بحث في تاريخ القصة القصيرة في الغرب وعند العرب

تأملات في القص والنقد

 

         كيف سينظر القارئ إلى

          سرد همنجواي ونجيب محفوظ

         في القرن الواحد والعشرين؟

 

      يقول أحد الكتّاب الغربيين، وأظنه أمبرتو إيكو، إنّ المطابع ستختفي تماماً من العالم بعد خمسة قرون، ووراء هذا القول روح محافظة، لذلك أغلب الظن ان قائله يعيش في انكلترا، وفي كلا الحالتين ستغدو المكتبات آلة مبرمجة، تضخ إلى القراء في بيوتهم، او في أماكن عملهم، روايات وقصص قصيرة ودواويين وبحوثاً علمية وتأريخية، تتحوّل عبر الكومبيوتر إلى أقراص مضغوطة، خفيفة، تحتوي مادة مقروءة ومسموعة، يحتفظ فيها القارئ داخل حافظة بحجم علبة الكبريت، يقرأها على الشاشة، أو ينقلها إلى الورق، أو يصغي إليها في فترات الراحة المخصصة للمطالعة.

     ومع التطور السريع في أجهزة البث والبرمجة الكومبيوترية، يبدو أن إختفاء المطابع سيحدث قبل خمسة قرون بفترة طويلة، وقد يحصل الحفيد الثاني لنجيب محفوظ، على سبيل المثال، أي بعد مئة سنة فقط، على رواية مقروءة ومسموعة في قرص مُدمّج (كومباكت)، مع فيلم يجسد موضوعها وأزمات شخصياتها من خلال تمثيل رائع ومؤثرات مدهشة.

      إذاً، ماذا يفعل الكتّاب الآن، الطموحون منهم على وجه الخصوص؟ هل يرمون أقلامهم وأوراقهم جانباً لأن كتبهم ستُحفَظ بعد ثلاثة قرون في مخازن تحت الارض، ولن يعود إليها غير عدد قليل من منقبي الآثار؟ أم يواصلون الكتابة، وليأتِ المستقبل بما يشاء من مصير عاثر للمطابع؟ أم يلجأون منذ الآن، وهذا مناسب لهواة التجديد، إلى نقل مؤلفاتهم على أقراص مُدمّجة، مع قراءة بأصواتهم، فيجد المسقبل نفسه، في المستقبل، حيال مؤلفات سبقت أساليبه المتطورة بعدة قرون؟

     أعتقد ان الفكرة الأخيرة هي الأنسب. لكن في هذه الحالة ستبرز المشكلة الأكبر، وهي: إذا فكّر أحد المؤلفين العرب، أو الغربيين، أن يرمي إلى المستقبل بقرص أدبي، فأي موضوع يختار لمحبي القصة القصيرة في القرن الثالث والعشرين؟

     لا شكّ ان أكثر الكتّاب حماساً للتجريب، سيواجه عرقلة ذهنية كبيرة إذا ما أراد تشكيل صورة للإنسان في تلك الفترة، ليتمكن بالتالي من إختيار  المضمون الذي يلائم متطلبات قرّاء ذلك الزمن.

     لا أنكر أنني حاولت رمي بعض الأقراص إلى الأمام، إلاّ أن جميعها لم يتجاوز القصة التالية التي أُعدّها للنشر، وجميعها أيضاً جرى التفكير فيه أثناء الكتابة، ومن دون قصد، وبلا عناد وضغوط كبيرة على الذهن، غير ان النقطة التي أتسلى، أحياناً، بالتفكير فيها بعيداً عن لحظة الكتابة، تتعلّق بمستوى وذوق القاريء بعد عشرة أعوام وليس أبعد من ذلك.

     خلال هذه الفترة القصيرة، التي ستحمل بدورها بعض التطورات المهمة في الحياة، سوف تظلّ القصة القصيرة على أحسن حال، لأن الآلآت، مهما دقّ إنتاجها، لن تستغني عن خيال الإنسان، وفي ظل وسائل بثّ متقدمة وشخصية (بمعنى  تكون جزءً من مقتنيات الأفراد)، يمكن التنبوء بدور مهم لكل أشكال التعبير الأدبي، وضمن هذا القوس الزمني القصير، يمكن الكلام، ولو بدافع التسلية، عن متطلبات الذوق العام، أو بالأحرى مستوياته، ولن أُغامر بتحوّيل الكلام إلى نظرية، أو مانيفستو للمستقبل، لأن الأمرين ليسا في طاقتي، أكثر من ذلك انهما كريهان إلى نفسي، وكان الباعث والمشجع على الخوض في هذا الموضوع هو الكسل الذي هيمن على القصة القصيرة، منذ الأمريكي همنجواي حتى الآن، بإستثناء وقفة الأرجنتيني بورخس المتألقة، فقد بدا لي ان القصة تريد العودة إلى موبيسان، في الوجه وليس في الروح، ثم، وأخيراً، ماذا يفعل المرء بكل هذه الملاحظات التي تتجمّع داخل رأسه طوال أعوام القراءة، إذا لم يتحدث بها إلى الأصدقاء، أو يؤاتيه قدرٌ كبير من الشجاعة فيعلنها للقاريء ؟.

     تقول الروائية ناتالي ساروت: "إننا نكتب وفق الحتميات الجديدة التي أدركها مارسيل بروست، لأن بروست هو القرن العشرون، ونحن نكتب في القرن العشرين".

     هذا البوح، إضافة إلى تواضعه، يعترف بمبدأين مهمين في الكتابة، الأول: إننا دائماً ننطلق من حتميات إكتشفها السابقون ونبني عليها، الثاني: ان للكتّاب الكبار علاقة متينة بالزمن، أما كون إعتراف ساروت متواضعاً، فهي واحدة من مجموعة روائيين إهتموا قبل اربعين عاماً بتجربة جديدة في الكتابة، ثم تخلّوا عنها، إذ لم تصل إلى أفق واسع، ولكنهم ظلّوا روائيين مهمين (رغم ان ساروت تنكر إنتماءها القصدي إلى تلك المجموعة ــ الحياة، 7 آب 1994).

     تمثل الكتابة الروائية الحديثة في الغرب تطوراً متسلسلاً للكتابات البدائية الأولى التي ظهرت في القرن الرابع عشر، ويُعتَبر الروائيون الغربيون الحاليون، وهذا ما يختلف عنه الكتّاب العرب الحديثون، الجزء الأخير في تلك السلسلة المتينة، المتصلة الحلقات، التي تمرّد العديد من المؤلفين المجددين على قوانينها، ولكن أياً منهم لم يتنكر لها، أو يبتعد عن أُرومتها.

     هذا الترابط الفَقاري يمثل قانوناً لا فكاك منه للتطور في كل مجالات الإبداع الأدبي، ولو كان الدكتور طه حسن وعبد الرحمن صدقي وبدوي، بعقليتهم المُجدِّدة، قد سبقوا الطهطاوي والمنفلوطي في ترجمة وليس تمصير  الرواية، ربما أصبح حال النثر القصصي الآن أكثر تطوراً، وتسلسله الزمني أطول باعاً. لنذهب خطوةً أبعد بإتجاه الماضي فنقول: لو لم يمنع الإسلام القصَّ (بسبب مشاغبات النظر بن الحارث) هل أمكن للنثر القصصي تحقيق مستوىً متقدم خلال الفترة العباسية؟

     إن العرب لا تنقصهم الفنتازيا، والفنتازيا على وجه الخصوص، حيث ظهرت في مجالات اخرى للقصّ، مكبوتة، ومطاردة بشبح تقليدي وهو الشعر، وبالتالي محصورة في أفق ضيق، وشعبي.

     إن تجزئة الحقائق تسمح بالكثير من الأفتراضات، فلن نواصل لعبة التمنّيات الحزينة هذه، وعندما أركّز على القص الأوربي، فلأننا نصوغ بناءاتنا إستناداً إلى تجربة الغرب في كتابة القصة، وآمل ألاّ يستشيط بعض المثقفين المسيسين غضباً من هذه الحقيقة، لأنهم مهما إستشاطوا لن يتغيّر شيء إلاّ داخل رؤسهم.

