أهوال النوم

 

  لا اذكر متى بدأ نومي يضطرب، وهذه نقطة مهمة إذا ما عرضتُ حالتي على طبيب، لكنني ليلة أمس استيقظت ثلاث مرات، محاولاً في كل مرة أن انفض من رأسي آثار مشاهد مفزعة، وكانت الثالثة اشدّ إيلاماً، حيث دفعني إلى اليقظة ثقل هائل يضغط على صدري واختناق متقطع في أنفاسي، فجلست منتصبا في الفراش، محاولا بمشقة عبور تلك اللحظة القصيرة من الذهول، التي تفصل الحلم عن اليقظة، وحين تماسك وعيي وأدركت أني على الضفة الأخرى، الضفة الآمنة، تلاشى الفزع، وبدأت اهدأ ببطء. كنت غارقا في العرق.

   في السابق لم تكن هذه الأحلام تستغرق وقتا طويلاً، أو هذا ما بدا لي، ولكن ما يقلقني الآن هو الإعياء الذي أصبحت أحسّ به أثناء النهار، في عقلي وفي جسمي، خاصة في فترات العمل. فالأحلام تحدث مرتين في العادة، موزعة بدقة خبيثة على ساعات النوم، أول الليل ومطلع الفجر، وهي اللحظات العميقة من النوم، حلم أول الليل يؤرقني ويقلّبني على الفراش ساعات طويلة، منهكة، وحالما أغفو قبل الفجر بساعة أو بساعتين، يضرب الحلم الثاني ضربته، بتوقيت يحطم الأعصاب. إنها أحلام تكرر موضوعا بذاته، لا تتغير إلاّ التلوينات والأماكن والأصوات، أي الديكورات، التي هي بحد ذاتها سبب ترويع الأعصاب وشدّها إلى أقصى حالات التوتر والهلع. فإذا نحينا، على سبيل المثال شخص السيد الرئيس الذي يظهر كل ليلة في الحلم، لما خففت الصور الأخرى من تأثيرها المفزع.

   إن طرقاً غامضة وأصواتاً متوحشة ووجوها مشوهة وألوانا بارقة مرعدة، تشكل كل ليلة بدايات غريبة ونهايات اغرب لأحلامي، وعادةً تبدأ الأحداث هادئة مطمئِنة، انقاد لها بسلاسة، ثم تتوتر وتتلاحق لتنقض على رأسي في النهاية شتى أنواع الكوارث، ولا تتغير هيئة السيد الرئيس إلاّ قليلاً، فهو يظهر ببدلة عسكرية مثقلة بالنياشين، يلازمه على الدوام حبل طويل، ينتهي بأنشوطة، مدهونة جيدا بالشحم، كي تطبق لأتفه ثقل. في الغالب يبدو نافد الصبر، لا يطول به الأمر حتى يشدني من قدمي إلى عربة بحصانين فتيين، يقودها بأقصى سرعة، أو يربطني إلى شجرة ضخمة ويروح يسب  ويلعن أمامي، أو أفاجأ به واقفا أمام باب المكتب الذي اعمل فيه، يلوح مبتسما بالأنشوطة.

   هذه المشاهد المفزعة التي يخلقها الوهم الغافي، تتكرر وتقلق نومي كل ليلة، ويمتد تأثيرها إلى نهاري بأشكال مختلفة. إن حياتي بسيطة، عادية، خالية تقريبا من المشاكل مع الناس، داخل العمل وخارجه، لذلك أجد صعوبة في تفسير إلحاح هذه الأحلام على تعكير نومي. إنني اقرأ مجلات عن حياة الممثلين وأفلامهم الجديدة، واختار روايات عن قصص غرامية تخلقها أخيلة مؤلفين خالي البال، وصداقاتي محدودة جداً، تجذبني إلى الأشخاص طبيعتهم المسالمة، أسهم كما هو مطلوب من مواطن صالح، في كل أفراح الدولة وأتراحها، بمعنى أنني لا اخفي شيئاً يطحن رأسي في النهار، ويطلقه لا شعوري في الليل، فماذا عساها تكون هذه الأحلام؟

   طبعاً لم أحاول يوماً البوح بهذه المسألة، لأن التفكير في عرض واحدة من رؤاي الليلية على شخص ما يخيفني اشد الخوف، حتى لو كان اعزّ أصدقائي، وهذا التكتم أدعى إلى الاطمئنان. والدتي يمكن أن اهمس لها بما أعانيه في نومي من اضطراب، ولكن والدتي امرأة بسيطة، غير متعلمة، لا تملك سوى حنانها، فلن ينفعني في شيء إطلاعها على كوابيسي، اللهم سوى إزعاجها وتعميق قلقها. كانت تراقب، بصمت حكيم، جفنيّ المسهدين، وشرودي، وموت شهيتي، وصوت لهاثي في أعماق الليل.

   ولكن، ماذا ينبغي أن افعل؟. إن عنقي مهددة كل ليلة.

