جئت أخبرك إن سيدتي قادمة للتحدث إليك.
طرطوف: بكل سرور.
دورين : لن تتأخر عليكَ...(تخرج ضاحكة).
طرطوف:(يمسح العرق عن جبهته) هؤلاء الخادمات! يعشن في المطابخ، فتنضج أجسادهن بشكل مثير. [تدخل إلمير] لتمنحكِ السماء صحة الروح، والجسد، إلى الأبد.
إلمير: شكراً على هذا الدعاء الشريف. لنجلس ونرتاح قليلاً.
طرطوف:كيف تجدين نفسك الآن، بعد هذا المرض الطارئ؟
إلمير: بخير، انفكت الحمى عنى منذ قليل.
طرطوف: ليست صلواتي قديرة بأن تمنحكِ هذا الفضل، غير أني ابتهلت إلى الله طويلاً، وبكيت بين يديه، من أجل شفائكِ.
إلمير: لقد أكثرتَ من الاهتمام بي.
طرطوف:لا يمكن للمرء أن يكرم صحتك مهما بذل من أجل ذلك، كان بودي أن أتحمل المرض بدلاً عنك.
إلمير: أنا مدينة لك بالكثير على هذا المعروف. أردتُ أن أُسرَ إليك أمراً، ويسعدني أن لا أحدَ آخر يسمعنا.
طرطوف: أنا أيضاً سعيد جداً، أن أجد نفسي وحيداً معك يا سيدتي. تلك فرصة سألت السماء أن تتيحها لي، فلم تسمح لي بها حتى هذه الساعة.
إلمير: ما أريده، كلمة مختصرة، تفتح لي فيها قلبك ولا تكتم عليّ شيئاً.
طرطوف: أنا أيضاً، لا أريد من كرمك العظيم، إلاّ أن أكشف لك عن كل ما في نفسي، ما دُمنا على انفراد. أعلمي أن انتقاداتي لزيارات الأصدقاء ليست بسبب كرهي لكِ، بل.. أُقسم لكِ، هي من شدة عاطفة عظيمة تجاه شخصك..
إلمير: لا تهتم، فقد أخذتها على محملٍ حسن، لأنني أعتقد إن سعادتي هي التي تهمك.
طرطوف: (يضغط على طرف أصابعها) نعم يا سيدتي، بلا شكّ، إن رعايتي لك إلى درجة..
إلمير: أوف! لقد آلمت يدي بضغطك.
طرطوف: من فرط الودّ. لم أرد أبداً إيلامك، كنت في الحقيقة...(يضع يده على ركبتها)
إلمير: ماذا تفعل يدك هنا؟
طرطوف: أ..أتبيُن قماش ثوبك، ما أنعم نسيجه..!
إلمير : أرجوك، دعني، فالدغدغة تؤثر فيّ كثيراً .
[تبعد كرسيها وطرطوف يقرب كرسيه منها]
طرطوف: يا إلهي، ما أروع هذا التطريز. في أيامنا هذه ينسجون القماش بطريقة مدهشة.
إلمير: لنتكلم قليلاً في قضيتنا.
طرطوف: كل حواسي منتبهة إليك.
إلمير: يُقال إن زوجي يريد التراجع عن تعهده، ويعطيك أبنته، قل لي، أهذا صحيح؟
طرطوف: قال لي كلمتين بهذا الخصوص، لكن الحقيقة يا سيدتي، إن زواجي من أبنته ليست بالسعادة التي أحن إليها. إن قلبي ورغباتي..تتطلع إلى مكان آخر، إلى مفاتن أخرى..
إلمير: أعرف، أنت لا تحب شيئاً في هذه الدنيا.
طرطوف: صحيح، لكن قلبي ليس من حجر يا سيدتي.
إلمير:أما أنا ، فأعتقد إن زفراتك تصعد إلى السماء، ولا شيء في هذه الدنيا يثير اهتمامك.
طرطوف:الحبّ الذي يربطنا بالجمال الخالد في السماء لا يميت فينا الميول الدنيوية، ورغم إنشغالنا التام في العبادة، إلاّ أن الجمال الذي صنعته يد الله، كما هو متجسد فيك، يُسحرنا، يحرّك في قلوبنا العواطف والرغبات. هل يمكن يا سيدتي، أن أرى الجمال الذي رسمه الله على وجهك، من غير أن يخفق الحبّ في قلبي؟ بصراحة، في البداية خشيتُ أن تكون رغبتي فيك مكيدة من مكائد الشيطان، لكنني عرفتُ أخيراً، أيتها الجميلة الحبيبة، إن حبّي إليك لا يمكن أن يكون إثماً، وإنني، صدقيني، أستطيع التوفيق بين الحبّ والعفّة، بين الرغبة والعبادة (كأنه يسرُّ لها) الله لا يرفض الجمع بين الاثنين، وهذا ما جعلني أسلم نفسي إلى إرادة قلبي، الذي ينتظر كل شيء من لطفك، وعطفك. عليك وحدك، يا سيدتي الجميلة، يتوقف جحيمي أو نعيمي.
إلمير: تصريحك لطيف تماماً، لكنه غريب حقاً. كان عليك، كما أعتقد، أن تسلّح قلبك بشكل أفضل، وأن تتعقّل بعض التعقُّل في هذه المسألة. إن ناسكاً مثلك، يذكرونه في كل مكان...
طرطوف: آه، إن كوني ناسكاً لا يمنع من كوني رجلاً، يحبّ ويشتهي. حين تقع العين على مفاتنك السماوية، يستسلم القلب ولا يعي شيئاً. قد يبدو حديثي غريباً، لكنني يا سيدتي، بعد كل شيء، لستُ ملاكاً. وإذا استنكرتِ اعترافي، الذي بحتُ لكِ فيه بأسرار قلبي، فلا تلومي إلاّ محاسنك، التي ما إن تلألأت أنوارها أمامي، حتى غدوتِ سيدةً آمرةً على عواطفي.
إلمير: أرى إن فصاحتك قد أوضحت لي، بعبارات جسورة، ما يجيش في نفسك. لكن، ألا تخشى أن أغضب.. وأنقل إلى زوجي وقائع هذه المغازلة الطريفة، فيكون هذا سبباً في إفساد الصداقة التي يحملها لك؟
طرطوف: أنا أعرف ما تتحلين به من حِلم وتسامح، لذا فإنك ستغفرين لي تهوري. آه يا سيدتي، كم يكون جميلاً أن تجدين في ضعف الإنسان عذراً لي، على نزوة حب لا يلاقي منك قبولاً. حين تنظرين إلى روعة تكوينك، سحر جمالك...الإنسان، يا سيدتي، من لحم ودم..!
إلمير: إن امرأة أخرى قد يكون ردّ فعلها مختلفاً، لكنني سوف أُظهر رصانتي ولن أتحدث إلى زوجي عما جرى، لكنني أريد، بالمقابل، شيئاً منك، هو أن تحثه بصراحة على إتمام زواج أبنته من فالير. سيد طرطوف ، يجب أن لا تستغل أية سلطة لكَ، أو تأثير على زوجي، لتعرقل هذا الزواج وتحظى أنت بالفتاة. شيء آخر، هو..!