     إن الكسل الذي نال القصة القصيرة يشبه نوعاً من النعاس، قد يلائم هذا العصر الذي لا يريد الوقوف على أقدامه، ولكنه قد يغدو باهتاً بالنسبة للصبيان الحاليين، عندما تقذف بهم المدارس والجامعات إلى الحياة والوظائف والفراغ العائلي بعد عشرين سنة.

     كان فولتير وجوزيف أديسون وقبلهما شكسبير، كتّاب ذوي اطلاع واسع، شأن عبد القادر البغدادي والتوحيدي، وقبلهما الجاحظ، بَيدَ أن مئات الخريجيين الآن، من بين آلاف المتفوقين، لا يقل اطلاعاً ومعرفة عن دانته ألّيكيري، مع ذلك يبقى الكاتب، إضافة إلى إطلاعه، خيال تنبّؤي محموم، لكن كيف يخاطب قرّاءً يتطور مستوى معرفتهم واسلوب حياتهم من دون إنقطاع؟ تلك هي المسألة!

     الكتّاب العرب جميعهم، بإستثناء عدد قليل، ميّالون إلى التجديد، والبعض مصاب بهوس التجديد، تشجعهم على ذلك كتابات نقديّة مسطحة بشكل مدهش، لكن، عندما أنهى الدكتور الجليل طه محمود طه، بعد خمسة عشر عاماً من الصمت والإنحناء المتواصل، ترجمة رواية "عوليس" التي أسست لإسلوب تدفق اللاوعي، راقبت النسخ المعروضة في مكتبة "الساقي" من الطبعة المنقّحة على مدى سنة كاملة، فلم ألاحظ تغيّراً مهماً يطرأ على عدد نسخها العشر المعروضة للبيع، علماً بان في لندن وحدها يوجد أكثر من ثلاثمئة كاتب وناقد ومثقف، أكثرهم ظهرت أسماؤهم بعد ظهور الطبعة الاولى بسنوات عديدة، لذلك عندما خرج طه محمود طه وللمرة الأولى عن صمته، وصف بشيء من الحزن، وفي هدوء تام، الكتّاب والنقّاد العرب بالكسل (الحياة ــ 14 أيار 1995)، وبالطبع كان يشير إلى أبعد من مسألة بيع المطبوع، ونحن فعلاً نعاني من الكسل، الذي يتغلغل إلى كتاباتنا بشكل من الأشكال، ويمكن إضافة القراء العرب إلى القائمة، ولا يقتصر الأمر على عمل روائي كبير وصعب مثل "عوليس"، إنما يتعلق بطريقتنا في القراءة بشكل عام، فغالبية النقّاد والكتّاب والقراء لا يحبّون العودة إلى القواميس، ولا يملكون خرائط جغرافية لكي يستمتعوا بالكتب التي يقرأونها.

       وبالنسبة للقصّ، لاحظت، رغم متابعتي للقليل من النتاج، إن شيئاً من الكسل يهيمن أيضاً على خيال الكتّاب الغربيين، إلاّ إذا تقدم شخص آخر بحقائق مختلفة.

     كان نثر همنجواي القصصي يعتمد الوصف الواقعي والحوارات الهادئة، لكن تحت السطح تتحرك مجموعة من الإنفعالات العميقة، تقود في النهاية إلى تحوّلات درامية مهمة على صعيد حياة الشخصية، مع ذلك فإن همجواي، اسطورة القرن العشرين في القص، ربما يضحى جزءً من الماضي السعيد مع شروق القرن الواحد والعشرين، وسأوضح في حينه سبب إهتمامي بهذا القاص.

يمكن تلخيص مسيرة القصة القصيرة جميعها في صفحة واحدة من جريدة، إلاّ انني سأوجزها في أقل من عمود، من أجل استخلاص بعض الملاحظات، معتمداً أكثر المصادر دقةً في تدوّينها للسِيَر والأحداث، أعني "الموسوعة البريطانية".

     أول من كتب القصة القصيرة هو جوفاني بوكاتشيو (1313-1375)، نسّل قصصه الاولى الطويلة من الرواية (Novelle)، وسميت وقتها رواية قصيرة  ( (Novellete، وانهمك الايطاليون من بعده في كتابة آلاف القصص، يصورون بها عادات وأخلاق عصرهم، ثم لجأ الانكليز إلى طريقة بوكاتشيو ذاتها، فكتب الشاعر جُفري جوسر (1340-1400) مجموعة من القصص كانت تُحكى من قبل الحجّاج وهم في طريقهم إلى مرقد توماس بيكيت، وكتب جوسر قصصه تلك بإنشاء وصفي بسيط، ملتزماً رسم الواقع بشكل موضوعي صارم. التطور الوحيد الذي حدث بعدئذ جاء بعد مئتي عام في قصص الفرنسي بيروالد دي فيرفل (1610)، حيث قدم نثراً جيداً، وظل بناؤه في إطار بوكاتشيو.

     لكن الاسباني ميكيل دي سرفانتس دفع القصة خطوة كبيرة إلى الأمام، حين اهتم بسبر الوجود الدنيوي للإنسان، وهذا الاهتمام كان شيئاً جديداً بالنسبة للقصة، التي مازالت طويلة. وفي بدايات عصر النهضة أصبحت القصة في أغلب كتابات الاسبان حادثاً في اطار عريض، وعدا ذلك لم تظهر كتابات متميزة في كل أنحاء أوربا، إذ إكتفى الباقون بالنسخ عن بوكاتشيو. وبشكل عام اعتمدت جميع القصص على حادثة واقعية تُسرد في صورة وصفية أدبية.

     في أواسط القرن السابع عشر ظهرت الصحافة في بعض عواصم اوربا، على شكل مطابع صغيرة يديرها شخص واحد، في الغالب تساعده زوجته وأبناؤه، يحرِّر ويجمع الحروف ويطبع حصيلة عمله بيده. هذا الظهور السلحفائي جلب معه أهم الأسباب لتطور النثر الأدبي في كل أنحاء العالم، ومن ثم تطور مضامين وأشكال القص.

     الشيء الأول الذي تطلبته آلات كوتنبرغ الصاخبة هو الإيجاز. كان عمل الجريدة الأساسي، وما زال، يعتمد رسم صورة دقيقة عن حياة المجتمع وأفكاره، وإعادتها إليه منقّحة ومكتوبة باسلوب مشوّق على الورق. الأثر الأول والسريع الذي تركته الصحافة على الأدب، تمثل في إنحسار أهمية القصة الطويلة، ثم أُفولها، إذ أصبحت الجريدة تقدم صورة دقيقة للواقع، بلغة مكثفة، ضمن تقرير موجز يعتمد الخبرة وقوة الملاحظة، فجردت القصة من أهميتها، وألغت الأسباب القديمة لوجودها، لذلك، كفتْ المطابع اليدوية في القرن الثامن عشر عن إستقبال هذا النوع الأدبي، بإستثناء عدد قليل للغاية،  ولكتّاب راسخين مثل فولتير وأديسون.

     إختفت القصة الطويلة مئتي عام، ليظهر في القرن التاسع عشر الشكل الأول للقصة القصيرة، وقد ظهر في كل من ألمانيا وأمريكا وفرنسا وروسيا في آنٍ واحد.

     في ألمانيا نشر غوته مجموعة قصصية، تقبل بعضاً من واقعية الصحافة، وتعتمد التسلية، وقال إن القصة: "ليست إلاّ حدث لم نسمع عنه من قبل"، ثم ظهر إلى العلن. ألمان آخرون قدموا آراءً مهمة أيضاً، فقالوا: "ان القصة ربطت نفسها بالأحداث التي وقعت أو التي يمكن أن تقع، لذلك يجب ألاّ تكون واقعية". وفي تلك الفترة بدأ النقد يهتم بالقصة، التي لم تحظ بأي إهتمام من قبل، لأن ساحة القراء قبل ظهور الصحافة، كانت مُشرعة للرواية والشعر وحدهما، فأضحى الجدل يدور حول تعريف القصة، مهمتها، عناصرها، وكان أبرز المتجادلين هم كتّاب قصة.

