التيه

 

لم يعد في الصحراء بقاع مجهولة، ولا ربوع خالية، أو سكان لا يعرفون شيئاً عن حياة التمدن، فمهما توغلت في الرمال، لن ينقضي نصف نهار أو أقل، إلاّ وتشاهد من بعيد سيارة تشق متون الصحراء، مخلفة وراءها شريطاً طويلاً من الغبار، هذا وتكون أنت بالذات، تراقب عبر سيارة أقلتك إلى تلك الأراضي.

وما يقال عن مفازات خطيرة، وسحب مضللة، ليس أكثر من خيالات، وتكرار لصور قديمة، متناقلة، إلى أن تعطلت سيارة هارولد في إحدى المناطق البعيدة، وهو رحالة مغمور، افتعل موضوعاً يسعى وراءه، بعد أن نفدت كل مواضيع وأهداف الرحالة السابقين.

كان التهور صفة ملازمة لشخصية هارولد، حتى وهو ينوي عبور مناطق تبلغ فيها الحراة الشدة التي تكفي لأن يُسلق البيض بين القن والسلة كما يقول المثل، وفي الصحارى التهور لا يعني الجسارة، بل يعني أن تصنع نعشك بيديك، مع ذلك اقتحم هارولد الصحراء بسيارة اللاندروفر قبل مراجعة حساباته.

حسناً، لقد نفد الوقود نتيجة تعجل وسوء تقدير هارولد، ثم تبع، هو وما خف من أغراض وأدوات، قافلة كانت مارة في الإتجاه المعاكس لرحلته.

لم يدعه أحد أفراد القافلة للإنضمام إليه، بل توقف الرجال وابلهم ينظرون لفترة طويلة، في صمت، إلى هارولد وسيارته المنكفئة على حافة الكثيب، بعدها واصلوا حداءهم وساروا، فلم يجد الرحالة المقطوع بداً من السير خلفهم.

الذي جاء بهارولد إلى هذه القفار، بعد أن تعلم لغة سكانها وعاداتهم، الرغبة في جمع كمية من الصَدف والأحجار، يقول إنها ستدعم نظريته عن وجود نهر مندثر، يشق الصحراء من أدناها إلى أقصاها، يعود تاريخه إلى العصر البرونزي الأول، وعندما سأله رئيس القافلة وشيخها كيف يكون الصَدف؟ خط الرحالة على الرمل قفا محارة، بعد أن عجزت لغته عن التوضيح، فتأمل الرجل فيها طويلاً، ثم قال: "أنت تبحث عن اليربوع يا ولدي، وفي هذه الديار لا يوجد أثر لحيوان!".

منذ اليوم الثاني احترقت بشرة هارولد الرقيقة، وتفلّعت قشرتها، وعجزت كل المراهم والدهون عن تخفيف أوجاعها، ولم يمض إلا اسبوع، حتى نضبت القِراب، وتعين على القافلة السير في الليل والنهار، لوصول العين القادمة مع مشرق النهار الثالث.

حين فهم الرحالة الأمر، فرش خريطته على الرمل، وسرعان ما تحلق حوله الرجال، يتطلعون في صمت إلى الخطوط والألوان الغريبة التي انكب عليها ضيفهم الأصهب، مثل ساحر يوشوش للعفاريت.

كانت البوصلة والخريطة تؤكدان أن القافلة تتخذ الإتجاه الصحيح في سيرها، وأن سلسلة الواحات والأفياء تنتشر على طريقها، لكن أياً من هذه النقاط، المعلّم عليها، لم يظهر للعيان، فأين يكمن الخطأ؟

لقد مر هارولد بنفسه على تلك الواحات أثناء مجيئه، والقافلة تعود من ذات الطريق، فكيف اختفت تلك الأجمات الخضراء، الوافرة المياه؟

غرُبت شمسان، من دون أن تبلغ القافلة عيناً، وكان الرحالة، الذي يشارك القوم لبنهم وبلحهم، يريد أن يربط وجوده بفائدة ما، لذلك ظل يتقدم الآخرين، وفي كل الاتجاهات، علّه يزف إليهم الخبر السعيد، حالما تعثر عيناه المحمرتان على طيف بعيد يومئ إلى واحة، أو قافلة.

احدى المرات انحدر من تل رملي، والحقيبة ترتج على ظهره، جاء يرهو في مشيته المسرعة وهو يصيح: "أتلال... أتلال" ويعني بذلك أطلالاً.

واصل الرجال سيرهم من دون أن يرف لهم جفن، بينما هارولد يصرخ ويشير بيده، وحين تجاوزوا ظهر التل، وبانت الأطلال واضحة لا تخطئها عين، قال شيخ القافلة، يخاطب عيني هارولد اللتين تدمعان من الوهج والحيرة، إن الأطلال تعني مدناً مهجورة نضبت آبارها، فلن يبددوا الوقت في المرور عليها.