[يخرج داميس من مخبئه]
داميس: لا. لا يا سيدتي، هذا الحديث يجب أن يُذاع، يجب أن يسمعه الجميع. كنتُ هنا وسمعت كل شيء. يبدو أن لطف السماء قادني إلى هذا المكان، ليكشف حقيقة رجل خائن، أساء إليّ كثيراً بنفاقه ووقاحته، وليزيل ضلال أبي، ليكشف له، في وضح النهار، أي فاجر كان يحدثُكُ عن الحبّ، ويريد إغراءَكَ. (إلى طرطوف) هذا المساء أرميك، مع حقائبك وخادمك في الشارع، أُخلِّصُ البيت من استبدادك، أيها العاهر. (ينادي) ماريان، دورين، ابشروا، ابشروا، لقد انتهى الظلم، منذ اليوم ستعيشون حياةً طبيعية، سينعم الدار بالهدوء ..وبالسلام.
إلمير: كلا يا داميس، يكفي أن يصبح أكثر تعقلاً، كما وعدني، وأن يغيّر أخلاقه ليستحق العفو الذي تعهدتُ به. ليس من طبعي إثارة الفضائح، لأن المرأة الشريفة ترفض السخافات، ولا تزعج بها زوجها.
داميس: إنها لسخرية حقاً أن تنقذيه من العقاب الذي يستحقه. لقد أشاع الفوضى في بيتنا منذ وصوله، أفرط في الخداع للتأثير على والدي، وأفسد علينا حياتنا، يجب أن أصحح رأي والدي بهذا الخائن.
إلمير: داميس..!
داميس: أرجوكِ، يجب أن أحقق ما برأسي، روحي الآن في ذروة سرورها، أريد إنهاء القضية مهما كلفني الأمر، وهذا هو ما يريحني. (إلى طرطوف) حسناً أيها الذئب، الآن وقعت في الفخ الذي كنت تدفع إليه ضحاياك! أيها القديس المزيف، أيها التقي الكذاب، أليس لديك ما تقوله..

[يدخل أورغون]
أبي، سوف ننغص عليك قدومك بحادث جديد، يفاجِئُك.
أورغون : (يعانق طرطوف) كيف حالك يا أخي..
داميس: هذا السيد يخدعك يا أبي، جازاك على حبّك وعطفك بخيانة، قصد بها تلويث شرفك، ابتعد عن هذا الدجال يا أبي. منذ لحظة فقط فاجأته يبوح لزوجتِك بحبّهِ، يحاول إغراءَها لتستسلم لرغباته الآثمة.
أورغون : ماذا تقول؟. (يغضب فيشير له طرطوف أن يتسامح)
داميس: إن زوجتك يا أبي امرأة رصينة، متسامحة، لذلك قررتْ أن تكتم عنك ما فعل هذا الخائن قبل قليل، أما أنا، الذي كنتُ أستمع من مخبأي هناك، فلن أتسامح مع وقاحته الداعرة، لأنني إذا كتمتُ عنك الخبر، أكون قد أسأت إليك، والى شرفك.

[أورغون ينظر إلى زوجته]
إلمير: نعم. يكفينا، يا سادتي، أن نصون أنفسنا، هذا هو رأيي، ولو كان لي عندك كلمة مسموعة يا داميس، لما تفوهتَ بشيء.
[تخرج]
أورغون: أيتها السماء، أيُصدَق هذا الذي أسمعه؟
طرطوف: نعم يا أخي، أنا شرير، مجرم، مذنب، بائس مليء بالخطايا والآثام، بل أكبر فاجر وجد علي الإطلاق. كل لحظة من حياتي مثقلة بالفجور، ووجودي ليس إلاّ ركام من الذنوب والخطايا، وأرى ألله يريد أن يعاقبني، في هذه اللحظة، على تقصيري في واجباتي، على شحة ما تقدمه يدي من عون إلى البشر، ويخزيني، خصوصاً، لعدم حناني على ضعف الإنسان. لذلك..أطردني من بيتك كما يُطرَد المجرم، لأنني أستحق العار أمامك... يا أعز الأصدقاء، وأمام الله الذي وضع فيّ ثقته.
أورغون : (مضطرباً، ثم يحظن طرطوف بحنان ويخاطب ابنه) أيها الخائن، أتتجاسر وتتهم هذه الفضيلة؟ هذه العفة المتواضعة؟
داميس:عجباً! أتصدق هذه الوداعة المصطنعة، إنه مرائي، كذاب..
أورغون : اخرس، أيها الطاعون الملعون.
طرطوف: لا يا أخي، دعه يتكلم، لا تلمه، بل أولى أن تصدقه، لأن الله يرسل لي التأنيب على لسان هذا الشاب الطيب، الله يريد تنبيهي إلى تقاعسي في واجباتي من خلال هذه الروح البريئة. نعم يا أخي، لا تصدق مظهري، لا تنخدع بالقشور، أنا أقل مما يظنني الناس، أقل مما يطلبونه مني، ويا للخزي...أقل مما كلفني الله به. (يخاطب داميس) نعم يا ولدي العزيز، تكلم، أخرج كل ما في قلبك، صفني بالخداع، بالرذيلة، قل إني لص، ضال، قاتل، أثقلْني بصفات أكثر بشاعة، لن أعارضك في شيء، أريد أن أحتمل عاري وأنا راكع. (يركع في خشوع)
أورغون: أيها الابن التعيس، كيف تجرؤ على إهانة الطهر والعفة؟ (إلى طرطوف) وأنت يا أخي، لا تبالغ في توجيه اللوم إلى نفسك، لا تنسب إليها ما لم تفعل (ثم إلى داميس) ألا يخشع قلبك أيها الخائن!
داميس: شيء غريب، هل تسحرك كلماته إلى درجة تغفل عن أفعاله؟
أورغون: اخرس، أيها الوغد. (إلى طرطوف) انهض يا أخي، أرجوك، (إلى ابنه) أيها النذل..!
داميس: هذا الرجل منافق، أنظر إليه، إنه يمثل، قبل لحظات حاول إغراء زوجتِك..
أورغون: اخرس، إن تلفظت بكلمة أخرى. ..حطمتُ ذراعك.
طرطوف: لا تغضب يا أخي، أفضلُ أن أُقاسي أشد العذاب، على أن يصيبه أي أذى صغير بسببي.
أورغون : يا لك من عاق..هل سمعت ما قال!
طرطوف: دعه في سلام، إذا تطلب الأمر سوف أجثو على قدمي لألتمس منك العفو عنه.
أورغون : أيها الخبيث، ألا ترى طيبة قلبه!
داميس: إذن...
أورغون : أُسكتْ، أعرف السبب الذي يحملك على مهاجمته، كلكم تكرهونه، وأرى اليوم امرأتي وولدي وخدمي جميعهم ناقمين عليه. إنكم لا تتوانون عن استعمال أحطَّ التهم للنيل منه، لتبعدوا رجلاً مؤمناً، طاهراً، عن بيتي، سوف أقطع عليكم الطريق، أنهي مؤامراتكم، بأن أمنحه ابنتي، لتكون زوجته، فأخزي كبرياء الجميع. داميس: لا، لن تفعل..
أورغون: نعم أيها العاق، وفي هذا المساء بالذات، نكاية بكم. يجب أن أتحداكم لكي تعرفوا كيف تطيعوني، هنا أنا السيد الآمر. الآن ... إسحب كلامك أيها النذل، وأُسجد على قدميك طلباً للمغفرة.
داميس : أنا؟ أمام هذا الماكر؟...لا.
أورغون : أتمانع أيها الصعلوك؟ و...توجه إليه الشتائم أمامي؟ (ينادي) آتوني بالعصا..
طرطوف: (يمنع أورغون بدون حماس يُذكر) لا يا أخي..
أورغون: لا تمنعني، (ثم إلى داميس) أخرج من بيتي حالاً.
داميس : أخرجُ، ولن أعود إليه، لكن أُقسمُ بالله...
أورغون: اخرج، وفوق ذلك سوف أُحرمُكَ من الإرث، وأصب عليك لعنتي.