     في أمريكا أوجد إدغار ألن بو تعبير "مشاكل الإنسان" الميتافيزيقية والنفسية، بتصوير العالم المشوّش للإنسان في مواجهته للخيال، وكان مع (بيرت هارت) أول من ابتدع التقنية الإنطباعية، وبو يؤمن ان تحديد شخصية القصة يأتي من توحيد الأثر، وبدا اهتمامه الاول ينصب على البراعة والكمال الفني، ونظريته تقوم على ترك الشكل  مفتوحاً، فالشكل يتحدّد من خلال الجهد الفني للكاتب، وجديته. بعد ذلك قدم هوفمان حكايات آسرة، غريبة، مُشبعة بالظواهر الخارقة، بينما أشار لودفيج تيك (1829) في مجموة قصصية له، إلى ان القصة هي في البداية مسألة كثافة وتحوّير ساخر للحدث، وليس من واجبها عكس الواقع كما هو. بيرت هارت أنشأ القصة التي تُشكّل وتعطي المعنى من خلال وعي الضمير والحالة النفسية للكاتب، إستناداً إلى العنصر الذاتي، وبدت قصصه أقل في موضوعيتها، وفي واقعيتها بالنسبة للمظهر الخارجي، ومن هذا النوع كانت قصص بو، حيث هذيان الشخصية الرئيسية، أو الراوي ذاته، يزوّد القصة بالتفاصيل والحقائق، فغدا القاريء ينظر إلى المشهد من خلال عين وسيطة، حيث يرى إنطباع وأحاسيس عين الكاتب وحدها. ناثانيل هورثون إختار لقصصه شخصيات من التأريخ، ولكنها غنية في مضامينها الرمزية. ثم جاء هرمان ملفل، ليقدم القاص كإنسان يكشف عن ضعفه العقلي أثناء حديثه.

     في تلك الفترة أنتجت الإنطباعية أعمالاً رومانسية عاطفية، وبدى ان الإنطباعية يمكنها تصوير الإجابات الداخلية للإنسان، وعندما ترجم شارل بودلير شعر وقصص إدغار ألن بو للفرنسية، تأثر الخيال الأدبي الفرنسي بهذيانات الكاتب الأمريكي وعواصفه الداخلية، فعثرت الرمزية في فرنسا على من يدعمها بروح جديدة، إثر ذلك إنبثقت الرومانسية من خلال قصص الفونس دوديه، المشحونة بالصور الذهنية الخيالية. ثم بدأ جي دي موبسان يكتب حكايات تمسك لحظة البوح والكشف لدى مواطن الطبقة الوسطى، وتُروى ضمن حبكة مصممة بشكل جيد، ونثرٍ سلس يقبض على سذاجة الإنسان وفساد أخلاقة.

     في روسيا، جعلت الخرافات، التي كان كريلوف يكتبها، السرد القصير مقروءً وشعبياً، إلى أن جذبت قصص بوشكين إنتباهاً جاداً للشكل، فقد هذّب الشاعر قصصه الكلاسيكية وأدخل عليها صراعات المشاعر. ثم جاء نيوكولاي كوكول، ليقف على قمة موجة القصة القصيرة في روسيا، حيث ذكر عنه ديستويفسكي قوله الشهير: "ان جميع كتّاب القصة القصيرة الروس خرجوا من معطف كوكول"، وكان كوكول، الذي إهتم بالتوريات والإشارات الضمنية، الوحيد الذي بنى التقنية الإنطباعية في روسيا، في آن واحد مع إدغار ألن بو في أمريكا، وقد نشر مجموعته "أرابسكو" في عام 1835، أي قبل أن يجمع بو بعض قصصه وينشرها تحت نفس العنوان بخمس سنوات، ومثل بو اعتمدت قصص كوكول الهذيان، حيث التشوّش ينال الواقع والحلم على حدٍ سواء، وقصصة تنضح بعناصر الواقعية، وتفاصيل طبيعية من حياة الأشخاص اليومية، مع عناصر من الخيال، مثل عودة الشخصية المركزية في "المعطف" من الموت بهيئة شبح. ثم جاء إيفان تورجنيف، الذي بدا في الأول ببساطة لغته وتقدمه الهاديء واحتفاظة بمسافة للإختلاف مع كوكول، كنقيض لصاحب "المعطف"، وكان أكثر إستفادة في إقتناص خاصية الناس والأماكن، منه في إتقان الحبكة، أما ما تبقى من إختلاف بين الكاتبين فقد أفضى إلى جعل تورجنيف أكثر قبولاً لدى القاريء في القرن العشرين. كان تورجنيف يتجنب بشكل مدروس كل شيء اصطناعي، رغم أنه أدخل "الشبح" على واقعيته، غير انه لم يفعل ذلك من أجل الإثارة. لكن سيد الواقعية كان تشيخوف، الذي لم يهتم كثيراً في بناء قصة محبوكة بصورة جيدة، ولا بالتركيز على الحدث، فعملياً لا يحدث شيء في قصص تشيكوف، إنه يتحدث فحسب عن شخصياته ومستوى حياتها، يضع عينه على الشخصية ويكشف عن دواخلها ببصيرة نافذة، وحنو، وفكاهة رقيقة، وهو يقول لأبطاله في قصصه، كما في مسرحياته: "انتم تعيشون حياة بائسة، أيها السيدات والسادة"، يقولها مع إبتسامة فيها تسامح الرجل الحكيم.

     في القرن العشرين واصل نداء القصة نموّه، الشعراء وكتّاب المسرح والرواية نشروا آلاف القصص من الطراز الأول، لكن ما حدث في هذا القرن أن ألمانيا وفرنسا وروسيا وأمريكا، فقدت ما بدا يوماً ما هيمنة كاملة على الشكل، وإنبثق الكتّاب المبتكرون والريادون في بلدان تأثرت قليلاً بالأسلوب في الماضي، بيرانديللو في صقلية، وفرانسيس كافكا في جيكوسلوفاكية، أكوتا كازا كايونوكي في اليابان، وبورخس في الأرجنتين.

     على الصعيد العربي: إذا أخذنا بالتعريف الأكاديمي للقصة، كنوع من النثر يسرد حكاية، فإن القصة قديمة قدم اللغة نفسها،ويصف النقّاد الغربيون أنواعاً مختلفة من السرد كنموذج للقص، مثل الدُعابة والحكاية والاستطرادات المروية والقصص المجازية القصيرة والخرافات الوعظية وحكايا الجنّ والأساطير، حيث تُعد جميع هذه الأشكال، وعن حقّ،  قصصاً قصيرة. وكان للعرب الكثير من قصصهم المحكية، وعندما منع الأسلام القص، تسرّبت القصة إلى الأمثال والى أنواع أخرى كما ذكرت في البداية، وكانت القصة، شأن بقية الأنواع الأدبية والكتابات الفكرية، تزدهر كلما تراجعت القبضة الأصولية الدينية عن التدخل في حياة المجتمع، وتتدهور حالما تفرض تأثيرها الظلامي وقوانينها التعسفية على الحياة، إلاّ أن نصيب السرد القصصي من التدهور ظل دائماً أكبر من بقية الأنواع، ففي أواخر العصر الأموي، وكل العصر العباسي، إزدهرت الآداب والفكر، وبرزت القصة بقوة في حياة المجتمع، متلبّسةً حالات تأريخية أو علمية (الأمالي للقالي، الحيوان والبخلاء للجاحظ، الأغاني للأصفهاني، وغيرها) بَيدَ أن مقامات الهمذاني وحدها كانت أقرب المحاولات إلى القصة القصيرة، رغم إهتمامها بالمحسنات اللفظية، وإفتقارها إلى الحبكة والشخصيات، والى التحليل*.

     عندما عدتُ أُقلّب صفحات من البخلاء والحيوان، وبعض كتابات التوحيدي، والقليل من رسائل الصاحب بن عبّاد وأتفحص نقدهم بعين جديدة، تأكد لي ان أياً من هولاء  الكتّاب يملك القدرة الكاملة على السرد الروائي بصورته الكلاسيكية، لو لجأ إلى المزج بين الواقع والخيال في تأليف حكايات على شكل قصص طويلة، يعبِّر من خلالها عن عواطفه الخاصة تجاه الأحداث والشخصيات، ولكانت الرواية، كنوع أدبي جديد، ظهرت في بغداد أو القاهرة، قبل أن يكتب صموئيل ريتشاردسون (1689- 1761) روايته الأولى بأربعة قرون.