   ليس بوسع فرويد، ولا زمرة المحلّلين النفسيين من أتباعه، أن يدلوك على طريقة واضحة، عملية، تعالج حالة لها خصوصية شاذة مثل حالتي. صحيح، هناك تشخيص لبعض حالات تشبه، ولكن من بعيد جداً، جوانب من حالتي، أما هذه العلاقة الكابوسية الحميمة، بين أعلى رئيس للدولة وبين مواطن مغمور مثلي، فإن جميع المحللين النفسيين لم يخطر ببالهم أنها قامت في الماضي، أو ستقوم في المستقبل، مع ذلك، اليوم اشتريت كتاباً ضخماً في علم النفس، وانهمكت مع صفحاته المملّة ثلاثة أيام متوالية، دون أن اكشف لأحد غرضي الحقيقي، وفي النهاية ماذا وجدت؟ خيبة أمل ثقيلة.

   إن الكتاب يتناول علاقة الإنسان بالأشياء والأفعال المحيطة به، وحسب رأي المؤلف، فإن هذه العلاقة إذا تعرضت لخلل ما، تؤدي إلى ستة وخمسين نوعا من الاضطراب تصيب أعصاب المرء وتؤثر على نومه، ولكن ليس بينها حالة واحدة تشبه مأزقي.

   هناك ملاحظة عابرة لفتت انتباهي، بين ركام هائل من التلميحات والتحليلات، مفادها أن الأشخاص الذين يقومون بأعمال جسدية مرهقة أثناء النهار لا تراودهم الأحلام إلاّ في فترات بعيدة. حسن، لماذا لا أخوض هذه التجربة!

   استعرضت أعمالا شتى مرهقة، فكّرت في البنائين، الحمالين في الموانئ، الحدادين، موقدي الحمامات، الباعة المتجولين، هؤلاء جميعهم مرتاحون في نومهم، إذا صحت أقوال المحلّلين، لكن كيف أستطيع الوصول إلى إرهاقهم البدني من دون تغيير عملي؟. إن كاهلي الضعيف لا يتحمل أكياس الطحين، أو ليّ الحديد، ولا إيقاد الأفران، سأكون كمن يستبدل كارثة بكارثة، والحالة بمجملها عابرة، فلا بد من اختفاء الأحلام يوماً ما، ويعود لي نومي الهنيء، إذن لأمسكنّ العصا من وسطها، من وسطها بالتحديد.

   انتهى نهار العمل بيسر هذا اليوم، وبدا الحرّ خفيفاً في الخارج، فعقدت العزم على البدء بمشواري، الذي صممت عليه منذ أمس، أن أذرع الشوارع طولا وعرضا، كل فترة ما بعد الظهر، لن أعود إلى البيت حتى تنهك قواي تماماً.

   منذ البداية بدا الأمر لا يخلو من تسلية أيضاً، لأن المشي بحد ذاته عملية ترويض مفيدة، وقبل المغيب سمعت صوتا ينادي خلفي:

   ـ ما بالك تجري مثل المجنون؟

   استدرت، كان رافع يحث الخطى ليلحق بي. موظف من نفس المكتب الذي أعمل فيه. قال بعد أن تصافحنا إنه رآني مرتين أروح وأجيء في هذا الشارع. فتوجست خيفة، لمت نفسي على إهمالي، إذ حين تطرق شارعاً مرتين في اليوم، يعني أن تجلب الريبة إلى نفسك. كيف غابت عن ذهني هذه الحقيقة البسيطة. تحدثت مع رافع قليلاً، في أمور عادية، أخفيت عنه سبب تجوالي العشوائي، ثم افترقنا، وعدت أواصل السير.

   مع الغلالة الأولى لعتمة المساء عدت إلى البيت، الفترة التي يعود فيها كل الناس، تقريبا، إلى بيوتهم ولا يخرجون منها، كنت منهكا تماماً، إنهاكاً أشعر به بلذة، مستعجلا كل شيء حتى تقترب فترة النوم.