[يخرج داميس]
طرطوف: يا إلهي، أغفر له ما سبب لي من أذى عظيم (إلى أورغون) أنت وحدك تعرف ما يعتريني من حزن، عندما أراهم يحاولون تلويث صفحتي لدى أخي..
أورغون : لن يستطيعوا بعد الآن .
طرطوف: مجرد التفكير في جحودهم يؤلم نفسي أشد الألم.
أورغون: قلبي ينقبض وأعجز عن الكلام، بسبب الكراهية التي بدأت أحملها تجاه ابني (يتجه نحو الباب ويصيح خلفه داميس) أيها الوغد، أنا نادم لأنك ذهبت من دون أن تتلقى ضربة عصا على ظهرك..
طرطوف: لنسامح الجميع على هذا النزاع المكدِّر، لكن من الأفضل لي ترك البيت. أورغون : كيف، أتمزح؟
طرطوف:وجودي هنا يا أخي، يثير البلبلة والاضطراب.
أورغون: لا تهتم بعد الآن .
طرطوف:أنا مكروه فيه، ويبدو لي أنهم يحاولون إثارة شكوكك في صدق إخلاصي.
أورغون: ألا ترى قلبي كيف يصدّهم، ويرفض ما يقولونه عنك؟
طرطوف: مع ذلك، أخشى أنهم سيتابعون جهودهم ووشاياتهم. من يدري.. هذه الوشايات التي ترفضها الآن، قد تظهر مرة أخرى وتصغي إليها.
أورغون : لا، لا يا أخي.
طرطوف: المرأة يا أخي، تستطيع أن تخدع زوجها بسهولة.
أورغون : ضع ثقتك بي.
طرطوف: أرجوك، دعني أنهي، بابتعادي عن هذا المكان، كل سبب للحملة عليّ ومهاجمتي.
أورغون: بل ستبقى، لأن الأمر يتعلق بحياتي أو موتي.
طرطوف: في هذه الحالة، يجب أن أضغط على نفسي، أن أقهرها، حتى تبقى.
أورغون : آه..ما أطيب قلبك!
طرطوف: ليكن ما تريد. لكن يجب أن أبتعد عن زوجتك، لأن الشرف الرفيع سريع التأثر، أحياناً لا يستطيع التمييز بين من يريد صيانته، ومن يريد الإيقاع به، أنت تعرف.
أورغون: أفهمك، مع ذلك أطلب منك، بقوة، أن تعاشرها رغم أنف الجميع، أن تظل قريباً عن زوجتي باستمرار، لأن إغاظة هؤلاء تفرحني، أحبُّ أن أراك معها في كل مكان.
طرطوف: إذا كنتَ تأمرني بهذا...
أورغون:أكثر من ذلك، لا أريد أن يكون لي وريثٌ سواك.
طرطوف: يا...أخـي!
أورغون : منذ هذه اللحظة سأتنازل لك، ووفق الأصول القانونية، عن كل ما أملك.
طرطوف: أخي وعزيزي ...هذا...
أورغون: إن صديقاً وفياً مثلك، يكون صهري وأضع ثروتي بين يديه، هو أعزّ ما أتمناه.
طرطوف: لتكن إرادة الله في كل شيء.

 

 

القسم الثاني

 

المنظر الأول:
[يدخل طرطوف من جهة - تدخل دورين من الجهة الأخرى]
طرطوف: آه...هذه أنتِ!
دورين : أوووه...هذا أنتَ!
طرطوف: ماذا تريدين؟
دورين: لا شيء. لكن، هل علمت بالضجة التي أثارتها فضائحك؟
طرطوف: عمَّ تتحدثين؟
دورين: لا شكّ إنك تعلم، ما دمتَ تتظاهر بأنك لا تعلم. لنفرض أن السيد داميس لم يحسن التصرف، واتهمك بمغازلة زوجة أبيه، أليس من شيمة المسيحي أن يغفر الخطأ، ويكون أكبر من شهوة الانتقام؟
طرطوف: أنا..؟
دورين: كيف ترضى أن يُطرد الابن من بيت أبيه بسبب شجار معك؟
طرطوف: من قال ؟ لو تعرفون كم أسفت لما حدث!
دورين: أسفتَ، وكفى؟ تستطيع، لو كنتَ صادقاً في كلامك، أن تهدئ الأمور، وتمنع الوالد من معاقبة ابنه بهذه القسوة، أليس كذلك؟ تستطيع، لو ضحيت في سبيل الله بغضبك وانتقامك، أن تصلح بين الأب وابنه، أليس كذلك؟
طرطوف: يا ابنتي، أنا أتمنى الصلح من كل قلبي، إني أسامح الشاب في كل ما فعل، ولا ألومه على شيء، أنت لا تعرفين كم أتمنى مساعدته.
دورين: إذن..؟
طرطوف: إذن، بعد عمله المُنكر الذي ليس له مثيل، السماء لم تعد ترضى بمساعدته، لذا عليّ أن أترك البيت حالما يعود هو إليه، لأن وجودي ووجوده في نفس البيت يسبب فضيحة.
دورين : لن تكون أكبر من فضيحة طرده بسببك!
طرطوف: أنت لا تفهمين حقائق الأمور يا ابنتي. ماذا يظنّ الناس إذا عاد وبقيت أنا أيضاً؟، سوف يفسرون عودته بأنها دهاءٌ مني، سيقولون إنني أحسّست بجريمتي، فرحتُ أصطنع الحبّ وأتظاهر بالرضى عمّن يتهمني، وإن قلبي يخاف منه، ويريد محاباته أملاً في سكوته.
دورين: يا إله السموات! أنت تنتحل أعذاراً مزوقة، وتتنطح في حججك. سيد طرطوف، قل لي، لماذا تحمل على كتفيك مصلحة السماء؟ أتعتقد أن الله بحاجة إليك لتدير شؤونه على الأرض؟ هه...؟
طرطوف: (محذراً) لا تتجاوزي الحدود..!
دورين: كيف اختارك الله أنت من دون الآخرين، وهو يعرف كم وجبة تتناول في اليوم، وكم زيارة تقوم بها للتواليت؟ (يهم بالخروج فتقف بوجه). عليك أن تعلمني قبل ذهابك، سيد طرطوف، هل الانتقام واحد من وصايا الله؟
طرطوف: قلتُ لكِ إن قلبي يصفح عنه، وهذا هو العمل بوصايا السماء، لكن السماء لا توصي بأن أعيش معه، بعد الفضيحة التي سببها لي.
دورين: وهل السماء هي التي أمرتك، أيضاً، بالاستماع إلى حماقة أبيه وقبول العقارات والأموال التي كتبها باسمك؟
طرطوف: الذين يعرفونني، لن يفكروا أبداً أن قبولي الإرث وراءه نفس طامعة، إن كل ما في هذه الدنيا من أموال لا يغريني، قبلتُ هذه الأموال حتى لا تقع في أيادٍ شريرة، أو يستغلها أُناس ينفقونها في الإثم، وليس لمجد الله..كما أفعل أنا.
دورين: الأولى بكَ، إذا كنتَ صادقاً، أن لا تقبل أموال هؤلاء الناس، أو ترضى أن يُطرد من البيت الوارث الوحيد!
طرطوف: الساعة الثالثة والنصف يا ابنتي، إن واجباً دينياً يستدعيني إلى الطابق العلوي. (يخرج)