     لقد منع الأسلام القصّ في بداية عهده لأسباب مختلفة، يهمني منها إثنان: الأول، حتى لا يختلط القَصّ بالحديث، والثاني، لكي يقضي بهذا المنع على النعرات القبلية التي ساهمت في زرع التخلف والفوضى بين سكان الجزيرة، ثم سمح بالقص ضمن شروط لا تختلف، إلاّ من حيث الهدف، عن شروط "الواقعية الأشتراكية" التي ظهرت بعد الإسلام بأثنتين وعشرين، وثلاثمئة، وألف سنة.

     ويبدو أن القص كان مزدهراً قبل الاسلام وبعده أيضاً، حسب الدكتور طه حسين، والدكتور عبد الله ابراهيم الذي نشر درا سة مهمة عن المسرح والقصة تحت عنوان (السردية العربية)، وقد شجعتني ملاحظاتهما القيّمة على العودة إلى كتب التراث بحثاً عن تفاصيل أخرى. ففي الجاهلية كان القص مهنة مدرّة، كان لكل رئيس قبيلة قاص يغدق عليه، مهمته تأليف وإصطناع الحكايات لإعلاء منزلة القبيلة، والحطّ من شأن القبائل الأخرى، المعادية منها على وجه الخصوص، ويورد (المستظرف في كل فن مستطرف) قولاً لابن عمر جاء فيه: "لم يقص أحد على عهد الرسول، ولا عهد ابي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ، إنما كان القص حين كانت الفتنة".... بينما جاء على لسان جناب بن الحارث ان "كعب كان يقص فلما سمع الحديث ترك القص"، ولم يوضح (المستظرف) أي كعبٍ يقصد، وعندما بحثت في (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) للمزي، وجدتُ أربعة عشر كعباً، أولاهم بهذا السلوك كعب بن مالك، لأنه عاش في فترة الرسول وكان من الصحابة، ويقول عبد الله بن عون، في نفس المصدر: "إن حسان بن ثابت كان يذكر عيوب المشركين وأيامهم، وعبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر وترددهم فيه، أما كعب بن مالك فيذكر الحرب ويقول: فعلنا ونفعل ويتهدّدهم...". ويقول ابن المبارك في ( المستظرف): سألتُ عن الثوري من الناس، قال العلماء، قلت: من الغوغاء؟ قال القُصاص الذين يستأصلون أموال الناس بالكلام..". أما أخطر ملاحظة وردت في هذا الكتاب وأقربها إلى التفسير الحديث للقص، فقد جاءت على لسان قيس بن جبير الشهلي حين قال: "الصعقة عند القصاص من الشيطان" .

     لكن الغريب ان الكتابان المذكوران، إضافة إلى موسوعة (المورد) وكتاب (تأريخ الأدب العربي) للدكتور عمر فروخ، لم يشر أيٌ منها إلى النظر بن الحارث، السبب، كما أعتقد، كوّنه قُتل في معركة بدر وهو يحمل راية المشركين(المنجد)، وترتبك سيرته لدى الطبري في (تأريخ الممالك والملوك) فهو يذكر اسمه بين رجال القبائل التي دخلت خيمة بني ساعدة.

     وفي الإجمال، ظل القص العربي يعتمد القليل من السرد والكثير من الشعر، ويبدو لي، وأنا أُدين بهذا الإستنتاج إلى عميد الأدب العربي نفسه، إن الذي قزَّم دور القصّ في المنطقة العربية، وعرقل تطوره، هو الشعر ذاته، فقد أشار طه حسين إلى ان القصص العربي: "لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه، إذا لم يزنه الشعر من حين إلى حين"، ويورد ألف ليلة وليلة وعنترة وسيرة إبن هشام دليلاً على هذا الرأي الثاقب، وقد وجدتُ كل نماذج القص لدى الكتّاب العرب تعتمد الشعر، وتستند عليه بهذا القدر أو ذاك، رغم أن التقنية كادت تفلت في بعض الحالات، لتبلغ مستوىً راقٍ، يفوق التصور، أواخر الفترة العباسية.

     إضافة إلى متانة النثر الذي أشرت إليه، حدد أبو حيّان التوحيدي لحكايته الطويلة "الرسالة البغدادية" زمناً قوامه نهارٌ واحد وليلة ليسرد، على لسان شخصية واحدة، الفرق بين عادات وأخلاق الناس في كل من بغداد واصفهان، وبذلك يكون قد ابتكر تقنية عالية للقص، لم يبتكرها أحد من قبله ولا من بعده إلى أن ظهرت روايتا "عوليس" لجيمس جويس و "السيدة دلاواي" لفرجينيا وولف في الربع الثاني من هذا القرن، إلاّ ان ما يمكن أن نطلق عليه "رواية  التوحيدي" وقعت في نفس التقليد  العربي المتبع والقاتل، إذ حشاها بالقصائد الشعبية والأمثال، حتى بلغت نسبة الشعر فيها ثمانين بالمائة.

     يبدأ التوحيدي (الرسالة البغدادية) بالوصف التالي: "كان من عادته ان يدخل دار بعض الأكابر، متماوتاً، متسمتاً، في نسك الأبرار، عليه طيلسان قد أسبل طرفه على جبينه، وغطى شطر وجهه..."، وكان بمقدور الكاتب مواصلة الحكاية إلى نهايتها بهذا المستوى الراقي من الوصف، ليحقق الهدف الأساسي من وراء كتابتها، أعني سرد عادات الناس وطباعهم في كل من المدينتين.

     كان الشعر لغة الخيال لدى الشعوب القديمة، إلاّ أنه كان لغة الحياة بالنسبة للعربي، لما يسمح به من منافذ إلى التهويل، الذي تميل إليه النفس العربية أكثر من غيرها، وقد كتب أهم شاعر أوربي قديم، هو الايطالي أوفيد (43-17 ق.م) الشعر الملحمي، وأعاد أيضاً كتابة مئة حكاية شعبية قصيرة في قالب إنشائي يتضمن روح الشعر، لأن أوفيد ولِدَ في السنة التي مات فيها شيشرون، أعظم مفكر وكاتب نثر في تأريخ روما القديم، وتعيّن على العبقرية الشابة التي جاءت بعده، أن تحاول التفوق عليه، أو أن توازيه على الأقل في النثر، فاختارت سرد الحكايات، وفيما وراء هذه الرغبة في التحدي تكمن روح لا تهاب التغيير، ولا تخشى المزج بين العاطفة والعقل. لكن العربي لا يخرج عن المألوف بسهولة، خاصة عندما تسيطر على حياته فكرة متوارثة، تعوّضه بالكلام عما يعجز عن بلوغه في الواقع.

     نحن أمة مغزوة ومدحورة، خرجنا من الهيمنة التركية في الربع الأول من هذا القرن، ثم من الأستعمار الأوربي في الربع الثاني، فقراء  ومتعبين في كل شيء، لكن بألسُنٍ طويلة، لأننا نستسيغ الأمور عندما تُقدَم في تهويل بليغ، حتى لو خرج من أفواه السياسيين والمثقفين في خطبهم النارية المشحونة بالأكاذيب، لأن هذا أيضاً شعرٌ، ترتخي له العواطف.

     أحدث الغزو المغولي، ثم مجيء الفترة العثمانية، وهي فترة اصولية بإمتياز، قطعاً عميقاً في الثقافة العربية، منع إستمراراً في الإبداع كان يمكن أن يتواصل ضمن سلسلة متواشجة الحلقات، تبدأ بأولئك الذي أرسوا الدعائم الأولى لكل أنواع النثر العربي، بما في ذلك القص بشكله البدائي. لكن هذا الإفتراض ذاته يتعارض مع اللعبة الصارمة لقوانين التطور، التي يُحبَك على ضوئها قدرات الشعوب على العطاء في كل مرحلة من المراحل. فالمغول جاءوا، حين غطّ العرب في النوم، والأصوليات تبسط أجنحتها المظلمة، في العادة، حالما ينضب توقد العقل، لأن الأصولية عفن ذهني يظهر فقط عندما تسقط الثمرة على الأرض.

     لذلك، يُعتبر إقدام المنفلوطي في بداية هذا القرن على تمصير الروايات الفرنسية، الباعث الأول على إهتمام العرب بهذا النوع الأدبي الجديد، ثم ظهرت القصة القصيرة كما يعرف الجميع، وظلت متأثرة بالتجارب الغربية حتى هذه اللحظة، بسبب قصر عمرها التجريبي في المنطقة.