   إن التفكير في ثمرة تجربتي يعزيني هذا المساء عن كل شيء، وحين شعرت بأول بوادر النعاس ألقيت بنفسي على الفراش، ولدهشتي وسعادتي غرقت بسرعة في نوم هادئ عميق، صحوت نشيطاً مرحا، ورحتُ أسير بغبطة، في نفس الدرب الذي اقطعه كل صباح إلى العمل، ثم قادتني يد ودودة إلى طريق آخر، وفي الحقيقة كان جسرا طويلاً يحف به جداران شاهقان، لا أذكر أني رأيتهما من قبل، بدأت اشعر بثقل مزعج فوق كتفي، كيس مليء بالصلصال الأحمر وضع على ظهري، من نوع صلصال الجدارين، حاولت التخّلص من حذائي، لا أذكر لماذا، فأحسست وعورة مقززة، حراشف زلقة، إنني أسير فوق ظهر تمساح نائم، مديد، هائل، ركضت، ركضت على طول التمساح، محاولا بلوغ الطرف الآخر دون جدوى، انطلق صوت أبح وبإلحاح. لماذا رميت الكيس على ظهرك؟ كان يقف خلف بركة صغيرة، السيد، القائد، يحمل بيده الحبل ذاته، وفي طرفه الانشوطة، تتأرجح بين ضوء عابس وظل قاتم، شعرت بانزعاج، بعجز أليم عن الإجابة: "لماذا رميت الكيس عن ظهرك؟" كرر السؤال، على وجهه نفس الابتسامة التي نراها في الصور، إلاّ أنني كنت ألهث، وأخوض في البركة تدب على قدمي العاريتين زواحف بشعة، معجونة بالوحل، غير قادر على الإجابة، وغير قادر على التخّلص من الوضع الذي أنا فيه، أصبحت الزواحف تطوق رقبتي، فبدأت أصرخ، وكلما حاولت الخروج من البركة يدفعني الرئيس القائد إليها. كنت أعارك من بعيد، يسيطر علي خوف مريع، وبدأ السيد الرئيس يصرخ ويبكي ثم اهتاج، اهتاج مثل سماء مرعدة. أفزعني اهتياجه اكثر ممّا عداه، إذ بدا من الصعب التكهن بالخطوة التالية التي سيقوم بها، فرحت انكمش متراجعاً، اردد مع نفسي هلعاً، ماذا سيفعل؟ ماذا سيفعل؟ ثم فجأة استيقظت، كل بدني يهتز من الرعب. وحين هدأت استرجعت أحداث الحلم رغماً عني، فظلت لزوجة الزواحف والديدان وصورة الأنشوطة عالقة في ذهني، واستمرت طوال اليوم التالي.

   بدأ الصيف يخفف أواره، وشهدت الليالي نسمات رقيقة لاذعة، طلائع الشتاء الأولى، ولم يطرأ أي تحسن على حالتي، بقيتْ الكوابيس على وتيرتها، بل يمكن القول إن المشكلة تفاقمت، إذ اتخذت مشاهد الترويع الليلية طابعا جديدا، طابعا وحشيا. أمس مثلا، كانت هناك أوصال بشرية مقطعة، ورأس محزوزة دامية، ورجل تذبح ذكورته، وطفل يؤكل أمام أبويه الهلعين، وساق مقطوعة أمام باب بناية تعج بالعويل، كلب ينبح ويتخبط، محاولا التملّص من فأر ضخم ينشب أسنانه في ظهره، ومشاهد أخرى تتلاشى من الذاكرة حالما أقفز من الفراش. هذا الإلحاح الجديد على الصور الدامية أصبح يقلقني كثيراً، لأنه يحطم أعصابي بعد كل كابوس، ويخلف إجهاداً ساحقا على قواي.

   إن الأحلام في العادة، حتى البشعة منها، تترك آثارا مزعجة خلال اللحظات الأولى لليقظة، ثم يختفي كل شيء بعد أن يعود المرء إلى النوم، وأغلب الأحلام تنسى في اليوم التالي، هذا ما أعرفه، على الأقل من تجربتي القديمة قبل أن يداهم الاضطراب نومي، إلاّ أن حالتي في هذه الفترة خرجت تماماً عن كل حدود الاضطراب الليلي المعقول، فحين أصحو من الكابوس يلازمني التعب والإجهاد ساعة كاملة، وأحياناً ساعتين، أجلس في الفراش مسحوقاً، مثل الخارج لتوه من نوبة صرع قوية، وفي الصباح اذهب إلى العمل منطفئاً، أجرجر قدميّ بإعياء شديد، وتتزاحم في رأسي مشاهد الليلة السابقة.

   لم تعد هيئتي خافية على أحد. ما زالت أمّي تلتمس الحكمة في الصمت وهي تراقب حالتي، وهذا مطمئن بالنسبة لي، ولكن أحد الموظفين ألمح هذا الصباح إلى القتامة حول عينيّ، قال مازحاً إن السُكْر هو السبب، فأنكرت على الفور. عاد يقول إلى الآخرين بنفس المزاح البريء:

   ـ له أسراره الخاصة، العَرق أحدها.

   أثناء عودتي إلى البيت سار إلى جانبي عمي جابر، في الستين من عمره، تشكى بلوعة من ابنه على امتداد نصف ميل من المسير، قال إنه يسكر كل ليلة، مع أصدقاء السوء، وينام ويشخر مثل ثور الدريس، نسكب على وجهه جردلين من الماء كي يصحو، والنتيجة أنهم سلموه الإنذار الأخير، لأنه يصل العمل متأخرا كل يوم. قبل أن يحلّ الغروب، كنت اقف متردداً أمام إحدى الحانات.