المنظر الثاني:
[أورغون ــ إلمير]
إلمير: بعد الذي سمعتُه، ورأيتُه، لا أعرف ماذا أقول. إن تصرفاتك تثير حيرتي ودهشتي. لقد كذّبتَ ما كشفه لك ابنك عن سلوك طرطوف معي، وكذَّبتَ تأكيدي أيضاً، هذا يعني أنك متأثر به تأثراً كبيراً، وأنه يديرك كيف يشاء.
أورغون: لو حكمتُ على ضوء المظاهر، فأنتِ تجارين ابني الخبيث. خفتِ أن تنكري المقلب الذي دبره لهذا الرجل المسكين، والدليل إنكِ كنتِ هادئة، لو كان الأمر صحيحاً، لظهر الاضطراب عليك يا زوجتي.
إلمير: إذن، لكي تصدق، تريدنا أن نثور ونغضب، نهدد ونشتم لأن شخصاً غريباً اعترف لنا بحبٍّ سخيف؟. لا، لم أكن أريد إثارة الضجة حول موضوع لا يعني لي أي شيء، هذا هو سبب هدوئي.
أورغون: مهما يكن، أنا أدرى بمؤامرات ابني، ولا سبيل إلى تضليلي.
إلمير: هذا ضعف غريب منك!

[يدخل طرطوف ]

طرطوف: جئت أسلّمُ عليك يا أخي (يحيي إلمير بحركة متعالية من رأسه) قبل الذهاب إلى جمعيات الخيير لتوزيع بعض الهبات على المساكين.
أورغون: (إلى زوجته) هل رأيتِ! (ثم إلى طرطوف ) ليدعم الله خطاك يا أخي، أيها التقي العطوف.

[تدخل ماريان خلفها دورين]

ماريان: (تركع) أبي العزيز، أسألك بالله الذي يعلم ألمي، لا تجبرني على خطوة يكرهها قلبي. أُناشد حنانك الأبوي، أن لا تفرض عليّ باسم الشرائع، أو باسم حقوقك كأب، حياةً لا أستطيع تحملها.
أورغون: ما الأمر! (يلقي على دورين نظرة خاصة) يا ابنتي العزيزة، يجب أن تكوني سعيدة بالزواج من هذا الرجل الطاهر..
ماريان: لا يا أبي، أغفر لي جرأتي في الكلام، إنني تعيسة، منكودة...
أورغون: (لنفسه) آه، كن حازماً أيها القلب، إياك والضعف. انهضي يا ابنتي، كلما نفر قلبك منه، زادَكِ جدارة به، انهضي ولا تقلقي رأسك بهذه المخاوف، أياماً قليلةً وتكتشفين السعادة في الحياة معه.
دورين: عجباً، لكن..
أورغون: اسكتي أنتِ.
دورين: إنها تقول لكَ... وهي راكعة...
أورغون: (بحزم) إنني أمنعك من الكلام.
طرطوف: يا أخي العزيز، يجب أن لا تفرض على هذه الفتاة العفيفة شيئاً ... إلاّ إذا كانت إرادة الله وراءه.
أورغون: هل سمعتِ، انهضي واكبحي هذه العواطف الفائرة.
ماريان: أعفني يا والدي من هذا الواجب، لأنني لا أريد.
طرطوف: فعلاً يا أخي، عليك أن تتركها تقرر بنفسها...ما تجده يتوافق مع شرائع الدين.
أورغون: أنا أبوك، وأنا أريد لك هذا الزواج، ماذا يجري في هذه الدنيا!
دورين : عن أي دنيا تتكلم يا سيدي!
ماريان: (تبكي) لا أستطيع يا أبي، أرجوك أن تقبل توسلاتي، وأنتَ أيضاً يا سيد طرطوف، قلْ شيئاً عادلاً من جانبك.
طرطوف: كم أنظر بحنان عظيم إلى توسلاتك، لكن مخالفة الوالدين بمثابة مخالفة لله، كلاهما يثير غضب السماء.
أورغون : هل رأيتِ؟ انهضي...
ماريان: (تنهض ببطء) إذا كنت مصرّاً يا والدي، اسمح لي إذن بالذهاب إلى الدير، سوف أقضي حياتي فيه كراهبة، هذه هي رغبتي.
أورغون: (يضحك) آه، هذه ابنتي المحبوبة تفكر بالزهد، إني فخور بك، ومع هذا الرجل ستعيشين في الزهد الحقيقي، ستكونان مثل الملائكة.
دورين: يا إلهي، أعطني المزيد من الصبر...
أورغون: (إلى دورين) قلتُ...ولا كلمة!
ماريان: أنت تسدّ عليّ كل أبواب الخلاص يا أبي، هذا ليس عدلاً. آسفة إذ أقول لكم، إنني سأترك البيت.
أورغون: ماذا ؟ (في غضب شديد) ماذا تقولين أيتها الفتاة؟ لن يحدث هذا في بيتي. ماريان: إني تاركةٌ البيت (تهم بالخروج) قبل ذلك، سوف أتخلص من هذه الأغطية التي فرضتموها عليّ. (تبدأ بخلع ملابس الحشمة بين دهشة الجميع) سأتركها لكم، لأنني خارجة إلى الحياة. (ترمي الملابس على الأرض وتظهر بتنورة قصيرة).

