الكتابة وحيّـز النشر

 

  لماذا يعيد المرء نشر نصوص سبق أن نُشرت في الصحف أو المجلات؟

   هذا السؤال أول ما تبادر إلى ذهني، حين عُرضت عليّ فكرة اختيار مجموعة من النصوص لنشرها في كتاب، لأنني لست ممن ينبهر بالأشياء قبل البحث عمّا يكمن راءها من معانٍ، أو ما يسوّغها من منطق، فالكثير من النصوص يعاد تقديمها للقراء في كتبٍ لأسباب تتعلق بمنزلة أو نفوذ الذين كتبوها، وبعضها يجسد فكرة منهجية عندما يوضع في سياق واحد، وقسم ينطوي على قيمة فوتوغرافية بحتة، لمّا يشتمل عليه من صور تاريخية، تتكرر فيها شخصية الكاتب، يحيط به الزعماء والسياسيون الكبار، وهم يبتسمون في انشراح عظيم قبل أن يردوا على أسئلته الصحفية المجاملة، وبعض هذه النصوص يبحث عن الخلود مرتين، مرّة على صفحات جريدة، ومرّة في صفحات كتاب مدفوع الأتعاب، حيث عمّمت أغلب دور النشر العربية تقليداً "طريفااً"، وهو أن تغتني مما يدفع لها الكتّاب من أجور طباعة وتوزيع، مقابل نشر نصوصهم، وليس العكس، ولهذا أسبابه أيضاً.

   وقسم من النصوص يمثل حصيلة عمر بأكمله، فلماذا لا ينتقل من الجريدة ليستقر في كتاب، قد تُكتشف أهمية مضامينه في زمن لاحق، وقسم آخر يُطبع لكي يوزّع منه الكاتب بضع نسخ، تُشبع في نفسه رغبة خاصة، هي دائماً أكبر من ثمن الطباعة مهما غلى، ونصوصي لا تنتمي، فيما يتعلق بفكرة إعادة النشر، إلى جميع هذه الأسباب، فهي تُنشر من جديد فقط لأنها تعرضت إلى التقطيع، وقد جعلها هذا التقطيع مبهمة أحياناً، ومتعثرة السياق في أحيان أخرى، وتنقصها تفسيرات جرى التلميح إليها في البداية، واختفت منها جملٌ قد لا يسبب اختفاؤها ثلمة واضحة بالنسبة للقارئ، بيد أنها تمثل مركز قوة لفكرة الموضوع الرئيسية، وكل هذا يؤثر لا محالة على المستوى البلاغي لبعض النصّوص، أو يحجّمها، خاصة عندما تكون بحثاً طويلاً يسعى إلى معالجة كل جوانب الموضوع. ولن أدّعي أنني ضحية مستهدفة من قبل مقاص الجرائد ومحرريها، أو أن أفكاري تُفزع، بجرأتها، شجاعتهم، لأن أغلب هذه النصوص ظهرت في جريدة "الحياة"، التي عُرفتْ بجرأتها في التعامل مع الأفكار والمعلومات، وأغلب محرريها أصدقائي، غير أن نتائج التقطيع تظل واحدة، وأسبابها كثيرة، أبرزها "ضيق المجال"، وهذا قانون قديم ولعين في الصحافة، منذ قررت أن تطبع على الورق، ولن تستطيع حياله شيئاً، خاصة عندما يتلطّف عليك المحرر ويخبرك أن الصفحة ضاقت بمقالك، وهو مضطر إلى حذف أجزاء منه، فلا يسعك إلاّ الموافقة، فتمنحه، ردّاً على تلطّفه، حرية التصرف.

  ويختلف التقطيع في أسبابه وحجم أثره بين مطبوع وآخر، وبين صفحة وأخرى، فمحررو الصفحات الأدبية، خاصة ذوي الخبرة الطويلة، يمتازون بالشاعرية في اختيار العناوين، والقدرة على تصيّد الفقرات الغامضة، وملاحظاتهم، حين يسمح وقتهم، مفيدة في الغالب، سواء رضينا عنهم كأشخاص أو سئمنا من تدخلهم، وتقطيعهم موضعي، شأن جراحي القلوب.

