ألعاب الآلهة *

 

الطريق يزداد وحشة، كلما خلا، مع تقدم الليل، من وميض الأنوار البعيدة، المنبعثة من المدن الصغيرة والقرى المبعثرة بين حقول الخضار، وهدأت ثرثرة الركاب منذ فترة طويلة، استسلموا إلى الصمت، أو النوم، لنسيان ريح تموز الجافة، المندفعة من نوافذ السيارة مثل لهب قادم من الجحيم، وبقي خليل وحده يتكلم عن آلامه الميتة.

كانت أشباح الليل تركض إلى جانب السيارة، تكبر لدى اقترابها ثم تختفي، ترسمها وتمحوها الأنوار الأمامية، المنفرشة على الطريق وجانب كبير من الريف، تظهر وتمّحي في سرعة، بعد أن ترجّ الصور التي ترسمها أحاديث خليل في ذهني، صور آثار الحروق البشعة على ظاهر وباطن يديه.

بين فترة وأخرى أحسب الوقت المتبقي على وصولنا، ومقاومة الملل من حكاياته بالتسلي في تخيّل المدينة التي نقصدها.

مقفرة، سنجدها، مثل كل مدن العراق الأخرى، تدوّم فيها ريح الصيف الساخنة، إلا من بعض السكارى، الذين تلفظهم الحانات، يعتمدون صور القلب المنطفئ للإهتداء إلى بيوتهم.

فجأة انفلش ترتيب الصور في رأسي، حين شعرت يده تمسك ذراعي، قوية مثل قبضة الفولاذ، كأنها تتشبث بي لتلافي السقوط خارج السيارة.

- لقد ضُربتُ على عيني! قال، وهو يغطي نصف وجهه القريب من النافذة بيده الأخرى.

كنت وراء هذه السفرة اليليلة التي تقررت على عجل، عندما اقترحت استدعاء صديق اشتهر بعذوبة عزفه على العود لمرافقتنا في المهمة التي كُلفنا القيام بها في الجنوب، أردت أن يسودها القليل من المرح، فوقع الخيار عليّ للذهاب إلى مدينة (الشطْرة) والعودة به إلى بغداد، فلم يكن بين الحاضرين من يعرف عنوان بيته، أو يقبل هذه الرحلة الطائشة غير خليل.

أصغر من عمري بكثير، طالب دراما في السنة الأخيرة، وسيم، ومهذّب، تنتشر آثار النار على يديه وزنده ببشاعة، ممزق في الداخل بين قوة الإنفعالات على المسرح، وهشاشة الحياة التي وجد نفسه فيها.

- هل ترى هذا الحرق الجديد؟ يقول وهو يحدد بقعة مشوية فوق ظاهر يده. أمس تناولت سَفّود الكباب من الموقد في المطعم، ودفنته في اللحم إلى أن انطفأ وهج الحديد، مع ذلك لم أشعر بشيء! لا الآن، ولا في اللحظة التي تصاعد فيها الدخان من جلدي. ماذا أفعل؟ أريد أن أعرف هذا الشيء الذي يسمّونه الألم!

كنتُ أضعف من الآخرين، الذين يردون في العادة بابتسامة هازئة، مستخفين بدعوى خليل عن موت الألم في أحاسيسه، مدّعين، في المقابل، القدرة على تحمّل أصناف أقوى من الألم، وليس نكرانه.

أحياناً أخبره عن طاقات غريبة في الجسد، إذا مرّن الإنسان أعضاءه بمثابرة وصل إليها، رغم أنها تبدو غير معقولة. إلاّ أنه يُحبط من آراء كهذه. كان يريد اعترافاً آخر، لا أعرف مغزاه، أو فائدته!

حين التفتُ، متسائلاً بوجهي الممسوح بالظلام، عما حدث، قال: "لقد ضُربتُ بجناح ثقيل، لا شك أنه جناح نسر ليلي".

رغم الظلمة المخيمة علينا في السيارة، بدت عين خليل اليسرى تترقرق بالدموع الحارة. "إنه نسر ليلي" عاد يؤكد.

