المحتالون

 

 لكل مدينة عريقة ساحة فنا*، ظاهرة أو خفية، يصبّ فيها النبض البشري حرارته الداخلية، جوعه إلى الصراخ، إلى التمثيل، وإلى الاشتعال على حطب الآخر، وصولاً إلى لحظة من البَرء، أو من أجل كسب الرزق، والجميع هناك، من اللاعبين المهرة إلى المتفرجين، محتالون ذوو نوايا طيبة، سواء تعلّق الأمر بكسرة الخبز، أو بلحظة الفرح التي ينشدها العابرون.

 في الثامنة مساءً، بعد أن تغلق الستي (THE CITY) أخطر مركز مالي في العالم أبوابها، ليغادر السحرة الكبار مكاتبهم، ويضع الممثلون المحترفون الأصباغ على وجوههم لتباشر المسارح المجاورة عروضها الراقية، تبدأ الـ (كوفنت كاردن)، قلب لندن المسهد، شعائرها الصغيرة، ضجيجها غير المنتظم، نداءها الأول من قرع على الطبل، أو صرخات كمان منفرد، أو أنين بوق (ترامبيت) يفتح حبجرته بجمل قصيرة استعداداً للعمل، فيخرج الجمهور من المقاهي والمطاعم والمشارب المجاورة، يختلط بما تضخه الشوارع القريبة من مارة ليتوزع على شكل جماعات، تتحلّق على فرق صغيرة ومغنين وعازفين وباصقو لهب من شتى البلدان.

 كل المهارات المبتدئة، كل أشكال الخداع الساذج، يُشترى في الكوفنت كاردن بعشرة بنسات، وكنا اخترنا، أنا وصديقتي، سياج الحديقة نسند عليه ظهرنا، مفترشين الأرض إلى جانب امرأة رثّة المظهر، رثة الحياة، منطفئة، تجلس على يمين أعضاء فرقة مرتجلة، تعزف، من نيران أمريكا اللاتينية، قطعاً موسيقية تتحرك على حرارتها أقدام الجمع المصطّف على شكل قوس منتشٍ، بينما يدفع الحماس عدداً من المتفرجين إلى الدخول وسط الحلقة لينغمروا في رقص عنيف، مرتبك، لا يختلف عن كل الحركات التي يؤديها القلب حين يتخلّص، في غمرة البهجة، من قيوده وجلده اليومي.

 كانت المرأة، بالإضافة إلى رجل مخمور جلس بيننا وبينها ليقول لها كلمتين ثم يغرق في النوم، تبدو كجزءٍ من أعضاء الفرقة، ولم نكن نهتم بموقعنا إلى جانبهم.

 بين المتحمسين فتاة إنكليزية ترقص الفلامنكو ببراعة، جذبت إليها من بين الواقفين شاباً أسبانياًً، راحا يؤديان، بضربات اقدامهما وبمصاحبة الموسيقى وأكف الجمهور، رقصاً مثيراً ضجت على إيقاعه كل أركان الكوفنت كاردن.

 مع القطعة الموسيقية الثالثة تقدم رجل متعتع، منطفئ، في أشدّ حالات الرثاثة، تخلى له الآخرون عن الوسط، ليؤدي رقصته الخاصة، بطيئة، مفككة، تقول، في حركات ثقيلة: بؤسَ الفرحُ المنتزع من البؤس، حتى لو عزفت القارات الخمس ألحانها في آنٍ واحد، فضحك الجمهور، ضحك الرجل أيضاً، وضحكنا، ثم جاء به الإنهاك ليرتمي إلى يميننا، فأصبحنا، بهذه اللفتة الكريمة، جزءً من حاشية الفرقة، وتعزز هذا الشعور لدى الجمهور حين مددتُ يدي بسيجارة أرادها قارع الطبل بإشارة من إصبعيه، حوّلتها صديقتي إلى الجارة المنطفئة، فمدّتها هذه إلى الطبال الشاب، وقال: "شكراً" فعرفت أنه من المغرب، وازداد إحساسنا بالانتماء إلى الفرقة، التي تضم خمسة شبان من الهائمين على وجوههم بين البلدان، بينهم لاعب كيتار من الأروغواي، يغطي، بعزفه الجميل، ضعف مهارة الباقين.

 كان المتفرجون، الذين مازالوا يقدمون للدائرة المنفرجة في الوسط أزواجاً جديدة من الراقصين الهائجين، يرمي المزيد من النقود كلما زادت الأوتار من حرارة عطائها، وكانت القطع ترّن ثم تهمد على الأرض قريباً منا.

 باستثناء التمرغ على الأرض، بين ثملين حطمتهم الحياة، وفرقة مبتدئين يجمعون زادهم اليومي، كنا نحاول الانغمار في لحظات الإثارة المعطاة للتخلّص، كلياً، من السحب الثقيلة التي ترتوي من دواخلنا، بَيدَ أننا كلما نزعنا جلداً ظهر جلدٌ أكثر سماكة، يأتي محمّلاً ببضاعة تالفة وغريبة لكنها فاعلة، حياء ومخاوف وتردد وضعف وانكماش.

 قالت الصديقة وهي تنهض بي من يدي:

 - تعال نذهب إلى مكان آخر.

 سألتها:

 - لماذا، والأنغام هنا ساحرة ومثيرة؟

ردّتْ: " ما الفائدة من وجودنا، نحن لا نعطي، ولا نستطيع أن نأخذ!.

___________

* (ساحة جامع الفنا) في مراكش معروفة بمهرجانها اليومي كل مساء، حيث تُعرض كل أنواع العاب المهارة والسحر.