[تتوزع مشاعر الموجودين بين الاضطراب والغضب والارتياح]

طرطوف: ربي...أغفر لهم (يغطي وجهه بأصابع مفتوحة ليختلس النظر إلى سيقان ماريان وصدرها)
دورين: (تخلع بعض ملابسها هي أيضاً) ما أروع ما فعلتِ يا حبيبتي، هلكنا من الحرّ مع هذه الملابس، بينما تسريحة السيد طرطوف، وأفخاذه، مكشوفة للأنظار ! أورغون: (يصرخ ويتنقل بين الموجودين في ارتباك عظيم) ماذا تفعلين؟ يا للفوضى، يا للعار...(إلى طرطوف) اطلب من السماء أن تفعل شيئاً على الفور.
طرطوف: أنا..يا..أخي..؟ (يسقط على الأرض مغمى عليه)
أورغون: الرجل الطاهر أُغمي عليه، لم يحتمل المنظر، انظروا ما فعلتم! (يذهب ويقف أمام ماريان) أنتَ تخرجين عن الطاعة، تعصين أوامر الله، أنا والدك.
ماريان: (تبتعد عنه) صحيح، لكن ما تفعله معي ليس عدلاً.

[ طرطوف يمدّ رأسه قليلاً ليختلس النظر من تحت تنورة ماريان التي أصبحت قريبة منه]

أورغون : آمرك أن ترتدي ملابسك حالاً.
ماريان: أنا في ملابسي، تلك ملابس طرطوف . (تخرج)
[طرطوف يهرب متسلّلاً]
دورين: (تتبع ماريان لكنها تعود مسرعة وترفع الغطاء عن رأس إلمير) أُقسم بالله يا سيدتي، إذا منعتِ النور والهواء عن شعرك، سوف يتساقط كله بعد خمس سنوات. (تخرج)
أورغون: انظروا ماذا فعل العصيان ببيتي! (يلتفت فلا يجد طرطوف) السيد طرطوف ، ماذا حدث للرجل التقي؟
إلمير: رجلك التقي وراء كل هذه الفوضى، وأنت لا تفكر إلاّ فيه! هل أصابك بالعمى؟ إنه منافق يا سيدي، فاجر، وسأثبتُ لك هذا.(تنادي) دورين..
أورغون: ماذا تنوين؟
إلمير: أجعلك ترى بعينك، وتسمع بأذنك كيف يفكر طرطوف بزوجتك!
أورغون : كلام فارغ.

[تدخل دورين]

إلمير: اطلبي من طرطوف أن ينزل، قولي له إنني أريد محادثته على انفرد.
دورين : حالاً. (تخرج)
إلمير: أنت يا زوجي، تماديت في الضعف والضلال، بالغتَ في اتهام لساني بالمكر والخداع، الآن سوف أريك عملياً ما يُقال لك.
أورغون : مستحيل.
إلمير: إذن إختبيء هنا، تحت هذه الطاولة.
أورغون : لِمَ تحت الطاولة؟
إلمير: دعني أتصرف، في رأسي خطة احكم عليها فيما بعد، اختبئ من فضلك، وأحذر أن يراك أو أن يسمعك. (تدفعه دفعاً ليجلس تحت الطاولة) لا تخرج إلاّ عندما أطلب منك.
أورغون : (من مخبئه) هذا مشين.!
إلمير: أنت وحدك المسؤول عنه، لأنك لا تصدق إلاّ ما في رأسك من أوهام، وحشو. أصغِِ إليّ، سوف أستمر في خطتي إلى أن تقتنع، وعليك أن تظهر وتوقف نزوته الرعناء حالما أسعل لك، أو تراه من مخبئك قد تجاوز الحدّ، لأنني بصراحة أخشى من تهور هذا الرجل.

[يدخل طرطوف]

طرطوف: أبلغوني أنك تريدين التحدث معي في هذا المكان.
إلمير: نعم، لكن لماذا تدير وجهك؟
طرطوف: الله، يا سيدتي، يحرّم علي المؤمن رؤية سفور المرأة. بعد أن انصعتِ إلى كلام الفتيات الصغيرات...وعدتِ ترتدين ملابسك القديمة، أصبح من واجبي أن أتحاشى النظر إلى كل النساء في هذا البيت.
إلمير: اسمع، لدي أسرار أريد أن أكشفها لك، لك وحدك من دون كل الرجال. (ينظر إليها بطرف عينه) لكن.. أغلق الباب، وأنظر في كل مكان، حتى لا يفاجئنا أحد، كما حدث في المرة السابقة. إن تصرف داميس جعلني أخاف عليك كثيراً، وأظنك لاحظت كيف تصرفتُ معك بجفاء، حتى أُفسد عليه خطته، واهدئ ثورته. صحيح إنني ارتبكتُ، فلم تخطر لي فكرة تكذيبه، إلاّ أن سلوكي العفوي نجح، وجاءت النتائج آمنةً. إن الاحترام الذي يكنّونه لك هو الذي بدد العاصفة، ومنذ الآن لا يمكن لزوجي أن يشكّ بك، إضافة إلى ذلك، يريد أن نكون معاً في كل وقت، لذلك أستطيع الاختلاء بك هنا، دون أن أخشى اللوم من أحد، كما أسمح لنفسي أن أفتح لك قلباً، لعلّه تسرّع قليلاً في تقبل حبّك.
طرطوف: هذا القول صعب على الفهم يا سيدتي، فمنذ ساعات كنتِ تتحدثين بلهجة أخرى.
إلمير:(تضحك) إذا كنت مغتاظاً من رفضي الأول، فما أجهلك بقلب المرأة! إن خفرنا يجعلنا نرفض دائماً العواطف الرقيقة، حين تُقال لنا للمرة الأولى، اضافة إلى ذلك ...نحن نجد بعض الخجل في الاعتراف بحبّنا، ترانا نأبى ونتمنع في الظاهر، لكننا نُشعر، في الداخل، إن قلبنا يستجيبُ. لا شكّ أنني أُدلي إليك باعتراف جريء، من غير أن أرعى مقتضيات العفة، لكن...بما أن الكلمة أفلتت مني أخيراً، فأرجو أن تخبرني: هل كنتُ أُصغي بكل رفق إلى حديثك لو لم أكن أهواك؟، هل كنتُ أتلقى الأمر بمثل الهدوء الذي رأيتَ، إذا لم يكن في اعترافك ما يسرني؟ ثم، لماذا تراني أرفض زواجك من ماريان؟، ألا يعني لك هذا إنني أرفض أن تشاركني امرأة أخرى قلباً...أريده لي وحدي!
[يذهب ويلقي نظرة خارج الباب ثم يغلقه]
طرطوف: إن سماع هذه الكلمات يا سيدتي من فم حبيب، هو لذّة عظيمة. إنني أشعر بكلماتك تجري في حواسي، مثل جرعات كبيرة من العذوبة لم يتذوقها إنسان قط. إن السعادة المنبثقة من رضاك هي كل ما أُنشد، وقلبي هذا يلتمس فرحته العظيمة في تلبية رغباتك. لكن، أرجو أن تزيلي بعض الشكوك المتبقية في نفسي، حتى لا أرفض، نهائياً، الزواج الذي يريده لي أورغون، وإذا وجب عليّ أن أُعبر بصراحة عما في نفسي، فأنا لن ألجأ إلى كلمات الحبّ والغزل، إلاّ إذا أكدتِ لي عملياً ما تشعرين نحوي من عاطفة ومودة.
إلمير: كيف؟
طرطوف: تعرفين أنني أحنّ وأشتاق حتى الموت إلى مفاتنك، إن رغبتي فيكِ يا سيدتي لا تُقاوم...
إلمير: تريد أن تمضي بهذه السرعة؟، إنني أخشى أن تنزع بهذه الطريقة المتعجلة الغرام من قلبي!
طرطوف: بالعكس، الغرام يترسخ أكثر بالأفعال الحسّية بين الرجل والمرأة.
إلمير: (تسعل لتنبه زوجها) ألا ترى أنني أرهق نفسي حين أقدم لك اعترافاًً عذباً، ألا يكفيك هذا أيضاً؟
طرطوف: سيدتي، إن شوقي لا تُطفئه الكلمات وحدها.
إلمير: اهدأ قليلاً، ألا يمكن أن نحظى برضاك، إلاّ إذا أعطيناك أقصى ما نملك؟
طرطوف: من الصعب أن تطمئن أمانينا، يا حلوتي، إلى مجرد الأقوال. إن الشكوك تمتلكنا بسهولة في حظوظنا السعيدة، فلا نثق بها إلاّ بعد أن نستمتع بها. دعيني ألمس ، ولو من بعيد، هذا الصدر الجميل.
إلمير: (تسعل أكثر) يا إلهيّ
طرطوف: ماذا ؟
إلمير: أرجوك، أفسح لي مجالاً للتنفس، إذ لا يليق أن تأخذ بقسوة بالغة ما تطلبه من الآخرين، أو تسيء إلى الضعف الذي تجده في نفوس الناس تجاهك!