كانت يد خليل تدفن أصابعها عميقاً في ذراعي مع ازدياد الألم في عينه، فلم أفكر وقتها بتكذيب دعواه المحيّرة، لأن لليل غرائبه الكثيرة!

لقد جرني هذا الممثل المبتدئ، الطيب القلب، إلى التصادم، ليس مع ظواهر الطبيعة الغامضة، إنما مع حقيقة نفوسنا، وتركيبها المعقد.

أعرف أن للطرق أشباحاً خاصة، في الليل كما في النهار، تخلقها العيون المجهدة لمن يسافر لفترات طويلة، إلاّ أن الشبح الذي صفع خليلاً منذ حين لا تستطيع العيون رؤيته، إنه شبح ثقيل، صنعته حروقه اليائسة، وروحه المزعزعة، لذلك قررت أن أمنحه ضعفي ليتكيء عليه.

-       غطِها بهذا المنديل، قلتُ بما يشبه الأمر وأنا أقدم له منديلي.

كان زجاج النافذة مغلقاً، وسليماً، لم تهشمة الهجمات الغامضة، مع ذلك دخلتُ اللعبة بشيء من الرضا، فقد وجد الألم، أخيراً، طريقه إلى أحاسيس خليل الميتة!

هذا الشاب الذي لا تنقصه الجاذبية، وله خطيبة جميلة من نفس عمره، يعرف في قرارة نفسه أن لكل شخص حوله لعبته الخاصة، بَيدَ أن أياً منهم لا يعترف، حتى دمار العالم كله، بلعبة الآخر، لهذا كنتُ ملاذاً رحيما لما يسميه "أزمته"، التي يريد أن يتفوق بها على الجميع، فهل أخذله، وقد بلغ أعتاب الخلاص، عبر ضربة جناح هائم في الليل؟

إنها لعبة في غاية التعقيد، لكنها تخصّه وحده، لأنني مسؤول عن عودته سليماً في حياته، كما أخذته، ولا شأن لي بأوهامه!

_ ولكنك لن تصدّق! أضاف، وهو يرفع إليّ عيناً تتلألأ فيها دموع بحمرة اللهب.

- لماذا تعتقد هذا؟ تساءلتُ بإستنكار، مقدماً لآلامه البكر كل ما تستحقه من ود، عِبرَ لهجة حنون.

رغم سرعتها، بدا أن السيارة تتقدم ببطء شديد نحو المدينة، وخليل يطالبني بالمزيد من الإذعان، كنت أبحث في كل مرّة عن الكلمات المناسبة لتأكيده.

لا نفقه، نحن أبناء تموز، حقيقة هذا الإله الذي دفعتنا الموجة الصاخبة للتعبّد له، فقد ولدنا في بيوت تعرف الله، لكن لمعان التروس والرماح الطويلة، وضخامة الرؤوس المنحوتة من الحجر الخشن، وسحر الأناشيد التي تغني، في رتابة الصيف ورطوبته الساخنة، المجد والقوة وهياج الأفخاذ في شخص واحد، أغرتنا بتبني أب ضخم الأوداج، تغرف عيناه الجاحظتان من الخلود بلا حساب، لا نعرف كيف نتأمل ورطته مع الحياة بمشاعر هادئة، لسبب فاتنا جميعاً، هو أننا أبناء غير شرعيين، فكيف أوضح لخليل، وقد أمسكتْ يده الثانية في تلك اللحظة مقبض الباب، أننا نلعب خارج المسرح، وليس داخله؟

- لا تعرّضها للريح، لأنها تزيد إلتهابها، قلتُ بلهجة حازمة أرضته قليلاً. في تلك اللحظة، ارتعبتُ من فكرة أن يسكره الغرور، فيفتح الباب ويقفز من السيارة.

- بدأ الوجع يمتد إلى أعصاب رأسي! قال كأنه يعتذر من الإزعاج الذي سببه الطائر الأحمق لي وله.

قلتُ: "بعد قليل نصل المدينة، وسيخفف الماء البارد الكثير من الألم"

قال: "لا أعتقد!" ثم أضاف بثقة غريبة. "سوف يبقى الألم لفترة طويلة، لكنني أستطيع إحتماله".