إضافةً إلى المنافع الجمة، التي ظل هارولد يسعى وراءها بلا جدوى، اقـتـنع أن طواف القوم، الذي لا يدرك أسبابه ولا مراميه، فرصة ثمينة لتعلم المزيد عن حياة مضيفيه وطريقة عيشهم، وحتى دقائق سلوكهم.

مع غروب الشمس الثالثة سيطر الإرهاق على الرجال. بقروا أحد الجمال، وتقاسموا الماء المخزون في جيوب مِعَده، من دون أن يأكلوا من لحمه، لئلا يشتد عليهم الظمأ، وناموا ليشبعوا أبدانهم من الراحة.

هارولد، الذي استبشع العمل الذي قاموا به أمام أنظاره، وكرهته نفسه، لم يرفض حصته من الماء، لأن شفتيه تفطرت من العطش، وأصبح الجفاف يكوي أمعائه.

في اليوم التالي شدوا الرحال على عجل، وبدأوا السير قبل أن تظهر خيوط الضوء الأولى، وعندما توسط النهار، تلبثت الشمس في مكانها، وكأن الزمن توقف في السماء وعلى الأرض، فالتهبت الرمال بالحر، وتصاعدت إلى الأجواء غشاوات القيظ الخانق، بينما الحداء يرتفع من حناجر الرجال، يستحثون به الابل على الإمعان في السير.

في البداية كان يخفي سعادته بالشِراك التي تضعها الصحراء في طريق رحلتهم، لأنه بحاجة إلى مغامرة مشوقة، مصاعب خطيرة، تضفي على مهمته الإثارة، وتنقذ ذهابه وأيابه من طابع السفر العادي، بَيدَ أنه الآن يشعر بالقلق من الغموض الذي يشوب توجه القافلة.

هارولد واثق من أن أدواته وأساليبه كانت تعمل بدقة، غير أن السياق الذي تتخذه الرحلة يقودهم إلى الضياع خطوة أثر خطوة.

بعد منتصف النهار سُمع صوت غامض، أشبه بصدى نداء قادم من بعيد، أو تدهور شيء كبير. طار هارولد من الفرح، التفت إلى الرجال ثم ركض، متناسياً وقاره على الصورة المألوفة للأشخاص التائهين في الصحراء، عندما تبرز أمام أبصارهم، وهم في الرمق الأخير، مضارب خيام وماعز يرعى وصبيان قادمون.

هرع نحو كثبان قريبة، لا شك أنها تحجب خلفها الأمل الذي صرخ في آذانه بعد ثمانية أيام من الجوع والعطش، بينما واصل بقية القوم سيرهم، في ثبات، ومن دون أن تترك فرحة هارولد، ولا ركضه، أثراً على سيمائهم.

وقف إعلى الكثبان ونظر، مرة بعينيه، ومرة بمنظاره، فلم يجد إلاّ الفراغ والصمت. عاد كسير الخاطر، وانظم إلى الآخرين من غير أن ينبس بشيء، إلاّ أن الصوت نادى من جديد، وفي هذه المرة أقوى، وبصورة متتابعة.

كانت طبولاً حقيقية تقرع في رأس هارولد. لحق بالشيخ في مطلع القافلة يستفسر منه، قال هذا: "إنها الرمال المُغردة من تُحدث هذه الأصوات، فلا تتبع مصدرها، لأنك لن تصل إلى شيء". وحين طلب الغريب مزيداً من التوضيح، تحدث الشيخ عن حبيبات رملية، تنزلق بالملايين على سطوح الكثبان، فتحدث صدىٍ في الوديان، يتضاعف ويتضاعف إلى أن يصير دوياً صاخباً يروّع القلوب.

ها هو شهر ينقضي، والرحالة يتبع القافلة في رحالها المستمر، المشوّش. كان رجالها يسيرون، ويقطعون الفيافي كأنهم يعرفون سبيلهم، يلازمهم الهدوء، والصبر، ولم تعبر وجوههم السمراء، الملفعة، أية إشارة على الخوف، أو التردد أو اليأس، متوغلين في سهوب ووديان وقفار ما خطرت على بال أحد، ولا ظهرت في أدوات البشر وتقديراتهم، وكلما سأل هارولد الشيخ، أو أحد رجاله عن المكان الذي تقصده القافلة، وموعد وصولها، يأتي الجواب واحداً: "لا يعلم إلاّ الله".

بعد شهر تيقن د. ف. هارولد، أنه هالك لا محالة!

مثل بقية الرحالة الذين سبقوه، وعلى مألوف عادتهم، ثابر هارولد على كتابة مذكراته. اليوم أشار إلى هزاله، والاعياء الذي أصاب جسمه، وبداية اختلاط الصور في خياله، وفي حديث قبل النوم مع الشيخ ورجاله، اعترف أنه شاهد أثناء النهار، ولعدة مرات، جبالاً خضراء كانت تقترب من القافلة، جبالاً عالية، وودياناً تجري فيها مياه عذبة، وأشجاراً محملة بثمار وفيرة، تتدلى حتى تكاد تبلغ الأرض، ونساء جميلات في ثياب بيضاء، وشباناً في مثل جمالهن، وأطفالاً يلعبون في سلام، بينما آباؤهم يعدون لهم الشواء في نزهة (بيكنك) يوم أحد تغمره الشمس.