[يبدأ السيد أرغون يستمتع بالحديث وما يتخيّله من مداعبات يقوم بها طرطوف لزوجته]

طرطوف: إذا كنتِ تنظرين إلى طاعتي وخضوعي بعين مسامحة، فلِمَ تأبين أن تبرهني لي على ما تقولين؟
إلمير: لكن..كيف أوافق على كل ما تريد من دون أن ألقى غضب السماء، التي كثيراً ما حدثتنا عنها؟
طرطوف: إذا كانت السماء هي التي تمنعك من تحقيق رغباتي، فأنا أستطيع إزاحتها بكل سهولة من طريقنا.
إلمير: لكنكم أدخلتم الرعب في قلوبنا عن أحكام السماء، وتعاليم السماء، وعقاب السماء!
طرطوف: بإمكاني تبديد هذه المخاوف السخيفة عنك. إن السماء تحرِّم علينا بعض المسرات، لكننا دائماً نجد ما يوفق بين رغباتنا وتعاليم السماء، هذا علم لا يعرفه إلاّ الأتقياء. اكشفي لي بعضاً من ذراعك المثير يا حلوتي. يمكنني أن أطلعك على بعض أسرار السماء عندما تسلمين إلي نفسك، لا تفزعي، أنا أضمن لك كل شيء، تخلصي، أرجوك، من هذه الثياب الثقيلة، فمن الظلم أن تحتجب مفاتن جسدك وراءها.
إلمير: (تسعل بقوة، بينما زوجها يدخل حالة كاملة من الاستمتاع) أرجوك..
طرطوف: أنت تسعلين بشدة يا سيدتي!
إلمير: إنني أتعذب..
طرطوف: ذلك إنك تمنعين حواسك من التصرف بكامل حريتها. سوف ترتاحين، وتهدأ شهواتك، حالما يصبح صدرك المثير بين ذراعيَّ، اخلعيها كلها، من فضلك...
إلمير: لا. (تسعل، ثم ترفس زوجها بقدمها ليخرج)

[أورغون يمسك كاحل زوجته، يروح يتلمّسه بشهوة وتتغلب عليه لذة إستمنائية عميقة]

طرطوف: أنا واثق أنني سأرى، إلى الأسفل، أسراركِ الفاتنة، وأجمل تكوينات المرأة الناضجة فيك. لا تخافي بعد الآن، ثقي بأن ما يجري سيُحاط بالكتمان التام، فقط لا تثيري الضوضاء حتى لا ينتبه أحد لنا، لأن ما يجري في السرِّ، ليس معصية.
إلمير: (تسحب قدمها بقوة، تخلصها من يد زوجها وتبتعد) يبدو لي أن لا مفر من القبول، لا بد من تلبية كل ما تريد، سوف أُشبِع كل رغباتك، ولو كارهة، وإذا كان قبولي خطيئة، فالويل لمن دفعني إليها، ومهما يكن، لا يجوز اعتباري مذنبة.
طرطوف: لا تهتمي، أنا أتحمل كل الذنوب.
إلمير: افتح الباب قليلاً، وتأكد من أن زوجي ليس في الرواق.
طرطوف: ما حاجتك إلى كل هذا التحفظ، بيني وبينك... زوجك رجل نقوده من لحيته كما نشاء، لقد أوصلته إلى درجة يرى فيها كل شيء، من دون أن يصدق أي شيء.
إلمير: مع ذلك، أخرج لحظة، أرجوك، وأنظر بدقة في بقية البيت، لا أريد فضيحة.
طرطوف: (وهو يخرج) كما تحبّين.
إلمير: (إلى زوجها) ألا تخرج الآن ؟ بحّ صوتي من السعال، لِمَ لا تتحرك!
أورغون : (يخرج مرتبكاً) في الحقيقة..لا يمكنني أن أصدق.
إلمير: ماذا تريد أكثر حتى تصدق، أن أتعرى بين أحظانه؟
أورغون:(في غموض) ماذا ؟ أوووه، لا، أعني نعم، لا، أردتُ القول لا تفعلي. ماذا حدث لي..إنني مضطرب!

[تُسمع خطوات طرطوف]

إلمير: إنك تدهشني. تعال اختبيء ورائي، لقد عاد، وسوف ترى المزيد.