الآن أتمهل قليلاً، بعد هذا الجري السريع في رحاب التأريخ، لأشير إلى ملاحظتين:

      الأولى، إن القصة القصيرة إنبثقت من الصحافة، فالمواد الصحفية التي أصبحت تتجسد على شكل قصص قصيرة سريعة الأثر، حفّزت الشعراء والروائيين على كتابة قصة موجزة، مؤثرة، توحّد بين أدوات الحكاية وأدوات الوصف وتجد لها حيزاً في الجريدة، وتنافسها أيضاً على قرائها، الذين إنجذبوا إلى التقارير الصحفية واسلوبها المختصر، المشوّق. ظل هذا النوع الأدبي الجديد يُكتب للصحافة ثم يُنشر في الكتب، وكان أرنست همنجواي، وهو مراسل وصاحب خبرة مهمة في الحياة، آخر الكتّاب الذين قرّبوا القصة من الحدود الأخيرة للصحافة، وفي ذات الوقت إبتعد بها عن قصدية المباشرة في التقرير، بأن أغنى عناصر الإيحاء فيها. أعتقد أن الصحافة، بأساليبها وأشكالها المتطورة، ستبقى المكان الملائم للقصة، إلى أن يُقدّر لهما الإختفاء سويةً.

     الملاحظة الثانية، ان التطور الذي حدث في القصة تركّز حول البناء الداخلي، وليس الشكل الخارجي ـ الطباعي، وبقي يدور في اطار الكشف عن حالات الإنسان، وصياغتها بأساليب تواكب وعيه ونمو ضميره الأخلاقي، وكل الذين لجأوا إلى مستويين طباعيين أو ثلاثة للنص، أو الذين وزعوا خمس كلمات على ثمانية أسطر، أو أولئك الذين شحنوا قصصهم بالرموز، انتهت تجاربهم إلى طريق مسدود.

     ظلت القصة تتقدم في بنائها وفقاً لنوعها الأساسي الذي إستندت إليه منذ نشوئها الأول، أي اعتماداً على الحدث والحبكة والشخصيات، ما داما يتيحان للسرد التطرق إلى مضامين واسعة في حياة الإنسان، وفي النصف الاول من هذا القرن، اتجه الكتّاب الكبار إلى البناء، وهيمن على أعمالهم نمو الحساسية والتجريب في الأسلوب. فيما يخص البناء لم تعد الحركة الجسدية، ولا الحدث المشهدي، يشكّلان أية أهمية، إلاّ بقدر ما يعكسان ويدعمان الصراع النفسي للشخصية. لقد أصبح المسعى الاول للكاتب بناء الاشارة الحاسمة، التي تحيل القاريء إلى تخيّل ورؤية حالة الشخصية بصورة عميقة.

     هذه الأدوات والتجارب كانت نتيجة مباشرة للتحوّل الذي طرأ على حياة الانسان في الغرب، منذ بداية عصر النهضة الصناعي إلى أوائل القرن العشرين، حيث بدأت المصانع تعكس آثارها الاولى، السيئة، على سلوك الافراد، فظهرت أمراض عصرية، وأخرى كانت نادرة الحدوث (الشيزوفرينيا، الرهاب، النكوص، العصاب الوسواسي، العدوانية) لتزلّزل دواخل الانسان وبالتالي نمط حياة المجتمعات. هذه التحوّلات كانت تطالب الكاتب الغربي بالغوص أعمق فأعمق داخل النفس البشرية، وإبتكار أساليب حاذقة تلائم نوع الأزمة، ويعتبر إنبثاق علم النفس من الأدب، باعتراف فرويد، شهادة مهمة على براعة أولئك الروس والغربيين في الكشف عن الإنسان في أعمق حالاته.

     في الخمسينات، عندما بدأ المؤلفون العرب ينشرون رواياتهم وقصصهم الاولى، كانت أهم مشكلة تتمحور حولها الشخصية تتمثل في الصراع بين الإيمان بالشعوذة والتمرد عليها، وفي الستينات عندما بدأتُ أكتب قصصي الأولى، الساذجة، كانت أخطر أزمة تواجهها الشخصية في تلك  القصص هي تدبير إيجار غرفة السكن لرجل يعيش وحيداً، بينما كتب ادغار ألن بو شخصياته الهاذية قبل ذلك بمئة عام، لذلك، عندما ذكرت مرةً ان أزمة الانسان المعاصر حُلّلت في الغرب بصورة أعمق، فلأن متاعب النفس في هذا العصر بدأت مع ظهور دواليب الغزل البخارية في انكلترا وألمانيا منتصف القرن الثامن عشر، حين وقف الانسان ليدير، بيديه وعقله وعينيه، آلات تفوق سرعته وطاقته آلآف المرات، منذ ذلك اليوم أضحت أحلامه، في النوم أو في الواقع، تأخذ شكلاً كابوسياً جديداً، وتنعكس على تصرفاته الاجتماعية والزوجية، ففقد جانباً كبيراً من بساطته القديمة، تبعاً لهذا حوّل الكتّاب أعينهم عن هموم الفرد الغيبية (الميتافيزيقية) ليسلّطوها على إنفعالاته الداخلية (النفسية).

      لقد شاهدت في لندن، التي تبعد 230 ميلاً عن أنوال يوركشاير القديمة، أكبر عدد من المجانين والمدمنين من أي عاصمة أوربية أخرى، ومقابل كل مستشفى محلي كبير (SURGERY) يوجد مستشفيان للعلاج النفسي(MENTAL)، وأصبح من الشائع الآن في كل مدن الغرب رؤية الأفراد يقضمون أظافرهم الدامية بعصبية في المترو والباصات وقطارات السفر. وحديثاً أنتجت الوظائف المكتبية في شركات المال أمراض الكآبة والقلق، فإستعار الناقد الأنكليزي رامان سلدن تحليل ادورنو عن الشكل الجديد للموسيقى كونه "يرتبط بفقدان الفرد للسيطرة على الشعور في المجتمع الحديث، وبإتاحة التعبير عن دوافع اللاشعور العنيفة.." ليفسر من خلاله مهمة الأدب، حسب صموئيل بيكيت، في سعيه إلى إقامة فاصل عن الواقع لمعرفة سلبية المجتمع، بدل الإكتفاء بنقل صورة أمينة عنه (ترجمة سعيد الغافقي).

     هذه التطورات تسبقها دائماً، أو تواكبها، كشوفات داخلية بارعة في القص، وإنتقالات مهمة في مستوى البناء، أثناء ذلك ظل الكاتب في مقدمة المجتمع، ومحطّ سخطه في الوقت ذاته، لأن الإبداع، قبل أي شيء، تمرّد على الأعراف السائدة، وكان جميع المبدعين الكبار على خلاف مع مجتمعاتهم، وكلهم، تقريباً، هجروها مؤقتاً، أو نهائياً، ليقذفوها بالسهام المشتعلة من مسافات بعيدة، أملاً في إصلاح الجوانب البائسة في حياتها. في عام 1868 قال هنريك أبسن عن النرويجيين بأنهم "خنازير"، والآن لا يوجد شعب يقدّر ويعتز بكتّابه مثلما يفعل النرويجيون تجاه أبسن.

هذه النظرة، التي تخفي في جانب منها شعوراً عميقاً بالإثم من مواقف الماضي، جعلت الشعوب الغربية في الوقت الحالي تتأنى كثيراً، قبل إطلاق الأحكام الغاضبة على الكتّاب والفنانين. هذا يعني أن الأدب هو الذي يغير طريقة المجتمعات في التفكير، وليست السياسة، كما تأمل الشعوب العربية،أو كما يعتقد السياسيون فيها، علمانيين كانوا أو روحانيين. الغرض من هذا الإستطراد الجانبي التمييز، لاحقاً، بين المضامين الغربية والمضامين العربية في القص.

     في القرن العشرين، قدمت المدارس النقدية في الغرب العديد من التعريفات لبنّية النص، ومن يتبع جدل النقّاد في هذا الصدد ينتهي، لا محالة، بتأليف كتاب ضخم، لا ينقص مادته إلاّ اليقين. لذلك، سوف أكتفي بتعريف تودوروف، الذي يصف الشكل، كمبدأ عام، بأنه: "ينتج عن وحدة وتفاعل عناصر العمل الأدبي"، (ترجمة سامي سويدان). أما عناصر العمل فهي: اللغة، الإسلوب، المضمون. منذ هذه اللحظة بإستطاعة كل قاص إضافة ما يشاء من العناصر إلى بنيته السردية، شرط ألاّ يهدم التوازن الدقيق الذي يوحّد بينها.