   بعد أن تركني عمي، لمعت في رأسي فكرة السكر. لم لا الجأ إلى السكر؟. إن السكر، كما هو معروف، يجعل النوم ثقيلاً، هامداً، وبهذا الوضع يصعب تسلل الأحلام إلى الرأس المخمورة. ولكنني سرعان ما تركت الفكرة لما يترتب عليها من عواقب، اقلها الإدمان وما يجرّ على الإنسان من دمار.

   بعد الظهر، عاد موضوع السكر يضرب في رأسي. إن حالة اليأس التي بدأت اشعر بها، والتشويش الذي أصاب حياتي بأكملها، يجعلانني مستعداً للتشبث بأية بارقة قد تقودني إلى مخرج، فلم لا اجرب الخمور؟ في الأخير دخلت الحانة.

   كان السيد الرئيس يخطب في جهاز تلفزيون، على قاعدة مرتفعة تتصدر القاعة. سبق أن شربت بضع قناني بيرة في مناسبات مختلفة، على فترات متباعدة، ولكن الوصول إلى الحالة التي يبلغها ثور الدريس في النوم يحتاج مشروباً أقوى من البيرة. ربع قنينة عرق، قلت للنادل، وجلست انتظر قلقا.

   كان الشاربون مكومين على موائد مكتظة بالمأكولات والقناني والكؤوس، والرقاب مشقولة نحو التلفزيون. كنت اجلس إلى طاولة بعيدة، في آخر القاعة، أنظر مترددا إلى كأس العرق أمامي، هل أجرعه مرة واحدة، أم على جرعات صغيرة؟

   منذ أن تكالبت علي الأحلام، وبدأ الوهن يحبط قواي، تغير الكثير من طباعي، أصبحت نافد الصبر، سريع التعذّب، كثير العجالة في معرفة النتائج. وفي هذه اللحظة بالذات أنظر إلى الكأس بخوف، وفي نفس الوقت برغبة كبيرة في سكر سريع يطرحني على الفراش. في النهاية حزمت أمري، شربت نصف الكأس، وتغلبت بسرعة على اشمئزاز متشنج طاف في حلقي، ثم شاع في كل رأسي. إن أكثر ما يخيفني هو الوصول إلى حافة فقدان الوعي، التي كثيراً ما شاهدتها على المخمورين.

   قال السيد القائد: "إن الطماطم تنضج قبل الأرانب في قدر الحساء" فالتهبت الأكف بالتصفيق. فكّرت للحظة في معنى المثل، وعلاقته بالسياق، أين نقطة المفارقة؟ أو الحكمة في تأخر الأرنب عن الطماطم في النضج؟ جلست أقلّب الجملة على عدة وجوه، ولكنني سرعان ما شعرت بالخجل، أن فكري انصرف بعيداً عن بهجة المواطنين وإعجابهم بأقوال القائد، لذلك شاركت الآخرين فرحتهم بتصفيق حار، من القلب. أتراه بدأ يدب في جسمي وفي عقلي.

   إن الكحول، الذي هو في العادة مصدر بهجة، قد يجرّ الشخص المبتدئ إلى أخطاء جسيمة، لأن التنبه إلى الضوابط الوطنية يحتاج إلى يقظة حادة، هذه المسألة غابت عن ذهني تماماً حين خططت لهذه الليلة المشؤومة، أفتراني سقت نفسي بقدمي إلى كارثة غير محسوبة؟. إنه مأزق، وحفرة عميقة.

   أصبحت القاعة الآن أشبه بمدينة خيم عليها الضباب. المصابيح غشيها الدخان فضعف نورها، أحاديث الشاربين ارتفعت قليلاً بعد أن أنهى السيد الرئيس خطابه. من زاويتي المعزولة كنت أراقب كل حركة في القاعة من دون أن أميز شيئاً، ملتزماً وحدتي، درعي المتين الذي قررت الكمون خلفه، دون الاستجابة إلى حديث مع أي كان. هذا الانزواء بدد المخاوف السابقة، وأشاع في نفسي الاطمئنان، اطمئنان أثيري، لذيذ، بدأ يطوف في رأسي، ثم... ثم هبط ثقيلا على معدتي، تحوّل إلى غثيان تقلصت له أمعائي، واندفعت أبحث عن الحمام بلا وعي، وهناك قذفت كل ما في جوفي.

   لست بسكران، هذا ما أدركه بيقين، إلاّ ن الغثيان داهمني، وحين عدت إلى القاعة ظلت أنظار الزبائن تجلدني باحتقار.