قلت: "بالتأكيد"

بعد لحظات قال: "لو تنفخ على عيني، ربما تتوقف الدموع!"

إنصعتُ على الفور، ورحتُ أنفخ برقة على عينه، فأضاف:

- لكنهم لن يصدقوا، إذا لم....

بسرعة تراجعت إلى الخلف، ونظرت إليه من مسافة صارمة، لا أدري إن كان السبب انبعاث رائحة معدته الفارغة، الكريهة، بوجهي لدى كلامه، أم الشعور بأن مطالب صاحبي تزداد تعقيداً، ويتوجب عليّ أن أضع حدوداً للعب، قبل أن يلتهمني عن آخري!

لقد واتتني الفرصة للقيام بهذه الحركة، وتلزمني الشجاعة لعدم التفريط بها.

- لن يصدّقوا، حتى لو فقدتُ عيني! عاد يؤكد، مغلّفاُ كلماته بمزيج عكر من التهديد والإشفاق على الذات، بينما يده تهزّ مقبض باب السيارة بعصبية، تفسر، بوقاحة، الرغبة الجديدة التي يساومني عليها. إنه يطلب شهادتي على ما حدث!

"إذا أردتَ أن ترمي نفسك، لن أمنعك". قلتُ من دون أن احوّل نظري عن وجهه المغمور بالظلام. "هيا، اقفز..."، أضفتُ ودواخلي تضطرب خوفاً من أن يفعلها. "مرةً واحدة وتنتهي كل أزماتك!" رحتُ أشدد الخناق عليه، وعلى ضعفي. "اقفز! ما الذي يمنعك...؟"

الآن، وقد إنقلبتْ اسس اللعب، أصبحتُ أشعر القوة تغزو شواطئ جديدة من إرادتي، كلما لمستُ الضعف في موقف خليل.

"لماذا لا تقفز؟" قلت بتحدٍ قاس، أتابع بلا مبالاة إنهياره البطيء، فقد انتزعتُ من يده آخر الحيّل، وإندفعتُ ألوي تصنعه وعناده بقبضة من حديد. لقد تلبستني شجاعة مباغتة، رحتُ أستمتع بنشوتها، وكلما تأكدتُ من ثباتها أزدادُ قسوة ووحشية!

- هل تريد أن أفتحُ لك الباب؟

في الخارج، بدا الليل أكثر صفاءاً، اختفت منه الأشباح، وتراجعت النسور إلى أوكارها، وفي ظل هذا الصفاء كان السائق يدخن ويجابه أضوية السيارات القادمة، وموجات الهوام والحشرات، تضيء لوهلة، ثم تنسحق على الزجاج الأمامي. كان يقاوم السهر بصمت، وهو يحمل على كتفيه المتعبتين بضاعته الصغيرة من الركاب، يحرم عينيه من النعاس أو السهو ليصل بها في أمان، قبل أن يعود إلى بيته وزوجته وأولاده، ليغفو على فراشه باطمئنان.

في الداخل، خيم الهدوء على الجميع، إلاّ من نحيب مكتوم كان يتصاعد من رأس خليل المنكفئ في الظلام.

ما زلتُ مندهشاً من السطوة التي نهضتْ في وجداني منذ حين، أفكر، بعاطفة موزعة بين الإعتداد بالنفس والخوف من السلاح الثقيل الذي يملأ قبضتي، بالإنتشاء الغريب الذي طربتْ له دواخلي وأنا أسحق، بلا رحمة، الجوانب الهشة في نفسية هذا الشاب، وحيثما وجدتُ سبيلاً إلى ذلك!

ربما تكون قسوتي قد خلصته من أزمته، حررته من ظلال التماثيل الخشنة، والعيون الحجرية التي تغرف ببلاهة، طوال خمسة آلاف سنة، من الخلود، لكن، كيف أتخلصُ، أنا، من الأحجار الثقيلة والهائلة، التي أكتشف للمرة الأولى وجودها، مدفونةً في أعماق نفسي المظلمة منذ ملايين السنين؟

*  *  *

نشرت في جريدة الحياة تحت عنوان: حجر الإثم