      غير ان تيودوروف نفسه يتفق مع جميع النقّاد في أن المضمون يشكّل العنصر الأساسي في البناء.

     في أغلب الأحوال، يفرز المضمون الشكل الذي يلائمه، وقد برزت الإبتكارات في بنية السرد على ضوء هذا المبدأ، منذ بو إلى بورخس، إذ كانت شخصيات الأول، المحدّقة في الجدران والابواب المعتمة بوعي مضطرب، تحتاج الهذيان للتعبير عن حالتها، بينما لجأت شخصيات الثاني، ذات المعرفة الواسعة، إلى الحبكة القوية والتعبيرات الدقيقة، وفيما بين الأثنين، استعمل همنجواي اللغة البسيطة، المكثفة والشاعرية، ليصف الأشياء عبر عيون أبطاله وهم يتحدثون في هدوء تام عن قراراتهم الأخيرة، بينما الطبيعة منعكسة بعمق على نفسياتهم. ومن أراد الجمع بين الأساليب الثلاثة في القص، لضاع في متاهة لا يُحسد عليها.

      أطرف من ذلك، إذا أراد بورخس، مثلاً، كتابة (الشيخ والبحر)، فلن يترك هذا الصياد العجوز يصارع الأمواج لوحده، بل سيقحم على عزلته، ذات الأثر العظيم على بنية تلك الرواية، شخصية ثانية، حقيقية كانت أم شبحاً، أو انه سيعود به إلى اليابسة على الفور، لأن إسلوبه يتطلب ذلك، أما إذا  حاول إدغار ألن بو إعادة كتابة قصة (الآخر) لبورخس، فإنه سيطرح المتحدث على الفراش، ثم يغلق عليه النوافذ بعد أن يملأ الغرفة بالأطياف، ذلك أن خيالات بورخس تنبثق نتيجة يقظة عميقة في الزمن، بينما تأتي، بالنسبة لبو، نتيجة خلخلة ذهنية في الواقع، وكل منهما أوجد نثراً يناسب حالات شخصياته.

     وإذا أخذنا برأي النقّاد حول مهمة الأدب، فهؤلاء الكتّاب الثلاثة هم خالقوا شخصيات إسطورية، أُضيفت إلى التراث الأسطوري لمجتمعاتهم، وللمجتمع العالمي أيضاً، الذي تقبل عن نفس الفترة، أو ما قبلها، أساطير ديستويفسكي وكوكول ولورنس، وشكسبير، وبروست، وجويس، وفوكنر، وبقية المبدعين ممن تركوا بصماتهم العميقة على الأدب وعلى الحياة.

     الآن، إذا نظرنا إلى الأدب العربي القديم، نجد أسلافنا قد تركوا وراءهم الكثير من الأساطير، سلبية وإيجابية، متمثلة في شخصيات تعكس حياة خالقيها في (الشعر)، والقليل من الشخصيات التي تعكس حياة مجتمعاتها في (القَصّ)، وقد تحدثت عن سبب تخلف القص في الماضي، فهل سيخلف الأدب العربي الحديث أساطير مهمة للمستقبل؟

     أنا أشكّ في هذا، السبب أن أهمية ومفهوم الشخصية الاسطورية في الأدب لم تنضج بعد في وعي الكاتب العربي. هذا إعتقاد أولي، ستحطمه فكرة ثانية في وقت لاحق، وقد تكون قاسية بعض الشيء.

     على صعيد الشعر، توجد بعض الشخصيات الهلامية، لا تكاد ترقى إلى مستوى الاسطورة، بإستثناء نزار قباني، حيث خرجت من ظل الشاعر نفسه شخصية اسطورية في الغزل الحديث، مثلما أنتج أبو نؤاس اسطورته المميزة في خمرياته، والحلاّج في هيامه الروحي، وليس بمقدور أحد إنكار تأثر شريحة واسعة من المجتمع العربي بغزليات نزار قباني، خاصة الجيل الذي فتح عينيه على الحياة مع إشراقات قباني الاولى، التي غنتها أصوات عربية جميلة، عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة. قبل قباني كان الغزل العربي يقوم حتى وقت متأخر على التوسّل، من الجهة الأخرى للطلل، بينما تحيط بالشاعر باقة من الجثث، صرعى حسامه.

      لقد أمدّ نزار قباني أحاسّيسنا تجاه المرأة بلغة عصرية، رغم أن عدداً كبيراً من المثقفين الحاليين يخفون هذا.

     أما الشعراء الذين شغلهم الهمُّ الوطني، في مرحلة كانت تتطلب إبراز المشاعر الوطنية، فإن صورهم تلاشت بإنتهاء الحالة التي إنفعلت بها، لأن الأستعمار ظرف وليس حالة اجتماعية، الحالة تتمثل فقط فيما يخلفه من أثر على عقلية المجتمع وطريقة تفكيره، وكل الشعر الذي تناول الهمَّ الوطني، إضافة إلى أنه لم يخلق شخصية اسطورية، أصبح الآن عاطل عن العمل. لقد رقّق شوقي ثم إلياس أبو شبكة الصورة الشعرية، وحدَّث السياب وأدونيس شكل القصيدة ومضامينها، ولكن أياً منهم لم يخلف اسطورةً. طبعاً هذا لا يقلل من منزلتهم الشعرية، ولا دورهم الريادي، لأنني أبحث عن جانب معين في الإبداع، ولا أطلق أحكاماً نقدية عامة.

     فيما يتعلق بالنثر، فإن أهم وأنضج القصاصين العرب، أعني به نجيب محفوظ، حصر شخصياته ضمن أفق مصري، بل قاهري بحت، وبإستثناء شخصية أحمد عبد الجواد في (بين القصرين)، لم تتبلور في أعماله الأخرى شخصية اسطورية متكاملة. الذي أعنيه، ويعنيه الأدب، بالشخصية الأسطورية، تلك التي تتبلّور حول دافع واضح يستغرق حياتها ويحدد سلوكها إلى النهاية. هذا النموذج البشري، يعلَق في الذاكرة الأجتماعية، ويضيؤها بجرأته الخارقة على الإختلاف. بتعبير سارتر: ذلك الذي يتبع هوى قلبه.

     يجمع النقّاد الحديثون في الغرب ان الأدب ليس وصفاً للعالم فحسب، بل هو تعبير عن قيم مجتمع ما، وإبداع عالم مُتخيَّل لإصلاح تلك القيم وتحديثها باستمرار، لذلك أطلق بعضهم على الأديب صفة خالق أساطير اجتماعية يخلفها للمستقبل، ويقول امبرتو ايكو، الذي لا أستطيع هضم اسلوبه (الإشاري) في تحليل النص: "في ثنايا كل عمل أدبي مهم توجد رسالة أخلاقية".

     إن آخاب، بطل هرمان ملفل في (موبي ديك)، الذي يطوف البحار والخلجان والمحيطات بحثاً عن حوت أبيض يريد القضاء عليه ثأراً لجرح عميق خلّفه في جسده ونفسه خلال مواجهة سابقة، يمثّل نموذجاً كاملاً للشخصية الاسطورية، الغنية بالمعاني، يمكن القياس عليه لدى الحديث عن (الشخصية الاسطورية) أو الشخصية ــ النموذج. وأهمية الاسطورة في الحياة الاجتماعية كونها تعلّم الانسان التفكير بوضوح في الأحداث، وتمدّه بالشجاعة على مواجهتها.

     وفي هذا العصر توجد شواهد عديدة عن أثر الأسطورة في حياة المجتمعات الغربية، لا تقابلها شواهد مهمة في حياة المجتمع العربي، بل ان أقوى الاساطير التي تهيمن على تقاليد وحياة المجتع العربي الحالي قديمة، تمتُّ إلى عصور سابقة وتفعل فعلها في العصر الحالي، وهذه واحدة من أهم أسباب ومظاهر التخلف في المنطقة. وسط هذا القفر، يظلّ  أحمد عبد الجواد أهم عطاء بالنسبة  للشخصية الاسطورية في القص العربي الحديث.