   في الشارع عادت أمعائي تندفع بسخط إلى فمي، فتقيأت مرة أخرى، وعندما وصلت البيت، ارتميت على الفراش في حالة أليمة من الانسحاق، وبعد لحظات كان الدوار يعصف برأسي، يؤرجحه، ويهبط بي إلى هاوية عميقة، فيحتد شعوري بالغثيان والاشمئزاز. إن أمعائي تصطخب وترتفع إلى أعلى، رغم أنها خاوية، خواءً ثقيلاًً معذّباً. نهضت، اتكأت على باب غرفتي، خفت اشد الخوف. لو استيقظت الوالدة على زعيق التقيؤ فستصاب بالهلع، ونقضي الليل في الأسئلة والأجوبة والتطمينات ووصفات العلاج، لم استطع المقاومة.. كممت فمي بيدي واندفعت نحو الحمام، وهناك تقيأت الزفرات. إنها حالة مرعبة.

   رجعت وارتميت على الفراش فعاد الدوار إلى لعبته المزعجة، ثم سمعت خطى وئيدة وصوت أمّي يسأل بخفوت، هل أنت مريض؟ كانت تقف ظلاً كبيراً على جانب الباب. ولكنها بقيت في مكانها تردد الأسئلة، فنهضت لأطمئنها، ولكنني وجدتها هي الأخرى تتقيأ، شعرت بحزن كبير، ثم لاحظت كتلا كثيفة تخرج من فمها بلا انقطاع، وظهر منها وجه غريب، أدهشني، وكان المطر ينهمر علينا، فابتعدت متراجعاً، ولذت بأشجار متشابكة، تضرب بها بروق وانفجارات ضوئية عنيفة، وبدأت أسير في ارض موحلة، هناك حيوان غريب ميت يثير التقزز. وقفت فوقه ثم ركضت وأنا أشعر بثقل مزعج في ساقي، يتبعني نباح حاد، كلما التفتُ أرى كلبين في غاية الشراسة، يوشكان اللحاق بي، كانا قذرين، بأسنان دامية، لا يتوقفان عن الركض والنباح، كنت نهباً للخوف والشعور بالاشمئزاز، اختفى النباح، إلاّ أن ساقيّ ما زالتا ثقيلتين، مرهقتين، يحيط بي ليل حالك. ماذا تفعل هنا؟ كان السيد القائد نفسه، يقف وسط طريق ضيق، معتم، تلوح الانشوطة بيده، مضيئةً، مقمرة، هي وبقية الحبل. وقفت خائفاً، لا أجرؤ على التقدم، وغير قادر على ضبط توازني، ماذا تفعل هنا؟ نفس الصوت، المبحوح، اللجوج. سكتُ، يعذبني إحساس مقرف، استدار هو ومشى ببطء منتظراً مني اللحاق به. ركضت من غير أن أتحرك من مكاني، وعاد الكلبان ينبحان، كان أحدهما قريباً مني، مقطوع الرأس، يتقافز في ظلال حمراء. سقطت على الأرض ورحت ازحف على ظهري، متراجعا إلى الخلف جهد الإمكان، والسيد القائد، من على غصن يمتدّ بعيدا عن شجرته، يسقط علي أحجاراً سوداء، في الحقيقة عقارب سوداء، تنساب بأرجلها المسننة على عنقي، كنت ازحف دون جدوى، هلِعاً، يضايقني جفاف كاوي يحرق فمي، وتقبض حاد في أمعائي، ثم نهضت بعنف، جلست على السرير مبهور الأنفاس، أمسح العرق عن رقبتي، وفي معدتي يصرخ العطش.

   يبدو أن أمي قررت التخلي عن صمتها في النهاية، بعد أن نفد صبرها وهي تراقب من بعيد، فعزمتْ على التدخل، لانقاد حالة ابنها من المزيد من التدهور في أحد الأصباح جلست تنتظر، في نفس المكان الذي أحتسي فيه كوب الشاي قبل التوجه إلى العمل، وقبل أن أجلس قالت بلهجة قاطعة:

   ـ آن لك أن تتزوج يا ولدي.

   في الفترة الأخيرة كانت أحوالي قد ساءت بشكل ملحوظ، الأرق والسهر والفزع تكاتفت على صحتي، خلفت هزالاً في جسمي وشحوباً في وجهي لا يخفيان على أحد. كنت اقضي النهار شارداً، يطوحني النعاس ماشياً كنت أو جالساً، وأصبح الموظفون في المكتب يتهامسون، ويناقشون خفيةً لغز هذا الانهيار الذي ينال من عافيتي يوماً بعد يوم، والذي انعكس على أدائي في العمل.

    منذ شهرين بدأ زملائي في المكتب يكتشفون خطأ ما في كل رسالة استنسخها، وهو أمر ملفت ومعيب. وقبل أيام وجد أحدهم ثلاثة أخطاء، في رسالة طلبها المدير شخصياً، وهذا شيء مريع، أشاع الرعب في نفسي، وكانت الوالدة قد لاحظت، بعين مدققة، موت شهيتي، ثم الانحطاط التدريجي في صحتي، لذلك قررت الخروج عن صمتها، وإذ كانت تسمع أو تحسّ حركات ليلي المضطرب، فقد عزت كل شيء إلى الحرمان.