  أما محررو الصفحات السياسية، فأن شفراتهم حادة القطع، خاصة المتحزّبين منهم، أو الليبراليين المتحيّزين لوجهة نظر واحدة، أو أولئك الذين تدين الصحف التي يعملون فيها بالولاء لدولة معينة، فهم يعتبرون كل رأي خاطئ، ما دام يختلف، ولو جزئياً، مع موقفهم، أو لا يدور ضمن أفق تفكيرهم، لذلك يستحسنون إبعاده، حتى لا يقلق ذهن القارئ، أو يثير لديه الأسئلة، وهم في الأجمال لا يحبون العناوين الأدبية، ويفضلون عليها التعبيرات  السياسية المكررة، التي تذهب مباشرة نحو عاطفة القارئ التي تعودت على التلقي، وجميعهم متمرسون في القراءة بين السطور، وتقطيعهم مفصلي، شأن القصابين، ويستيقظ حرصهم على مساحة الصفحة ما أن يمرّ تحت أنظارهم رأي مغاير، أو حقيقة جديدة، وبعضهم تؤثر علاقاته خارج العمل على قلم التشطيب الذي يستعمله. مع ذلك، ما دام المحررون اختاروا هدفهم فلن يلومهم أحد على مضاء سكاكينهم، ولا على طريقتهم في العمل، لأن العادة في المنطقة العربية أن يضع كل شعار سياسي، قومي أو طائفي أو أممي، ذاته وأدواته وراء متراس من الخوف والشكّ تجاه الآخرين.

  بيد أن التقطيع لا ينتج عن هذه الأسباب وحدها، إذ قد تقفز عيون المنضّد على سطر، أو فقرة كاملة، دون أن ينتبه المصحّح إلى ذلك، وهذه لعنة أخرى لن تسلم منها النصوص، ولن تجدي معها الشكوى، ولأن علاقتي بالصحافة والكتابة بدأت مبكراً عام 1964 حين عملت كمصحّح في جريدة سياسية يومية، فأن هذا التقطيع أشبه بلعنة قادمة من الماضي على هيئة شبح منتقم، فقد كنت أستهين بالبروفات التي تمرّ بين يديّ، ولا أمنحها العناية التامة، وأحياناً أسخر من أسلوب المحررين التقليدي في الصياغة، وعندما يبدأ النعاس يُثقل أجفاني في الساعات الأولى من الصباح، تكتسحني قناعة لجوج مفادها أن ظهور الأخطاء المطبعية في كتاباتهم لن يسيء إلى مستواها، وكانت فترة الشباب الغابرة تقف إلى جانبي، إذ تمنحني الشجاعة على مواجهة الأمور بأعصاب قوية حين تبدأ الشكاوى في اليوم التالي، ويحمل المحررون الجريدة، مطعونة في كل جزء منها بالخطوط والأقواس الحمراء، تعيّن أماكن الأخطاء وتثبت أسماء الدول ورؤساء الوزارات الأجانب الصحيحة وحالة الفاعل ومصير حرف العلة بعد الجرّ، فأقلبُ شفتيّ بأسف بارد وأضع اللوم، من دون تشديد، على تأخر المحررين أنفسهم في تقديم المواد إلى عمال المطبعة.

وأسوأ التقطيع ذلك الذي يقتصّ من الهوامش، وهي كلما قلّ عددها ضعفت دفاعاتها تجاه قلم التشطيب، فإذا أفلتتْ رِقابها من انتباه المحرر، وقعت في قبضة المصمّم، حيث تنتهي في هذا القسم أهمية المادة كأفكار، وتُحسب قيمتها بالسنتيمترات، فيغدو حرص الكاتب، فيما يتعلق بالإشارة إلى أقوال الآخرين الواردة في نصه، أشبه بصراخ غريق أخرس في محيط هائل، وكثيراً ما يقف المحررون في حيرة أمام كتابات قصيرة مذيلة بهوامش أطول من النص، ثم يختارون، في كل مرّة، العمل على المتن، وترك المذنب "الفكري" يأخذ مداه.