     في الستينات مُنعت رواية "أولاد حارتنا" نتيجة غضب عدد من المتعصبين الذين إدعوا، من دون وجه حق، حرصهم على سلامة المجتمع، لكن بيروت، في أيام حريتها الزاهرة، سارعت إلى طبعها عام 1972وأعادتها إلى أهلها، فمرّ المنع والرواية ذاتها من غير أن يخلفاً أي أثر على عواطف المجتمع أو ذاكرته، وهي سريعة النسيان كالعادة، إلى أن ذكّرتهم جائزة نوبل بأولاد "حارتهم"، ولكن، من يستطيع الجزم أن فيلم (أريد حلاً ـ 1975) القوي والمؤثر، الذي أخرجه سعيد مرزوق، لم تتبلور قصته بإلهام خفي، أو بتشجيع من ثلاثية (بين القصرين ـ 1957)، وشخصية أحمد عبد الجواد على وجه التحديد، المزدوجة والتسلطية؟

     يبدو أن الدفق الاسطوري، فيما يتعلق بالشعر أو بالنثر، لا يأتي على ضوء رغبة الفنان، إنما نتيجة عناصر الخلق المكوِّنة لروحه المبدعة، مع ذلك سوف أتابع هذه الافكار، إذ من يدري، فقد تأتي الاسطورة يوما ما، كاملة وذات أثر ساحر، من المغرب العربي، الذي بدأ كتّابه ينتجون أعمالاً مهمة في السنوات الأخيرة.

     إضافة إلى ما قاله أحد الكتّاب الغربيين من أن "كافكا موجود في رؤوس كل الكتّاب"، فقد أنتجت السينما الغربية في النصف الثاني من هذا القرن، آلآف السيناريوات عن شخصيات، عنيدة أو بسيطة، تجد نفسها، فجأة، حيال تهمة غامضة ومن دون سبب واضح، لكنها تخلّخل حياتها من أولها إلى آخرها، وجميع هذه القصص تنتمي إلى سلالة واحدة، تبدأ بقصة (القضية). لكن الأهم من ذلك، ان شخصية ( ك ) في تلك القصة ظلت تؤثر في الحياة الغربية على مستويين، الاول واقعي: حيث عدّلت المجتمعات الكثير من قوانينها الوضعية لتحمي الفرد من التهمة الغامضة (غير الكاملة) بسبب عشوائيتها المدمّرة، والثاني أدبي: إذ ما زالت تلك الشخصية تسحر الأوساط الأدبية في العالم بأبعادها الرمزية العميقة. ولن تكون الأسطورة أجمل، ولا أعمق أثراً من هذا.

     في المنطقة العربية أغفل النقّاد، من الصنف الاول، أهمية الشخصية ـ النموذج، ورغم لجوء البعض منهم إلى عناوين خطيرة، مثل (الملحمية في رواية فلان..) أو (الاسطورية في أعمال.... كذا) فقد أُصبتُ بخيبة كلما قصدت واحدة من هذه الكتابات وقرأتها، أفظع من ذلك، إكتشفت ان الكثير من هذه العناوين لا تعدو أن تكون "شقلبة في الهواء" لا غير. أما نقاد الصف الثاني، فانهم يدحرجون أحجاراً أكثر مما يكتبون نقداً، لأن أفكارهم بنْتُ لحظتها الكتابية، أي انهم يقدمون وصفات غريبة تنبثق عن تراكيب لغوية، أكثر مما تستند إلى أفكار ناضجة، وفيما يخص علاقة الناقد بالعمل الذي يتناوله، فأغلب النقّاد العرب، من الصفين، لا يختلفون عن أولئك الدكاترة الذين ذرفوا الدموع الغزيرة تأثراً بقصص الرئيس القذافي، لأن كتاباتهم تتفاوت بين الهجاء والمديح، وهم يجرّون التعاريف من تلابيبها لكي تنطبق على أعمال الكاتب، والناقد العربي ذو أحكام عمومية، لا يثير انتباهه توتر السرد في قصة ما، ورتابته المملّة في قصة أخرى، فالروايات والمجاميع القصصية كلها، في كتابات النقّاد، (عمل متميز،.....) فلا يستطيع أي مُنجِّم ان يفهم كيف؟ أو بِمَ هذا التميّز؟

لقد لاحظت، من قراءات بسيطة، إن جميع أصحاب الأفكار النقدية المؤثرة، ابتداءً بباختين، وبارت،  وادمون ولسون، وتودوروف، وسارتر، وروبرت بروستاين في المسرح، هم قبل كل شيء كتّاب نثر ممتازون، تدعم منطقهم النقدي بلاغة قوية تحملك على متابعة كتاباتهم إلى النهاية، حتى إذا لم تتفق مع كل أفكارهم، أو لم تطّلع على جميع المؤلفات التي يحلّلونها. إنهم، باختصار، كتّاب مُلهمون قبل أي شيء، ثم نقاداً.

     قبل التطرق إلى الاسلوب، أود أن أعرّج الآن، في جملة طويلة، على الفرق بين الشخصية الادبية في نتاج الغرب، ومثيلتها في النتاج العربي، معتبراً جميع ما قدمه أدب أمريكا اللاتينية كإمتداد طبيعي للأدب الغربي، لأن مبدعو هذه المنطقة التي شقت لنفسها حيزاً مؤثراً ومتميزاً في الأدب العالمي، هم وبإعترافهم أحفاد دانييل ديفو وسرفانتس المخلصون.

     تشترك المجتمعات في العديد من الصفات، بَيدَ ان هذه الصفات تبرز وتتسلط على مجتمع ما، وتخف وتتراجع مع الزمن في مجتمع آخر، والكاتب دائماً على خلاف درامي، وأحياناً مأساوي (رامبو، لوركا، سافو الشاعرة قديماً) مع مجتمعه، ومقولة توافق الفنان مع المجتمع، أو إضطلاعه بالتعبير عن مشاكله، مقولة سياسية لا تنطبق على المبدعين، وقد ظل جوهر الخلاف بين الكاتب ومجتمعه حول اسلوب كل منهما في الحياة وطريقته في التفكير، والمبدع كونه حساسية متوقدة على الدوام، يرفض العديد من الافكار التي نشأت وإستقرت قبله في الحياة، ويصوغ، بدلاً عن ذلك، القوانين التي تناسب مزاجه الحاد والقَلِق، لكن الأستشرافي.

     إن الفنان الحقيقي خالق فوضى كبير، إلى ان يتفهم المجتمع أهميتها، أو يرقى إلى مستوى مقاصدها الإنسانية العميقة، حينئذ يقبل بها، ويحوّلها إلى قواعد سلوك. وقد جسّد الكتّاب الغربيون في شخصياتهم الروائية أفكاراً وطرق حياة، هدفها المضمر تدمير ما يقابلها في الواقع، وحتى الإيحاءات الجمالية البحتة في الأدب، قامت من جانبها بتهذيب خشونةٍ ما في الذوق العام. وفي مجال التهذيب، لعب بعض الشعر العربي القديم والحديث، دوراً ما في حياة المجتمعات العربية، إلاّ ان القص لم يحقق شيئاً على مستوى التدمير. السبب عدم ظهور صيادين كبار، بارعين في الغوص، وفي إختيار صيدهم. أرجوا أن لا يجرح هذا القول مشاعر أحد.

     إن الكذب صفة إنسانية مشتركة، موجودة في كل المجتمعات، ولكن بمستويات مختلفة، فهي نشطة في القارة الهندية، ومتوسطة الحيوية في شرقنا العربي، وعليلة في الغرب الأوربي، مع ذلك لم يقدم النثر العربي الحديث صورة عميقة لهذه الصفة التي تمسك بخناق المجتمع، وتنعكس سلباً على حياته اليومية. بالأمكان إضافة الحسد، الإغتياب، القسوة، الحقد، والإدعاء، والتهويل، والتهافت، وجميعها تؤدي إلى ضعف الشخصية، أو تكون نتيجة لها، وأخيراً إلى الإنشطار.

     إن أياً من هذه الصفات تكفي وحدها لتمنع الفرد من الرقي الأنساني، إضافة إلى ما تقحمه على حياته من عذابات شخصية، رغم أن بعض الكتّاب، ومن أجل أن يكلّلوا معاركهم الخاصة بالظفر، قلّلوا من شأنها، أو ذهبوا أبعد من ذلك، فإعتبروا التطرق إليها بمنزلة المسّ بالعرق العربي ذاته، غير قادرين على التمييز بين الـ (العرق ذاته) وبين ما يلحق المجتمعات من تغيير بسبب الاختلاط والغزو والهجرة والجوار، وأخيراً تأثير الزمن.