   كنت اجلس في الفراش أول الليل، أشغل نفسي في قراءة مجلات تافهة لمقاومة النعاس، وعندما اشعر بالتعب وينفد جهدي أنهض، أتحرك في الغرفة، أجلب قدح ماء من المطبخ، أراقب وأعد الأثاث، أفتح الراديو وأستمع إلى وشوشة الإذاعات البعيدة، أرطّب وجهي بمنديل مبلل، وأحسّ عينيّ ثقيلتين مثل الرصاص، إلاّ أنني أقاوم ما وسعتني المقاومة، لأنني أصبحت أخاف النوم، أقاوم ولكن الليل طويل لا يرحم. أتحرك، اخترع أسبابا لليقظة، ولكن ما إن أغفل حتى اسقط في النوم.. ويتلقفني الكابوس، استيقظ من جديد مع آخر آثار الهلع، ألهثُ لفترة، التقط أنفاسي، وأعاود التحرك والتقلّب على الفراش لمقاومة النوم بكل ما تبقى من قواي المتهالكة، وفي كل مرة أنظر فيها من النافذة تلوح لي الظلمة، عميقة، ساكنة، بينها وبين الفجر ساعات لا تنقضي. في تلك الفترة اصبح الليل كله ضالعاً في تعذيبي.

   لو أن فكرة الزواج جاءت في ظروف أخرى، لكنت سعيدا بالعرض الذي قدمته الوالدة، ولكن... الآن؟ ماذا ستقول زوجتي إذا اكتشفت قصتي؟ كيف ستفكر؟ ماذا تظن، وكيف تتصرف؟ الحل الوحيد هو صرف والدتي عن الموضوع، بهدوء، وبطريقة لبقة، إلاّ أنها لزمت لهجتها القاطعة:

   ـ أصبحت بحاجة إلى امرأة ترعاك، ولا يصح تأجيل الأمر أكثر ممّا تأجل.

  ـ السنة القادمة نبحث هذا الموضوع، أعدك بذلك.

   ـ من قال إني باقية إلى السنة القادمة، اليوم أبحث الأمر مع عمك، ونرتب للزواج في مطلع الشهر.

   قلت لتشتيت المسار الجاد الذي تندفع إليه أمّي.

   ـ لا يمكن الإقدام على الزواج بهذه العجالة.

   ـ لن نطرق أبواب الغرباء، هي إحدى قريباتك، والزواج  بين الأقارب يتم على هذا الوجه.

   ـ أنا يا أمي غير مهيأ للزواج في الوقت الحاضر، افهمي كلامي.

   ـ المرأة تكمل حياة الرجل وتزينها، هذا الذي أفهمه.

   إنها لا تذكر أثناء الكلام، لياليّ المسهدة، ولكني أدرك أنها تفكر فيها وهي تجادل، تشير إليها مداورة فتضرب مباشرة على الوتر.

   ـ في الثلاثين، وبلا امرأة تسهر عليك، وبعد؟

   لقد هيأتْ حججها وردودها منذ مدة طويلة، فلن تجدي المحاججة، المخرج الوحيد هو إيقاف النقاش عند هذا الحد، لأن فكرة ملحة، فكرة كبيرة، تشغل رأسي منذ غداة أمس ويجب تنفيذها اليوم، لذلك طلبت إرجاء الحديث إلى وقت آخر، متعذرا بأن وقت الذهاب إلى العمل قد حان.

   إن وقت الذهاب إلى العمل قد حان فعلاً، بل جعلته يضيق عن عمد، لكي أقطع المسافة بين البيت والمكتب مسرعاً، حاصرا رؤيتي بأرض الشارع، غير ملتفت إلى ما حولي من بشر وجدران وأعمدة وأبواب، حتى ينطح رأسي الآلة الكاتبة التي اعمل عليها كل يوم.

   بعد ظهر أمس فقط جاءتني الفكرة، ويمكن القول أنني التقطتها من الشارع، بمحض الصدفة. كنت مارا حين سمعت طرفا من حديث بين شخصين، ينتظران فسحة بين السيارات ليقطعا الشارع إلى الجهة الأخرى، قال الأول:

   ـ الكرّاء يحلم بالبغل، والحائك بالإزار.

   ردّ الثاني مؤيدا.

   ـ أحسنت، في هذه الحدود يفكّر أخونا شهاب.