حالما خرج هارولد قاصداً إحدى الخيام للنوم فيها، أطرق رئيس القافلة وشيخها، ليسرح في تفكير عميق، بينما الرجال من حوله صامتون، كأن على رؤوسهم الطير.

قال الشيخ بعد أن شاور عقله طويلاً: "إن الغريب رأى الجنة رأي العين، فهو أما رجل مبارك، أو شيطان يتبعنا ليغوينا، وعلينا الترقب والإنتظار".

كلف ثلاثة رجال لمراقبة الغريب، ولكن الذي حدث أن عيون الجميع انهمكت تحصي حركات هارولد وأنفاسه.

منذ الليلة الأولى التي تكلم فيها الأصهب عن الأشجار والمياه، ثم هجع في خيمته قرير العين، جمح النوم في عيني الشيخ، وتغيرت طباعه. خيم عليه شرود ثقيل. كان يقضي النهار في التفكير، يرد على كلام رجاله بهزة مقتضبه من رأسه، وفي الليل يجوب الرمال الساكنة، شابكاً يديه خلف ظهره، بعيداً عن ذِمار قومه، يتأمل أسرار الظلام والنجوم المتلألئة في السماء.

بعد شهر ثانٍ عصيب، ابركتْ ناقة وعُقرت، وشبت النار في أطراف العاقول اليابس، لتضيء الصحراء من كل الجهات، وتغطيها بدخان اللحم المسفود.

تلك الليلة أكل القوم وطربوا، وشربوا المزيد من القهوة، تكريماً للنعمة التي حلّت بهم، إذ توصل الشيخ، يحدوه إقتناع كبير، أن الغريب رجل مبارك، وأن الرؤى التي تهل عليه هي صور لا لبس فيها للجنة، وليس لأي مكان آخر في هذا العالم الفاني.

في اليوم التالي مرت غيوم مسرعة، ألقت خيالاً من المطر، سرعان ما تبخر حتى قبل أن يصل الأرض، فهلل الرجال واستبشروا وتعززت ثقتهم في سنينهم المقبلة.

- حسناً أيها الرجل المبارك! قال الشيخ بعد أيام. هل تنقذنا من التيه الذي نحن فيه!

استغرب هارولد الطلب، وراحت عيناه الزرقاوان تبصبصان في الوجوه المحروقة التي تحيط به.

"إذن، كنت أتبع تيهكم كل هذه الأشهر ؟" قال في دخيلته، وقد أخرسته الصدمة.

- كنت أظنكم تعرفون الرمال التي تمشون فوقها! صاح هارولد، ينقل نظره من وجه لآخر.

- الرمال لا تهدي أحداً، ولا تعطي شيئاً، أجاب الشيخ في وقار أليم.

اسقط في يد الرحالة وهو يتلقى رد مضيفه، ثم سأل، بعد فترة من التفكير:

- منذ متى أنتم تائهون؟

- منذ سنين، قال الشيخ، ثم لزم الصمت، وبدا أنه مستعد للانتظار إلى أبد الدهر جواب الرحالة على سؤاله.

أخرج دنيس فيل هارولد عدته من الحقيبة، بوصلة وخريطة ومنظار، بعد أن كان حفظها لشعوره أنه لم يعد في حاجة إليها، وانهمك في العمل، تظلله الأكتاف والرؤوس الملفعة، الملتفة من حوله.

لم تمض إلا فترة قصيرة حتى صرخ بهم:

- اتركوا لي فسحة من الضوء أعمل عليها.

فتقهقروا إلى الخلف.

ردد في دخليته: "إذا كنت سأقودهم إلى الخلاص، فعليهم أن يتبعوا أساليبي في العمل".

عندما عثرت الشرطة، بعد حفنة من السنين، على هذه القبيلة الصغيرة، المتمردة، التي أدخلت الرعب في  قلوب سكان البوادي، ليس من أعمال النهب والسلب التي لم ترتكبها، إنما من صيتهم في اقتراف تلك الأفعال، وجدوا هيكلين عظميين، يشير اصبع كل منهما عكس اتجاه الاصبع الآخر، وبين الهيكلين، على مسافة قليلة، عظام بشر وابل تكومت فوق بعضها، وتناثرت بينها أوراق أتلفتها الشمس والرياح والرمال.

"لقد جمعتنا، وستقضي علينا، علاقة غريبة، إذ كنتُ ممزقاً بين إجلالهم لي وخوفهم مني، حبهم لما أفعل وحقدهم عليّ، رعايتهم لي وضيقهم بوجودي!".

كانت تلك المَزقة الوحيدة التي أمكن قراءتها، مما خلفته رحلة غير ميمونة، ظلت وجهتها غير معروفة مدة طويلة من الزمن.

*  *  *