  والشكوى من التقطيع ليست عادلة في جميع الحالات، لأن التحرير، كمفهوم، يعني العمل على المادة لتشذيبها من الزوائد وإبراز فكرتها الأساسية ضمن مواد الصفحة الأخرى، وفي الغرب يُعتبر التحرير (EDITION) وظيفة مهمة، يمارسها أشخاص موهوبون يلمون بعدة لغات وثقافتهم واسعة، تعتمدهم الصحف و دور النشر لمعالجة النصوص بعد الاتفاق مع الكاتب على طبعها، وتعوّد الكتّاب الغربيون على مرور نصوصهم على أيدي المحررين (EDITORS)، ورغم أن كل الكتّاب العرب، بدون استثناء، حتى الذي قَصُرتْ خبرته في الكتابة، يعتبرون كل سطر في نصوصهم ذا قيمة فكرية خطيرة، ولن يجادلهم أحد في هذا الأعتقاد،  إلاّ أن الحشو سمة لازمة في كتاباتنا، ولو عملت أيادي المحررين الممتهنين (EDITORS) على نصوصنا، لوفر العرب ملايين الأطنان من الورق والحبر...والوقت، مع ذلك فأن بعض التقطيع قد تتحكم به نوايا غامضة يستفيد منها المحرر وحده، أو تحيّز شخصي بالنسبة لتوزيع حصص الصفحة، أو، وهذا أبشع أنواع التقطيع، رغبة في تغيير وجهة الموضوع ليخدم هدفاً لم يفكر به الكاتب على الإطلاق. وقد تفوق اليسار العربي في هذا المجال على اليمين، فهم ينشرون حتى نصوص أعدائهم الحميميين، لكن بعد أن يزيلوا منها النقد الموجه إلى الاتحاد السوفييتي، لتظهر أخطاء "العدو" بوضوح الألعاب النارية، بينما تختفي مساوئ "الصديق" وراء غمامة من التعتيم، والشيوعيون العرب لا يهمهم أن يكون الكاتب ضحية تصرف شائن، بقدر ما تسيطر عليهم رغبة محمومة في أن يبقى وجه موسكو ناصع البياض، في الصيف وفي الشتاء، لذلك عندما يتشكى الضحية ينطلق ضده الصراخ من كل مكان، وتتحوّل بيوت الشيوعيين، خلال لحظات، ورغم تباعدها، إلى خلية نحل واحدة، تئز وتئن في صوت واحد يضج بالنواح، وبهذا يكون الشيوعيون قد طوروا مفهوم المكان في الغيتو التقليدي، على الأقل.

  وعلى العموم، الحرية في التعبير مسألة صعبة على الدوام، حتى في الغرب، وهي في المنطقة العربية محفوفة بالعديد من الجدران المكهربة، وكلما زادت المشاكل  وكثرت الرغبة في الكلام، ضاقت السبل بوجه النص، ولا يعني هذا أن الجميع طغاة، أو مكممو أفواه، لكن هناك شيء لم ينضج بعد، ما زال يمدّ ذراعيه الطريتين في كل اتجاه، وببطء، يتلمس التربة ليعتاد المحيط من حوله، وأعني به الحرية، والحرية هي القدرة على إبداء الرأي، والقدرة على سماعه. فالكم الهائل من أدوات الرأي العربية، من صحف ومجلات وإذاعات ودور نشر، تؤكد وجود تشظي في الآراء أكثر مما تقدم إمكانيات متنوعة للتعبير، وتشير إلى تشوش في الفكر، وبحث تجريبـي مضطرب عن خلاص، هو ذاته (الخلاص) غير واضح السمات، وفي الأحوال المضطربة يبدو أن مفهوم الحرية ينقلب ضد نفسه، فتصبح كثرة الكلام فساداً في الرأي، أي بلبلة، محض بلبلة، فينشط قلم المحرر في التقطيع، ولن يلومه أحد على هذا.

  لكن، لو كان عدد قليل من الصحف، يلتزم مستوىً معيناً من الكتابة، يؤسس لقيم أدبية وفكرية وإعلامية واضحة، لما ضاق حجم الصفحات بالنصوص الطويلة.

  كلمة أخيرة يمكن إيرادها، لتضاف إلى ركام الكلام الذي قيل في العرب وعنهم: إن علاقة الشخصية العربية، والشرقية بشكل عام، بالأشياء علاقة تعبدية وليست جدلية، فالشرقي يتعلق بالأفراد (الزعماء) لذاتهم وليس لأفكارهم، وبما أن هؤلاء الأفراد، لسوء حظ الشرقي، لا يعودون إلى الحياة، ولو لمرة واحدة، ليعيدوا النظر في شعاراتهم وخصوماتهم القديمة، تظل تلك الشعارات راكدة في ديمومة أبدية مهما جلبت للبشر من شقاء، وجميع الإضافات التي يقدمها الشرقي لمبادئ أجداده، هي أفكار تكتيكية تهتم بالأسلوب، من غير أن تمس جوهر الشعار وعلاقته بالزمن، ووراء ذلك تكمن نزعة إتكالية مدعومة بالعناد، لا ينتج عنها إلاّ الأزمات، وهذا واحد من أسباب تشظي الآراء، وبلبلتنا إزاء أي مشكلة عامة تهدد حياتنا أو جانباً منها`