[ يدخل طرطوف ]

طرطوف: كل شيء يا سيدتي يشارك في إسعادي. لقد تأكدت إن الجميع في غرفهم، إنني في غاية السعادة. (يفتح لها ذراعيه) تعالي، بسرعة، إلى أحضاني...(يشاهد أورغون) آه..مَنْ؟
أورغون: مهلاً، لقد بالغت في الانقياد لهواك، وما كان عليك أن تطلق العنان لغرامك. كنتَ تخدعني إذن..أيها الرجل التقي، تريد أن تتزوج ابنتي، وفي نفس الوقت تطمع في امرأتي؟
إلمير: (رداً على نظرة طرطوف) نعم، قمتُ بهذا خلافاً لطبيعتي، لأنني مضطرة إلى تأكيد كلامي عنك.
طرطوف: عجباً، أتصدقها...يا أخي!
أورغون: هيا، من دون ضجة، أرجوك أخرجْ من بيتي.
طرطوف: أعني...
أورغون: لا مجال للمزيد من الكلام. عليك أن تترك البيت حالاً.
طرطوف: أنا؟ لا، لن أغادر البيت، عليك أنت أن تغادره. البيت بيتي، وسأثبت ذلك، سترى أنه من العبث أن تلجأ إلى هذه الحيل الدنيئة لتفتعل مخاصمتي. لدي ما أخزي به الخداع وأقتص منه، عندي ما أنتقم به للسماء التي تُغضبها بألاعيبك هذه. البيت بيتي، وعليك أن تخرج منه عندما أطلب منك ذلك.(يخرج)
إلمير: ماذا يعني بهذا الكلام؟ بيته!
أورغون: الحقيقة، أنا في حيرة واضطراب.
إلمير: لماذا ؟
أورغون: ارتكبتُ خطأ جسيماً يا إلمير، تنازلت له عن أموالي وأملاكي.
إلمير: ماذا ...، هل يمكن لإنسان عاقل أن يفعل هذا؟
أورغون: لم أكن عاقلاً، أعترف لك، كنت أحمق، كنت أعتقد إن وضع أملاكي وأموالي بين يديه، سيجلب ليَّ فوائد كبيرة.
إلمير: أية فوائد كنتَ تنتظر من دجال؟
أورغون: لم أسأل حتى، لم أفهم بوضوح، كان يحدثني عن فوائد من كل الأنواع، فوائد في الدنيا، ومثلها في الآخرة. اسمعي، هناك شيء يقلقني أكثر من الأموال.
إلمير: يا إلهي، ماذا أيضاً؟
أورغون: في لحظة وجدانية غبية، أودعت لديه وثائق مهمة، إذا استعملها ضدي أفقد رأسي، بعد أن فقدت أموالي.
إلمير: لم أكن أعلم، هذا المحتال كان أقرب إليك مني!
أورغون: ليس الآن وقت الغضب، إن محنتي كبيرة.
إلمير: ماذا وراء هذه الوثائق؟
أورغون: آه، أي بليد كنتُ! الوثائق تتعلق بشخص كانت الدولة تتهمة بالعمل ضدها، آويته في أحد بيوتي فترة من الزمن، قبل أن يهرب إلى الخارج.
إلمير: كل هذه الحقائق كشفتها لطرطوف؟
أورغون: وسلمته الوثائق أيضاً، لأنني اعتقدتها ستكون في أمان معه. الشخص المطلوب مات في الخارج قبل أن يثبت براءته.
إلمير: لم تُبقِ شيئاً من أسرارك خارج يد طرطوف !
أورغون: ليس هذا وقتاً للّوم، الحادث جرى قبل زمن طويل، علينا أن نعثر على الوثائق، قبل أن يتذكر طرطوف أمرها.

المنظر الثالث:

[يدخل أورغون]

أورغون: (ينادي) طرطوف، أين أنت؟ يبدو أنه خرج. آه، إذا أخذ الوثائق معه رحتُ في داهية. (يفتش عن الوثائق ثم يتهالك على كرسي). كانت حماقة مني، استهتاراً، غباءً لا شبيه له، والجميع يريدون أن أقول هذا، أكرره أمامهم عشرات ومئات المرات، لكي يستمتعوا باعترافي، لكنهم لا يهتمون بالألم الذي يأكلني، ولا الندم الذي يعضّ قلبي بلا رحمة، أو الخوف الذي يرعد الآن في الداخل. خسرت أموالي، وابني، ابنتي، وزوجتي لم تعد تثق بي، قد تهجرني هي أيضاً، أو تعاملني كإنسان أبله إذا بقيتْ معي. لكنهم على حق، لو كنتُ ذكياً، لو كنتُ أملك القليل من الوعي، لما تعرضت للخداع. يا إلهي، كيف أعرف إن رجلاً يتكلم طوال النهار عن الأيمان والتقوى، يحمل قلباً وسخاً، جشعاً، فاجراً؟؟ لا. كان يجب أن أفهم، كان عليّ أن أنظر إليه نظرتي إلى أي إنسان آخر، أي إنسان آخر يشتهي ويطمع ويكذب. الخطأ كان فيّ أنا، إنه أنا من يقع بسرعة في الخداع، الضعف كان فيّ أنا، وإلا كيف أُصدق كل ما يقوله شخص غريب، فقط لأنه يرتدي ثياب الدين؟

المنظر الرابع:

[تدخل دورين]

دورين: تُرى، أين ذهب سيدي المسكين! بحثت عنه في جميع الغرف.

[تدخل برنيل]

برنيل : آه. من أنت، إلمير؟
دورين: لا، أنا دورين.
برنيل: دورين! ظننتك زوجة ابني. تعالي، سمعت أخباراً مخيفة، وأحداثاً لا تُصدق جرت هنا.
دورين: هذا صحيح.
برنيل: إذن كانوا يخفونها عني!
دورين: خوفاً على سلامتك يا سيدتي، لأن المفاجآت فيها إذا وقعت على الحمار..لقصمتْ ظهره.
برنيل: هاتِ خبريني، ومن دون لف ودوران، رجاءً.
دورين: إذا كنتِ تصرين. لقد كافأ طرطوف البيت، وسيد البيت مكافأة عظيمة.
برنيل: كنتُ أتوقع منه الخير، والعمل الطيب.
دورين: فعلاً. لقد استولى على أملاك ابنك، وطلب منه، ومن عائلته، أن يُخلوا البيت غدا.
برنيل: ماذا تقولين؟
دورين : وطلب من الشرطة أن يفعلوا ذلك، إذا تأخرنا ساعة واحدة.
برنيل: أنت تهذين بلا شكّ.
دورين: ليس هذا فحسب، فقد ترك داميس البيت، ورحلت ماريان لا يعلم إلاّ الله إلى أين، تشردوا من أجل عينيّ السيد طرطوف.
برنيل: لن أصدق كلمة مما تقولين.
دورين: أعرف، لكنك ستصدقين، عندما تحضر الشرطة غداً، وتطلب منك، أنت أيضاً، أن تبحثي عن مكان آخر يؤويك.
برنيل: الرجال الأخيار لا يفعلون أموراً كهذه، أنتم تحسدون السيد طرطوف بسبب طُهرِه، ونقائه.
دورين: ربّما.
برنيل: أنتم تعيشون حياةً غريبة، وتكرهونه لأنه يعمل من أجل خلاص نفوسكم.
دورين: لكن ما علاقة هذا بما أُخبركِ به، وما سمعتِ عنه أنت بنفسك؟
برنيل: لأن الأتقياء دائماً معرضون للظنون الخاطئة.
دورين: سوف أفقد القليل الذي تبقى من عقلي..! [تخرج برنيل]. الأفضل أن أبحث عن الأحياء. (تعثر على أورغون جالساً في زاوية) آه يا سيدي، خلعت قلبي من الخوف. ماذا تفعل في هذا المكان المعتم؟
أورغون: اتركوني لوحدي.
دورين: سيدتي قلقة عليك.
أورغون: من حقها أن تطلب معاقبتي، ليس القلق عليّ. جلبتُ لها الألم والأحزان بسبب غبائي.
دورين: أقول لك الحقيقة يا سيدي، إنها تفكر في صحتك، وسلامتك، رغم كل ما فعلتَهُ.
أورغون: أعرف، أنا الوحيد الذي كان يبحث عن خلاصه الشخصي، و...ليس من الله مباشرة، إنّما من خلال السماسرة.
دورين: يمكنك أن تفعل شيئاً ما ضد هذا النصاب يا سيدي، أليس كذلك؟
أورغون: كيف..؟ دورين : إني أسأل فحسب.
أورغون: آه، اليأس أيضاً عقاب رهيب. كان خطأي، وليس خطأ طرطوف، أنا طرطوف، عنادي، وبلادة تفكيري، وغفلتي هي السبب..نعم أنا طرطوف، طرطوف أنا...
دورين: يا إلهي، سيدي يهذي..! (تنتبه الى طرق بعيد على الباب الخارجي) ما هذا الطرق اللجوج؟ أذهب لأرى.