     هذه الصفات التي تفعل فعلها اليومي، التشويهي، في الشخصية العربية لم تُقدم بعمق في القص العربي، ولا حتى في دراسات علم الاجتماع، بينما تناولها دارسوا  الفكر كظواهر مرتبطة بالظروف التأريخية ـ الأقتصادية، وقابلة للزوال، وعبروا، عبور الكرام، من فوق البنيان المتين لتجذّرها، غير منتبهين إلى الوجه الآخر لعملتهم (الظرفوية)، حيث تأكد إرتقاء هذه الظواهر الفاسدة مع الإرتقاء الثقافي والاجتماعي للأفراد. أين يكمن الخلل في كل هذا ؟. ان الكاتب العربي، ولن أعفي نفسي من التقصير، لا يتوقف عند الشخصية ــ النموذج كموضوع للدراسة أو موضوع للقص، ولا يملك الجرأة على الإبحار وراء أسبابها الجوهرية، وأغلب الشخصيات التي ظهرت في الروايات والقصص والدراسات الاجتماعية، وفي السينما أيضاً، قُدمت بشكل كوميدي أو درامي مسطّح، لم يحفر له مكاناً في الذاكرة الاجتماعية.

     كلنا سمعنا، أو قرأنا عن الدراسات البنيوية في الأدب، وقد لجأ عالم الاجتماع الامريكي جيمس سكوت إلى الطريقة البنيوية ذاتها، ليضع أروع دراسة اجتماعية ــ نفسية عن الكذب*، كسلاح ذو حدين، لمقاومة الطغيان في شرق آسيا (ترجمة العريس وخوري). في هذه الدراسة المهمة قرأ سكوت وفسّر، على ضوء البنيوية ومن خلال التوريات اللغوية والرموز الطقوسية، السلوك اليومي المراوغ للجماعات المحكومة.

     ان أساليب التحليل يمكن ان تنتقل من ميدان إلى آخر، عندما تصبح بيد ماهرة. إلا انني لم أفهم حتى الآن جدوى المواضيع التي يثيرها النقّاد والمفكرون العرب، عندما يطبّقون البنيوية، أو السيميائية، وحتى الأبستومولوجية، على المجتع أو على القص العربي؟

     ربما يكمن الضعف في الزاوية التي نتخذها، عندما نقرر النظر إلى الأمور! ولكن كيف يحدث هذا؟

     لا يوجد شعب يحب التطوّع والتبرّع لأغراض الخير مثل البريطانيين، وفي ضاحية أكتون، حيث أقيم منذ فترة ليست بالقصيرة، ينتشر مدمنو البيرة بكثرة قرب السوق وفي طريق المكتبة اللذين أقصدهما بين حين وآخر، وعندما أدفع، أحياناً، بنصف باوند إلى أحد الجالسين على دكة البريد، المبحلقين في المارة بصمت مزعج، يردّ على ذلك بالقول: "شكراً، ليباركك الله ..". في الأيام الاولى كنت ابتسم في داخلي لبركة يطلبها مدمن من الله ويخصني بها، ثم بدأت افكّر أبعد من ذلك، إذ ما الذي يمنع الربّ، بالنسبة لقناعة المدمن، من مباركة الشخص الذي يهبه إرتواءً شهياً لا يملك النقود للحصول عليه؟ (حتى لو كان  يقرّبه خطوة أخرى من الموت). إن فوز الانسان بمكان، مهما كان صغيراً، في الجنة، أمل ومسعى مشروعين، بل رائعين، وكل الذين يعطون من أجل الخير يرتّبون لهذه المسألة، مسألة الجزاء والثواب، لكنني لاحظت ان البريطانيين المتدينيين يشيحون بوجوههم عن هؤلاء المدمنين، كون تدمير الذات نوعاً من الرذيلة، مما حملني على التساؤل: لماذا يجب أن يتخذ هذا العطاء وجهاً واحداً، صارماً وشديد العبوس؟، إلاّ أن كاتباً على شاكلة لورنس وجويس أو غيرهم، يذهب أبعد من تفكيري وتفكير المتدينين، حيث يغوص في أعماق هذه الذات.

     لقد كنت في مروري ذاك مجرد محلّل ميتافيزيقي ــ عاطفي، خائب، بينما الكتّاب الناجحون، الذين مرّوا من قبلي على هذه الحالة وغيرها، حفروا داخل النفس البشرية، مستعملين كل الأدوات في آن واحد، النفسية والاجتماعية والميتافيزيقية، ليعرفوا كيف تنظر عيون هذا المدمن إلى المارين بها، ليكتشفوا بالتالي أسباب تحطمه. ولقد تميّز كل كاتب منهم باسلوبه الخاص، وفي نثر كل منهم توجد زخرفة وصفية، لا تظهر بسهولة، ولكنها تغذي ذلك النثر بجمالية خاصة،  هي بمثابة الروح الخفية التي تميّز هذا الاسلوب عن ذاك، ويتعين توضيح الفرق بين الزخرفة الوصفية الخفية، والأخرى الظاهرة، فقد وصف اندريه مورياك في احدى رواياته حفلة غداء على مدى سبعين صفحة، ولن يلومه أحد، عندما يتعلق الأمر بغداء فرنسي، يوم أحد، خاصة عندما يكون في الريف، وعلى الأخص حين يتخلله الشواء. وتحدث جورج برنانوس في دقة مذهلة وطوال فصل كامل عن مرض السرطان، ولكن أياً من الوصفين لم يضفيا الكثير على بطليهما، والأجمل منهما، والأعمق أثراً على الشخصيات، جاء في تنويعات البير كامو الزخرفية، المبعثرة هنا وهناك، عن مرض الطاعون في روايته التي تحمل نفس العنوان.

     بصراحة، أنا لا اعرف إن كان في المدارس النقدية الغربية تعرّيف دقيق لما أسميته بالوصف الزخرفي، ولن يهمني هذا الأمر، فليس كل ما يورده النقّاد يصلح كأساس لتعرّيف أدبي، وهذا ما يقوله كلٌ منهم عن الآخر في نقاشاتهم التي تفلق الرأس، إلاّ أن ما يهمني، وأنا معني هنا بالقصة القصيرة، هو الإضافات المعرفية التي تتخلل الوصف، التي برع فيها جويس وبورخس، والتي هي بمثابة رموز مجازية تغني الاسلوب والموضوع. فهل يمكن إستخلاص نوع من الزخرفة الوصفية، تجمع بين الظاهر والخفي، وتخدم الشكل، لكنها قبل ذلك تجسد الحالة النفسية للشخصية، وتقودها في سلاسة، وعن بُعدٍ ملائم، إلى اللحظة الحاسمة؟

      إن زخرفة من هذا النوع بإمكانها إنقاذ القصة من الوجه الناعس الذي تطلُّ به الآن على القراء، خاصة في كتابات بعض الشبان، إذ تطوف اللغة على الثياب والطاولات وباصات النقل بقية الأشياء في كسل مريع، حيث لا يظهر على لغة الكتابة القصصية العربية، في السنين الأخيرة لغروب القرن العشرين، انها ستؤدي إلى نثر يناسب الزمن الذي يُكتب فيه.

     بكلمة أخيرة، ان ما يحتاجه القاريء في الربع الاول من القرن القادم، نوع من الزخرفة لا تعتمد اللغة وحدها، إنما شريط كثيف، متدفق، من المعلومات، يضيء لا الثيمة وحدها، بل الجدران الداخلية لوعي المتلقي أيضاً. ولنتذكر دائماً ان القاريء  الجديد لن يشبهنا، نحن الذين كان حظنا من الطفولة راديو ضعيف الإستقبال، وصحف ومجلات قليلة المعلومات، إنما سيكون خريج الكليات الحديثة، طابعته الدراسية موصولة بالإنترنيت، ونشأ على زاد يومي قوامه بين ثلاث إلى اربع ساعات من الأفلام المتحركة، حيث الأبطال أذكياء، خارقون، وينتقلون بسرعة تخطف الأبصار`