   واصلت طريقي، دون أن أفكر في حوارهما، إلاّ أن كلمة "يحلم" استوقفتني بعد خطوات، فرحتُ أتأمل في معنى المثل، الحائك يحلم بالإزار لأسباب عديدة، بينها كثرة مشاهدته للإزار، نعم، هذا الشيء مُذ يبدأ نتفة صغيرة بين يدي صانعه، إلى أن يتسع ويمتد، يشكّل المحيط الوحيد لرؤية الحائك، والحال واحدة مع الكّراء، إلاّ أني تجنبت الغوص عميقا في أمر الكرّاء والـ....، إن الفكرة التي واتتني في تلك اللحظة، والتي اخترقت ظلمات حياتي المحطمة مثل شمس غير متوقعة، هي أن الابتعاد عن رؤية صور السيد القائد، قد يخفف من زياراته الليلية اللجوجة، ولكن المشكلة التي انتصبت أمامي، مثل مهرج يمد لك لسانه المصبوغ: كيف يمكن تجنب آلاف الصور المعلقة على كل واجهة ظاهرة للعيان في المدينة؟

   تركت أمي على حالها، منهمكة في إعادة ترتيب حججها، واندفعت إلى الشارع، أحنيت رأسي بقوة، وثبّتُ عيني بالأرض حالما اجتزت عتبة الدار، ومضيت، مصمماً وبعناد، تحاشي، أو التفكير، في الصور التي كنت أراها كل يوم في طريقي.

   ليس هناك من جدار، أو عمود، باب دكان، جانب سيارة، مدخل بناية، واجهة مسرح، واجهة كباريه، عربة نقل، لا توجد عليها صور للسيد الرئيس، ومنذ سنتين نصبوا سقالات وسط الطريق، ترفع صوراً كبيرة للقائد يلوح بيده، أو يبتسم، أو يفكّر، أو يخطب متوعدا الأعداء، كلها تحدّق في المارة عيناً بعين، وتتكاثر الصور مع كل مناسبة جديدة وفي الأحداث الجسام تصاب المدينة بحمى إلصاق الصور، فتُملأ الفراغات المتبقية وتختفي ألوان الحيطان والأبواب، وتُستغل جذوع الأشجار، فيصبح وجه المدينة صورة واحدة مكررة لشخص السيد القائد.

   قطعت مسافة مهمة من الطريق، على حالتي العنيدة في الإطراق، لا أرى سوى الأقدام تتسابق، قادمة نحوي أو مبتعدة عني، أقدام رجال، نساء، أولاد صغار متوجهين إلى المدارس، أحذية جديدة ومهترئة وملمّعة وأخرى وسخة. صباح مليء بالأحذية.

   في الشوارع القريبة من وسط المدينة، حيث يكثر الزحام في هذا الوقت، بدأ كتفاي يرتطمان بالمارة، كنت أسارع بالاعتذار من دون أن أرفع رأسي، أو أتلقى شتيمة أسرع من اعتذاري، وأحيانا أشعر أن شخصا ما وراء ظهري، يقف حانقاً مكشرا، بعض ضربات الكتف تقهقرني إلى الخلف، ولكني أواصل سيري غير مكترث بشيء، اشق طريقي بصعوبة، أزوغ عن الحيطان والأماكن المرتفعة، حابساً حتى طرف عيني عن الرؤية، مع ذلك التقت أنظاري بأنظار السيد القائد أكثر من مرة، لأن أية التفات صغيرة تضعك وجهاً لوجه أمام صورة ومن الصدف الغريبة، أن مجموعة من الشيوعيين، وقوميين، ونهضويين، ووجوديين، ويمينيين، ومتدينين يدعون إلى التمسك بأهداب الدين، ومستقلين، وملاحدة، ونقابيين من سائقي الشاحنات وسماسرة الدور، قرر السيد القائد أمس زجهم في السجون ليحمي الوطن من خطرهم وبلائهم، فألهبت الخطوة الجديدة شرايين العاصمة بالحماس، ودارت المطابع دورتها غير المعتادة، لتُخرج قبل مطلع الفجر ملايين الصور الجدية، زُيّن بها وجه المدينة المثقل، حتى قبل أن يجف الحبر على الورق، مع ذلك لم يحبط الهياج الحديث للصور من عزيمتي، لقد قطعت شوطا كبيرا، وكنت أتلمس طريقي من خلال الإسفلت وحواف الأرصفة، لم يبق بيني وبين المكتب إلاّ خطوات معدودة. إنها المرحلة الأكثر يسراً.

   هناك صورة هائلة على ارتفاع أربعة طوابق على الجدار الشرقي للبناية، تحاشيتها بسهولة إذ تسللت من الشارع الخلفي، وصورة كبيرة على باب البناية انحنيت كثيراً دون أن أراها، وصورة تنتصب مباشرة فوق رأس موظف الاستعلامات، أشحت عنها بلباقة من غير أن يلحظ أحد، وصورة مخصصة للمراجعين كانت بعيدة عن طريقي في الأساس، وثلاث صور في رواق قصير يتوزع منه الموظفون إلى مكاتبهم أغمضت عيني نصف إغماضة وأنا اقطعه، وصورة على الجدار، أمامي وجها لوجه، حيث أضرب على الآلة الكاتبة، وتحاشي هذه الصورة يعد أكبر مأزق يهدد تجربة هذا النهار.