[يُسمع الحوار التالي من بعيد]

لوبال: نهارك سعيد أيتها الأخت، أرجو أن تأذني لي بمخاطبة سيدك.
دورين: سيدي في اجتماع عائلي، وأشكّ أنه يستطيع رؤية أحد.
لوبال: ليس بودي أن أثقل عليكم، إلاّ أنني جئتُ في أمر مهم.
دورين: ما اسمك؟
لوبال: قولي له إنني هنا من أجل مصلحته، وقد جئت من قبل السيد طرطوف.

[تدخل دورين]

دورين: هذا رجل يقول في لطف، إن السيد طرطوف أوفده في أمر يَسرُكِ.
أورغون: طرطوف ! ربّما جاء ليصلح بيننا. (ينهض) أدخليه.

[تخرج ثم تعود بالسيد لوبال]

لوبال: إني أحمل الاحترام لك يا سيدي، ولأسرتك، أنا هنا أؤدي واجبي، دون تحيّز لهذا الطرف أو ذاك.
أورغون: عفواً، يؤسفني أنني لم أتعرف عليك بعد.
لوبال: اسمي لوبال، وظيفتي مأمور حجز من قبل الدولة، أتيت يا سيدي أُبلغك، بكل احترام، خلاصة حكم صدر ضدك.
أورغون: إذن أنت هنا..
لوبال:لا داعي للغضب يا سيدي، ما هو إلاّ إنذار رسمي، إنه أمر بإخلاء المكان، منك ومن ذويك. (يقدم له الأمر مكتوباً)
أورغون: (يعود إلى حزنه) أنا، أخرج من هنا؟
لوبال: نعم يا سيدي، البيت الآن، كما تعلم، يخص السيد طرطوف بلا جدال، ويريده غداً صباحا فارغاً مما فيه من البشر، بموجب صك أحمل نسخة منه أيضاً في حقيبتي.
أورغون : أية وقاحة!
لوبال: أفهم موقفك يا سيدي، لكن الواجب هو الذي جاء بي إلى هنا. يوجد أمر آخر، إذا سمحت (يمدّ إليه أمراً آخر) يدعوني إلى قضاء الليل هنا، لأتأكد غداً صباحاً من الإخلاء وتسليم مفاتيح البيت إلى مالكه الرسمي.
أورغون: هاتْ، هاتْ كل ما لديك من أوراق، ولننتهِ بسرعة.

[يدخل طرطوف مثل العاصفة]

طرطوف: لم ننتهِ بعد يا صديقي، الأمر الجديد سيحرمك أية فرصة، إذا فكرتَ في التحايل على القوانين. الشرطة تحاصر البيت، ومعها أمرٌ بإلقاء القبض عليك. أنت سجين بجريمة التآمر على سلامة الدولة.

[دورين تخرج مسرعة للتأكد مما يقول]

أورغون : أيها الخائن، كنتَ تدّخر لي سهمك الأخير إذن؟ أيها الشرير، أي روح غادرة تتحكم بأخلاقك؟
طرطوف: لن تستفزني بشتائمك، فقد تعلمتُ كيف أتحمّل كل شيء ...في سبيل الله.

[تعود دورين، تؤكد لسيدها بحركة من رأسها عن وجود الشرطة]

أورغون: ليست الخسارات ما يعذبني في هذه اللحظة، إنّما رؤية الانحطاط الذي جررت الدين إليه، بسبب طموحك الشخصي!
دورين: أيها الجاحد ، كنت تستمتع بالعطالة، وتأكل من هبات وصحون هذا البيت، ألا تخجل مما تفعل؟
طرطوف: إن واجبي المقدس تجاه الدولة، أكبر من واجب الاعتراف بالجميل، ومنذ الآن لن تفتحي فمك بأي كلمة، أنا السيد هنا.
لوبال: أيها السادة، الشجار ليس من مصلحة أحد، دعونا ننفذ واجباتنا في سلام وننتهي.
طرطوف: هذا ما أريده، بكل إخلاص.
دورين: يا إلهي، اسمعوا كيف يتكلم، وهذه المذبحة من صنع يديه!
أورغون: اهدئي يا ابنتي، لم يعد الكلام مجدياً،
دورين: (متأثرة) أول مرة أسمع منك كلاماً حنوناً، وسليماً.
أورغون: عليّ أن أودع ما تبقى من عائلتي، قبل الذهاب إلى السجن.
دورين: (تبكي) لكنني أريد...لو سمحت يا سيدي، أن أقول كلمة واحدة، وأخيرة، للسيد طرطوف، قبل أن يتفرق شملنا (وهي تقترب من طرطوف بينما يبتعد عنها بحذر) كلمة لن أقولها بلساني، أُقسم على ذلك...

(يتعثر طرطوف فيسقط على الأرض، تهجم عليه وتُطبق أسنانها على مؤخرته).


المنظر الأخير:

[طرطوف لوحده]

طرطوف: (يمسح بطرف يده، وبحرص، بعض الغبار من على الطاولة، ثم يقف وسط الغرفة) الآن يجب أن أصلي من أجل نفوسهم، حتى تغفر السماء خطاياهم. [يصلّي بخشوع، ثم يخرج في وقار]

انتهت