   إن الله وحده، وأنا، كلانا فقط نعرف ما قاسيته اليوم من آلام في رقبتي، نتيجة ثمانية ساعات من الانكفاء الشديد، المثابر، على الأوراق والآلة الكاتبة، وسط حيرة وتساؤلات واندهاش وسخرية الموظفين والموظفات، الذين يعملون معي في نفس الغرفة. مع ذلك فإن السيد القائد اقتحم ليلي كالمعتاد، يقود جوقة من الحيوانات البشعة، ذئاب وكلاب مسعورة وضواري برؤوس شيطانية وخفافيش ضخمة، وجرني إلى كهف معتم، وسط أبخرة ساخنة، بينما الحبل يتلوى ويتمغّط في يده.

   ليس هناك من حلّ، ولا يوجد أمل، اليوم، 15 إبريل، وقفت أمام المرآة ساعة كاملة، أبحث في وجهي عن ملامح وجهي القديم، وفي النهاية شهقت من الفزع. عينان غائرتان، وجنتان صفراوان بارزتان، أنف هزيل، فم عظمي يحيط به جلد منكمش رقيق، وشعر خشن منفوش، ونظرة ميتة.

   اليوم 15 إبريل، أدركت أني بلغت أدنى درجات الهزال والضعف، وأنني على حافة سقوط نهائي، وأن افتقاري إلى الشجاعة بلبل مصيري، وأقعدني عن معالجة الأمور بتبصر، وأنني قصّرت حتى في الدفاع عن نفسي أمام نفسي، حيث قضيت الأشهر الثلاثة الأخيرة معتكفاً في البيت، بعد أن طردوني من العمل، ابحث بغباء عن الخطيئة التي ارتكبتها وقادتني إلى حافة القبر، ملتصقاً كل الوقت بالزوايا والمخابئ الصغيرة، هرباً من دموع ونظرات أمي، التي ظلت ترعى وتراقب من بعيد ذبولي البطيء، وهي منطوية على حزن وحيرة عميقين.

   اليوم، أدركت أن الخوف أسوأ أنواع العمى، وأن الإنسان حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بمقدوره أن يحرك ساكنا، أو يصرخ، أو يلعن، إلاّ أني فوّت كل الفرص، وهي الآن فقط تبدو لي ثمينة ولا رجعة لها، وأنني أجلس في هذه اللحظة مهدم القوى، أنظر بحسرة إلى أسلحة ما عاد بإمكاني استعمال أي منها، وأن شيئاً واحدا تعلمته من هذه التجربة، التي قادتني على مهل إلى مصير تعس، وهو أن الإنسان بحاجة إلى أحلام كبيرة وخيالات صاخبة، لكي يمّر في هذه الحياة بشرف.

   بعد الظهر، خلعت عني البيجامة وارتديت إحدى بدلاتي القديمة، رتبت ما يمكن ترتيبه من شعري، ثم وقفت وسط باب غرفتي، وحين رأتني الوالدة شاع على وجهها المنهك إشراق حزين، قلت:

   ـ أنا ذاهب إلى الطبيب.

   لم تنبس بكلمة ولم تغير من جلستها، فخرجتُ.

  لم تكن المسافة طويلة، إلاّ أنني بدأت ألهث بعد خطوات، جمعت كل شجاعتي وما تبقى من قواي المحطمة كي أصل واقفا على قدميّ، الشوارع خالية من الناس، أو أنا عاجز عن رؤيتهم أو الاكتراث بهم. فكري وذاكرتي يحسبان ما تبقى من الطريق.

   وقفت ثلاث مرات التقط أنفاسي على سلم البناية، في الطابق الأول دفعت بهدوء باباً موارباً وجلست بين بضعة مرضى ينتظرون بصمت.

   قلت للطبيب إنني موظف اضرب على الآلة الكاتبة، سجلي مشرف في المواظبة، المدير يكلفني بالأعمال الهامة  والعاجلة، علاواتي السنوية تصل بانتظام، على وفاق تام مع زملائي في المكتب، بلغت المرحلة قبل الأخيرة لدرجة رئيس قسم، اقضي إجازاتي داخل البلد، لا أدخن، أعود مباشرة إلى البيت حين انتهي من العمل، اقرأ قليلاً، علاقاتي مع أقربائي طيبة، وحين لاحظت أنه بدأ يشعر بالضيق أجملت الأمر دفعة واحدة وقلت إن نومي مضطرب، قال:

   ـ كيف هذا؟

   ـ إنني أعاني من الأرق، ولا يأتيني النوم.

  ـ ماذا افعل لك، أنا أيضاً أعاني الأرق ولا يأتيني النوم!

   نهضت من الكرسي وهبطت السلم ببطء، قطعت نفس الطريق، كان لهاثي يسرع كلما اقتربت من البيت.

   تمددت على الفراش فترة من الوقت إلى أن هدأت أنفاسي، ثم وقفت متهالكا، أخلع ثيابي وأرميها كيفما وقعت، جلست متربعا في السرير، انتظر النزع الأخير، عاريا.